آراء وافكار
2012/10/19 (17:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1003   -   العدد(2627)
صحافة الإنترنيت . . وقرّاء المستقبل


علي عبد الحسين محمد

لم تعد الأجيال الجديدة تقرأ الصحف كما كان الحال في الماضي أو تشارك في موضوعاتها ، مما يوحي بأن الصحف الورقية في طريقها للانقراض ، أما (صحافة الإنترنت ) فالتطور الكبير في الاتصالات
و زيادة استخدام إنترنت الهاتف الجوال فقد قاد ناشري الصحف والمجلات إلى الاتفاق مع شركات مثل ( آبل ) و (أمازون )  وشركات المحمول الأخرى لصنع صحف إلكترونية مقابل مبلغ مالي للاشتراك في خدماته .
لقد كان في الماضي حتى السبعينات كانت تصدر صحف مسائية ، ربما لا تقل أهميتها عن صحف النهار لمن كان يتابع أحداث العالم ، واختفت بسبب ظهور التلفزيون
 و برامجه الإخبارية المصورة والمتواصلة في نقل أحداث العالم أولاً بأول بكفاءة عالية إلى المشاهد حيثما كان ، و يقول  ستيف هوينيش وهو من كبار رجال الصحافة في أمريكا ( إن حال هذه الصناعة العملاقة سوف يكون أشبه بحال الديناصور الكسيح ) ، وقد أجر ت صحيفة معروفة  في الولايات المتحدة الأمريكية  بحثاً حول عدم قراءة  الجريدة  فكانت النتائج هي اتجاه القراء نحو التلفزيون و الانترنيت للحصول على الأخبار والمستجدات العلمية والصناعية وغيرها ، و تشير التقديرات إلى أن توزيع الصحف اليومية في الولايات المتحدة  في العام (1985) كان حوالي (62.8 ) مليون نسخة  و انخفض إلى (55.2 ) مليون نسخة في العام ( 2002 ) ، وهذا الانخفاض الكبير يثير كثيرا من القلق حول وضع الصحافة في المستقبل غير البعيد ، فقد أدى الانصراف النسبي عن قراءة الصحف المطبوعة من ناحية ورغبة هذه الصحف ذاتها من الناحية الأخرى في متابعة أداء رسالتها على الوجه الأكمل إلى أن يصدر بعضها طبعات رقمية على الشبكة الدولية لنشر محتوياتها من الأخبار والمعلومات الأخرى على أوسع نطاق ممكن ، وكل ذالك بقصد الانفتاح على أجيال جديدة من القراء الذين قد لا تكون لهم معرفة كافية سابقة بتلك الجرائد أو سياساتها ، و عسى أن يساعد ذلك  في عودة معدلات توزيع الجرائد (الورقية) إلى الارتفاع مرة أخرى ، ولكن يبدو أن ذلك الهدف لم يتحقق بالقدر الذي كانت ترجوه هذه الصحف ، وقد يبدو غريبا أنه على الرغم من انتشار التعليم وارتفاع مستوياته  فإن الأجيال الشابة لم تعد تهتم كثيرا بقراءة الجرائد اليومية ، وتفضل الرجوع إلى وسائل الإعلام الأخرى لمتابعة الأخبار ، بل والحصول منها على كثير من المعلومات الأخرى ، وإن الصحافة تعرف في الوقت ذاته مدى الخطر الذي يتهدد وجودها من وسائل الإعلام المختلفة وتدرك أنه لا مفر لها من أن تراجع باستمرار سياستها ومنهجها وأسلوبها في التحرير وطريقة صياغة الأخبار والمعلومات وعرضها ، بل وإعطاء قدر أكبر من الاهتمام بالجوانب العلمية والتكنولوجيا و مستجداتها  ، إن هناك جوانب أخرى مهمة يجب الاعتناء بها مثل نوعية الورق و الصور الملونة ، وغير ذلك من وسائل التشويق والجذب التي تخاطب عقول الشباب الذين هم قراء المستقبل. وفي التسعينات وعند بداية انتشار الإنترنيت والستلايت بشكل كبير طرح سؤال حول مستقبل الصحافة نتيجة لانتشار استخدام الإنترنت بكل ما يتميز به من سرعة فائقة في نشر الأخبار والإعلانات ، و اعتقد الكثيرون أن القرن الحادي والعشرين سوف تكون (الصحافة الإلكترونية) بديل الجرائد المطبوعة العادية ، والواقع أن كل الجرائد المهمة في معظم دول العالم لها موقع على شبكة الإنترنيت ، و يقول   جون سكويارز ، وهو أحد كبار رجال الصحافة الأمريكيين في اجتماع مديري التوزيع الذي عقد في كندا  في العام (2004) (لقد ماتت بالفعل الجرائد المطبوعة ، ولذا ينبغي على صناعة الصحافة أن تركز تركيزا شديدا على النشر الإلكتروني )، وهذا هو ما يحدث الآن بالفعل ، إذ بدأت بعض كبريات الصحف في الخارج ترسل من دون مقابل رسائل إلكترونية لمن يطلبها تحتوي على رؤوس الموضوعات وملخص لأهم الأخبار التي تنشرها في طبعتها الورقية ، وتعتبر ذلك خدمة عظيمة بالنسبة للأشخاص الذين لا يجدون لديهم الوقت الكافي لقراءة الجريدة ذاتها ، أو الذين لا تصل إليهم الجريدة في الوقت المناسب ، ويبدو أن هذه الطريقة هي الأكثر انتشارا في المستقبل ، نظرا لتعقد الحياة التي لن تترك للأفراد فسحة من الوقت تسمح لهم بتصفح الجريدة كلها ، والآن أكثر الجرائد  تصدر طبعة إلكترونية كاملة من الجريدة الورقية و ترسل كل صباح إلى المشتركين على شاشة الكمبيوتر ، ويذكر المختصون أن حوالي نصف الذين يتصفحون الطبعات الإلكترونية على شاشة الكمبيوتر ليسوا من قراء الجرائد على الإطلاق ، و أن الكثيرين يرون أن النشر الإلكتروني هو نوع من الدفاع عن النفس تلجأ إليه الصحافة الورقية و التقليدية لضمان استمرار بقائها ووجودها على الساحة  ، بالرغم من التراجع الكبير في التوزيع ، ومن وجهة نظر أخرى فقد مكن الانترنيت من وصول الجريدة إلى ابعد من السابق ، إذ بالإمكان الآن وصولها إلى كل دول العالم وأصبحت تلعب جانبا مهما في سياسة تلك الدول ، وقد لاحظنا الربيع العربي كيف انتقل إلى الدول المجاورة الواحدة تلو الأخرى ، لا بانقلابات عسكرية أو اغتيالات كما في السابق بل عن طريق الإعلام ، و خصوصا الصحف اليومية، بل وصلت إلى حد نسخ الشعارات .
  وعلى أية حال ، فإن النسبة الكبيرة من الذين يرجعون إلى الصحف الرقمية هم من الشباب الذين لم يتعودوا على قراءة الجرائد الورقية لسبب أو آخر ، وإن ذلك يعتبر في حد ذاته كسبا كبير للمهنة و الصناعة والرسالة التي تؤديها ، وعلى الرغم الخوف حول مستقبل الصحافة المطبوعة وتراجعها أمام الصحافة الرقمية ، فإن هناك الكثير من الأفكار التي تراود أذهان الكثيرين حول إمكان إنقاذ هذه الصناعة العملاقة من الاختفاء ، والوصول بها إلى آفاق جديدة من النجاح والازدهار، وإن كان هذا يستلزم اتخاذ عدد من الخطوات الصعبة التي تساعدها على الصمود في وجه كل التحديات التي تلقاها من الإنترنت وبقية وسائل الإعلام ومصادر الأخبار والمعلومات الأخرى ، إذ يتعين على الصحافة الورقية أن تظهر في شكل جديد ومختلف تماما عما عهدناه خلال العقود الطويلة الماضية ، بحيث تحاكي التلفزيون بقدر الإمكان في أسلوبه المشوق في تقديم مادته الإخبارية المدعمة بالصور الملونة ، التي تنقلها من موقع الأحداث ، مع مراعاة نشر المقالات القصيرة الموجزة ، وتقديم أبواب جديدة مشوقة ، وإضافة ملاحق متنوعة . وسوف تستغرق هذه التغيرات بعض الوقت حتى تتحقق بكاملها على أرض الواقع ، وتتقبلها جماهير القراء الذين اعتادوا على قراءة الجرائد المطبوعة ، كما ترضى عنها جموع الشباب الذين أدمنوا على استخدام الإنترنت للبحث عما يرضي احتياجاتهم ويشبع رغباتهم المتنوعة والمتعددة في المعرفة و الاطلاع ، إلا أن ذلك كله يحتاج في الوقت نفسه إلى اتخاذ إجراءات أخرى مهمة تتعلق هذه المرة بتغيير أساليب التنشئة الاجتماعية والثقافية للأفراد منذ سن مبكرة ، بحيث ينشأون على حب الاستطلاع والإحساس ، و يشعرون بأنهم جزء من العالم الواسع الذي يحيط بهم والذي يتعين عليهم دائما معرفة أخباره وأحداثه ، وأن الوسيلة الأساسية لتحقيق ذلك هي القراءة ، وبخاصة قراءة الصحف اليومية، وقد يتطلب ذلك أن تخصص الجرائد جانبا من صفحاتها لثقافة الشباب ، مع اعتبار الاطلاع على هذه الجرائد جزءا من سياسة التعليم العام ، حتى تتعود الأجيال القادمة على قراءة الصحف ، بحيث تلازمهم هذه العادة طيلة الحياة ، وهذه على أية حال بمثابة فكرة تتردد في بعض الأوساط المتحمسة لإنقاذ الصحافة في الولايات المتحدة بالذات ، وقد تتحقق هذه الفكرة أو تتلاشى أمام كثرة التغييرات التي تحدث في مجال تكنولوجيا الإلكترونيات والاتصال ، وقدرة الصحافة على ملاحقة هذه التغييرات والاستفادة منها ، و بالرغم من كل الصعوبات التي تواجه الصحافة ، فإن التفاؤل لا يزال له مكان في المستقبل ، وللصحافة الورقية في ذلك أسوة باستمرار وجود الكتاب الورقي وتأثيره القوي في مجالات الفكر والثقافة والمعرفة المختلفة ، بالرغم من ظهور الكتاب الإلكتروني.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون