آراء وافكار
2012/10/16 (18:16 مساء)   -   عدد القراءات: 1530   -   العدد(2624)
الراديكاليون والرسميون العرب أقصوا المثقف
الراديكاليون والرسميون العرب أقصوا المثقف




شكيب كاظم
منذ أن أحرق العربي التونسي الشهم محمد البو عزيزي نفسه منتصف كانون الأول من عام 2010 احتجاجا على صفعة موظف بَطِرٍ كسول والنار التي اشتعلت في جسده، ما تني تواصل اشتعالا في جسد النظام العربي فائق الدكتاتورية لتطيح برؤوس وهامات، وهناك رؤوس سوف يطاح بها وتتدحرج تحت غضب الناس الجائعة والمعذبة هذه الانتفاضة في الجسد العربي ضد ظلم الظالمين، فتقت شهية البعض من المثقفين والكتاب، لتسفيه دور المثقف، كونه قد تخلى عن دوره الريادي في قيادة المجتمع، إلى الشباب، شباب الجامعات غير المؤدلج في زمن سقوط الأيديولوجيات، وشباب الهاتف النقال وفيس بوك، حتى أن مفكرا مهما هو الدكتور علي حرب، قد سبق هؤلاء في الارتياب بهذا الموقف فهو مرتاب بالمشروع الليبرالي، والقومي والمشروع الماركسي وكذلك الإسلامي ،منوها بفشلها في بلورة منهج يقود المجتمع العربي، كما أنني أقرأ من يحاول تقزيم دور المثقف وتحجيمه، ويرى انه اخذ حجما اكبر من حجمه الحقيقي، وانه ما عاد صاحب المهمة الرسولية والدور النبوي النضالي، لأنه فقد مصداقيته كناطق باسم الحقيقة، أو مدافع عن الحرية والعدالة والمساواة لا بل إن بعضهم يكتب أن الكتابة لا تعطي لصاحبها تميزا، فهي مهنة كباقي المهن، ناسين الموهبة وان المهنة يمكن التدريب عليها وتعلمها، ولكنك لا تستطيع أن تتعلم مهنة الكتابة، لسبب بسيط خلوك من الموهبة وثالثة الأثافي وربما رابعتها جاء من يدعو إلى فكرة (موت المثقف) مسايرا في ذلك مقولة الناقد البنيوي رولاند بارت في (موت المؤلف) وليس هنا مجال شرح مقولة بارت.
كل هذا صدر عن مثقفين، وكتاب، فإذا كانت الكتابة معيبة بهذا الشكل فلماذا يصر هذا الرهط على مواصلة الكتابة وإصدار ملاحق خاصة في تسفيه دور المثقف وإنكار دوره في عملية التبشير والتنوير والتأثير؟ مع أنني لا أنكر أن هناك من المثقفين من أساء إلى مهمة المثقف أو مهنته، ووضعوا أنفسهم في خدمة المؤسسة الرسمية أو من يدفع أكثر بحثا عن مَغْنَم سيتحول إلى مَغْرَم، متناسين قيمتهم وأقدارهم، وان النظام الرسمي هو الذي يحتاج  إليهم، وليسوا هم بحاجة إليه لو اعتصموا بشيء من كبح جماح الذات.
أرى أن الذي حطم الدور الريادي والقائد للمثقف العربي، هو صعود الراديكاليات العربية إلى واجهة السلطة منذ بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، وتدخل العسكر في السياسة من خلال الخلايا السرية التي زرعت في جسد الجيوش العربية، وهي ما عرفت بـ(خلايا الضباط الأحرار) الذين وثبوا على السلطة تباعا في مصر والعراق واليمن وليبيا والسودان وموريتانيا و.. و.. هؤلاء العساكر الذين لا يعرفون إلا إصدار الأوامر، وعلى جنودهم؛ شعبهم تنفيذ هذه الأوامر، فأطاحوا بكل تلك الحياة الديمقراطية والنيابية وحرية الصحافة وحرية تشكيل الأحزاب، التي إن لم تدعها تعمل علنا وتحت ضوء الشمس، فستجد الدهاليز السرية المظلمة لتعمل فيها، ولتحرق الزرع والضرع، كانت حرية الرأي مصانة حتى أن بعضهم كتب عام 1926، في مسألة الشعر الجاهلي، مالم يقبل الآن، ثم كتب علي عبد الرازق في قضية مهمة عن الإسلام وأصول الحكم، نعم ما مرت تلك الآراء من دون زوابع وتوابع، لكن بقي الأمر داخل حدود القضاء ليعلن محمد نور رئيس نيابة مصر، حفظ الأوراق إداريا، في مسألة طه حسين والشعر الجاهلي وتبرئته ،في حين حاكم الأزهر، علي عبد الرازق، من دون تدخل الغوغاء والرعاع، وكتب الدكتور محمد حسين هيكل كتابه (محمد) وأطلق احمد لطفي السيد الملقب بأستاذ الجيل، الذي ترأس الجامعة، جامعة فؤاد الأول بالقاهرة الكثير من آرائه الصادمة، وهل ننسى دعوات سلامة موسى والدكتور عبد العزيز فهمي للكتابة بالعامية، أو دعوات الشاعر اللبناني سعيد عقل للكتابة بالمحكية اللبنانية، ودعوات الكثير من مثقفي لبنان لثقافة البحر المتوسط، والثقافة الفينيقية، وظل الدكتور علي الوردي يكتب ويؤلف دونما خوف أو وجل، حتى إذا صعد الراديكاليون، منعت كتبه وصمت الرجل.
إن إشارتي السريعة لهذه الآراء لا تعني الموافقة والمطابقة ،فأنا لي رأيي الخاص بكل هذه الدعوات ليس هنا مجال بسطه، وقد بسطته في دراسات سابقة لكن إشارتي تعني ضرورة احترام الرأي والمخالفة وبأني سأقف مدافعا عنك لإبداء رأيك وان كنت مخالفا له، واحترام نسبية الآراء وان ما تقوله أنت صواب يحتمل الخطأ وما أقوله أنا خطأ يحتمل الصواب، حصل هذا عندما كانت الحياة العربية تمضي بهدوء دونما قفزات غير محسوبة وفي الظلام وصعود موجات الكره والتعصب والتحزب والقوقعة وإذا لم تكن معي فأنت ضدي، وحتى إذا أصبحت معه يظل ينظر إليك نظرة الشاك المرتاب. كل هذا الخوف، أنتج الأديب الخائف الوجل المخصي، فمنعت الكتب التي لا تتمدد على سرير بروكروستوس، وكل الزوائد يجب أن تشذب، وتقص، لا بل وصل الحال حتى سكوتك يحسب عليك، فان تسكت يعني انك لا تسير في الخط العام، خط القطعان والقطيع، وإياك إن خرجت عن الطريق المرسوم، تكتب نفاقا فتنهال عليك الأعطيات، وتكتب حقيقة فتجلب عليك وبالا وفقرا وفاقة حتى أصبحت أضحوكة الأبناء والأحفاد، لأنك عشت خالي الوفاض إلا من احترام نفسك وقلمك وعدم بيعه في سوق النخاسة.
إزاء هذا الواقع المأساوي الذي اخرس الألسنة، وجد المثقف وخاصة في دول الراديكاليات الثورية نفسه، إزاء واقع مؤلم ،فإما أن تبيع الذات والحقيقة وتتحول إلى طبل أجوف مسبح بحمد الحاكم الفرد، وإما أن تتنحى جانبا، وتضيع عليك فرص أن تكتب وتحقق ذاتيتك وتخدم الناس ومن ثم تلزم الصمت الذي يعني الموت في الحياة، أو أن تهاجر، لتكتب ما تريد، وما كل الناس بمستطيعين الهجرة، إن توفرت، وان لم تتوفر فذلك أدهى وأمرّ.
وبعد كل الذي حصل، وبعد كل هذا الدور الصوفي الزاهد المعتكف المتبتل للمثقف والكاتب يأتيك من يسفه دوره ويسخفه.
ومن حقهم أن يقولوا ما قالوه لو عاشوا الأجواء التي عاشها المثقف في دول الراديكاليات وانه لمن القفز على حقائق الحياة، أن تستعير مناهج أوروبا والغرب لتطبقها على هذه الدول، وان تطلب منه ما يقوم به الأوروبيون والغربيون المزدهون بالحرية واحترام الرأي ولا فرق عندهم بين إنسان القاع، ورأس الدولة، ألم يطلبوا من رئيس دولتهم ريتشارد نيكسون الاستقالة  وأقاله مجلس النواب صيف عام 1974 لسبب بسيط، يفعله الراديكاليون وأشنع منه مئات المرات دون أن يطرف لهم جفن، أو يجرؤ شخص أن يقول لهم إن على جفنك حاجبا ؟ ألم يقدموا الرئيس الفرنسي جاك شيراك إلى المحاكمة لسبب بسيط آخر، اقترف مثله راديكالي عربي آلاف المرات، دون أن يراجع نفسه، مجرد مراجعة لأن هناك بطانة تزين له الشر ؟!
المثقف، الكاتب الذي يطلب منه البعض دورا رياديا في عمليات التغيير التي حصلت في الوطن العربي، ناعين عليه عدم القيام بهذا الدور الرسالي، إنما كان مخصيا خائفا، يلعق جراحاته منشغلا بتوفير لقمة خبز له ولعياله يطارده المخبر السري والرقيب الثقافي الذي يحجب كتابا لك لان فيه كلمة قد لا تسر الأخ الأكبر أو ببساطه لعلها لا ترضيه، مثقف تحصى عليه حركاته وسكناته، كيف تريدون منه أن يكتب ؟ ألم يمنع نزار قباني من دخول مصر لأنه كتب قصيدته المدوية (هوامش على دفتر النكسة) بعد كارثة عام 1967؟ لقد منعه الملكيون أكثر من الملك، حتى إذا رفع ظلامته إلى عبد الناصر سمح له بذلك!!
الكتابة تزدهر في أجواء الحرية، لذا تؤدي دورها، وحينما يجد الكاتب من يقرأه ويتعاطف معه ويدافع عنه، أننسى المحاكمات التي أجراها الفيلسوف البريطاني الراحل (1871 – 1970) برتراند رسل للحرب في فيتنام؟ أننسى التظاهرات التي قادها الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر (1905 – 1980) ضد حرب بلاده في الجزائر؟ ومن ثم قيادته التظاهرات ضد الرئيس الفرنسي شارل ديغول باني فرنسا الحديثة في شهر مايس من عام 1968 وهو ما عرف بـ(ربيع باريس) ومن ثم أجبرته التظاهرات على التنحي ومغادرة الحياة السياسية الفرنسية وموته في الريف بهدوء خريف عام 1970؟
يكون للمثقف دور مؤثر في أجواء الحرية، فمن أين تطلب للمثقف العربي دورا في زمان الإخصاء الراديكالي، الذي جلبته علينا سلسلة الانقلابات العسكرية، وأحالت حياتنا حطاما؟!



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون