آراء وافكار
2017/11/04 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1221   -   العدد(4058)
تعديل قانون الأحوال الشخصية النافذ بين الشرعية الدينية والمشروعية الدستورية
تعديل قانون الأحوال الشخصية النافذ بين الشرعية الدينية والمشروعية الدستورية


 عباس العلي

أثارت المحاولات العديدة التي تجري على قدم وساق من قبل السلطة التشريعية في العراق والتي يهمين الإسلاميون عليها بمختلف طوائفهم الكثير من اللغط والجدل، بين من يظن أن هذا التشريع يمثل استجابة لما يطرحه الدستور من أن التشريع الإسلامي مصدر أساس من مصادر التشريع ونصوص أخرى، وبين من يرى فيه محاولة إلى طلبنة الشعب العراقي وإعادته إلى عصر الجواري والإماء والسبايا، ولا بد لنا من وقفة بحثية علمية وفقهية دستورية وشرعية للبحث في مواقف الطرفين من القضية بناءً على ما في الدستور النافذ الذي أحال القضية للتشريع الإسلامي ومن ثم البحث في أسس وقواعد هذا التشريع للبحث عن الركائز التي استند إليها مشرعو هذا التعديل وداعموه.
لو عدنا أولاً للدستور العراقي لعام 2005 في المادة الثانية منه التي تنص على (أولاً: الاسـلام دين الدولــة الرسمي، وهـو مصدر أســاس للتشريع)، فقد أحالت الفقرة أولاً من المادة أعلاه مصدرية التشريع الأساسية إلى الإسلام، بمعنى أن مبنى الإسلام اللفظي الذي لا بد منه أن يمثل جامعاً مشتركاً بين مواطنيه، ولم يمنح هذا الحق لمجموعة دون أخرى في تمثيل الإسلام، فلا الفقه الجعفري ولا السنّي ولا أي موقف منفرد ومميز في حدوده الخاصة يمكن أن يمثل الإسلام، وبالتالي لا بد من الرجوع في تحديد القيمة التوصيفية إلى المشترك العام وهو القرآن الكريم والسنّة الصحيحة التي تعزز من صحيّتها من خلال تطابقها مع مفاهيم القرآن الكريم.
وفي نفس الفقرة أولاً من المادة (2) من الدستور هناك ثلاثة اشتراطات تتعلق بتطبيق الفقرة وهي:
أ ـ لايجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت احكام الاسلام .
ب ـ لايجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية .
ج ـ لايجوز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الاساسية الواردة في هذا الدستور .
وهذا يقودنا إلى نتائج عملية وفقهية منها:
•التأكيد على حصر مفهوم الإسلام بالثوابت فقط دون أن يترك الباب لكل رأي أن يدّعي حصرية تمثيل الإسلام، فالثابت الإسلامي هو ما لا يمكن العمل بخلافه من كل من يؤمن بالإسلام سواء أكان على مذهب ما أو على تقليد جهة ما، فعندما نشرع قانون أحوال شخصية لعموم مجتمع فيه المسلم وغير المسلم وفيه السنّي والشيعي وفيه المؤمن والملحد، لا يجوز أن نستند في هذا التشريع إلى أراء الفقهاء أو ما ترتبه المذاهب الدينية الإسلامية من أفكار، والواجب التشريعي بموجب الدستور أن لا ينجر إلى مخالفة صريحة للعقد الأجتماعي الجامع (الدستور) وأن لا ينحاز لمذهب أو رأي فقهي باعتباره يمثل الإسلام.
•الشرط الثاني لتطبيق مبدأ أساسية الإسلام كمصدر للتشريع، هو أن لا يتعارض مع مبادئ الديمقراطية، ومن أول مبادئ الديمقراطية هو حق الخيار لمن بلغ الثامنة عشرة من العمر، وأن الجميع متساوون أمام القانون، وأن لا يُفرض معتقد ديني أو فقهي على الناس دون أن يتم من خلال الاستفتاء عليه إن كان صالحاً وسليماً من جهة الدستورية اللازمة، فعندما نفرق في التشريع المقترح بين الأهلية الشخصية القانونية بين فرد وفرد، فإننا نخرق الديمقراطية، وأن نمنح حقاً مضافاً لفئة من الناس تبعاً للجنس أو الدين والمعتقد، فهنا ندوس على أسس الديمقراطية، وعندما نتجاوز حقوق الإنسان الأساسية المشرعة، فنحن بذلك نرمي الديمقراطية خلف ظهورنا.
•الشرط الثالث والأهم هو أن لا يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية التي سطرها الدستور ذاته، وهذه الحقوق والحريات تشكل منظومة الحماية الأساسية للوجود الفردي، وإذا ماتم تجاوزها بتشريع ما، فإننا بذلك نعطّل الدستور ونجعل الواقع نوعاً من الديكتاتورية الاستبدادية التي لا تحترم سقفها التي تعمل تحته، وهذه الحقوق والحريات منصوص عليها في الباب الثاني من المادة 14 لغاية المادة 46 وهو أكبر الأبواب في الدستور وفيه جملة من الحقوق والحريات الأساسية التي لا يجوز انتهاكها ولا الالتفاف عليها أو مخالفتها تحت أيّ ذريعة بما فيها ما ينسب إلى الإسلام كدين، ولا بد لنا أن نشير إلى بعض المخالفات في مشروع التعديل لهذه الحقوق والحريات الأساسية.

1.المادة (14) العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الاصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي . وهذا ما يتعارض مع بعض فقرات التعديل التي أجازت مثلاً عدم الأخذ بشهادة غير المسلم وإهدار قيمتها القانونية، كما منحت الرجل حقوقاً غير متساوية مع المرأة حتى خلافاً للثابت الإسلامي.

2.المادة (29) أولاً:
أـ الأسرة اساس المجتمع، وتحافظ الدولة على كيانها وقيمها الدينية والاخلاقية والوطنية .
ب ـ تكفل الدولة حماية الأمومة والطفولة والشيخوخة، وترعى النشأ والشباب وتوفر لهم الظروف المناسبة لتنمية ملكاتهم وقدراتهم .
وهذا ما يخالف النصوص التي تشير إلى إحالة قضايا الزواج والطلاق إلى رأي المرجعيات الدينية للزوج دون الزوجة، وأن تلتزم المحاكم بما يردها من جواب، وهي الحالة التي تعني أن مستقبل الأسرة والأمومة والطفولة ستكون تحت رحمة رأي فقهي غير ثابت ولا متفق عليه لتعدد الاجتهادات الدينية داخل المذهب الواحد وداخل الدين الواحد، وبالتالي لا يمكن للقضاء والمحاكم أن تطبق القانون بصورة عامة ومجردة على الناس، لأنها ملزمة بأتباع الرأي الفقهي فقط.
هذه النتيجة تقودنا إلى حالة مهمة ومركزية في النظام الدستوري بخصوص استقلالية القضاء وسلطته العامة، فحسب أحكام المادة (19) اولاً (القضاء مستقل لا سلطان عليه لغير القانون)، فكيف لنا الجمع بين الاستقلالية والخضوع لرأي المرجعية الدينية في حالة تدخلها في شأن الأسرة التي هي أساس المجتمع .

3.المادة (29): أولاً:
رابعاً: تمنع كل اشكال العنف والتعسف في الأسرة والمدرسة والمجتمع . هنا يفرض القانون جواز استخدام التعسف وشرعنته من خلال مثلاً، إلزام الزوجة قهراً بأن يساكن زوجها والديه معه دون أن يحق لها الاعتراض، وهذا النص لا وجود له لا في الشرع ولا في ثوابت الإسلام، فالمعروف أن الفرد أياً كان ملزم شرعاً وأخلاقاً، ببر الوالدين والاحسان لهما فقط ومن خلال ما يمكن أن يحفظ لهما كرامتهما وحقهما في الحياة، أما أن نشترط على الزوجة قبول المساكنة وهي كارهة لهذا الأمر، فإننا نفتح بذلك أبواب جهنم على الأسرة وعلى الوالدين، كما أن التشريع لم يعمد إلى العدالة في هذا الموضوع عندما حصر الحق بالزوج دون الزوجة التي لا معيل مثلاً لوالديها.

4.المادة (30):
أولاً: تكفل الدولة للفرد وللأسرة وبخاصة الطفل والمرأة الضمان الاجتماعي والصحي، والمقومات الأساسية للعيش في حياةٍ حرة كريمةٍ، تؤمن لهم الدخل المناسب، والسكن الملائم . وهذا أيضاً يتعارض مع ما قدمنا في الفقرة (3) بخصوص سكن وإسكان الوالدين.

5.المادة (37):
ثانياً : تكفل الدولة حماية الفرد من الإكراه الفكري والسياسي والديني، وهذا الإكراه الديني حينما تلزم المحكمة الزوجة بالخضوع للمذهب الذي عليه الزوج خاصة في اختلافهما الديني أو المذهبي.

6.المادة (41) العراقيون احرار في الالتزام بأحوالهم الشخصية حسب دياناتهم أو مذاهبهم أو معتقداتهم أو اختياراتهم وينظم ذلك بقانون . وهذا يمنح الفرد العراقي الحرية في أن يختار ما يلتزم به دون أن يكون هناك إلزام قانوني مشرع ملجئ له أن يخضع جبراً إلى مذهب معين أو دين معين، هذه المادة تنفي تماماً حق السلطة التشريعية أن تسن قانوناً يتعارض مع هذا الحق وينتهك بذلك واحدة من أهم الحريات الأساسية للمواطن.

7.المادة (46) لايكون تقييد ممارسة أي من الحقوق والحريات الواردة في هذا الدستور أو تحديدها إلا بقانون أو بناء عليه، على ألا يمس ذلك التحديد والتقييد جوهر الحق أو الحرية. فبعد العرض هذا نجد أن أحكام المادة هذه قد سدت الأبواب تماماً في وجه أي تشريع ممكن أن يمس جوهر الحق في الحريات والحقوق الأساسية التي تتركز بثلاث نقاط هي:
•العدالة والمساواة.
•التجرد والعمومية.
•عدم الشخصنة في التوصيف.
هذا في الباب الدستوري الذي يجب أن يراعى في كل تشريع قانوني، ونرى من خلال النقاط المستعرضة أن هذا التعديل الذي صوّت عليه مجلس النواب من الناحية المبدئية لا يمكن فرضه أو تطبيقه لمخالفته الصريحة لمقومات دستورية غاية في الخطورة، وتمسّ النظام العام وتهدف إلى إثارة البلبلة وزرع الألغام المتفجرة في بنيان الأسرة والمجتمع دون أن يقدم حلاً يمكن أن يعزز من مسيرة المجتمع أو يحافظ على البنيان الأجتماعي له، وهذا المهم هي في صلب مهام مجلس النواب باعتباره يمثّل مصالح المجتمع وتطلعاته المشروعة.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون