|
مدينة
الموصل نموذجاً ..
المدن العريقة مكان تصغر
فيه الاختلافات ويكبر فيه الإبداع
احمد الجميلي
المدن العريقة في العالم ، تشبه البشر وتتنفس كما يتنفسون
، وتعيش كما يعيشون وتتصرف كأنها كائن حي عمره مئات ،
وربما آلاف السنوات.. يجد المرء فيها نكهة الزمان والمكان
، ويحظى فيها كذلك برؤية التقاليد الحضارية المستقرة وقمم
الابداع البشري لأجيال تركت بصماتها في المكان وغادرت..
وفي المدن القديمة يتآخى الناس بغض النظر عن انتماءاتهم
الشخصية ، سواء كانت مذهبية أم عرقية ، حيث يذوب الجميع في
نهر العراقة ومهابة القرون وعمق الصلات والقرب الشديد الذي
يغلب بطبعه على جميع الولاءات الأخرى مهما كانت قوية أو
اصيلة ، لأن هذه المدن تعمل مثل كيان لام يتولى مهمات
الامساك بجميع التفاصيل والنتوءات ولمّها في نسيج واحد
كبير ، يأخذ صورته ، ويشكل شخصيته من صورة المدينة
وشخصيتها. وبهذه الصورة فان المدينة تنوب عن أهلها وتقوم
بمهمات التعريف بهم وتقديمهم على أنهم صورة من نسيج تاريخي
عريق أختبرته السنوات والعقود والقرون واختبرها بدوره .
هذا الذوبان والتفاعل المتبادل بين الانسان ومدينته نعبّر
عنه نحن في حياتنا اليومية أصدق تعبير بقولنا. البغدادي
والبصري والموصلي والحلي والنجفي والدمشقي والطرابلسي ،
حيث تحل المدينة محل الصفات الأخرى كلها في توصيف المرء
ولهذا السبب ايضاً نجد ان جيمس جويس وضع عنواناً لاحدى
رواياته من اسم مدينة وعلاقتها بأهلها فأسماها -الدبلنيون-
اشارة إلى أهالي دبلن . وهي مدينة غنية شائكة مليئة
بالاحتمالات . اختصر الروائي اختلافاتها ومكوناتها في
مفردة واحدة لأمة هي اسم المدينة ولم يذهب إلى اية مفردة
أخرى . ان الانتماء إلى المدن التاريخية التراثية له معنىً
يفرض حضوره في بناء نتاج خاص وروحية مميزة تطبع صاحبها
ببصماتها إلى درجة اننا نحس بوجود هذا العمق الموغل في
الزمان فيه ، ونحس فيه كونه وريث كنوز مهمة وضاءة في
العلوم والمعارف.. هذه هي احدى مزايا الانتماء إلى المدن
المهمة ومنها مدينة الموصل ، صاحبة العمق والريادات
والأدوار والمواقف المتقدمة ، ولعل هذا الانتماء من القوة
والعراقة بحيث ينتقل بصاحبه إلى الرموز الشاخصة في تكوين
هذه المدينة ويراها امتداداً طبيعياً له كما هو حال
امتداداته الأسرية والوراثية. فعندما يقف أمام أي صرح ديني
أو ثقافي أو حضاري يحس بأنه جزء منه وانه يعرفه بحكم الدم
والنسب وانهما يتبادلان الانتماء إلى بعضهما.. ولعل ما
يزيد الأمر عمقاً هو التنوع المتبادل ، فالناس في المدن
التاريخية العريقة متنوعون لأن هذه المدن تتشكل بوصفها
عامل جذب على امتداد الحقبات التاريخية ، هذا الجذب يستجلب
اليها اناساً مختلفين من مختلف القوميات والأديان والمذاهب
. يأتون تباعاً وينصهرون في نسيجها العام ويصبحون جزءاً من
كيانها وشخصيتها وتكوينها . كذلك فان هذه المدن ذاتها تنام
على تنوع واسع في اتجاهات الابداع والحضارة المختلفة .
واذا أخذنا الموصل مثالاً نجد أنها في أحد أبسط توصيفاتها
تسمى مدينة الانبياء والاولياء والشهداء والصديقين ، وفي
هذا دلالة على غناها الروحي وعمقها لأنها تحمل اسماء
انبياء الله ، مثل جامع النبي يونس ومعلوم ان نينوى هي
مدينة ذي النون ، صاحب الحوت وهو النبي يونس الذي دعا
اهالي نينوى إلى الله مرتين على ظهر تل التوبة - الموقع
الذي يشغله الجامع حالياً والذي يعد موقعاً دينياً للعبادة
للعصور كلها وتوجد تحته آثار آشورية تدلل على انه كان
معبداً يومذاك - والذي ابتلعه الحوت ولفظه هناك ، وجامع
النبي شيت وجامع النبي جرجيس وجامع النبي دانيال والمراقد
العديدة من أمثال مرقد السيدة زينب بنت الحسين بن الامام
علي بن ابي طالب عليهم السلام ومرقد الشيخ فتحي ومرقد
الامام يحيى بن القاسم ومرقد الامام ابراهيم ومرقد الامام
عبد الرحمن إضافة إلى الكنائس والاديرة المشهورة مثل كنيسة
اللاتين وكنيسة الساعة ودير مار متي ودير مار كوركيس
وكنيسة السيدة العذراء ومراقد واضرحة الايزيدية في الاطراف
الشمالية الشرقية لمدينة الموصل . والموصل مدينة تنوع
ابداعي اصيل فهي مدينة الشاعر العربي المجدد ابي تمام الذي
كان يعمل فيها ساعياً للبريد استطاع ان يطور قصيدة الشطرين
وان يبث فيها دماً جديداً يتمثل في الانحراف اللغوي
والدلالي والقصدية العالية البعيدة عن روح المباشرة إلى حد
ان أحد مستمعي شعره سأله : لماذا لا تقول ما يفهم ؟ فأجابه
بسرعة بديهيته المعروفة : ولماذا لا تفهم ما يقال ؟ وفيها
ابناء الاثير المعروفون بعطائهم كمؤرخين بارزين وفيها ابن
الشعار الموصلي صاحب كتاب -عقود الجمان في شعراء هذا
الزمان -الذي يقع في عشرة مجلدات والذي كانت جامعة الموصل
قد التزمت وألزمت نفسها بتقديم اول طبعة لهذا الكتاب
المخطوط فقدمت الجزء الثالث المحقق هدية للقراء في ظل حلول
عيد اليوبيل الفضي للجامعة في اليوم الأول من نيسان من
العام 1992 . وفيها ابن جني الاديب واللغوي البارع وفيها
عثمان الموصلي المغني والموسيقار المشهور وقبله كان فيها
اسحق الموصلي وفيها ابن دانيال الذي يعد أحد مؤسسي المسرح
العربي ورائد مسرح خيال الظل . اضافة إلى غناها الاثاري
والفولكلوري ففيها آثار الحضر بما فيها من مرمر وأقواس
ومنحوتات وفيها آثار النمرود بما فيها من مصوغات وعاجيات
وفيها منارة الحدباء وبقايا الجامع الأموي وجامع الخضر أو
الجامع الأحمر وقرة سراي وباشطابيا وترقد تحت رمال تل
قوينجق أو -تل قوينجو- كما يسميه الموصليون مكتبة آشور..
أعظم مكتبات العالم القديم وأولها وأوسعها وفيها قصر
سنحاريب وأبواب نينوى وأبواب الموصل . وعلى حافات يارمجة
فيها يعثر الانسان على بقايا أول أنظمة الري في العالم
وأولى قنواته ، كما يعثر في نينوى على مسلة سنحاريب
للقوانين والتي سبقت مسلة حمورابي بمائة عام . عشرات
المفردات تليها عشرات المفردات ومئات الشواخص تنهض وراء
مئات الشواخص على امتداد المسار التاريخي لهذه المدينة
التراثية التاريخية العريقة ولا توجد مدينة أخرى تشابهها
أو تماثلها أو تقترب منها ومن صورتها في العمق والتكوين
والأدوار والتطور ، لان المدن القديمة تمتاز بأنها تهضم
التحولات الطارئة وتذيبها في كيانها الناضج حتى وان بدت
عليها آثار الاستجابة الميدانية لبعض هذه التحولات الطارئة
فلو أننا عدنا إلى الموصل في خمسينيات القرن العشرين
المنصرم أو مستهل الستينيات وسألنا موصلياً أو شاهداً حياً
عاين بنفسه أحداث السلب والقتل والنهب لوصف تلك الأحداث
بأنها هيمنت على روح المدينة وغلبت على طباعها ووسمتها
بوسمها بحيث انها سوف تظل مدينة ينتهك فيها كل شيء .
الانسان ومحيطه.. الا ان الموصل تعافت وغسلت الدم والجريمة
والظرف الطارئ ، فزال الاثر وبقيت هي حية خالدة.. وهي تخوض
اليوم تجربة أخرى الا انها أكثر حكمة وفهماً من موصل
الخمسينيات الماضية ويقيناً انها ستعالج هذا الظرف وهذا
التحول بحكمة وروح معنوية وتماسك أعلى واكثر رجاحة فتعبر
وتظل ممسكة بصورتها الحية الخالدة التي عرفت بها والتي
تعرف بها اليوم ايضاً وهي تخوض في بحر تحول آخر من بحار
التحولات الكثيرة التي مرّت بها عبر تاريخها . هذا التفاعل
تقدمه المدن العريقة مثل الموصل والكوفة وبابل والبصرة
والناصرية وقد صهرت مكوناتها معاً في قلب الشكل الذي يحيل
إلى المدينة ، أكثر مما يحيل إلى طوائفها وفئاتها وعناصرها
الداخلية ، لأن جميع هذه العناصر تشتغل في خدمة الشكل
النهائي الشامل ، الذي يمتص الاشكال الداخلية ويهضمها
ويجعلها جزءاً من شكله الخاص الذي يحيل إلى مدينة عريقة
ذات عمق وتاريخ وأدوار ومنزلة وذكريات محفورة في ذهن
العالم . زيادة على الغنى في العناصر المنتجة للثقافة
والصانعة لجبهة التحولات في العلوم والمعارف . ففي المدن
العريقة ومنها الموصل طاقات ابداعية كبيرة تتمثل في
المبدعين من مختلف الاجيال وفي مختلف أجناس الابداع ،
والذين يتعايشون معاً ، ويتبادلون التأثير في بعضهم وهناك
باستمرار اسماء كبيرة في الشعر والقصة والنقد والدراسات
الاكاديمية والرسم والموسيقا والمسرح والنحت وسواها من
ضروب وأجناس الابداع ، هذه الطاقات الابداعية تقابلها
اسماء مرموقة في العلوم المختلفة وفي مقدمتها الطب
والهندسة والاقتصاد وادارة الأعمال والرياضة.. وقد تعرض
عدد كبير من المبدعين والعلماء إلى قساوة الحياة من جهة
وواجهوا مخاطر التهديدات والتصفيات ، وآثرت أعداد منهم
الهجرة والرحيل عن المدينة ، الا انهم يظلون موصليين حتى
في منافيهم ومهاجرهم البعيدة . ومثلما ان الابداع لا جنس
له فان التهديد بدوره لا جنس له لأنه يصدر عن ارادة سوداء
عكس الابداع الذي يصدر عن ارادة بيضاء ناصعة
وضاءة . فالابداع والتهديد ، لا يصدر أي منهما عن طائفة أو
فئة أو طيف معين من أطياف المجتمع ، انهما يصدران عن
الانسان بحسب نزوعه إلى الخير أو الشر.. الابداع يصب في
اطار بناء المجتمع ، والتهديد يصب في اطار تهديم المجتمع..
ومن الطبيعي ان ينتمي الانسان بشكل خاص والناس بشكل عام
إلى الابداع ، وان ينبذوا التهديد ويزيحوه من حياتهم من
أجل ان تظل المدينة ، في سياق تطورها الطبيعي الذي يرتفع
بها وبأهلها باستمرار. |