اراء وافكار

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

العَـلم العراقي: مرة اخرى
 

د . خالد السلطاني

تثار مرة اخرى " قضية " تصميم عَلم عراقي جديد ، بدلا من العلم الذي استبدل انقلابيو 8 شباط 1963 الاسود به علم ثورة 14 تموز ، واضاف اليه الديكتاتور العراقي كلمتين بعد هزيمته الشنيعة اثر غزوته المشينة للكويت سنة 1990 ؛ واستمر اعتماده لحين الوقت الحاضر رغم سقوط النظام الشمولي في نيسان 2003 ، ويعاد بحث قضية العلم مجددا ، بعد ان سبق واثيرت في سنة 2004 من قبل مجلس الحكم ، وما تمخض عن تلك المحاولة اختيار علم جديد ، لم يكتب له الاعتماد رسميا .
وفي حينها اشتركت شخصيا في الحوار الذي دار وقتذاك بمقال " العلم العراقي الجديد : ملاحظات تنظيمية وفنية سريعة " ، حاولت ان اتصدى به لجدوى تنظيم " مسابقة علم " من دون ... متسابقين ، اذ اقتصرت المشاركة على شخص واحد قدم ثلاثة نماذج ، تم اختيار واحد منها، وقد قوبل هذا الاختيار بموجة من الانتقادات ، التى اتسم جانبا منها بالمهنية والكثيرمنها ببعدها عنها ؛ الامر الذي ارتؤي على اثره تجاهل العلم المختار وحتى" نسيان " عملية تنظيم مسابقة اخرى تعوض سابقتها وتحظى بمصداقية مهنية ، تكون كفيلة بالخروج بنتائج مرضية وشفافة .
اليوم تتبين اهمية الاراء المهنية التى قيلت عن مسابقة العلم ، .. والعلم ذاته . ومن المفيد ثانية ان ندلو بدلونا في هذه القضية ، يحدونا امل بان تكون اجراءات تنظيم مسابقة علم دولة العراق الفدرالي هذه المرة ، متطابقة الى حد كبير مع ما هو متعارف عليه في هذا الخصوص اقليميا ودوليا ً . ويتعين التذكير مرة اخرى بان علم العراق المستقبلي سيكون " راية " جميع العراقيين بكل تنويعاتهم الاثنية والثقافية ، الامر الذي يستوجب ان يكون التصميم المقترح على درجة عالية من الرمزية والفنية المميزتين . وفي اعتقادنا ان بلوغ هذا الهدف يكمن في وضوح المنطلقات وشفافية عمل لجان متخصصة مهمتها تنظيم تلك المسابقة والدعوة للمساهمة بها وتقييم الاعمال المشاركة ومن ثم اعداد توصية بتسلسل النتائج الى الجهات المختصة وتحديدا الى " مجلس النواب " لتصديق تلك التوصية واعتمادها رسميا ؛ً بمعنى آخر يتعين في هذا المجال تسمية لجنتين منفصلتين احداهما تنظيمية واخرى تحكيمية / تقويمية ؛ اللجنة الاولى ، وهي ما تعرف بلجنة الاعتماد مهمتها اعداد وثائق مسابقة العلم وشروطها ودعوة المشاركين للمساهمة فيها وتحديد فترة زمنية واقعية ومحددة للانتهاء من التقديمات . ونرى هنا ، ان تكون الدعوة مفتوحة ولكن ضمن شروط تحددها اللجنة ، وان يروج لها على نطاق واسع بدعوة جميع العراقيين المهتمين سواء كانوا في الداخل او في الخارج ، ولا بأس ان يساهم بها فنانو البلدان العربية وربما حتى اشراك الفنانين المحترفين العالميين فيها ؛ بيد ان كل ذلك وغيره من الامور الاخرى سيترك لاجتهاد لجنة الاعتماد وقراراتها التى ستكون ملزمة لجميع المشاركين بالمسابقة .
ونأمل ان يكون اعضاء اللجنة الثانية : لجنة التحكيم مؤلفة من اشخاص مهنيين عرفوا باحترافيتهم العالية وثقافتهم الرفيعة ؛ وبما ان موضوع المسابقة يتعدى الموضوع الفني الخالص ، فاننا نقترح ان يكون ضمن اعضاء لجنة التحكيم احد الاختصاصيين في تاريخ العراق الحضاري مع ممثل عن رب العمل ، وهو في هذه الحالة " مجلس النواب " ، بالاضافة الى اعضاء اللجنة الاخرين ذوي الاختصاصات الفنية والتشكيلية . ونتوقع ان تكون اعداد المساهمات كثيرة جدا ، ولهذا فان مهمة التحكيم ستكون عملية مضنية وطويلة ، تستوجب ضرورة تأليف لجان استشارية مساندة من اختصاصيين محليين واقليميين ودوليين ، تكون مهماتها ابداء المشورة اللازمة من دون حق التقييم . بالطبع ان اشارتنا الى مثل هذه الخطوات الاجرائية ، لا يعني باي حال من الاحوال ، بان منظمي المسابقة العتيدة بعيدون عن ادراك غاياتها او المعرفة بها ، انها امور متداولة ومعروفة لدى جميع المهتمين في هذا المجال ، لكننا حرصنا وراء التذكير بها للتدليل على اهمية ولزوم العمل بها حتى تكون المسابقة المنشودة منطوية على قدر كبير من الصوابية والشفافية ، وهما امران أساسيان للخروج بنتائج ايجابية عن شكل العلم الجديد .
وانطلاقا من حقيقة موضوعية كون ان العراق بلد متعدد الثقافات والاثنيات ، ويمتلك تاريخا حافلا بتنوع الحضارات التى استوطنت على ارضه ، فان شكل الراية المستقبلية يتعين افتراضا ان تتصادى مع هذا الثراء التنويعي ؛ بيد ان هذا الامر ليس من شأنه ان يجعل علم العراق الاتحادي بمثابة سجل شامل لما هو قائم حاضرا وانعكاس دقيق لما مر ّ ماضيا . وتظل الرمزية والاختزالية في هذا الشأن امرين ضروريين ومرحب بهما . ولا نتوقع ان تحوز الراية المستقبلية رضا الناس جميعا ، لكن شفافية عمل ومهنية اللجان الموكلة لها تنظيم المسابقة كفيلان بالوصول الى نتائج صائبة وعادلة ، ليصار بعد اقرار العلم رسميا ان يلتزم الجميع بهذا القرار ، وما ينجم عنه من اقتضاء ابداء واجب الاحترام والتبجيل كونه يمثل راية الوطن ، شأنه شأن جميع الاعلام المعتمدة في دول العالم الاخرى. ولئن اشرنا الى دعوة الفنانين المحترفين للمساهمة في هذه المسابقة الفريدة والاستثنائية ( فليس كل يوم تتاح فرصة لعمل راية العراق الاتحادي ! ) ، فان هذا لا يعني لزوم ان تكون الدعوة قاصرة عليهم فقط ، وانما فتحها واسعا وضمن شروط واضحة ومحددة ، يمكن ان تفضي الى اختيارات مميزة وغير متوقعة . ويحضر في هذا السياق حالة مسابقة علم " الاتحاد الاوربي " الجديد ، والذي تشير بعض المصادر التى اطلعت عليها ، من دون الجزم بصحتها ؛ بأنه تصميم " صبية " لا يتجاوز عمرها السبعة عشر ربيعاً هو الذي اعتمد اساسا لشكل العلم الاوربي الاخير ، وهو عبارة عن دائرة من نجوم على خلفية زرقاء . وبالامكان ، واستطرادا ( ولكن هذه المرة بموثوقية عالية واكيدة ) التذكير بان كثيراً من المباني التى غيرت اوجه المدن المختلفة صممها معماريون لم تكن اسماؤهم في البدء معروفة لدى الاوساط المهنية العالمية وفازوا بتصاميمهم من خلال مسابقات معمارية دولية ؛ مثل مصمم " دار اوبرا سدني " في اوستراليا ، او مكتبة الاسكندرية في مصر او مركز بومبيدو لثقافة بباريس ، اومصمم المكتبة الملكية في العاصمة الدانمركية ، اوناد على قمة جبل في هونغ كونغ العائد الى " زهاء حديد " غير المعروفة في حينها .
واخيرا نناشد الجهات المعنية والمسؤولة عن اجراء " مسابقة علم العراق " ، بان مهام تفعيل وتنظيم واجراء مثل هذه المسابقة هي محض مهام فنية صرف ، تنحو بمجملها منحى احترافيا تكنوقراطيا ، لا مجال " للمحاصصة " فيها لسببين :
اولهما ان قناعتنا لشديدة بان مثقفي العراق المؤهلين للقيام بهذه المهمة تنظيما وتحكيما، سيعتمدون معايير حضور القيمة الفنية والتشكيلية والجمالية والحضارية والانسانية ، والبعيدة بطبيعتها كل البعد عن اية محاصصة ما ، كاساس لتقييم التصميم المقترح ؛
وثانيا ؛ على خلفية سلسلة من اخفاقات عديدة وعلى مختلف الصعد ، بسبب المحاصصة المذهبية والاثنية اللعينة ، المتخم بها المشهد السياسي العراقي الان ، دعونا لنثبت بان الاعتماد والاتكال على المهنية والاحترافية بوسعهما ان يحققا نجاحات حقيقة ! .
ايها السادة ، امنحوا المثقفيين العراقيين فرصة تأمين نجاح اكيد لقضية شائكة ، وستروا ان انجازها سيتم وفق معايير دولية رفيعة ! . وسترتقي حادثة نجاج " مسابقة تصميم علم العراق " لظاهرة جديدة تشي برؤى اخرى تدلل على ان سلوكية ومفهوم "المحاصصة " ليس قدرا عراقيا ومصيرا مقضيا ، لا يمكن الفكاك منهما.?

مِعمار واكاديمي/ مدرسة العِمارة - الاكاديمية الملكية الدانمركية للفنون


الأكثريات والأقليات: الديموقراطية الليبرالية والديمـوقـراطيــة التوافقيــة
 

فالح عبد الجبار

ينتابني شعور ممض بأننا نبحث في المفاهيم والأفكار متأخرين دوماً. فالمفاهيم الرائجة منذ بناء الأمم، ومعنى القومية، الى نظريات الاشتراكية والتنمية، مروراً بالمجتمع المدني، والعولمة وانتهاء ببناء الديموقراطية واقتصاد السوق، هذه القضايا، من دون أدنى ريب، تؤلف نسيج العالم المعاصر. فالعولمة تقبل ببنية العالم، والدول القومية هي لبنات هذه العمارة، كما ان التنمية واقتصاد السوق أو التنمية الاشتراكية، تتصلان بوجوب ان تقوم وحدة بناء العالم (الدولة القومية) على اقتصاد يشبع الحاجات، من جانب، ويبدي مسؤولية اخلاقية وحياتية تجاه تقليص الفوارق (أو إزالتها ان أمكن) بين الفئات والطبقات. أما المجتمع المدني والديموقراطية فهما ايضاً مفهومان عن كيان مجتمعي مستقل عن الدولة، ونظام محدد لإدارة هذه الدولة.
الملاحظ اننا ما ان نفرغ من مناقشة مفهوم أو قضية، حتى ننفصل عنها، الى مناقشة مفهوم أو قضية أخرى، من دون اكتراث بالترابط. بل ان النقاشات، العميقة في إطار الاكاديميات عموماً، سرعان ما تتحول الى كاريكاتير ما ان تذيع وتشيع، بل ان التعاطي معها يشبه الى حد كبير الافتتنان العابر بالموضات.
ما يصح على هذه الأمور يصح على مفهوم الديموقراطية التوافقية.
نشأت اولى مساعي بناء التوافق في بلدان أوروبية غربية، منها بلجيكا وهولندا وسويسرا والنمسا وكندا. لم تصدر هذه المساعي عن أية نظرية مسبقة، بل كانت وليدة حاجات عملية من مجتمعات منقسمة، اي غير متجانسة من الناحية القومية. اي انها ليست أمة صوانية، متناغمة على قاعدة ان الأمم تتعين حدودها بمعيار الثقافة المعيارية المتجانسة (اللغة، الدين، العرق، والتاريخ، الخ).
جاءت نظرية التوافقية، مثل النظريات عن القومية، بعد التجربة وليس قبلها. والمشكلة معنا، كما مع شعوب أخرى، اننا نقف بلا تجربة إزاء معمار نظري اسمه النظرية التوافقية. واكتسبت هذه النظرية شكلها الملموس على أيدي مفكرين سياسيين بارزين منهم آرنت ليبهارت، وغيرهارد لمبروخ، علماً ان ثمة دزينة أو أكثر من دارسي هذه التجربة.
ما الفرق بين الديموقراطية والديموقراطية التوافقية؟ ولماذا هذه الصفة الاضافية الى الحامل الأصلي؟
تقوم فكرة الديموقراطية، في سياق تحققها التاريخي، أم في الخلاصات الفكرية لها، على المبادئ التي حددها جون لوك ومونتسكيو، نعني: الحكم بالرضا (عبر الانتخابات)، وحكم الاكثرية أو الأغلبية (الفائز بأكبر عدد من الأصوات)، وتقسيم السلطات. ثمة ملاحق لهذا النظام منها حقوق الانسان، والحقوق المدنية للفرد، فحقوق المرأة، والقانون الدولي الخ.
لقد اصطلح على نظرية لوك - مونتسكيو بمفهوم (الحكم الاغلبي).
هذه النظرية، كما أظن، التي حوت نظاماً سياسياً قائماً (انكلترا، فرنسا، أميركا) ولدت وترسخت في بلدان متجانسة قومياً، وهو تجانس لا يقسمها الى أقليات وأكثريات دينية، أو أثنية، أو ثقافية، لكن التجانس القومي أولاً لم يكن القاعدة الشاملة في دول المعمورة. زد على هذا ان الحراك الاجتماعي الناشئ عن العولمة بدأ يقضم التجانس القومي - الثقافي في البلدان النموذجية. ولعله بالكاد ثمة 15 دولة تستطيع الزعم بأنها متجانسة قومياً.
ما علاقة ذلك بالديموقراطية؟
يجيب المنظر السياسي خوان ليننر ان مبدأ الأغلبية والأقلية السياسي سيتحول الى أغلبية وأقلية قومية، وبالتالي ينشأ عن ذلك (استبداد الأكثرية). أحد الباحثين الاسرائيليين (آرون يفتنحال) يعتقد ان لا ديموقراطية في اسرائيل، بل استبداد الاثنية الكبرى. حاول الممارسون السياسيون ايجاد حل لهذه المعضلة في اتجاهين: الأول استخدام الفيديرالية أو مناطق الحكم الذاتي لضمان الحقوق القومية للقوميات ذات الاقلية العددية، وهو استلهام للتجربة الفيديرالية الاميركية - الألمانية، التي برزت بدافع الحد من غلواء سلطة المركز، بتقسيم السلطات على اساس جغرافي، مركز - أطراف، علاوة على التقسيم الوظيفي المعروف الى سلطات تنفيذ وتشريع وقضاء.
أما الاتجاه الثاني فهو التجربة التوافقية التي نشأت عملياً بعد الحرب العالمية الثانية، اعترافاً بقصور النظام الديموقراطي الاكثري، المألوف، وعليه فإنها انطلقت من قاعدة ديموقراطية راسخة وليست ناشئة.
ولعل أهم ما يميز التجربة التوافقية هو أربعة عناصر أساسية (حسب ارنت ليبهارت) وهي: 1- حكومة ائتلاف أو تحالف واسعة (تشمل حزب الغالبية وسواه) 2- مبدأ التمثيل النسبي (في الوزارة، في الادارة، في المؤسسات، وفي الانتخابات اساساً) 3- حق الفيتو المتبادل (للاكثريات والاقليات لمنع احتكار القرار) 4- الادارة الذاتية للشؤون الخاصة لكل جماعة.
هذه هي باختصار السمات المميزة للنظام التوافقي عن النظام الديموقراطي (الأكثري). انطلق النقاش حول هذه النظرية أواخر عقد الثمانينات بمبادرة من الاستاذ اللبناني انطون مسرة، حتى عده المتابعون ممثلها الاكثر حماساً. وبحدود علمي لم تعقد ندوات او كونفرسات لمناقشة هذه النظرية حتى عام 2006، حين دعانا الاستاذ رغيد الصلح الى ندوة اكاديمية عقدت في اكسفورد، جامعة سانت كاثرين، يوم 26 آب الماضي. وراعني للوهلة الأولى عناوين المحاضرات التي اختارها المنظمون: مستقبل الديموقراطية الوفاقية؟ أين؟ في السودان، في لبنان، في العراق، في المغرب؟
قلت في دخيلتي: هل هناك ديموقراطية أولاً، وهل ثمة حقاً، توافقية، أو وفاقية حسب المفردة التي اختارها المنظمون، وحوّرها بعض المشاركين الى (توفيقية) و(اتفاقية) ولو طال اللقاء يوماً آخر لحصلنا على رصيد لغوي وفير.
لعل هناك في ماضينا عناصر من التجربة التوافقية، تتمثل في نظام الملل العثماني الذي حافظ او سعى للحفاظ على استقلال الجماعات الدينية في مجتمع مراتبي يتربع المسلمون (بل المسلمون السنة) على قمته. وما كان رواج الفكرة القومية العربية انطلاقاً من مسيحيي الشام الا تعبيراً عن الانتقال من عالم الملل الى عالم المواطن المجرد، لتجاوز الانقسام الديني.
وقد طبق بعض القوميين هذا المثال بانشاء دولة صوانية، صهرية، احتكارية، استبدادية بامتياز، كان نظام الحزب الواحد التوتاليتاري في العراق وسواه أحد نماذجها.
المشكلة في النظرية التوافقية الأوروبية انها لا تدعي أكثر من تعميم خلاصات تجارب، مؤكدة على اختلاف الواحدة عن الأخرى. وهي تقدم خزيناً اجرائياً من تدابير حماية الأقليات، وتخفيف الانقسامات الاثنية، وغيرها، لتجاوز محدودية الديموقراطية الاكثرية المجردة، تماماً مثلما ان نظام الضمان الاجتماعي وسيلة لتخفيف الانقسامات الاجتماعية الحادة التي تهدد استقرار أي نظام سياسي - اجتماعي.
صحيح ان الديموقراطية تقوم على الرضا، لكنها لا تولده. فالرضا يأتي دوماً من توسيع المشاركة الاقتصادية والسياسية والثقافية، والادارية. ونحن نفتقر الى هذه المشاركات. والسمات التوافقية المتوافرة لدينا هي انقسام المجتمعات اثنياً وثقافياً، ليس الا. أما الوسائل اللازمة لتخفيف سورات هذا الانقسام فغائبة تماماً. بتعبير آخر لدينا المشكلة التوافقية قائمة، من دون أي جهاز لضبطها ناهيك عن حلها.
لقد شاعت كلمة التوافقية شيوعاً كبيراً في عراق ما بعد الحرب، وهي متداولة في لبنان على نطاق نخبوي، ما عدا ذلك يبدو لي ان كثرة من العرب العاربة والمستعربة لا تعرف حتى أصل الكلمة. وقد أفتى البعض بأنها نتاج مؤامرة اميركية، وهي نكتة بائخة حقاً، لأن نظرية التوافقية أوروبية المنشأ، وهي خروج على الاجماع النمطي الذي يمثله النظام الأكثري، البريطاني - الاميركي - الفرنسي.
أخشى ما أخشاه ان نحول المفهوم، كما فعلنا سابقاً مع مفاهيم أخرى (العولمة، المجتمع المدني)، الى مجرد بهلوانيات كلامية.


مدينة الموصل نموذجاً .. المدن العريقة مكان تصغر فيه الاختلافات ويكبر فيه الإبداع
 

احمد الجميلي

المدن العريقة في العالم ، تشبه البشر وتتنفس كما يتنفسون ، وتعيش كما يعيشون وتتصرف كأنها كائن حي عمره مئات ، وربما آلاف السنوات.. يجد المرء فيها نكهة الزمان والمكان ، ويحظى فيها كذلك برؤية التقاليد الحضارية المستقرة وقمم الابداع البشري لأجيال تركت بصماتها في المكان وغادرت.. وفي المدن القديمة يتآخى الناس بغض النظر عن انتماءاتهم الشخصية ، سواء كانت مذهبية أم عرقية ، حيث يذوب الجميع في نهر العراقة ومهابة القرون وعمق الصلات والقرب الشديد الذي يغلب بطبعه على جميع الولاءات الأخرى مهما كانت قوية أو اصيلة ، لأن هذه المدن تعمل مثل كيان لام يتولى مهمات الامساك بجميع التفاصيل والنتوءات ولمّها في نسيج واحد كبير ، يأخذ صورته ، ويشكل شخصيته من صورة المدينة وشخصيتها. وبهذه الصورة فان المدينة تنوب عن أهلها وتقوم بمهمات التعريف بهم وتقديمهم على أنهم صورة من نسيج تاريخي عريق أختبرته السنوات والعقود والقرون واختبرها بدوره . هذا الذوبان والتفاعل المتبادل بين الانسان ومدينته نعبّر عنه نحن في حياتنا اليومية أصدق تعبير بقولنا. البغدادي والبصري والموصلي والحلي والنجفي والدمشقي والطرابلسي ، حيث تحل المدينة محل الصفات الأخرى كلها في توصيف المرء ولهذا السبب ايضاً نجد ان جيمس جويس وضع عنواناً لاحدى رواياته من اسم مدينة وعلاقتها بأهلها فأسماها -الدبلنيون- اشارة إلى أهالي دبلن . وهي مدينة غنية شائكة مليئة بالاحتمالات . اختصر الروائي اختلافاتها ومكوناتها في مفردة واحدة لأمة هي اسم المدينة ولم يذهب إلى اية مفردة أخرى . ان الانتماء إلى المدن التاريخية التراثية له معنىً يفرض حضوره في بناء نتاج خاص وروحية مميزة تطبع صاحبها ببصماتها إلى درجة اننا نحس بوجود هذا العمق الموغل في الزمان فيه ، ونحس فيه كونه وريث كنوز مهمة وضاءة في العلوم والمعارف.. هذه هي احدى مزايا الانتماء إلى المدن المهمة ومنها مدينة الموصل ، صاحبة العمق والريادات والأدوار والمواقف المتقدمة ، ولعل هذا الانتماء من القوة والعراقة بحيث ينتقل بصاحبه إلى الرموز الشاخصة في تكوين هذه المدينة ويراها امتداداً طبيعياً له كما هو حال امتداداته الأسرية والوراثية. فعندما يقف أمام أي صرح ديني أو ثقافي أو حضاري يحس بأنه جزء منه وانه يعرفه بحكم الدم والنسب وانهما يتبادلان الانتماء إلى بعضهما.. ولعل ما يزيد الأمر عمقاً هو التنوع المتبادل ، فالناس في المدن التاريخية العريقة متنوعون لأن هذه المدن تتشكل بوصفها عامل جذب على امتداد الحقبات التاريخية ، هذا الجذب يستجلب اليها اناساً مختلفين من مختلف القوميات والأديان والمذاهب . يأتون تباعاً وينصهرون في نسيجها العام ويصبحون جزءاً من كيانها وشخصيتها وتكوينها . كذلك فان هذه المدن ذاتها تنام على تنوع واسع في اتجاهات الابداع والحضارة المختلفة . واذا أخذنا الموصل مثالاً نجد أنها في أحد أبسط توصيفاتها تسمى مدينة الانبياء والاولياء والشهداء والصديقين ، وفي هذا دلالة على غناها الروحي وعمقها لأنها تحمل اسماء انبياء الله ، مثل جامع النبي يونس ومعلوم ان نينوى هي مدينة ذي النون ، صاحب الحوت وهو النبي يونس الذي دعا اهالي نينوى إلى الله مرتين على ظهر تل التوبة - الموقع الذي يشغله الجامع حالياً والذي يعد موقعاً دينياً للعبادة للعصور كلها وتوجد تحته آثار آشورية تدلل على انه كان معبداً يومذاك - والذي ابتلعه الحوت ولفظه هناك ، وجامع النبي شيت وجامع النبي جرجيس وجامع النبي دانيال والمراقد العديدة من أمثال مرقد السيدة زينب بنت الحسين بن الامام علي بن ابي طالب عليهم السلام ومرقد الشيخ فتحي ومرقد الامام يحيى بن القاسم ومرقد الامام ابراهيم ومرقد الامام عبد الرحمن إضافة إلى الكنائس والاديرة المشهورة مثل كنيسة اللاتين وكنيسة الساعة ودير مار متي ودير مار كوركيس وكنيسة السيدة العذراء ومراقد واضرحة الايزيدية في الاطراف الشمالية الشرقية لمدينة الموصل . والموصل مدينة تنوع ابداعي اصيل فهي مدينة الشاعر العربي المجدد ابي تمام الذي كان يعمل فيها ساعياً للبريد استطاع ان يطور قصيدة الشطرين وان يبث فيها دماً جديداً يتمثل في الانحراف اللغوي والدلالي والقصدية العالية البعيدة عن روح المباشرة إلى حد ان أحد مستمعي شعره سأله : لماذا لا تقول ما يفهم ؟ فأجابه بسرعة بديهيته المعروفة : ولماذا لا تفهم ما يقال ؟ وفيها ابناء الاثير المعروفون بعطائهم كمؤرخين بارزين وفيها ابن الشعار الموصلي صاحب كتاب -عقود الجمان في شعراء هذا الزمان -الذي يقع في عشرة مجلدات والذي كانت جامعة الموصل قد التزمت وألزمت نفسها بتقديم اول طبعة لهذا الكتاب المخطوط فقدمت الجزء الثالث المحقق هدية للقراء في ظل حلول عيد اليوبيل الفضي للجامعة في اليوم الأول من نيسان من العام 1992 . وفيها ابن جني الاديب واللغوي البارع وفيها عثمان الموصلي المغني والموسيقار المشهور وقبله كان فيها اسحق الموصلي وفيها ابن دانيال الذي يعد أحد مؤسسي المسرح العربي ورائد مسرح خيال الظل . اضافة إلى غناها الاثاري والفولكلوري ففيها آثار الحضر بما فيها من مرمر وأقواس ومنحوتات وفيها آثار النمرود بما فيها من مصوغات وعاجيات وفيها منارة الحدباء وبقايا الجامع الأموي وجامع الخضر أو الجامع الأحمر وقرة سراي وباشطابيا وترقد تحت رمال تل قوينجق أو -تل قوينجو- كما يسميه الموصليون مكتبة آشور.. أعظم مكتبات العالم القديم وأولها وأوسعها وفيها قصر سنحاريب وأبواب نينوى وأبواب الموصل . وعلى حافات يارمجة فيها يعثر الانسان على بقايا أول أنظمة الري في العالم وأولى قنواته ، كما يعثر في نينوى على مسلة سنحاريب للقوانين والتي سبقت مسلة حمورابي بمائة عام . عشرات المفردات تليها عشرات المفردات ومئات الشواخص تنهض وراء مئات الشواخص على امتداد المسار التاريخي لهذه المدينة التراثية التاريخية العريقة ولا توجد مدينة أخرى تشابهها أو تماثلها أو تقترب منها ومن صورتها في العمق والتكوين والأدوار والتطور ، لان المدن القديمة تمتاز بأنها تهضم التحولات الطارئة وتذيبها في كيانها الناضج حتى وان بدت عليها آثار الاستجابة الميدانية لبعض هذه التحولات الطارئة فلو أننا عدنا إلى الموصل في خمسينيات القرن العشرين المنصرم أو مستهل الستينيات وسألنا موصلياً أو شاهداً حياً عاين بنفسه أحداث السلب والقتل والنهب لوصف تلك الأحداث بأنها هيمنت على روح المدينة وغلبت على طباعها ووسمتها بوسمها بحيث انها سوف تظل مدينة ينتهك فيها كل شيء . الانسان ومحيطه.. الا ان الموصل تعافت وغسلت الدم والجريمة والظرف الطارئ ، فزال الاثر وبقيت هي حية خالدة.. وهي تخوض اليوم تجربة أخرى الا انها أكثر حكمة وفهماً من موصل الخمسينيات الماضية ويقيناً انها ستعالج هذا الظرف وهذا التحول بحكمة وروح معنوية وتماسك أعلى واكثر رجاحة فتعبر وتظل ممسكة بصورتها الحية الخالدة التي عرفت بها والتي تعرف بها اليوم ايضاً وهي تخوض في بحر تحول آخر من بحار التحولات الكثيرة التي مرّت بها عبر تاريخها . هذا التفاعل تقدمه المدن العريقة مثل الموصل والكوفة وبابل والبصرة والناصرية وقد صهرت مكوناتها معاً في قلب الشكل الذي يحيل إلى المدينة ، أكثر مما يحيل إلى طوائفها وفئاتها وعناصرها الداخلية ، لأن جميع هذه العناصر تشتغل في خدمة الشكل النهائي الشامل ، الذي يمتص الاشكال الداخلية ويهضمها ويجعلها جزءاً من شكله الخاص الذي يحيل إلى مدينة عريقة ذات عمق وتاريخ وأدوار ومنزلة وذكريات محفورة في ذهن العالم . زيادة على الغنى في العناصر المنتجة للثقافة والصانعة لجبهة التحولات في العلوم والمعارف . ففي المدن العريقة ومنها الموصل طاقات ابداعية كبيرة تتمثل في المبدعين من مختلف الاجيال وفي مختلف أجناس الابداع ، والذين يتعايشون معاً ، ويتبادلون التأثير في بعضهم وهناك باستمرار اسماء كبيرة في الشعر والقصة والنقد والدراسات الاكاديمية والرسم والموسيقا والمسرح والنحت وسواها من ضروب وأجناس الابداع ، هذه الطاقات الابداعية تقابلها اسماء مرموقة في العلوم المختلفة وفي مقدمتها الطب والهندسة والاقتصاد وادارة الأعمال والرياضة.. وقد تعرض عدد كبير من المبدعين والعلماء إلى قساوة الحياة من جهة وواجهوا مخاطر التهديدات والتصفيات ، وآثرت أعداد منهم الهجرة والرحيل عن المدينة ، الا انهم يظلون موصليين حتى في منافيهم ومهاجرهم البعيدة . ومثلما ان الابداع لا جنس له فان التهديد بدوره لا جنس له لأنه يصدر عن ارادة سوداء عكس الابداع الذي يصدر عن ارادة بيضاء ناصعة
وضاءة . فالابداع والتهديد ، لا يصدر أي منهما عن طائفة أو فئة أو طيف معين من أطياف المجتمع ، انهما يصدران عن الانسان بحسب نزوعه إلى الخير أو الشر.. الابداع يصب في اطار بناء المجتمع ، والتهديد يصب في اطار تهديم المجتمع.. ومن الطبيعي ان ينتمي الانسان بشكل خاص والناس بشكل عام إلى الابداع ، وان ينبذوا التهديد ويزيحوه من حياتهم من أجل ان تظل المدينة ، في سياق تطورها الطبيعي الذي يرتفع بها وبأهلها باستمرار.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة