|
في حوار
مع المفكر الاقتصادي وأمين عام الحزب الشيوعي الأردني د.
منير حمارنة :
الاستثمار في قطاعي
الصناعة والزراعة الحل الأمثل للمشكلات الاقتصادية
محسن
الذهبي
يشكل الفكر الاقتصادي
الجانب الاكثر اثارة في السنوات الاخيرة لما له من تاثير
واضح ومباشر على التطورات المتلاحقة في حياة الشعوب ويكثر
الحديث عن اقتصاد السوق والعولمة والخصخصة كمصطلحات مؤثرة
في السياسات الاقتصادية. ومن اجل الخوض في غمار هذه
المشاكل وكشف مضامينها واثارها على الوضع الاقتصادي محليا
وعربيا وعالميا كان (للمدى) هذا اللقاء مع الدكتور منير
حمارنة استاذ الاقتصاد في الجامعة الاردنية وامين عام
الحزب الشيوعي الاردني.
* كثر
الحديث عن الاختلالات والمعوقات في عملية النمو الاقتصادي
الاردني وتطوره وانعكاسات ذلك على التركيبة الاجتماعية
والمستوى المعاشي للفرد في الاردن ، فما هو استقراؤكم لهذا
الواقع ؟
*
نعم يعاني
الاقتصاد الاردني لحد الان من بعض الاختلالات . ويمكن
القول ان الركود الاقتصادي الممتد لعدة سنوات خلت يصاحبه
تدن واضح في مستوى النمو .وقد ادت السياسة الاقتصادية ذات
الطابع التقشفي الى عدم العناية باحتمالات النمو المتراكم
.كما تسببت بعض السياسات المالية والنقدية في انخفاض متوال
للدخل الحقيقي للمواطن الامر الذي قلص الطلب المحلي ، لان
متوسط الدخل الحقيقي للفرد في السنوات الاخيرة بلغ نصف ما
كان عليه في عام 1985. وهكذا فان ضعف الاستثمار وانخفاض
المداخيل يساهم في اشاعة حالة من الركود الاقتصادي الذي
ينعكس بالضرورة على زيادة معدلات الفقر والبطالة . ويمكن
القول ان هذه من اهم الاختلالات كذلك ضعف معدلات الاستثمار
وعوائده وتكريس اغلب الاستثمارات في قطاعات خدمية
والابتعاد الملحوظ عن قطاع الانتاج . فقد ذهب اغلبها الى
قطاع الانشاءات والسكن الفاخر . ويلاحظ ان السياسات الخاصة
في ظل برنامج التصحيح و السير في طريق الخصخصة للقطاع
العام لا تؤدي الى العمل على انهاء دور الدولة في الحياة
الاقتصادية فحسب بل لا تسمح ايضا باستثمار عوائد الخصخصة
في التنمية الاقتصادية وكان التخصيص هو انهاء دور الدولة
فقط وليس التفتيش عن وسائل تدفع عجلة التنمية الى الامام ،
ويتضح ذلك كما في العديد من تجارب الخصخصة في بعض البلدان
. مما ادى إلى ان تكون التنمية الاجتماعية الضحية الاولى
لهذه السياسة فقد تعمقت الازمة السكانية في البلاد واتسعت
دائرة الهجرة من الريف الى المدن وهجر الزراعات التقليدية
لاسيما زراعة الحبوب والاعلاف وتربية الثروة الحيوانية
واتسع الخراب الذي لحق بسكان الريف والبادية جراء الاسعار
الاغراقية .
*قامت الحكومة الاردنية منذ سنوات بوضع تشريعات تسمح بدخول
رساميل واستثمارات خارجية في قطاع السياحة دون قيود وشجعت
الاستثمار السياحي واسع النطاق املا بايجاد حل للجزء
الاكبر من المشاكل الاقتصادية ، هل تعتقدون بجدوى هذا
التوجه ؟
اعتمد الاقتصاد الاردني تاريخيا على موارد خارجية وقد شهد
الاردن تدفقات مالية كبيرة في السبعينات والثمانينات وهذا
التدفق ساهم في كثير من مظاهر التقدم الاقتصادي والعمراني
ولكن تذبذب اسعار النفط في ذلك الوقت وانخفاض الصادرات مع
بقاء سياسة التجارة الخارجية كما هي ادى الى تراجع هذه
التدفقات مما دفع الى انخفاض قيمة الدينار الاردني الى
النصف تقريبا الامر الذي ادى الى انخفاض المستوى المعاشي
وزيادة المصاعب الاقتصادية حتى يومنا كما اثرت الاجواء
السياسية المضطربة في المنطقة والحروب في المسارات
الاقتصادية في البلد بشكل مباشر ، اما المتحمسون للسياحة
كمصدر وحيد لحل المعضلة الاقتصادية فهم مبالغون فمن الاجدر
ان ندفع باتجاه القطاعات المنتجة كزيادة انتاجنا الزراعي
على وجة الخصوص . ثم نحن نملك ثروة كبيرة في البحر الميت
بامكانها ان تمنحنا الكثير كذلك الجانب الصناعي الوطني اذ
يشكو الصناعيون من السياسات الضريبية غير المدروسة
وانعكاساتها وارتفاع اسعار الفائدة مما ادى الى انخفاض
معدل الاستثمار الوطني الصناعي حيث ان العديد من المصانع
تعمل بنصف طاقتها الانتاجية . كما ان دخول راس المال
الاجنبي عن طريق الاستثمار غير المباشر في تملك الاصول
الاقتصادية رحل الكثير من الفوائض الاقتصادية الى خارج
البلد بينما نحن في امس الحاجة الى زيادة التراكم في
الادخار الوطني .
*اذن ما هي السياسات الاقتصادية الملائمة لتجاوز هذه
الاختلالات وتطوير عملية التنمية ؟
*ان تصحيح المسار الاقتصادي بحاجة الى سياسات تاخذ
بالاعتبار الاسباب التي ادت الى الاوضاع التي تحدثنا عنها
ووضع سياسات جديدة تستند الى رؤية من شانها انتشال
الاقتصاد مما يعيقة فافاق المستقبل ليست مظلمة ولكنها
تحتاج الى توجهات فاعلة ياتي في مقدمتها الابقاء على دور
فاعل للدولة وتعميق التفاعل بين القطاع العام والخاص ووضع
سياسات لدعم الصناعة والزراعة وعدم الاعتماد كليا على
المؤسسات الدولية وعدم اللجوء الى المديونية الخارجية الا
في حال اثبات جدوى الاقتراض ، والتوجه في بناء تكتل
اقتصادي عربي لمواجهة التكتلات الدولية والاستفادة من
مزايا السوق الواسعة . فالعالم يعيش مرحلة الكتل ونحن جزء
من هذا العالم والتكتل الاقتصادي كان ومازال مسموحا به حتى
بموجب الاتفاقات الدولية وقد ابقى على المواد التي تسمح
بالتكتلات في ( الجات ) وفي اتفاقية منظمة التجارة الدولية
ولم تلغ ، فعلينا ان ندخل تكتلا اقتصاديا وان نستفيد من
سوق واسعة وموارد كثيرة برغم العقبات الكثيرة والتي في
مقدمتها الخلافات العربية الرسمية والتي كانت وما زالت
عائقا امام توحيد الموقف الاقتصادي العربي .
* ازاء ما يجري من تحولات ومتغيرات متسارعة في الساحة
الاقتصادية العالمية ومظاهر العولمة التي شملت كل بلدان
العالم تقريبا ما هو تصوركم عن افق ومستقبل العلاقات
الاقتصادية الدولية والاثر الواقعي لحرية الحركة المالية
والصناعية ؟
*شهد العالم اندفاعات كبيرة نحو اقتصاد السوق فمنذ نهاية
الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي وجد مناخ موات من
اجل فرض مفاهيم جديدة لادارة الاقتصاد العالمي ولذلك بذلت
الشركات العملاقة ( متعددة الجنسيات )ذات النشاط الدولي
الواسع ومعها مؤسسات دولية جهودا كبرى من اجل ترسيخ قواعد
اقتصاد السوق واشاعة العولمة في الاقتصاد العالمي وعنوانها
الرئيس الغاء كل القيود على حركة السلع وتحركات راس المال
وانهاء دور الدولة في الحياة الاقتصادية والغاء الرقابة
الوطنية على تحركات التدفقات المالية .مما اوجد وضعا جديدا
فقد اشتدت حركة المضاربات واتسعت حركة الاموال الساخنة
وتعمقت ظاهرة التمايز الاجتماعي والطبقي واشتدت دكتاتورية
السوق التي لم تعترف الا بمبدأ الربح من دون اي محتوى
اجتماعي الامر الذى زاد معدلات الفقر على الصعيد العالمي
واصبحت البطالة ظاهرة عالمية تتعمق في ظل التطورات المذهلة
للثورة التكنلوجية بدلا من ان تصبح اداة رفاه ازدادت وحشية
راس المال واخذت الطبقات الوسطى تشكو من شدة التراجع
المعيشي والافتقار . وقد شهدنا اخيرا ان اقتصاد السوق
والعولمة كانا موضع نقد شديد في لقاءات منتجع ( دافوس )
مما حدا بالمجتمعين التحدث عن عولمة مسؤولة للتقليل من
اضرارها على الحياة الاقتصادية والاجتماعية .
ان عدم المسؤولية والحرية المطلقة للتدفقات المالية مع
سياسة اقتصاديات السوق التي فرضتها المؤسسات المالية
كصندوق النقد الدولي كانت وراء انفجار الازمات العالمية
كالنمور الاسيوية وفواجع الكساد والركود في روسيا
والبرازيل ودول امريكا اللاتينية . وهكذا فسياسة العولمة
لم تدفع الى ايجاد سوق دولية واحدة فقط بل قادت الى تدويل
الازمات بشكل كبير فهي اذن ازمة مالية وازمة فيض انتاج في
ذات الوقت اما انعكاستها على البلدان النامية في انخفاض
اسعار المواد الاولية مع كل الاختلالات النقدية والمالية
المترتبة على ذلك والتي تشيع عدم اليقين في قضايا التنمية
ولذلك ليس صحيحا ما يقوله البعض من ان الاقتصاديات العربية
بمنجى عن اثار الانعكاسات للازمات المالية والاقتصادية
العالمية .
|