مسرح ومسرحيون

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

قاسم حول .. والسنونو العائد
 

مثري العاني
ولد قاسم حول في محافظة البصرة عام 1940 واكمل مراحل دراسته فيها، وبعد ان انهى دراسته الثانوية التحق بمعهد الفنون الجميلة ببغداد وتخرج منه عام 1961، ولقد استهواه المسرح منذ نعومة اظفاره فكرس حياته من اجله، فقد كان يلقي القصائد الشعرية وبحماسة في ساحة المدرسة منذ ان كان طالبا في الصف الرابع الابتدائي. وفي احد الاحتفالات القى كلمة واعقبها بقصيدة شعرية شعبية ثم بعدها شاهد عرضا مسرحيا فانبهر بما شاهد وتمنى ان يكون احد ممثلي العرض، وشرع في محاولاته الاولى لكنه فشل.
بعد ان انهى دراسته الثانوية عام 1958 انتقل الى بغداد وقضى سنة عابثة في كلية التجارة.
لقد كان يحلم بالمسرح والتمثيل وليس بدفاتر الصكوك والحوالات فترك كلية التجارة والتحق بمعهد الفنون الجميلة وبذلك اضاع سنة من عمره من اجل تحقيق غايته وحبه للمسرح.
كان قاسم حول معجبا بجان بول سارتر (الفيلسوف الوجودي الفرنسي) ويحب مسرحياته وكانت اراء وافكار سارتر هي السائدة في ستينيات القرن الماضي واهمها فلسفته الوجودية التي استقطبت العديد من شباب اوروبا والعالم ولم يكن يهتم بالمسرح الكلاسيكي فقد كان التجديد مطمحه لذلك اعجب بمسرحيات توفيق الحكيم القصيرة وكذلك اعجب بستانسلافسكي رائد المسرح الواقعي في التمثيل المسرحي ويرى ان نجاح الممثل بدوره يتطلب منه ان يدرس اسلوب المؤلف والمسرحية التي عاشها وكتبها وان يقرأ كل ما كتب عن المسرحية ومؤلفها ليستطيع ان يوصل رؤى المؤلف وافكاره الى المتلقي.
لقد احدثت ثورة 14 تموز 1958 الوطنية قفزة نوعية في حياة قاسم حول وفتحت امامه آفاقا واسعة ومشرعة وجعلته ينظر الى العالم نظرة متفائلة لتحقيق غده المنشود والمجتمع الموعود فساهم بفعالية ونشاط لتدعيم الحركة المسرحية تأليفا واخراجا وتمثيلا.
نشر قاسم حول خمس مسرحيات في مجموعتين هما:
1-الكراج الخامس وتضم!.
أ.الكراج الخامس
من فصل واحد.
ب.غرفة للايجار
من فصلين
وقد صدرت هذه المجموعة عام 1961.
2-المجموعة الثانية عودة السنونو وتضم المسرحيات ادناه:
أ.عودة السنونو
من ثلاثة فصول.
ب.المهرج
من فصل واحد.
3-البيت
ذات ثلاث لوحات.
مسرحيتا الكراج الخامس وعودة السنونو باللهجة العامية البغدادية، اما مسرحيتا المهرج وغرفة للايجار فهما باللغة الفصحى.
مجموعة (عودة السنونو) صدرت عن منشورات دار الحكمة، انه يوضح تاريخ كتابة كل مسرحية، فمسرحية عودة السنونو كتبها في بغداد عام 1962، ومسرحية المهرج كتب قسما منها عام 1963 في شهر آب في (فينا)، واتمها في البصرة عام 1965 وهو في وضع مرتبك نفسيا، اما مسرحية البيت فقد كتبها عام 1966، واهداها الى حميد رشيد.
أول مسرحية كتبها قاسم حول في عام 1959 وهي مسرحية (الكراج الخامس) اما آخر مسرحية كتبها فكانت مسرحية (البيت) عام 1966 وقد اهداها الى صديقه حميد رشيد أحد النقاد في عصره.
لم يستفد قنان عراقي من حجمه مثلما استفاد قاسم حول، وتأكيدا لذلك يقول حميد رشيد انه دخل المسرح من السقف وان الانسان الذي يدخل الى المسرح من السقف اما ان يكون فأرا او ان يكون من افضل العاملين في المسرح، وعليه فقد استطاع قاسم حول ان يحوز اعجاب الاخرين لانه تجاوز مرحلة الفشل باثبات وجوده ككاتب وفنان مسرحي.
ملامح مسرح قاسم حول
تتصف مسرحيات قاسم حول بأن شخوصها بسيطة لكنها تحمل امالا عريضة احداثها سلسة بدون أي تعقيد، مجمل الشخوص من مستويات اجتماعية مسحوقة ماديا وفكريا، فضلا عن اصابة الشخوص بالاحباط نتيجة عدم قدرتهم على تحقيق قفزة نوعية نحو وضع اجتماعي افضل.
ففي مسرحية (الكراج الخامس) يحاول اكبر افراد العائلة ان يتزوج لتحقيق الاستقرار العائلي فيطلب من شقيقه التنازل عن نصف حصته مما ادخراه لتحقيق هذه الغاية وعند الاقتراب من تحقيق هذه الرغبة بعد ان اقتنع شقيقه بالطلب يفاجأ الجميع بمالك الدار يطالب باخلاء الكراج المشغول من قبل العائلة لاستعماله (كراجا خامسا) لسيارة اقتناها ما يوقعهم بإحباط واشكالات لا يمكنهم تجاوزها بسهولة ومنها يتضح الفارق الاجتماعي بين العائلتين عائلة لا تملك مسكنا لهم فتسكن في كراج دار فيها كراجات وسيارات تشغلها.
وهو نفسه الشيء الذي يحصل في مسرحية (غرفة للايجار) التي تنتهي بخلاف مع صاحب الدار والشاب الذي يحب ابنته حيث يطلب منه صاحب الدار ترك الغرفة لتأجيرها الى احدى العوائل لعدم اتفاقه معه بالرأي ما يوقعه (أي الشاب) بالاحراج فهو شاب مثقف شغوف بالمسرح يتطلع نحو الاستقرار وبناء عائلة سعيدة ما يدفعه لاقناع ابنة صاحب الدار بأهمية المسرح ومطالعة الكتب ومتابعة النشاطات الادبية والفنية وصولا لقلبها والزواج منها.
افضل مسرحيات قاسم حول هي مسرحية (عودة السنونو) وهي من ثلاثة فصول وكأنها جزء من السيرة الذاتية للمؤلف.
شخوص المسرحية متكونة من عائلة تضم الاب والام وساهر وماهر وزهرة ونعيم تسكن هذه العائلة في غرفة ضمن بيت يحوي اكثر من عائلة. وقت المسرحية ايام الخريف حيث يبدأ طير السنونو بالهجرة بحثا عن الدفء، واعمار الاولاد متقاربة اكبرهم ساهر والاب يبلغ من العمر اكثر من (50) عاما وهو معيلها الوحيد لعدم وجود من يساعده في مصروفات البيت والابن الكبير ساهر طالب، والاب يعاني متاعب لا حصر لها من اجل توفير لقمة العيش لعائلته فهو في مشكلات دائمة مع زوجته واولاده. الابن الاكبر (ساهر) كما ذكرنا طالب ثانوي يحاول ان يجد له عملا او وظيفة لمساعدة والده والتخلص من مشاكساته و(عراكه) المستمر من دون جدوى مع والده لذا يسعى نحو مراجعة مستمرة لدوائر الدولة لهذا الغرض لكنه لا يفلح في مسعاه. وساهر يهوى المطالعة واقتناء الكتب ومتابعة اصداراتها ما يضطر والده في نوبة غضب واحباط الى تمزيق هذه الكتب التي يعتبرها سبب البلاء، هذه الحالة تدفع الابن ساهر للتفكير بالسفر والهجرة ليجد له عملا ويتخلص من متاعب والده وانتقاصه منه لكن محاولته تبوء بالفشل فقد سبق وان حاول محاولة قبل هذه وفشل ايضا فيعود ادراجه خائبا لتبدأ المشكلات من جديد.


الذوق البورجوازي
 

أ.د.عقيل مهدي يوسف
في مطلع القرن المنصرم تنادى المسرحيون الى ضرب جديد من الفن يخرجهم مما هم عليه من مشابهة للشكل الحياتي اليومي..
وان كان الجمهور يرى
مثلا- عرائس تقلد "الآدمي" في تصرفاته، وحركاته وسكناته، فان المخرج الفرنسي (ليونييه) اراد شيئا مختلفا، حينما جعل ممثله يقلد الدمية!!
وحكاية هذا المخرج تقترن بعرض مسرحية (أوبوملكا) التي قدمها على المسرح الجديد في عام (1896).
دميتان تقتلان ملكاًِ، هما الاب اوبو وزوجته بكل ما يعني الجشع والحماقة من قذارة منفرة.
كانت خشونة الشارع، وبعض من البذاءات السافرة، منعكسة في هذا العرض (الكاريكاتوري).
واختفت المناظر الثقيلة، وحلت محلها قطعة قماش للخلفية ورسمت مفردات توحي بالغرابة: سرير تحته (مبولة) وشجرة وثلج وافعى ومشنقة وهيكل عظمي وبحر وريف وموقد وساعة وشمعدان.
ثم يظهر الممثل بلحية بيضاء، امام الجمهور ليثبت اعلانا.
اذاً اختفى ذلك السحر القديم فجأة عن طبيعة الاداء التمثيلي التقليدي فالممثل يقدم نفسه ممثلا! وليس شخصية في عالم غامض غريب من الحكايات الروائية البعيدة عن واقع الناس المعيش.
وهذا الممثل يبحث عن طرق جديدة للتأثير في المتلقي، حيث يحشو بطنه، ويضع خرطوما يتدلى من قناعه بدلا من انفه، ويعتمر قبعة مستديرة سوداء وعصا وزجاجة تتدلى ايضا ويستبدل صولجان الملك بفرشاة (التواليت)!!
هذه الرغبة الدفينة في الاساءة الى الق السلطة، والى شخصية الحاكمين، ما زالت تجد الفرصة مواتية لها بين صفوف المذلين والحانقين من الناس ومنهم الفنانون، وحين ظهرت الام اوبو، كانت ترتدي ملابس بواب بقبعة مثقلة بالورود والريش، للامعان باهانة الذوق التقليدي والشائع عند جمهور كان في السابق يتعطش لرؤية المرأة بكامل بهائها والقها وحشمتها وفتنتها!! شخصيات العرض تحولت فجأة الى مهرجين اغبياء، من النمط البرجوازي التافه، وهم يتخبطون في جشعهم وغلظتهم وادمانهم.
ووصل الامر بالمؤلف جاري الى ان يقترح اسما لتجربته في الكتابة هو (علم الباتافيزيقيا)، يريد فيه التوصل الى حلول خيالية، وهي بمثابة قوانين تضبط الاستثناءات!! لينتقد القساوة في العالم كما يدعي.
وحتى الموت لم يسلم من الزراية به!! اذ حين وافت المنية جاري لم يطلب قسا.. ولا تلاوة مقدسة تهدئ من روحه القلقة، المضطربة، بل كان طلبه الاخير عوداً ينكث به اسنانه!!
لا ندري مقدار ذلك الحماس الذي قوبلت به تجارب هؤلاء المتمردين على الذوق العام في تلك الفترة، لكن الثابت انهم اجتذبوا الى ذائقتهم شباباً جدداً، تواصلوا مع هذا المنحى التخريبي للذوق البرجوازي المسرحي السائد آنذاك.


الارهــاب والمـســـرح فــي الـبـصــرة
 

البصرة /عبد الحسين الغراوي
شهدت قاعة عتبة بن غزوان العديد من المسرحيات التي قدمها شباب مبدع تأليفاً و اخراجاً واشرافاً فنياً وادارياً.
هذا ما قاله الفنان يوسف كاظم الحجاج.. عندما تحدث عن مشاركته في مسرحية (الدستور بين الارهاب والناس) من تأليف واخراج الفنان محمد قاسم وقدمتها جمعية السياب للثقافة والفنون ليومي 7و 8/8/2005 على قاعة عتبة بن غزوان. يقول الحجاج: في هذه المسرحية الشعبية الكوميدية قمت بشخصيتين وانا سعيد جداً بان ارى اشراقة المسرح البصري تبزغ من جديد في زمن العطاء في العراق الجديد، وسبق للفنان يوسف كاظم ان اشترك باعمال عدة مع المرحوم جبار صبري العطية وقدمها في مهرجان بغداد وحصلت على الجائزة الاولى لمسرح الطفل. وفي مهرجان بابل شارك في مسرحية (مملكة الوهم).
المخرج محمد قاسم قال ان المسرحية تثقيفية من مشهدين وهي على صيغة برنامج ضيفنا فيه شخصيتين صحفيتين لكل منهما رأيه بمجريات ما يمر به العراق من احداث وهما الدستور والارهاب. ثم يضيف ـ نحن بحاجة الى انشطة مسرحية توازي سمعة المسرح البصري الذي يشكل ارثاً ابداعياً متميزاً على مدى سبعة عقود.. الشاعر علي العضب ـ عضو لجنة حوار المسرح ـ قال عن رأيه بما يقدم من اعمال مسرحية:
ـ نحن جماعة حوار من اجل تطوير المسرح البصري ـ ما زلنا نعاني من عزلة في الحركة الثقافية وعدم وجود دعم وذلك بسبب عدة عوامل منها: الوضع الأمني واغفال واهمال الفنانين والمثقفين وتعرضهم للاعتداء من قوى متعددة اضف الى ان الكثير من المواقع والمباني الثقافية ما زالت محتلة من جهات وعوائل.. هذا الامر حرم الفرق المسرحية والفنية من ان تأخذ دورها في ايصال الفكر الوطني لبناء العراق ومن اجل مستقبله الزاهر.


آلية التجريب المسرحي
 

بلاسم الضاحي
ليس هناك تعريف جامع مانع للتجريب كونه نشاطاً شخصياً ينطلق من حاول تعريفه من تجربته الشخصانية وكيفية اشتغاله في حقله التجريبي، ولحداثة نشأته في المشهد المسرحي ولم يتحول بعد إلى منهج معتمد أسوة بالمناهج والمدارس المسرحية التي تأصلت ووضعت أسسها وقواعدها وأكتمل بناؤها وتخطت مرحلة التجريب الذي بقي بابا مفتوحاً يدخل منه من يشاء لذلك كثرت التعاريف واشتبكت الرؤى ولم يتبلور تعريف معتمد ، وبمحاولة لإيجاد تعريف يلامس الشمولية ويقترب من خصائص التجريب التي لم تكتمل بعد ولم تلم شتاتها الموزع على أنحاء العالم على مستوى مختبرات تجريبية أو محاولات شخصية لكثير من المخرجين، نجد من الضرورة أن نشير إلى التعريف الذي ورد في ( معجم المصطلحات الدرامية والمسرحية ) الذي يقول إن التجريب (هو المسرح الذي يحاول أن يقدم في مجال الإخراج أو النص الدرامي أو الإضاءة أو الديكور ... الخ أسلوبا جديدا يتجاوز الشكل التقليدي لا بقصد تحقيق نجاح تجاري ولكن، بغية الوصول إلى الحقيقة الفنية، وعادة ما يتحقق هذا التجاوز عن طريق معارضة الواقع والخروج إلى منطقة الخيال ، بل والمبالغة في ذلك الخروج في بعض الأحيان) ، وفي مهرجانات القاهرة للمسرح التجريبي حاولوا تحديد تعريف فجاءت تحديداتهم متنوعة ومتباينة نأخذ منها : -
1
التجريب هو التمرد على القواعد الثابتة 2هو المزج بين الحاضر والماضي
3
كل مسرحية تتضمن نوعا من التجريب 4التجريب عملية معملية 5إن كل إبداع تجريب ... الخ من التعريفات التي تبقى في إطار التجريب والأجتهادات المتباينة المنطلقة من فهم ( المعرّف ) على وفق آلية اشتغاله التجريبية .
وارى أن اقرب تعريف للتجريب ما جاء من الأستاذ فرحان بلبل في كتابه الموسوم ( المسرح التجريبي الحديث عالميا وعربيا ) يقول : التجريب ( بحث عن وسائل جديدة تغاير الوسائل الفنية السائدة بغية تقديم رؤية جديدة للعالم ) وهذا التعريف يقودنا إلى القول أن المسرح بدأ تجريبيا منذ نشأته الأولى وسيظل كذلك . وكون المسرح فنا يخضع لقوانين أسوة بسائر الفنون الأخرى نقول :
يقوم التجريب وفي كل العلوم على مرتكزات أساسية ثلاثة هي:-
1
وضع افتراضات 2صياغة مصطلحات 3إبداع مفاهيم.
ويمكن تقسيم التجريب على وفق مساحات اشتغاله داخل مثلث ( افتراضات ، مصطلحات ، مفاهيم ) إلى مستويات : -
1
المستوى التجريبي الشخصي/
الذي يهتم برسم الخطوط البيانية لتجربة الفنان الشخصية التي أما أن تعتمد على نتائج تجارب الآخرين أو على افتراضات الفنان المبتكرة ومحاولة تطويرها بالتجريب للوصول بها إلى (البديهية) التي تدعو الآخرين للانطلاق منها معتمدين على ما صاغه مبدعها من مصطلحات وما أبدعه من مفاهيم نتجت عن افتراضات اشتغل عليها التجريب وأثبت بداهتها خروجا من مستواها النظري وصولا إلى التداول المدرسي الذي احكمه المنظّر ووضع قوانينه وأحكامه .
2 - المستوى التجريبي العام /
وهذا متداخل مع المستوى الشخصي الذي ينطلق من شخصانية الفنان ويصل إلى عمومية التداول بعد اجتياز مرحلة التجريب ( ألتنظيري ) وصولا إلى البداهة ، الراسخة ، المقوننة بضوابطها الجاهزة للارتكاز عليها بإنتاج عمل فني يتبناه الآخرون على وفق ضوابطها ، قد يحاول احد منهم تفكيكها وإعادة صياغتها من جديد ليدخلها مرحلة التجريب مرة أخرى بما يتوافق مع مفاهيمه فيفترض ويصوغ ويبدع وهكذا يبقى ضمن حقل التجريب إلى أن يتحول إلى ( بديهية ) أخرى متداولة يرتكز عليها الآخرون .
من هنا بدأت كل العلوم ( تجريبية ) منذ نشأتها ومرورا بتطوراتها التاريخية والى ما لانهاية والفنون المسرحية المنصوص منها والمعروض هي أحد أجناس هذه العلوم الإنسانية ولنأخذ مثالين قريبين : -
الأول / مسرح ستانسلافسكي /
الذي بدأ تجريبيا وخارجا من تقاليد مسرحية مهيمنة مقدسة وافترض نظرية ( إعداد الممثل ، التقمص ) بالنسبة للممثل و ( الإيهام ) بالنسبة للمتفرج واشتغل في مختبره التجريبي على روحية الممثل وتطويع جسده لتحقيق فعله الأدائي في لبس الشخصية وتقمصها لأيهام المتفرج بواقعية ما يقدمه وفرضه عليه بالإيهام الزماني والمكاني ، فافترض النظرية وصاغ مصطلحاتها وأبدع مفاهيمها الجديدة .
الثاني / المسرح البرشتي /
الذي افترض نظرية مسرحية جديدة وصاغ مصطلحا جديدا لنظريته سماه (المسرح الملحمي أو التغريب) وأبدع مفاهيم جديدة من داخل وخارج افتراضات (ستانسلافسكي) التي تحولت من نظرية خاضعة للتجريب إلى بديهية متحققة في المشهد المسرحي العالمي لايمكن الحياد عن قوانينها الحتمية في أي عمل مسرحي محقق أو مفترض، غير إن (برشت) هدم هذه البديهية مجربا في مختبره المسرحي ومفترضا نظريته في كسر (الإيهام) لدى المتفرج وإلغاء (التقمص) لدى الممثل وكسر التكوين ألبنائي الآرسطي لمراحل نمو النص المسرحي فكلا النموذجين بدأ تجريبيا ووصل إلى بديهي راسخ وهكذا في التجريب المعاصر وما سيأتي منه .فالتجريب في المسرح يجب أن يفهم على وفق ما يفترض سواء كان مبنياً على تجارب سابقة أو اختراعاً جديداً ويشمل التجريب كل مكونات العرض المسرحي بدءا من النص وانتهاء بالمتفرج مرورا بأدوات العرض الأخرى ، الإخراج ، الممثل ، الإضاءة ، الماكياج ، الديكور وكل سينوغرافيا العرض .
التجريب يدخل في إطار الفعل الذي يباده المتلقي فهو يتناقض مع ما يحمل هذا المتلقي من أشياء متعارف عليها ( مألوفة ) فهو يتجاوز حتى الجديد ويناقض السائد وهو فعل مدروس وغير عفوي يحاول أن يجد له مرتكزات تجعل له وجودا مؤثرا فهو يحرك الراكد ويجدد باستمرار إذ يجب أن يفضي التجريب إلى تجديد وكل تجديد بالضرورة يمر بالتجريب .


(بدي كارد) في بغداد!

 

عبد الخالق كيطان
ذكرت أنباء صحفية نشرت في بغداد رفض النجم الجماهيري الكبير عادل إمام عرضاً مغرياً كان قدمه له أحد رجال الأعمال ممن لديهم مشروعات استثمارية في العراق لتقديم مسرحيته المعروفة: البودي كارد، مرة أخرى من على خشبات المسارح العراقية في بغداد. وبعيداً عن احتمال صحة هذه الأنباء من عدمها فأن الموضوع برمته يبدو مناسبة جديدة لإثارة قضية تعاطي النخب العربية مع ما يحدث في العراق من إرهاب مجاني يومي يذهب ضحيته المئات من العراقيين الأبرياء.

تقول الجريدة العراقية:
(قدم أحد رجال الأعمال ممن لديهم عدد من المشروعات الاستثمارية بالعراق عرضا مغريا للفنان عادل إمام ليقدم مسرحيته "بودي كارد" على خشبات المسارح بالعاصمة العراقية بغداد. ولكن الزعيم رفض العرض الذي تبلغ قيمته مليون دولار بسبب النصيحة التي وجهها له العديد من الاصدقاء بعدم السفر الى بغداد نتيجة لما تمر به من ظروف أمنية غير مستقرة. جدير بالذكر ان الفنان عادل إمام كان قد قام عقب انتهاء عرض "بودي كارد" وأثناء تحية الجمهور الذي وصل إلى مايقرب من 1500 متفرج بتوجيه كلمة ندد خلالها بالإرهاب ودان حادث شرم الشيخ. وأكد عادل إمام في نهاية عرضه رفضه الإرهاب الذي يهدد حياة الابرياء قائلا "ان جميع الاديان تدعو للسلام والحب وخاصة الإسلام".) إنتهى الخبر...
كاد الفنان الكبير عادل إمام سابقاً أن يكون ضحية لرجال الأعمال المصريين الذين أقاموا صلات مشبوهة وعقدوا صفقات تجارية كبرى مع حكومة نظام صدام، وعلى رأس هؤلاء عضو مجلس الشعب المصري عماد السعيد الجلدة(هل تتذكرونه؟؟؟)، الذي صرح مفاخراً للصحف العراقية غير مرة بأنه عازم على نقل مجاميع ضخمة من الفنانين المصريين للعراق تضامناً مع شعبه بوجه الحصار الدولي، وبالفعل فقد وفى الجلدة بوعوده عندما استطاع أن يحضر العشرات من الفنانين المصريين إلى العراق، ولعل فينا من يذكر ما رافق تلك الرحلات الاستثمارية من ضجيج إعلامي في مصر والعراق والخليج العربي وبعض العواصم الأجنبية التي كانت تحتضن صحف المعارضة العراقية أنذاك، ولا بأس في الإشارة إلى أبرز النجوم الذين حلوا في ضيافة صدام حسين الشخصية وبطائرات خاصة على حساب السيد الجلدة، مثل الفنانة رغده(كان يلقبها الطاغية تحبباً بأم محمد) والفنان محمد صبحي وعدد من الفنانين والصحفيين والأدباء، ولكن سيرة النجم عادل إمام كانت قد افترقت وسيرة هؤلاء عندما عرض مسرحية البودي كارد ذاتها من على خشبة المسرح الوطني ببغداد في العام 2001 ، حيث نأى بنفسه عن المثول بين يدي حارس البوابة الشرقية، كما شدد على رفضه إجراء أي مقابلة من أي نوع مع الصحافة العراقية كما غاب عن القنوات التلفزيونية العراقية أنذاك في مؤشر واضح على موقف هذا الفنان من إعلام السلطة التي كانت قد تعاملت بحفاوة منقطعة النظير مع زملائه المذكورين، فكان موقفه هذا لافتاً ومؤثراً بالرغم من كل شيء.
هذه المرة يعود رجال الأعمال، وبالتأكيد أن السيد الجلدة ليس من بينهم، فثمة يافطة جديدة للاستثمار في السوق العراقية تروج هذه الأيام غير يافطة الحصار التي كان يجيد تعليقها والتصريح بها لتصبح مانشيتات للصحف العراقية، السيد الجلدة ليس معنياً بهذه اليافطة عملياً بعد انتهاء الحصار المفروض على العراقيين مع سقوط نظام صدام في العراق.
أن يذهب عادل إمام إلى بغداد أو لا يذهب محض شأن خاص في أحسن الأحوال، ولكن ما يجب التعليق عليه في هذه المناسبة هو الموقف المتناقض من قضية الإرهاب، فما حدث في شرم الشيخ هو إرهاب رسمي أجبر الفنان عادل إمام، وآخرين غيره، على التنديد به علانية، وما يحدث في العراق إنما هو لبس بين مصطلحين شديدي الغموض هما: الإرهاب والمقاومة، ولذلك لا يجد الفنانون والنخب العربية بداً من الهروب من مواجهة هذين الاصطلاحين وإدارة ظهورهم لها، وهي محنة ونكتة في الآن ذاته، ذلك أن ما يتعرض له العراقيون أكبر من إرهاب وأكبر من أعظم الجرائم التي أقترفت بحق الإنسانية.
والآن لنتصور، مجرد تصور طوباوي، أن يذهب الفنان عادل إمام بمسرحيته إلى بغداد فعلاً، وفي هذه الظروف الخطرة بالذات، فماذا ستكون نتائج ذلك؟
من المؤكد أن المئات من حملة الأقلام العربية سينبرون لتخوين هذا الفنان ووصمه بأسهل الإتهامات، وهي: الأمبريالية، والصهيونية، والعمالة للاستعمار والاستكبار والاحتلال وما إليه. فيما سيجد بانتظاره في العراق مئات الآلاف من المواطنين ممن يتوقون لابتسامة بسيطة ليس بقادر على زرعها في وجوههم غير عادل إمام ذاته الذي يتربع على عرش الكوميديا العربية في النصف قرن الماضي. بل أستطيع الجزم هنا بأن صالة المسرح التي ستحتضن عرض البودي كارد ستشهد زحاماً لا نظير له بالرغم من حشود الرعاع، أو قل طيور الظلام بلغة إمام نفسه، والتي تحاول إدامة صورة الكآبة على الوجوه العراقية الحزينة.
بالطبع نحن لا نصور العراق اليوم باعتباره واحة سلام وأمان، خاصة وأن دم السفير المصري في العراق لما يبرد بعد، ولكن من ناحية ثانية فإن التسليم بالقدر الكارثي الذي يرسمه الإرهابيون في شوارع مدينة السلام كل يوم يعد حقاً من أسوأ الأفكار التي قد تخطر في بال.
العراقيون اليوم بحاجة ماسة لنصرة الأصدقاء والأشقاء على حد سواء.
وإنه لمن العجب العجاب أن لا نستثمر الفنون الإنسانية، من موسيقى وغناء ومسرح، في محاربة الإرهاب الوافد والمقيم في العراق، ومن أجل وقفة إنسانية مشرفة مع شعب تنتهك حياته في كل لحظة لأسباب مختلفة وتبقى النتائج الكارثية لهذا الانتهاك واحدة .
فهل يفعلها النجم عادل إمام ويكون اليد العربية الأولى التي تمتد لتداوي بعضاً من جراح العراقيين؟

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة