آراء وافكار
2012/10/17 (16:47 مساء)   -   عدد القراءات: 1780   -   العدد(2625)
جدلية التنمية وتمويل البنى التحتية بالدفع الآجل
جدلية التنمية وتمويل البنى التحتية بالدفع الآجل




كريم مصطفى*

طلعت علينا الحكومة فجأة بطلب تمويل إضافي لإعمار البنى التحتية , ولما كان التمويل مفقودا برأيها فقد ارتأت اللجوء إلى القروض الخارجية بصيغة الدفع الآجل.
لا نريد أن نسأل الحكومة أين كانت طيلة السنوات السابقة لتتذكر فجأة الحاجة إلى إعمار البنى التحتية ونحسب بحسن نية أن الاستيقاظ من الغفلة ولو بعد حين هو مؤشر إيجابي. ولن ننجر إلى مماحكات حول مخاطر الاقتراض الخارجي وماعانته شعوب ودول عديدة من مآسٍ نجمت عن الاقتراض الخارجي رغم ثرواتها الطبيعية الهائلة.
نخمن أن الحكومة بمطلبها الجديد قد أدركت أن الاستثمار الأجنبي غير راغب بالقدوم إلى العراق إلا في مجالات استخراج النفط وبعض المجالات الخدمية غير الأساسية رغم أهميتها كالفنادق والأسواق وماشابه.
ونخمن أيضا أن الحكومة قد بدأت تدرك الخطأ الكبير في تخصيص معظم الميزانية لتغطية النفقات التشغيلية وتمنعها الاستحقاقات الانتخابية عن التصريح بذلك .
نعود إلى مبادئ علم الاقتصاد ونستذكر أن احد أهم معوقات التنمية يتمثل بالتمويل المرتبط عضويا بالفائض الاقتصادي الذي نعرفه تبسيطا بأنه الفرق بين قيمة إنتاج المجتمع مطروحا منه التكلفة التي يتكبدها المجتمع لتحقيق الإنتاج. ومن البديهي انه كلما عظم الفائض توفرت للمجتمع خيارات اكبر للتصرف.
ويستخدم الفائض بإحدى طرق ثلاث ، الأولى في استهلاكه وإشباع حاجات المجتمع الآنية والمستمرة , والثانية في استثماره لإشباع حاجات المجتمع المستقبلية, والثالثة في تبديده مثلا في الحروب أو بناء الأهرامات مثلا أو الفساد أو الإفراط في إشباع الحاجات وغيرها.
وتعظيم الفائض يتأتى إما بشكل مطلق ،أي زيادة حجم الإنتاج أو بشكل نسبي ،أي تقليل الكلف المترتبة لتحقيق الإنتاج. أما حسن إدارة الفائض فيقتضي أساسا الابتعاد عن خيار التبديد وإقامة الموازنة الدقيقة بين الاستهلاك والاستثمار لتوفير أساس حقيقي لتنمية مستدامة تحقق إشباعا متزايدا لحاجات الناس وازدهارا في مستوياته المعيشية وأيضا تحقق نموا متعاظما للفائض المتاح.
تواجه المجتمعات في كثير من الأحيان ظروفا طارئة أو مستدامة تعوق توفر فائض كافٍ لتحقيق التنمية بل أحيانا يكون الفائض سلبيا أي يعتاش المجتمع على مدخراته السابقة أو الإعانات. هذه الظروف قد تكون طبيعية كالجفاف والكوارث الطبيعية الأخرى, وبعضها مرتبط بالظروف الاقتصاديه العالمية كانخفاض أسعار السلع التصديرية والركود الاقتصادي وغيرها, والآخر مرتبط بظروف محلية كالحروب الأهلية أو الخارجية وتسلط ديكتاتوريات مبددة للموارد الاقتصادية. مما يضطر هذه المجتمعات إلى البحث عن مصادر تمويل خارجية لردم فجوة العجز التمويلي والبدء بمسار تنموي يعالج الاختلالات الحاصلة وإنعاش الاقتصاد.
عند ذاك تشرع الدولة (الحكومة أساسا والمجتمع عموما لاحقا ومسترشدا بسياسة الحكومة) بدراسات وإجراءات تستهدف عقلنة الاقتراض وتوجيهه وإدارته بالشكل الذي ينتشل الاقتصاد من كبوته. نشير إلى بعض الإجراءات الأساسية:
• الشروع بإجراءات صارمة وقاسية وملزمة لإيقاف أي هدر للموارد المتاحة سواء كانت طبيعية أو بشرية أو مالية. وهذا شرط أساسي ومسبق لأي جهد تنموي جاد يمول عن طريق الاقتراض.
• تقليص وتحديد الاستهلاك العام والخاص.
• الإدارة الفاعلة لموارد الدخل المتاحة للحكومة والمجتمع ،أو بعبارة أخرى زيادة الكفاءة للقطاعات الإنتاجية والخدمية وإزالة أية معوقات تواجهها وإقرار سياسات دعم وتنشيط المنتج المحلي.
أثناء العمل بهذه السياسات والإجراءات تبدأ الحكومة بدراسة حجم الاقتراض الضروري المطلوب توفيره بناء  على معطيات القطاعات والمشاريع المستهدف بناؤها أو تطويرها. ويتم تقييم حجم إسهام هذه القطاعات في نمو الناتج المحلي على المديات القصيرة والمتوسطة والطويلة وحجم فرص العمل التي ستوفرها ومدى تأثيرها على القطاعات الاقتصادية الأخرى وكم ستساهم في رفع مستوى المعيشة للسكان. ومن ثم تبدأ الحكومة باحتساب كلف التمويل الخارجي وإجراء الموازنة بين الكلف والنمو المؤمل تحقيقه.
لم نأت بجديد, كل ذلك مبحوث بتفاصيل وتحليلات عميقة ورصينة ومتراكمة طوال سنوات القرن الماضي وشكلت أساس نظريات التنمية الاقتصادية.
نعود إلى قرار حكومتنا القاضي بتمويل البنى التحتية بالاقتراض الخارجي, نزعم أن الحكومة تبدد الموارد المتاحة وتتساهل جدا في التبديد المجتمعي للموارد ولم تلجأ لحد الآن إلى تحقيق الشرط الأول وهو إجراءات إيقاف التبديد. إن شواهدنا على ذلك تتمثل في:
• في العراق أكبر تشكيلة وزارية وأكبر عدد من المستشارين والخبراء والقادة العسكريين رفيعي المستوى, وقلما نجد مثل هذا الحجم حتى في الدول العظمى.
• في العراق أعلى مستوى للأجور والرواتب والمخصصات للرؤساء والوزراء والبرلمانيين والمستشارين.
• في العراق أعلى نسبة فساد مالي وإداري بدون محاربة فعلية.
• في العراق نسبة توظيف حكومي تفوق أي معيار عقلاني يقابلها نقص في الكفاءة ونوعية الخدمة العامة.
• في العراق يتقاعد الموظف والمسؤول مبكرا ويأخذ راتبا تقاعديا , ثم يعود للعمل مجددا كخبير أو مستشار أو أي مسمى آخر بعقد في نفس المؤسسة العامة أو في مؤسسة خاصة حارما الشباب من فرص العمل ومكلفا المجتمع كلفة تقاعده المبكر وغير المبرر. مفهوم التقاعد يتضمن توفير الضمان والراتب التقاعدي للمواطن الذي بلغ السن القانونية أو لم يعد يستطيع العمل شرط أن لايمارس أي عمل آخر ضمن القطاعين العام أو الخاص.
• في العراق تتمتع شريحة كبيرة من المسؤولين و الموظفين بامتياز العمل يوماً أو يومين فقط أسبوعيا.
• في العراق مغالاة مفرطة في إيفاد المسؤولين والموظفين إلى خارج العراق بمخصصات يتمناها أغلب الأوربيين ودون النظر إلى نتائج الإيفادات.
• في العراق تعطيل متعمد لطاقات إنتاجية حقيقية ومهمة ونعني بها أساسا مؤسسات الصناعة والمؤسسات التي كانت تابعة للتصنيع العسكري.
• في العراق تتبع سياسات اقتصادية (تجارية ونقدية وكمركية) تحارب القطاع الإنتاجي الخاص مثل ضآلة التعرفة الكمركية وسعر الصرف المغالى به للعملة العراقية.
• في العراق يترك المفسدون يهربون بما اختلسوه دون ملاحقة جدية لمحاكمتهم واسترجاع تلك الأموال.
• المغالاة في أسعار وقيم العقود نتيجة التعاقد مع الوسطاء وانعدام الشفافية.
السؤال المهم إذا كنا كرماء جدا في تبديد مامتاح لدينا من موارد وإذا كنا لاننوي تعديل هذا السلوك أو هذه السياسة التبذيرية فكيف سنستطيع سداد القروض الجديده؟ لاشك أن التبديد مرشح للتصاعد طالما أن ليس لدينا سياسة واضحة لوقف الهدر العام والخاص. نزعم أن الحكومة تأمل أن تزداد الصادرات النفطية بشكل يمكنها من سداد القروض والاستمرار في التبديد والهدر. ولكن ماذا لو انتكست هذه الآمال؟ التنمية لاتبنى استنادا إلى الأحلام!
نزعم أن الدولة العراقية ,حكومة و شعبا, تفتقر إلى( رؤية) لما يجب أن يكون, (رؤية ) لما نريد أن نكون.  إن بوصلة الدولة العراقية قد تعطلت وأصبحنا نفكر بالنفط فقط. النفط تلك العصا السحرية بإيراداته المتوقع ارتفاعها بشكل متعاظم في السنوات القادمة سيجعلنا قادرين على الانتقال إلى مجتمع الرفاهية دون الحاجة إلى عمل جاد و حقيقي.
إن الفائض الاقتصادي المتاح حاليا والمؤمل في السنوات القادمة في ظل إدارة اقتصاديه سليمة كافٍ على البدء بتنمية اقتصاديه حقيقية ولا ضرورة حقيقية للاقتراض الخارجي في الوقت الحاضر.
إن تعطل البوصلة وغياب الرؤية يستوجب برأينا الدعوة إلى عقد مؤتمر وطني لرسم إستراتيجية وطنية شاملة, يشترك فيه أهل الاختصاص والمراكز العلمية والناس عموما. يشترك به الموالون للحكومة والمعارضون لها.
يتبنى المؤتمر أولاً تحليل الواقع الاقتصادي وتشخيص الاختلالات والاختناقات, وثانيا يشخص ملامح إستراتيجيات تنموية ونهضوية شاملة لكل الصعد الاقتصادية والاجتماعية والمياه والبيئة والعلوم والتكنولوجيا...الخ تترجم إلى سياسات ومسارات تلهم وتحفز القطاعات العامة والخاصة, تلهم وتحفز الحكومة والمجتمع, وأخيرا يبحث المؤتمر سبل تمويل هذه (النهضة) من المتاح محليا من موارد وما يتوجب اقتراضه كماً ونوعاً وتوقيتاً.
عند ذاك فقط نتخلص من الارتجال وتعود بوصلتنا إلى العمل وفق (رؤية) نهضوية وطنية شاملة.

*اقتصادي عراقي



تعليقات الزوار
الاسم: نبيل خالد
بغداد / المركز / تظاهرة // تندد بالسراق المحترفين والساسة الانتهازيين بحجة البنى التحتية 28 / 9 / 2012 م http://www.al-hasany.com/vb/showthread.php?t=336354 سلامي واعتزازي للاخ كريم مصطفى جزيل الشكر على ما قدمت من ايضاح الحقيقة انا شخصيا استفدت منه فاتمنى لك الكثير من الثقافة والعلم بما يخدمك ويخدم بلدك الغالي العراق المظلوم المسلوب لانريد الدخول في نقاش ديني او سياسي او علمي فكلامك جدا وافـــــــــــــي وكما يقول المثل الشعبي (احسبهه احساب عرب)كيـــــــــــــــــــــــــــــــــف؟ فكما
اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون