مسرح
2012/10/15 (17:49 مساء)   -   عدد القراءات: 1627   -   العدد(2623)
المسرح العراقي ما بين السابق واللاحق
المسرح العراقي ما بين السابق واللاحق





د. عواطف نعيم
حين أراد الإغريق، وهم بناة المسرح، ومؤسسوه، ومن بثه وبشر به في أرجاء المعمورة. حين أرادوا أن يشيعوا الديمقراطية كفعل حياتي مبارك ابتكروا المسرح ((خصائص طبيعة الناس وعالمهم. إنما تتوقف على ما ينفرد به زمانهم هذا التفرد الذي يكون تأريخياً))(1)،  وهو فن يعكس الحياة كما لنا أن نتصورها ونحلم بها وليس كما في واقع الحال . ومن نِعم الديمقراطية التي هي فن ممارسة الحياة بحرية وثقة وأمان، أنها كفلت للمرء حقه في التعبير والاختيار والفعل، هي واحدة من ثمار التمدن والتحضر، حين طور الإنسان الذي خلقه الله سبحانه على الأرض ليعمرها ويبنيها ويشيع فيها الحياة عبر تحقيق علاقات اجتماعية وطرق اشتغال فكري وإنساني وكذا من خلال التنظيم السياسي والاقتصادي. فالمجتمع يقوم على دائرة علاقات متشابكة ومتداخلة ولأجل أن تؤدي كل منظومة من هذه المنظومات الجامعة لكل الأنساق فاعليتها وتؤتي ثمارها كان لا بد من أن يسودها جو من الحرية والرأي الحر والتعاون والمودة، أن يغذيها ويهذبها نمط من الوئام والتفاهم والتكافل وحسن الإصغاء، أن تسودها روح الديمقراطية.  وتلغي الديمقراطية في عملها ما يسمى بالفردية وسيادة الرأي الواحد والأيديولوجية الواحدة المتسلطة والرقابة القامعة وقهر السلطة الجائرة، إذ تفتح أمام العقول النيرة الواعية التي تحترم هبة الحرية لها وللآخرين وتؤمن بالآخر ذاتاً مجتهدة.
أبواب التعاون والتضامن بعيداً عن الخوف والقهر وحذر الترقب ، اقتراباً من حرية الفكر والروح والجسد ، ولأن الديمقراطية طريق  للحرية كان المسرح منبراً وصرحاً لها، معبراً عن الحياة كما ينبغي أن تكون بين بني البشر، وميزة المسرح إنه يتخذ من الإنسان قضية من همومه وأحلامه، طموحاته مرتكزاً تنطلق منه للتشكل بمختلف الألوان والرؤى . لذا عَّد المسرح ((المادة الحقيقية التي يجب الرجوع إليها لمعرفة وفهم الجانب الخفي من حياة المجتمع))(1). الثبات ليس من سمات المسرح بل جدة وتغير وبحث دائب عما يولد الدهشة والسحر، ولأن المسرح حضارة وفكر ورحابة أفق فهو منبر يعبر عن روح الإنسان في توقه لما يحفظ له إنسانيته ويعبر عن أمانيه. التابوات والمحرمات تفقد قداستها في فضاء المسرح الذي لا يحفظ إلا قداسة الفكر الحر والجمال المطلق ((لما كان الفن صنو الحقيقة فإن واجب الفنان هو إزالة الزيف والإبانة عن لب الحقيقة التي طال أمر اختفائها ))(2). والمسرح العراقي حاله من حال المجتمع الذي يتمثله ويمثله أو ليس المسرح ابن البيئة يأخذ منها ويعكس واقعها ويعلن عن موقفه في الضد أو المع؟
والحديث عن المسرح العراقي يعني الحديث عن واقع الحياة العراقية تحت ظل الاحتلال الأمريكي وما أفرزه هذا الاحتلال من متغيرات ومفاهيم وقيم خلخلت البنية الاجتماعية وهزت كإعصار تسونامي القاسي ثوابت وتقاليد وأعراف داخل تلك البنية المتناغمة والمتواشجة وما أبرزته من مخفٍ ومركون بوصفه لا يتناسب ولا يقبل داخل تلك البنية الاجتماعية.
العديد من الممارسات الجديدة التي طفت وتكرست داخل التركيبة الاجتماعية العراقية كانت ظواهر جديدة لم يعرفها العراقيون من قبل ولأننا معنيون بالحديث عن دور الشباب والمسرح فإنا سنتحدث عن تلك الظواهر بوصفها ممارسات حديثة العهد جاءت مع الاحتلال ووجدت منفذاً في فضاء المسرح العراقي ولا سيما تلك التي تتعلق بالممارسات الشبابية . المسرح ما هو إلا مرآة متنبئة لواقع ينبغي أن يكون مخالفاً لــما هو علـــيه الواقع المعاش . بعد الاحتلال الأمريكي لبلد عريق مثل العراق ((هب الشعب العراقي مطالباً باستقلاله ورفض التبعية للاستعمار فكانت وثبة الشعب الكبرى في كانون عام 1948 وانتفاضاته في عام 1952 ، 1956 وأخيراً توج نضاله التحرري في ثورة تموز 1958 المجيدة)) (1). ولعلنا حين نتوقف أمام المسرح لرصد الظواهر الجديدة التي بدأ الشباب العراقي في ممارستها والتعامل معها، فإننا نحسن صنعاً، إذ أننا في هذه الحالة نتوقف لكي نسلط الضوء وبشكل دقيق على كل تلك المتغيرات التي طفت على السطح. أصبح هذا القطر العربي المحتل (العراق) سوقاً استهلاكياً ليس على مستوى ما يتم استيراده والترويج له في الأسواق العراقية التجارية وليس على مستوى المأكل والمشرب والملبوس داخل العائلة الواحدة بل على المستوى الثقافي والفكري والديني لكل المنتجات والسلع، المستورد والمحظور، والمسموح به وما يخالفه أيضاً، التكنولوجيا تلك التي جعلت من السماوات العلى فضاءً مفتوحاً للكل يطل كل منه على الآخر بكل وقاحة أحياناً وبكل استباحة أحياناً أخرى وباقتحام يذكرنا باقتحام القوات الأمريكية والبريطانية الليلي ومداهماتهم الشرسة للبيوت العراقية الآمنة في بغداد العزيزة وفي الأطراف النائية منها.
اقتحام ليس له من حرمات فهو يحلل ويحرم كما يشاء  له الهوى والرغبات ... إقتحمتنا السماوات المفتوحة وصار (الستلايت ) قبلتنا نتنقل بين الفضاءات والفضائيات وينبهر الشباب بما يرى ويسمع من عالم المحرمات والتابوات والحياء والخفر الأنثوي والرجولي إلى عالم مفتوح لا حظر فيه، فكل شيء كما يقول الفنان عادل إمام في أحد أفلامه (على الطبيعة) ولا حياء في العلم كما لا حياء في الفضائيات، فالغناء ما عاد المهم فيه أن يكون مستوراً وتكتفي بصوت المطربة أو المطرب ... أصبح علينا أن ننظر إلى ما يشبه الفستان الذي ترتديه المطربة ودلعها وتأوهاتها وتأرجحاتها بثني الأذرع دون أن نصغي للصوت، وأصبحت النغمات تطل علينا وترن في موبايلاتنا ، ومع المحظور جاء النوع الآخر من الفضائيات حيث لا ترى إلا لحى كثة وجباه مدموغة بعلامات السجود الطويل لله رب العالمين ووجوه مكفهرة تطلق فتاوى تمنع عن هذا وتحرم ذاك وتروع الناس بالنذير والنذور والوعيد والوعود ما بين جنة عرضها السماوات والأرض وبين جهنم أعدت عذاباً للكافرين، وللناس أن يختاروا ما شاء لهم الخيار نوع الفضائيات التي يشاهدونها هم وعوائلهم وكذلك أن يشفروا البعض الآخر منها كي يحفظوا ما تبقى من براءة للطفولة والتي هي الأخرى وقفت واجمة ذاهلة أمام هجمة أفلام كارتونية وروائية أبطالها مخلوقات فضائية وأرضية مرعبة ومكفهرة وقاتلة ودموية وأسلحتها فتاكة، فما عادت سندريلا إلا مصاصة دماء وما عاد السندباد وياسمينة يغريان الأطفال بالمشاهدة ولم يعد لعلاء الدين صلة بالمصباح السحري أو البساط الطائر اللذين فقدا سحرهما ودهشتهما. فالجن الآن الآلات والروبوتات وصواريخ تنطلق بكبسة زر وتجهز على الحياة بأية بقعة من العالم بزخة مطر مكهرب أو ضربة ليزر، هي الفضاءات المفتوحة والعولمة التي انهالت علينا من كل حَدَب مزلزلةً الكيان الاجتماعي ومزعزعةً لقيم وأخلاقيات وواضعة فجوات بين العلاقات. الآن هيمنة الفرد الواحد الذي يريد أن ينطق الجميع بلغته الواحدة والذي اتخذ من آخر الصيحات السياسية الجديدة منبراً ودعاية يبتز بها شعوب الأرض قاطبةً تحت شعارات الحرية والديمقراطية والشفافية والانفتاح على الآخر وحوار الحضارات والذي بقدر ما نؤمن به وبقدر ما ندعو لأن يكون بقدر ما تؤكد على أن كينونة مثل هذه لا بد وأن تنطلق من مبدأ التكافؤ والعدالة والندية ، انعكس كل هذا الموج الهادر والساحق من الجديد والحديث في التكنولوجيا والعلاقات المنفتحة على ممارسات الشباب في العراق فأصبحنا متحيرين من طريقة التعامل والعيش وطريقة الحوار، وقد استطاع المسرح أن يعكس هذا الواقع المضطرب في الممارسات والتعاملات من خلال توجهات فنية وفكرية اتخذت المناحي الآتية:
1)    اختيار عروض مسرحية تغازل الآخر وتدعو للتشبه به كما تجيز من خلال خطابها الفكري والجمالي الانفتاح والتبعية بوصف من يتم إتباعه هو الإله الأقدر والمثل الأعلى الذي لا بد من إتباعه والتبشير به .
2)    عروض مسرحية تدعو للتخندق في بؤر مظلمة وسوداوية تتعكز على الدين بوجهه التابوي والمتزمت مؤججة روح الفتنة الطائفية والانتقام عازفة على إيقاعات الثأر والرغبة في الانسلاخ عن كل ما هو حضاري متنور .
3)    عروض مسرحية تعتمد الغرابة وما بعد الحداثة في صياغة خطابها، متمردة ترفض الكل لمجرد الرفض وتنأى عن الواقع الدموي المعاش بواقع متخيل ينسلخ عن جذره ويهوم في فراغ اللحظة والرؤى دون أن يبحث عن نقاط ارتكاز حقيقية يعتمدها لبث خطاب معرفي يزرع روح الأمل لدى المتلقي .
4)    عروض مسرحية تتم عبر تصالحات سياسية ومنافع مادية تكون بمثابة استجابة لطلبات جهات مؤدلجة لذلك الخطاب على وفق توجهها العقائدي والمذهبي مقابل مبالغ ومغريات ومكاسب .
5)    عروض مسرحية ذات أهداف رصينة وخطاب متوازن تنهض بوعي معرفي كي تعبر عن روح الحياة الحقيقية في مجتمع يرزح تحت ظل احتلال له في كل يوم لغة وله في كل لحظة توجه تناقض ما قبلها.
6)    توزع الشباب ما بين متمسك بالدين من خلال الزي والشكل والممارسة اليومية ولغة التخاطب والعمل إلى رنة الموبايل، وبين شباب يبحث عن حياته في الانفلات من التقاليد والهم اليومي وينتظر فيزا سفر إلى أوروبا ليسيح في نهر الحرية والديمقراطية بعيداً عن هموم وطن لم يجدوا فيه إلا الأوجاع والكوارث والحروب والمخاوف تلك التي أغرقت أحلام الآباء ومن قبلهم الأجداد و وئدت آمالهم ، إنهم شباب عراقي يخشى أن تؤكل أعمارهم دون جدوى..



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون