الاعمدة
2017/11/04 (21:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1411   -   العدد(4059)
قناديل
الرواية: صعود التل حتى النهاية
لطفية الدليمي




أعـِدّ كتاب ( فن الرواية ) لكولن ويلسون من بين أهم الكتب الأساسية التي تناولت صنعة الابداع و الفن الروائي وحرفية هذا الفن وأسراره ، وأستطيع القول- أنا التي قرأت معظم أعمال ويلسون وترجمت سيرته الذاتية ( حلم غاية ما) - إن كتاب فن الرواية كتبه أستاذ بارع وكاتب شغوف بالفن الروائي يؤمن إيمانا لاحدود له بمستقبل الرواية وأهميتها في حياتنا كتّاباً وقراءً.
كان كولن ويلسون – الذي ترجمت له حوارات ومقالات نظرية عدة – كاتباً استثنائيا ومفكراً ديناميكياً مؤسساً تجاوز عدمية الوجودية الفرنسية بوجوديته المنطوية على حس رقيق بالتفاؤل، إضافة إلى أنه مؤرخ انثروبولوجي وباحث فلسفي مرموق واستحق أن يطلق عليه البعض وصف ( هيدرا معرفية ) ، والهيدرا - كما نعلم - كائن اسطوري بسبعة رؤوس ، وينطبق هذا التوصيف على ويلسون الكاتب الدؤوب والمفكر الواسع المعرفة متعدد الاهتمامات .
يلخص ويلسون في الفصل الأول من ( فن الرواية ) رؤيته الخاصة لعملية الكتابة الابداعية ويصفها بأنها (عملية شاقة كالصعود إلى أعلى التل ، حيث يتساقط الضعفاء بينما يواصل الأقوياء بهدوء ليصبحوا كتابا جيدين ) .
في خاتمة هذا الكتاب ثمة ( خلاصات ) يكثف فيها ويلسون خبرته ورؤاه الشخصية وقد ترجمت أجزاء أساسية منها اضفتها الى القسم الاول من كتاب ( حلم غاية ما) بعنوان ( رؤية روائية ) ، يقول ويلسون ( أبتغي عرض وجهات النظر الخاصة بي حول الرواية والفن الروائي بعامة ولكني أفضل أولا تلخيص الأفكار الأساسية في هذا الكتاب) .ويثبت ويلسون في ملخصه : أن الرواية هي في المقام الأول محاولة لابتكار مرآةٍ يستطيع الروائي من خلالها رؤية وجهه وهي بهذا الوصف محاولة لخلق الذات وتوكيد وجودها) ؛ فتقديم صورة الكاتب والتعريف الواضح والحاسم بها يعني أن هدف الفن الروائي والفنون جميعها ليس نقل الواقع أو وصف الحقيقة بوضع مرآة أمامهما ، بل وضع المرآة أمام وجه الفرد ، وجهه الخفي المستتر الذي لانراه في الحياة اليومية المعنية بظاهر الأمور وعابرها.
هناك أنواع من المرايا التي يمكن استخدامها للكشف عن الوجه السري اللامنظور، فثمة المرايا المستوية التي تعكس ماهو أمامها وتماثل الروايات الحكائية الواقعية التي يمارسها كتاب مبتدئون يحكون سيرتهم واعترافاتهم ، وهناك المرآة المحدبة الصغيرة التي تشوه الوجوه ، وثمة المرايا المحدبة التي بوسعهاعكس صورة بعدسة متسعة الزاوية، وبالتالي فإن هدف الرواية ومسعى الكاتب المتمرّس ليس إظهار الواقع كما هو بطريقة فوتوغرافية ، بل تحريك وجدان القارئ وجعله قادرا على وعي وجوده وتجربته الانسانية خلال القراءة ، بمعنى آخر، يساعد الروائي قارئه على إدراك حريته، فيقوده عبر دروب الرواية ومنعطفاتها الى النقطة النهائية التي يرنو اليها القارئ في آخر متاهة الرواية ليشعر كلاهما ببلوغ حريته والارتقاء بعالمه.
يؤكد ويلسون إن مسعى الرواية لايميل الى خلق عالم منعزل ومستقل للكاتب بقدر مايعينه على الخوض في عالم الأفكار ؛ فالرواية تجربة فكرية تسعى الى تحقيق الحرية، وعبر هذه التجربة يكتشف الكاتب القدرة على الارتقاء بذاته وقرائه أيضا ، وسوف يكفّ القارئ الذي يستمتع بقراءة رواية تشدّه بقوة عن الإحساس بالعجز والزوال ، ويبلغ بعض القراء حالة من الاستمتاع والتحفيز تعينهم على الحلم و تخطي واقعهم المحبط ، وبوسع الروايات العظيمة تغييرمنظور القارئ لنفسه والحياة وإطلاق قدراته لتجاوز المحدودية الفيزيائية البشرية وإيقاد شرارة القيم الخفية في وعيه فهي في النهاية محاولة للصعود الممتع نحو الأعالي.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون