|
مجلة الفكر الحديث وجميل حمودي
باسم
عبد الحميد حمودي
صدر العدد الأول من مجلة (الفكر الحديث) عام 1945 وقد
أسسها ورأس تحريرها الفنان جميل حمودي في وقت خرج فيه
العراق حديثاً من موجة الحرب العالمية الثانية التي أثرت
على مساره اجتماعياً وسياسياً وكان من نتائجها حركة
الكيلاني والصراع الداخلي بين القوى السياسية المهيمنة وقد
كان الانفتاح باتجاه حرية مغلفة بالبنادق الخفية لكن قوى
الحرية استطاعت التأثير على مجرى السياسة العامة لفترة
قصيرة فتشكلت وزارة توفيق السويدي عام 1946 لتسمح بتأسيس
الأحزاب السياسية بحدود وتعطي حرية نسبية للصحافة لم تستمر
طويلاً.
كان جميل حمودي قد أسس قبل ذلك عام 1942 مع الفنانين
الرواد أكرم شكري وفائق حسن وجواد سليم وحافظ الدروبي
وعيسى حنا وسعاد سليم وعطا صبري (جمعية اصدقاء الفن) واصبح
سكرتيراً عاماً لها عام 1946.
وكانت مجلة (الفكر الحديث) تعبر عن التجديد داخل الفنون
وتدعو الى قراءة جديدة لاصول الإبداع بالاحتكاك الدائم
بمناهج الأداء التشكيلي والمسرحي والأدبي في العالم الحديث
لكنها لم تستمر طويلاً لضعف التمويل.
بين ايدينا العدد الثاني منها وقد كتب جميل حمودي افتتاحية
تتعلق بالضائقة المادية التي تعاني منها المجلة وتدعو
المهتمين الى نصرتها وكان من موضوعات العدد المهمة حوار
(المندوب) مع المعماري العراقي جعفر علاوي حول رؤيته
المعمارية، ونشرت المجلة قطعة ادبية للكاتبة بريهان ياملكي
التي كانت قد أصدرت مع زميلة لها مجموعة قصصية بالانكليزية
تحت عنوان(13 in
One) و(فانتازيا)
لسلوى الحصري ونقاشاً مع الزيات لمحمود الحبيب وقصائد
ليوسف الخال وسعيد عقل وتايلر وانور خليل ودراسة لجميل
حمودي عن (الفن العراقي المعاصر) تتضمن انطباعاته الأولى
عن مجايليه الذين تطورت أدواتهم بعد ذلك ومقالاً لحقي
الشبلي (بين المسرح والسينما) ودراسة لنزار سليم عن (تولوز
لوترك) وأخرى لنعيم قطعان عن (السيريالزم) اضافة الى
موضوعات أخرى تنشر صفحة (ذاكرة) بعضاً منها مشيرة الى
أهمية هذه المجلة التي اعطت للفن والادب العراقي الحديث
الكثير قبل ان تختفي سريعاً ليستمر جميل حمودي في مشروعه
الفني الكبير بين بغداد وباريس حتى وفاته عام 2003 عن 79
عاماً.
المعمار جعفر علاوي وبناية المدرسة
الجعفرية الأهلية
جميل حمودي
من العجيب جداً
لدينا ان حالتنا الاقتصادية والسياسية والصناعية والادبية
والعلمية (وبعض) غيرها لا تتفق أبداً مع حالتنا الفنية ففي
كل حياتنا (ما عدا الفن) نجد القصور ونعثر على النقائض بل
نحن في بعض أحوالنا لا (يبتعد) كثيراً عن حالة الابتدائية
الإنسانية وهذه الحقيقة جعلت كثيراً من الأجانب لا يعتقدون
ان عندنا حركة فنية ناهضة.
يجب علي ان احدد، هنا، كلمة الفن فأنا لا أعني به الموسيقى
أو التمثيل والأدب انما اقصره فقط على النحت والتصوير
والعمارة وما يتبع هذه الفنون فقط فهنا، هنا في هذه الفنون
الثلاثة بلغنا شأواً نستحق عليه اكبر تقدير.. بالنسبة الى
الزمن القصير الذي وصلنا به، وربما عرف القراء شيئاً عن
النحت والتصوير عندنا بواسطة معارض جمعية أصدقاء الفن
ومعهد الفنون الجميلة ببغداد وقاعة الصور الوطنية في متحف
الازياء، اما عن العمارة فلا اعتقد انه وصل اليهم خبر
حركتها لا لشيء الا لان الصحف لا يهمها شيء من ذلك كما
يهمها، مثلاً، الكشف عن سحر السيقان وجاذبية العيون؟!..
ولذلك فقد أرتأت (الفكر الحديث) ان تطلع على القراء بنواح
جديدة توسع أفق معرفتهم بنهضتها الحديثة التي يجب ان تجند
لها جميع امكانيات الشباب.. والشباب فقط فلا خير في الشيوخ
لا خير في الشيوخ..
وبدا للفكر الحديث ان تبتدئ بنشر بعض المحاضر الصحفية مع
فنانينا لدراسة العمارة العراقية الحديثة فما كان الا ان
أذهب مندوباً عنها لأسأل احد نوابغنا في الهندسة المعمارية
وهو الأستاذ جعفر علاوي ان يمدني بما استفيد منه في ذلك.!
ولقيت الأستاذ جعفر في مكتبه بعدما تعبت من البحث عنه فهو
كالزئبق لا يلبث يتحرك..
ومكتبه عبارة عن (حجرتان) رأيت (منها) واحدة أعجبني منها
بساطة أثاثها كما ضايقني صغرها..
ودار الحديث، وكان حديثاً فنياً فاذا بي وانا اتحدث تتركز
نظرتي في صورة لبناية لفتت نظري واشبعني إعجاباً بها..
فاذا بي اقطع الحديث لأسأل:
* ما هذه الصورة ؟
- انها تلوين واجهتي بناية المدرسة الجعفرية الجديدة التي
ستقام في شارع الملك فيصل الثاني ببغداد.
* انها لبناية عجيبة هل ستشيد..؟
- نعم ستشيد واني لاعجب بها لانها تمثل مرحلة متقدمة من
عملي.
وهنا قلت:
*دعنا إذن نتكلم عنها فقط.
وعندئذ ابتسم واحضر من جانبه أوراقاً (زرقاء) عرفت (رأساً)
انها التصميمات الهندسية (
plans) للبناية
وبدا الأستاذ الشرح والتوضيح وسأنقل لك ايها القارئ حديثنا
الذي كنت اسجله بسرعة البرق على دفتري الصحفي الصغير وقد
استخلصت منه هذه المعلومات المهمة عن بناية الجعفرية التي
ستكون من اهم العمارات الحديثة في عاصمة العراق مع بناية
سينما الارضروملي للمعمار الأستاذ مدحت علي مظلوم وبضع
بنايات أخرى (وعلى ذكر الأستاذ مدحت علي مظلوم نقول اننا
سننشر في عدد مقبل حديثنا معه حول تصميماته الجديدة في
بغداد كمسبح امانة العاصمة).
وفي حديث الأستاذ علاوي لاحظت امتعاضاً متزايداً وتضايقاً
حين كان يصف لي الأعمدة التي لا تسمح أمانة العاصمة ان
يكون البناء من دونها.
فسألته عن ذلك فاذا به يؤكد لي بنبرة مؤثرة: ان القوانين
التي تضعها أمانة العاصمة للبنايات التي تكون في بعض
شوارعها الرئيسة كهذا الشارع كثيراً ما تحد من إمكانياتها
الفنية فلا نستطيع الذهاب بابتكاراتنا الى ابعد مما تسمح
ولذلك فكثيراً ما وجدنا الأبنية بعد الاتمام، غير الابنية
التي كنا قد صممناها وتخيلناها في مبدأ الأمر تتظافر علينا
في ذلك قوانين الامانة وذوق البناء (الاسطة) الذي لا يريد
الا المحافظة على ما كان تعود ان يرى.
ثم بدأ بعد ذلك يصف البناية، وانا اتعجب وافرح في سري كلما
زاد في الشرح.
روعيت في البناية أهم النظريات الحديثة في العمارة وقد صمم
التخطيط الرئيس (the
plan) بشكل مطاطي
يمكن معه بعض التبديلات البسيطة التي ربما اضطر اليها عند
التنفيذ، كما ان في النية ان تجلب بعض المواد من الخارج
خصيصاً لهذه البناية (وهذا يحدث لاول مرة في تاريخ العراق
الحديث) لاكمال الدلالة على الروح الفنية الحديثة وعلى
التطور الاجتماعي بواسطتها وهذه المواد عديدة اقربها الى
الذهن هو الكاوتشوك الذي ستغطى به أرض القاعة الكبرى.
واما شكل البناية الخارجي فهو تعبير واضح عن المشتملات
الداخلية لها.
تتبنى البناية بالطابوق الأصفر، كما هو معلوم، الا ان
الأستاذ علاوي أراد هنا ان يحاول التخلص من الملل الذي
يسببه لون الطابوق وصياغته (technic)
فجعل القسم الأسفل
المحدد بين المخازن التي على الشارع الرئيس ومدخل المدرسة
الرئيس، جعل هذا القسم مغموراً بالاحجار الجبلية الخشنة
المنظر والطبيعية اللون، وفي اعلاه بعض شبابيك مدورة تكسب
المنظر جاذبية وتناسقاً مع ملمس الصخور، وفي أسفله رصيف
مغمور بأنسجة ملونة من الزهور التي ضحي من اجلها (ببضع)
امتار مربعة من الأرض لضرورة وضعها في طريق المدرسة
لتستقبل الطلاب والزائرين بشيء من شذاه الفواح.. ولكن ليس
هذا فعلها فقط بل ان أرض هذه الزهور أخذت تنحدر البناية
قليلاً فتدل المار على الرغم منه على باب القاعة أو
المدرسة. وهذا يدخل في باب فن الاعلان ايضاً..
اما المشتملات فهي (ثلاثة) مجموعات الأولى: مخازن وشقق
للسكنى على الشارع الرئيس والثانية: القاعة الكبرى للبناية
والثالثة: المدرسة..
اما المخازن والـ(أبارتمانات) فقد وجدت كسبب لايجاد بعض
الواردات للمدرسة وتتألف من دكاكين منفصلة في الاسفل على
الشارع الرئيس فقط ومن وسطها يكون المدخل الى الشقق، ومن
طبقتين اخريين من الشقق تتألف كل طبقة من شقتين كاملتين
تشتمل كل واحدة على ثلاث غرف وهول وملحقاتها.
وهذا القسم لا يتصل داخلياً ببقية اجزاء البناية اما من
الخارج فترتبط بها سقيفة تبدأ من أول عمود في شمال البناية
ثم تدور لتنهي امتداد الجدار الحجري الى الاعلى وتنحدر
قليلاً لتتقعر فتبرز لنا الجدار الذي يرينا المدرسة
والقاعة وينتهي عنده وعلى هذا فقد ربطت هذه السقيفة التي
ستكون من الخرسانة المسلحة القسم الأول بالقسمين الآخرين.
واما القاعة فستكون، كما أتنبأ، افخم قاعة في العاصمة
العراقية من حيث شكلها الداخلي و(اضائتها) ومواد انشائها..
فهي كبيرة جداً بحيث اضطر سقفها ان يرتفع الى مستوى الثلاث
طبقات للبناية ليتناسب مع كبرها وستضاء نهاراً من الشبابيك
العليا من الجانبين وليلاً باضواء مختفية ستنشأ بطريقة
حديثة جداً وستجلب المواد اللازمة لها من انكلترا واما ارض
القاعة فستفرش بطبقة من الكاوتشوك الأرضي.. وفي القاعة من
مؤخرتها تتعلق سقيفة من الاسمنت تحمل الالواج أو
(الكالري).
وسيكون المسرح من الناحية الملاصقة للمخازن وقد زود بما
يلزم لعرض بعض الأفلام ايضاً التي ربما يحتاج اليها في
المستقبل كما ان قصر المسافة بين المتفرجين والشاشة اضطر
الى وضع مرآة يكون شانها ان تبعد المسافة وتحسن النظر
اليها.
بقي علينا ان نصف المدرسة التي اختير مكانها في القسم
البعيد عن الشارع الرئيس وضوضائه.. وهذه المدرسة تبدأ منذ
السنة الرابعة الابتدائية حتى المتوسطة حيث ستكون الروضة
في بناية أخرى تشيد الآن في المحل القديم للمدرسة.
وستكون الصفوف على جهة الشارع الفرعي والساحة الى الداخل
(وكم يحزن ان يعلم القارئ ان هذه الساحة ضيقة جداً بالنسبة
الى البناية) ولسنا نعلم فلعل اولو الامر لو علموا بذلك
يطلبون الى شركة الكهرباء ان تمنح المدرسة ولو بضعة أمتار
من الأرض!؟ لكان ذلك (فضل كبير) على العلم والمعرفة..
وبين الصفوف والساحة ستمتد طارمة طويلة يفصلها عن الساحة
أبواب متزحلقة ترفع في الصيف ليستفاد منها امتداداً للساحة
وتغلق في الشتاء ليستفاد منها ما يشبه الهول أو القاعة
الكبرى. اما في الربيع والخريف فسيكتشف ذلك الطلاب
والمدرسون انفسهم فلا ربيعنا مستقر ولا الخريف. كذلك سيكون
للمدرسة مختبرات مؤثثة بأحدث الأثاث والأدوات الخاصة.
اما المرسم فسيكون في الطابق الاعلى وسيبنى بطريقة تكون
(الاضائة) النهارية فيه بواسطة سقيفة زجاجية على غرار
الاستوديوهات الفنية في الغرب وهكذا يوجد عندنا اول بناية
لأستوديو فني كامل المعدات من الاضاءة الفنية وغيرها.
إننا نتأمل ان تكثر عندنا البنايات الحديثة امثال هذه
البناية التي نعجب بمصممها.. لتكون بغداد أجدر ان تكون
عاصمة تخلف (دار السلام القديمة).
نشر جميل حمودي
هذا الحوار بتوقيع (المندوب).
الألوان في المدن
ستيف لويد
(مستشار المتحف العراقي)
وصف كاتب فرنسي
العراق مرة بالقطر الاعفر (Le
pays beige) وهذا
وصف في غاية الدقة والابداع، فالبلاد في الجنوب على كل حال
تتكون الى عمق بضع مئات من الاقدام من الغرين اليابس ولون
هذه التربة هو اللون الاعفر أي الاسمر الصافي غير المشوب
باي لون آخر وهو ما تفيده الكلمة الفرنسية (Beige).
ففي القرى تشاد
الدور باللبن (وهو الطين المجفف في الشمس) ويتناول هذا
اللون الطيني القصب المطين الذي تسقف به الدور المذكورة
وفي واقع الأمر تألف العين السمرة الشائعة في كل مكان بحيث
يتميز أي لون آخر مهما كمد سواء كان ذلك في لباس الفلاحين
ام في أضيق الرياض رقعة بأهمية وبهاء مفرطين، وفي العاصمة
لا تختلف الأمور اختلافاً بينا عما هي عليه في خارجها إذ
يستعمل الصلصال أو الطين في صنع الآجر الذي تشاد منه تسعة
أعشار مباني المدينة والتي لا يشاركها في تغير لونها
الكامد شيء سوى المزيج الابرقي والاسمنت اللذين يستعملان
في غالب الأحيان ولونهما الرمادي كما لا يخفى اشد قتمة
وابعث على الكآبة من لون الآجر.
ويستعمل الخشب الى جانب ذلك بكميات وفيرة إذ يدخل في صنع
إطارات الأبواب والنوافذ وشبابيك الخشب وسائر الاقسام
العليا من الدور القديمة المصنوعة من الخشب. وهنا نرى
ظاهرة غريبة حقاً، عليها يتوقف الى حد كبير مظهر المدينة
وطابعها الخاص الذي تتميز به. فالخشب في أية بناية يتطلب
الصباغة، ويمكن الاهتمام بتخير الصباغ الملائم من تغيير
مظهر بناية من هيئة زرية متداعية الى هيئة انيقة تتسم
بالبهجة والوجاهة، ومع ذلك فقد اقتصر لون صباغ الخشب في
بغداد منذ سنوات عديدة على صنف من اللون البني الاعفر
يذكرنا بطين العراق، ولا يحتاج تفسير هذه الظاهرة الى عناء
كبير إذا ما استقصينا سبب هذا الاختيار الغريب. فقد كان
الخشب الشائع استعماله في بغداد قبل نشوب الحرب ينقسم الى
نوعين وهما خشب الساج البني اللون المستجلب من الهند وخشب
الشوح الابيض المعروف (الجام) كما لا يخفى اجود النوعين
واغلاهما ثمناً، ولعل هاتين الصفتين اللتين تنمان على
الوجاهة والثراء قد اكسبتاه الى جانب قيمته المادية قيمة
اعتدادية خاصة، وعليه لم يجنح الناس الى اخفاء حقيقته
بطبقة من الصباغ فصار يبرنق ببعض أنواع الطلاء أو الدهان
الملمع حرصاً على إظهار جوهره النفيس.
الا ان الامر لم يقف عند هذا الحد بل جاوزه الى امور أخرى.
فاذا اقتضت الضرورة استعمال الخشب الابيض في بعض الاعمال
وكان الصباغ ضرورياً لصيانته وقع الاختيار على لون بني
كامد بغية اظهاره بمظهر الساج وان كان من المتعذر على
المرء تصديق ذلك فلا مشاحة في ان احوالاً طارئة من هذا
القبيل تتحكم بتكوين ذوق شعب باسره، وبتبديل مظهر مدينة
باجمعها، فقد شاع هذا الصنف المقيت من الصباغ الأسمر واصبح
استعماله في بغداد عرفاً فالفه القوم وكلفوا به حتى كادوا
يحملون استعمال الألوان الزاهية محمل النزق وعدم اللياقة.
وقد بلغ هذا العرف من القوة والذيوع مبلغاً لم يقف عند صبغ
المباني فحسب، فقد أتاحت الباصات الجديدة التي استجلبتها
امانة العاصمة قبل بضعة أشهر فرصة سانحة لبعث البهجة
والإشراق في شارع الرشيد. وان المرء ليتذكر في هذا السياق
لندن في يوم صاح من أيام السلم والسيارات اللماعة والباصات
القرمزية الخضراء تروح وتغدو زاهية الالوان امام واجهات
المخازن المصبوغة بألوان بهيجة فتبعث الغبطة والطمأنينة في
النفوس. الا ان شيئاً من ذلك لم يحدث هنا فقد ظهرت باصات
بغداد الجديدة في الشوارع معفرة بسمرة بغداد المنسجمة مع
لون الطين وبوابات الساج الزائف وأعمدة المزيج الابرقي
المبيضة الملوثة بالطين. وعلى هذا النحو بقي هذا التشاكل
و(التلائم) البغيض على ما هو عليه.
لاشك في ان المدن تكتسب شخصيتها وطابعها الخاص الى حد كبير
من مواد البناء وفن الريازة ومن وفرة الأشجار والأزهار أو
ندرتها، فروما مثلاً مدينة الأعمدة الرخامية والشاذروانات
وأشجار السرو، والقاهرة عالم يموج بـ(الستوق) المصبوغة
وبأشجار البوكانفيليا، وماردين القريبة من حدود هذه البلاد
تمتاز بالنحت المتقن البديع الذي يزين ابواب ونوافذ دورها
ولكن بغداد عارية من الفن ومواد بنائها مازالت قليلة تعجز
عن تغيير طابع الشوارع الرئيسة. ان الاصباغ بمفردها قادرة
على تحقيق هذه المهمة الآن بوجه خاص وقد استؤنف استيرادها
كالسابق ببراميل كبيرة، فهل لنا ياترى ان نعقد الآمال على
هذه البراميل التي نرجو ان تبعث النور والأمل في شوارع
بغداد ويكون سيل الألوان المنساب منها احمر قانيا واخضر
وسندسياً وازرق (سماوي) بدل سمرة الصحراء الأزلية.
صورة
للشاعر الانكليزي سيمون وتسون تايلر
قبل مدة زار بغداد مع فرقة الانسا الشاعر الانكليزي
السريالست سيمون وتسون تايلر فضمتنا وإياه جلسات اتاحت لنا
فرصة التحدث معه عن العديد من الآراء الحديثة في الأدب
والفن غمرها تمسكه بآرائه السريالية المتطرفة.
وقد رأى ان يسجل مشاهدته لبغداد فاهدانا قصيدته هذه التي
هي من وحي بغداد.
المحرر
حبيبتي وهي تنظر على طول ممر غيابها
محاطة بسواد اصطباري
انتظرت شبيهة بتقاطع طريقين
مبهمة كالوجه الحجري لحلم عديم اللون
ساكنة ككتلة من الريش
حبيبتي وهي خارج قبضة الزمان اللانهائي
ملتفعة بغمضة جفن
تصور كهالة من اللهب الصغيرة البيضاء
لا تحتمل كمرآة في الليل
جميلة كالهلال وهو دفين عميقاً تحت سطح الأرض
حبيبتي المكونة برعشة يد
ثقيلة كالماء الساكن كصورة على حافة الذكرى
جذابة كألوان كتاب طفل مصور
خانقة كلحظة بزوغ الصبح
تمس في غرابة دمعة
مجهولة حتى من نفسها
حبيبتي تشتهي دون جدوى كطير ضائع
خلال أشجار تنام
مجددة دون انقطاع باعجوبة وجودنا
حبيبتي
بين المسرح والسينما
حقي الشبلي
في الوجود كان
المسرح اسبق من السينما آلافاً من السنين فلما جاءت
السينما كان المسرح ومازال هو المدرسة العملية التي تخرج
الممثلين والفنيين للسينما فيكونون انجح فيها- أو على
الاقل اسرع نجاحاً
–
ممن لم يصهرهم المسرح
ولم تتعهدهم فنونه بالصقل والتركيز. هذا لان المسرح فن صرف
بينما السينما صناعة أكثر مما هي فن فاذا ما كان المسرح
اساساً للسينما وامتزج فنه بصناعتها كان نجاحها اضمن
وابقى، وهذا ماكان في كل بلد (فيها) مسرح (وفيها) سينما.
اما بالنسبة الينا فأرى ان الوضع يختلف الى حد بعيد إذ ان
تأخر نشأة النهضة المسرحية حتى الان وسبق غيرنا لنا فيها
بسنين يجب الا يعني ان نبدأ بالمسرح ونؤجل السينما الى ان
نثبت بناءه وتطوره مما قد يستغرق عدة سنين يكون تقدم غيرنا
خلالها في النهضة السينمائية قد ذهب شوطاً بعيداً قد يصعب
علينا التوصل اليه فيما بعد. وحين اقول غيرنا اقصد بصورة
خاصة جاراتنا كمصر وتركيا. وعلى هذا ولما كانت السينما تعد
اليوم من مستلزمات العصر وضروريات النهضة فيه فاني أرى من
واجبنا ان نخضع للظروف الراهنة ونبدأ بإشادة المسرح
والسينما جنباً الى جنب كي نستطيع ان نلحق بمن سبقونا
فيهما، والذي يجعلني مطمئناً نوعاً ما الى نجاح المشروعين
معاً ويجعلني اعتبر ان المسرح هو بالفعل الممهد للسينما
حتى في هذه الظروف هو ان الذين سيعتمد عليهم الاعتماد
الرئيس في العمل في كليهما هم خريجو المعهد الذين يمكن ان
تعتبر الثقافة المسرحية التي تلقوها أساساً يؤهلهم للنجاح
في السينما الى جانب نجاحهم في المسرح وفي هذا بعض العودة
الى نظريتنا الأولى مما يجعلنا نأمل خيراً وان اختلفنا
فروعاً وصناعة، إذ هما كتوأمين متشابهين في الروح وان كانا
يختلفان في الظاهر من حيث ان السينما وهي الأخت الصغرى قد
اتخذت في تربيتها أساليب تختلف قليلاً عن تلك التي اتبعت
في تنشئة أخيها الاكبر المسرح وان لي كبير الأمل في ان
مستقبل التمثيل في العراق- مسرحاً وسينما- - سيزهر في وقت
اقصر مما يتصور الكثيرون لان كل سكوت لابد بعد ان يطول من
صرخة تتبعه خاصة اذا كان السكوت ستاراً تجري خلفه حركة
تحضيرية واسعة، حتى اذا ما ارتفع هذا الستار ارتفع عن شيء
يكون له وقعه وتمكنه.. وهذا ما أثق من انه سيكون بالفعل
فان الشعب العراقي اصبح يشعر بهذا النقص الكبير في نهضتنا
الحديثة ويتمنى باشتياق لو كان في المسرح والسينما ما
لغيره من الشعوب القريبة والبعيدة، وهذا ما يجعل اطمئناننا
الى تشجيع الشعب امراً مفروغاً منه. وتشجيع الشعب بطبيعة
الحال يكاد يكون- أو هو بالفعل- أدل عوامل النجاح في أي
مشروع وطني، ويأتي الى جانب هذا تشجيع السلطات.
غير ان هنالك عوامل رئيسة أخرى (نستطيع ان نعتبرها عقبات)
يجب وجودها حتى تكتمل عناصر سند النهضة الفنية في العراق
منها المال الكافي لاظهار الفن بشكل يليق بمكانته ويطابق
القواعد الفنية والحياة القديمة والحديثة ومجالي الطبيعة
وجمالها في جميع الوجوه.
ثم المسرح الثابت المجهز بالوسائل والمعدات الفنية الكاملة
للاخراج وما يتعلق به يضاف الى ذلك العنصر النسائي
والتأليف المحلي والنقد الفني وأما العنصر النسائي فهو
مشكلة المشاكل عندنا إذ ان التمثيل مازال يعتبر في أكثر
أوساطنا مع الأسف عملاً يسيء الى سمعة المرأة التي تمتهنه.
بينما الفكرة هذه قد خفت كثيراً في بعض البلاد المجاورة
وتلاشت نهائياً في العالم الراقي والذي يظن هذا لا يلام
طبعاً لانه لم ير تقريباً من التمثيل في العراق حتى اليوم
الا ما يسيء الى هذا الفن السامي وسمعته. غير اني آمل ان
يتلاشى هذا الرأي بالتدريج حين يشاهد الشعب ما يبرهن له
على ان المسرح والسينما ليست فيهما أية إساءة للسمعة كما
اوهموا، وحيئنذ تقبل الفتاة العراقية المثقفة على هذا الفن
اقبال اخواتها في البلاد الأخرى.
اما التأليف المحلي فحاجتنا اليه في المسرح والسينما ستكون
ماسة للغاية لان مكتبتنا مازالت خالية من الروايات الصالحة
للتمثيل وهذا لا يعني ان العراق خال من المؤلفين، ولكنه
يمكن ان يشرح بان المؤلفين موجودون ولكن المجال لم يكن
مفتوحاً لهم حتى اليوم للتأليف للمسرح لانهم لم يجدوا
مسرحاً محلياً يؤلفون له. واني واثق في انهم متى ما كان
المسرح -
وسيكون قريباً-
سيعملون له
وينتجون وهم يعملون لشيء له كيانه والمؤلفون يجب ان يقوم
الى جانبهم- بطبيعة الحال- النقاد الفنيون الذين يفهمون
النقد النزيه واصوله وينصفون بالذوق الفني الراقي والثقافة
العالية التي لابد من اكتمالها في الناقد حتى يستطيع ان
يفرق بين الناضج والفج ويشير الى الحسن والسيء مع تحليل
الأسباب بدقة وعلم دون غرض سوى القيام بواجبه كناقد. فاذا
ما حلت كل هذه العوامل الى جانب تشجيع الحكومة والشعب يكون
المسرح والسينما في العراق قد ثبتا على أسس صلبة لا
تتزحزح. والله الموجه الاعلى والمساعد العظيم لكل ما نريد
تحقيقه في بلادنا الكريمة وللفن السامي. |