اراء وافكار

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

نهاية الإنسان .. وخطاب العنف بين مشروع الإحياء والفوضى الخلاقة
 

د.فائز الشرع *
* أديب واكاديمي عراقي/ بغداد

لا ينصرف القصد في اختيار عنوان (نهاية الإنسان) إلى ما حدده الفلاسفة والمفكرون من غياب عصر الإنسان نتيجة تقدم التقانة وحلول الآلة ونظم المعلومات والذكاء الصناعي محل الإنسان وقدراته الجسدية والذهنية في تحقيق الإنجاز الحضاري، واقتصار حضوره على حفظ النوع البشري على الأرض، بل يتصل بما يحصل من نكوص في مسيرة الإنسان، ولاسيما في الشرق، الذي تعد التجربة العراقية، إحدى أهم علاماته الفاقعة، في عصر تجاوز فعل العولمة، تراتب القوى على وفق مناطق عزل محددة، إلى ما بعد الدولتية ونهاية عصر الاستقلالات الوطنية التقليدية، لتنتقل إلى قوى عالمية- كانت تصنف على أنها خارجية قياسا بكيان أية دولة مستقلة- وظيفة العنف الرمزي، التي تؤديها الدولة، كما يرى بورديو، منطلقا من تعريف الدولة لدى ماكس فيبر، على أساس ما تمارسه إدارتها من سلطة، بأنها: (هيئة بشرية تطالب بنجاح باحتكار الاستخدام الشرعي للعنف الفيزيائي على أرض محددة).

.. فبعد غزو الكويت، وانهيار الاتحاد السوفيتي، ونهاية عهد التوازي/ التوازن في التأثير والرعب والاحتياز، افتتح عهد الانفراد بقيادة قوى العالم، سواء المتحالفة أو المتراجعة عن مواقعها وأحلافها المنافسة، لصالح النظام العالمي الجديد، القائم على امتلاك العنف الرمزي المشرعن، بناء على اتفاق دولي جماعي/ ولو قسرا وتحفيزا، وكانت صيغة العالم الجديد كما أطلقها جورج بوش الأب وإدارته، علامة واضحة المعالم على تحول عالمي كلي، انبثق من حدث جزئي، هو غزو الكويت وقيادة العالم لاستعادتها من قبضة الاحتلال. والأمر الجزئي أيضا ولكن على اختلاف الموقع من الخارج الأمني المباشر- لا الاقتصادي غير المباشر- بالنسبة للولايات المتحدة إلى الداخل الأمني المباشر (الأمن القومي) هو الذي كرس تصاعد فعل العنف المعولم، بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، للانتقال إلى المجال التطبيقي للتغيير في الخارطة الاقتصا سياسة في العالم، المفتقر إلى قيم الديمقراطية الرأسمالية، أي في دول المدار/ الثقب/ المحيط، الذي يسور دول القلب/ المركز الديمقراطي قي صياغته الجديدة. ومن سياسة الاحتواء، وسلب مقومات استمرار الأنظمة السياسية باعتماد العقوبات الاقتصادية مع الدعم الإعلامي للتغيير، الذي مارسته الإدارة الديمقراطية الأمريكية بنسختها الليبرالية في عهد الحزب الديمقراطي، إلى ما مارسته إدارة المحافظين الجدد، نجد أن ثمة تصادما في التوجهات أفرز أزمة، تقوم على الفعل ورد الفعل العنفي، يكون ساحتها الإنسان نفسه، الفاقد لقيمته النوعية في نظر طرفي الصراع: الطرف المتبني لخطاب (مايكل ليدن) في طرحه نظرية (التدمير البنَّاء) أحد مفكري معهد (أمريكا أنتربراس) الموجه لسياسات المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية، والساند الفكري لنظرية (الفوضى الخلاقة/ البناءة)، التي تحولت إلى واقع إستراتيجي ملموس بتبني الإدارة الأمريكية الحالية لها، ولاسيما لدى عرابتها وزيرة الخارجية كوندليزا رايس- مستشارة الأمن القومي السابقة، وزيرة الخارجية الحالية- وتفترض التدخل المباشر والسريع لتغيير الأنظمة، وتقليص مساحة المحيط/ المدار غير الديمقراطي، ومن ثم فسح المجال لحراك غير منظم يمكن أن ينتج، ما دام تحت هيمنة المغيرة وإشرافها، تجربة ديمقراطية متفاعلة مع اقتصاد الرأسمالية الحديثة، عابرة الحدود/ القارات/ الأيديولوجيات، لتكريس عملية التحول الجزئي الواسع معبرا عنه بأطروحة(الشرق الأوسط الكبير)، من خلال ضربة/ صدمة مباشرة مركزها العراق وتصدعاتها في المحيط الحاضن (الشرق الأوسط).
وبصرف النظر عن دوافع هذه السياسة وما تمليه من ممارسة قووية، سواء في حفظ الأمن القومي/ العولمي الأمريكي، فإن تحقيق هذا التوجه يمكن أن يحصد نتائج ايجابية، ما دامت تزيح سلطة الدكتاتورية لإقامة نظام ديمقراطي يؤمِّن الحرية المفتقدة لشعوب المنطقة،و إذا لم تواجه بقوة رفض أو عرقلة، قد لا تساويها في المقدار القووي، ولكن تعاكسها في الاتجاه وتستطيع عرقلة عملها الإصلاحي. ومثلما أنتجت الفوضى الخلاقة خطابها القووي المغير وأخضعته لممارسته، قابل الرافضون هذا الخطاب- الفعل بخطاب العنف وممارسته، بالدرجة الانتشارية ذاتها سواء على أرض العراق أم غيره، في متابعة للعولمة التغييرية- الوقائية بعولمة ذات وسائل عنفية- إرهابية. وعندئذ وقع الإنسان- وبخاصة في العراق- في منطقة القتل، أو الهدف الذي يقصده الطرفان، ليكون هذا الإنسان، الخارج عن عضوية التوجهين، ضمن مشروع الاستهلاك/ الاستنفاد، الذي يفترضه التوجه/ المسعى الإصلاحي، مضحيا بالنماذج البشرية من أجل المبادئ/ التجارب، ما دامت هذه النماذج أقل من المستفيدين بعد نجاح المشروع، إذ لا يعد النموذج المنضب خسارة كبرى لدى تحقيق المشروع، ونجاح منتج صناعة الإصلاح/ الديمقراطية الثقيلة، وتصفية القوى المقاومة للمشروع على نحو عنفي بتقويض الهيكل التكويني، الذي يمنح الكيان هويته المعادية .
وفي الطرف الآخر الرافض/ المقاوم يضحَى بالنموذج/ الإنسان من أجل تعطيل مشروع صناعة الإصلاح بنسختها المركزية الأمريكية، لصالح إصلاح على أسس (أصولية)، فيدخل الإنسان- وجودا حيويا وقيمة- أيضا إلى مشروع استهلاك/ استنفاد، سواء في النموذج المنفذ للفعل العنفي (الضحية الايجابية)، أم المنفذ به الفعل (الضحية السلبية). وذلك تابع لخطاب عنفي يعتمد مرجعيات مؤولة/ ُمرحَّلة قسريا من النصوص المقدسة، ولاسيما من القران الكريم، والحديث النبوي الشريف، فضلا عن السير والمقولات المأثورة عن السلف الصالح. وفي الخطاب العنفي يتجاوز الفعل الذات، ويتسع إلى مديات أكبر من حضورها مادام مؤللا/ مسلحا بوسائل إنهاك الآخر(الهدف)، الموضوع ضمن هدف استراتيجي هو الإنهاء، أو تقويض الهيكل التكويني المكرس للضغط على موقع (المشروع الإصلاحي).
وسواء تعلق الأمر بهدف الإصلاح أو بهدف الإحياء وإقامة الكيان اليماني بعيدا عن سيطرة العدو العقائدي، فإن ما يحصل هو التوافر في ساحة الصراع بين التوجهين/ الأيديولوجيتين/ القوتين، مع احتساب الفوارق في القدرة والتأثير والإمكانات، تتوزع فيها العناصر البشرية ورأسمالاتها المادية والرمزية على ثلاثة اتجاهات:
1-اتجاه منجذب: سواء انجذب إلى طرف الإصلاح أو إلى طرف الإحياء، وكل جماعة من ممثلي هذا الاتجاه قد تنجذب عن اقتناع ومجانية في الموقف، أو برجاء تحقق مصالحها الخاصة أو المصالح العامة. وتسعى كل جماعة إلى تغليب وجهات نظر من تنجذب إليه، والسعي إلى تكريسه، وينطوي هذا الانجذاب على استعداد للفعل، أو القيام به.
2-اتجاه غير منتم وغير قادر على التمييز: ولكنه تابع لمن يملك القدرة على الهيمنة، لأنه اتجاه يدأب على طلب خدمة القوى من أي اتجاه كانت، مع انحيازه لهذا الطرف أو ذاك بناء على تأثير عقائدي أو تأثر بمعطى كارزمي من أي نوع، أو بمحيط مفضل.
3- اتجاه ناقد/ حذر من كلا التوجهين: ويحاول- من دون جدوى- أن يوجد رؤية مستقلة (وهذا لا يتعلق بالاستقلالية الانتهازية التي تريد إظهار الأهمية والدعم من أي طرف) عن المشروعين ولكن ذلك لا يتحقق لندرة ما ينطوي عليه هذا الاتجاه من ضعف في الامكانات والنفوذ، فضلا عن استبعادها من قوى الصراع، على الرغم من امتلاكها عنصر الإقناع.
ولكن كيف يجري استنفاد هذه الاتجاهات على وفق المشاريع الفاعلة باتجاه نهاية الإنسان ؟
ما يمكن ملاحظته من استنفاد بالنسبة للاتجاه الأول هو ما نشهده من عمليات انتحارية أو عمليات الاغتيال التي يقوم بها الفاعلون من المنجذبين للتيار الرافض للإصلاح (الإحياء)، على حين يندر من يقوم بالفعل الانتحاري لصالح مشروع الإصلاح وذلك لافتقار المنضوين تحت هذا الاتجاه إلى التوافر القائم على الجذب العقائدي وقيام الجذب المصلحي بدلا منه، هذا إذا ما استبعدنا من الحساب جنود القوات العسكرية صاحبة مشروع الإصلاح، وإن كانت داخلة ضمن دائرة نهاية الإنسان. أما الاتجاه الثاني فيكون عرضة للاستنفاد/ القتل والإضرار عن طريق التزاحم الذي يوفره حضور أفراده في منطقة الصراع، فما يحدث من انفجارات انتحارية أو موقوتة بانتظار الهدف من جانب الفعل الاحيائي. ويمكن أن يكون عرضة للانتهاك من جانب القوات العسكرية التي تريد ابادة عنصر المقاومة لمشروعها والإرهاب الذي يستهدف قواها ومشاريعها ومن يتعاون معها، فضلا عما يدمره في طريق تحقيق هذا الهدف من هدر في الممتلكات العامة والخاصة، بعد أن يستنفد الأبرياء أنفسهم.
الاتجاه الثالث المستقل عن المشروعين من دون أن يكون حياديا بل ناقدا فاعلا بطرق شتى ليس أقلها التعبير عن الرأي ومحاولة بث التوعية، وهذا ما يحدد طبيعة هذا الاتجاه ونوع المنضوين تحت محدداته، إذ غالبا ما يكونون من النخب العلمية والثقافية وبعض النخب الاجتماعية، سواء أكانوا أكاديميين أم رجال دين أم معتدلين أم سياسيين مستقلين أو مثقفين أو مبدعين في مجالات الكتابة والفن، يضاف إليهم أصحاب النفوذ الاجتماعي ممن يفضلون مصالح أوطانهم وشعوبهم على مصالحهم الاقتصادية الخاصة- على ضيقها في المنطقة العربية ولاسيما العراق قياسا بما هو متحقق في حركة رؤوس الأموال وحجمها عالميا- ويلحق بهذا الاتجاه من لا يملكون القدرة على تجاوز عموميتهم والدخول في نسق النخبة وإن كانوا ممن يملكون الوعي الكافي للرؤية وتشكيل الموقف. وغالبا ما يتعرض أصحاب هذا الاتجاه إلى الاغتيال، الاحتجاز أو التعرض للإضرار أو الحرمان منة الفرص المناسبة بحسب الكفاءة، نتيجة مواقفهم المعارضة للمشاريع السائدة أو الداخلة في دائرة الصراع من أجل تحقيق المصالح الأيديولوجية بعيدا عن المصلحة العامة الطبيعية، مع أنهم عرضة للموت المجاني أو المصادف لفعل عنفي ناتج عن الصراع القائم.
المهم أن كل هذه الاتجاهات غير بعيدة عن دائرة الانتهاك والاستنفاد، لتشكيل أفق نهاية الإنسان الذي يخلقه هذا الصراع، ليس على أرض العراق فحسب بل في كل بقاع الصراع، ولاسيما في العالم الإسلامي كما حصل في أفغانستان ولبنان وفلسطين وما يستجد من ساحات للصراع سواء المباشر المرئي أو النسبي، يضاف إلى ذلك المناطق ذات الأزمات المحدودة (المحلية) التي تأخذ الحكومات دور قوة الإصلاح الذي يعني التسلط وتسيير الأمور بموجب نظام معين، بصرف النظر عن كون توجهها يتسق مع مشروع الإصلاح أو تناقضه تماما في كثير من الأحيان.


أنا أتكلم لغتك فلماذا لا تتكلم لغتي؟ .. مدخل لحوار الأثنيات في العالم العربي


د. حميد الهاشمي*
* أكاديمي وباحث انثروبولوجي/ هولندا
Hashimi98@hotmail.com

سألني أحد الإخوة الأكراد المهاجرين إلى هولندا بمرارة، السؤال التالي: "يا أخي، لماذا نحن الأكراد نتكلم لغتكم العربية وانتم لا تتكلمون لغتنا الكردية" ؟؟
وطبعا هذا السؤال يحمل في طياته عمقا بعيدا وشؤونا وشجونا شتى. فمنها واقع العلاقة الإنسانية بين العرب والأقليات الإثنية الأخرى التي تعيش في كنفهم أو تشاركهم الأرض والثقافة، ومنها سؤال المواطنة والتهميش الذي عاناه وما زال يعانيه البعض من هذه الأقليات، ومنها حرية التعبير عن الرأي و(جرأة) هذا السؤال الذي يعد من ضمن المحرمات في معظم البلدان العربية، ومنها أيضا مكانة اللغة العربية ماضيا وآنيا ومستقبلا في ضوء المتغيرات الجديدة التي تشهدها المنطقة.
كان جوابي بسيطا لهذا الأخ الكردي، وهو عبارة عن سؤال معاكس، وهو: "من برأيك أفضل أنت أم أنا" ؟ فتعجب من السؤال؟
فكررته عليه بإيضاح، وإجابة، حيث قلت له طالما انك تفهم لغتي وأنا لا افهم لغتك، فانك أفضل مني، أي انك تتكلم لغتين من حيث المبدأ وأنا أتكلم لغة واحدة وهذه ميزتك عني، وهو فضل لك أن تفهمني بلغتي. فما كان من الأخ الكردي إلا أن انبسطت أساريره، وقال ما مضمونه إن هذه لهجة جديدة في الحوار لم أصادفها من قبل وهذه أعطتني ثقة بالنفس أكثر، بدلا من الشعور بالدونية مقابل الآخر التي كنت أتصورها. وانطلقنا في نقاش اتفقنا فيه على أن الشخص الذي يتحدث بأكثر من لغة هو امتياز له، وانه ممكن أن يوصل ثقافته ويدافع عن نفسه بأكثر من سلاح وان له قابلية البروز والنجاح والاستمرار أكثر من غيره.
وفي موروثنا العربي ما روي عن النبي (ص) انه قال: "من تعلم لغة قوم أمن مكرهم". وهذا امتياز ودافع لان تتعلم لغة أخرى.
وبعد أن عدل الأخ محدثي عن تصلبه عرج بنفسه طواعية للحديث عن اللغة العربية، ومزاياها وفضائلها، وتاريخيتها وعلاقتها الوثيقة باللغات الأخرى في المنطقة مثل الكردية والفارسية والامازيغية والتركمانية والتركية وغيرها. وإنها لغة القرآن ولسان أهل الجنة..الخ
وخلصنا إلى أن تعلم أو تعليم العربية لا ينتقص من أبناء الإثنيات التي تتعايش جنبا إلى جنب مع العرب في هذه المنطقة.
إن تعايش اللغات واقترابها من بعضها، يقويها ويثري كل منها، ومتى ما كانت اللغة الكردية أو الامازيغية أو التركمانية أو غيرها من اللغات قريبة من اللغة العربية، فان ذلك يساعد في سرعة إيصالها وتفاعلها مع محيطها، كما أن المتحدث بها يسهل عليه تعلم وفهم اللغة العربية واللغات القريبة منها، ولا يعني بالضرورة أن تكون قوة اللغة (أية لغة) في تفردها بالحروف مثلا أو خلوها من مفردات أجنبية.
نجد هنا ومن وجهة نظر شخصية إن هذا الطرح ممكن أن يكون مدخلا للحوار والتفاهم بين الإثنيات والمجاميع العرقية في محيطنا العربي، ويفتح آفاقا للتعايش السلمي المشترك، ويخفف من حدة الاستقطاب العرقي والقومي والأثني السائد هذه الأيام بفعل حدة التغيرات والتحديات التي تشهدها المنطقة. ولا بد من الإقرار بان الأقليات المتشاركة مع العرب في الأرض والثقافة، عانت كثيرا من جهل الجاهلين ومن اضطهاد بعض الحكومات العربية سواء تحت لواء الدين أو القومية أو القطرية أو القبلية أو غيرها، الأمر الذي انعكس في حالة انكسار شديد وحمل عقدة الاضطهاد لدى البعض. وقد تم إسقاط هذا الأمر بصيغة كراهية وصلت إلى اللغة العربية. ويزيد جريان هذا التيار وشدة سرعته، المتغيرات والمفاهيم الجديدة التي اجتاحت العالم ووصلت إلى المنطقة وليس آخرها الحرب في العراق وما ترتب عليها.
فهناك ملفات الإصلاح السياسي والاقتصادي والإداري والتعليمي وغيرها، وهناك العولمة وأدواتها التي فتحت العديد من الأبواب والملفات، التي لم يعد الوقت يسمح لغض الطرف عن تداركها، وأدخلت الكثير من المفاهيم التي تتسع العالم اجمعه ولم يعد العالم العربي بمنأى عنها.
فمبدأ حرية وصول المعلومات إلى أي كان، وخاصة عبر تكنولوجيا الاتصال المختلفة ومنها الستالايت والانترنت، حركت المياه الراكدة في المنطقة وحرضت الكثير من الساكتين والمُُسكّتين عن أحوالهم، وبات متاحا للجميع أن يحاكي الآخرين أمثاله ويقارن أوضاعه. وأضحت مفردات من قبيل الديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية شعارات يرفعها كل سياسي ومثقف ومتعلم وناشط اجتماعي.
وفي ظل هذه المتغيرات علينا نحن العرب أن نتدارك أمرنا في مجال مصالحتنا مع محيطنا، وترميم بيتنا، وتصحيح مساراتنا، وخلق لغة حوار جديدة مع أشقائنا وشركائنا من أبناء المكونات الأخرى لأوطاننا، تقوم على احترام هوياتهم الثقافية، ومنها لغاتهم وان يمنحوا ولو هامشا من الاعتبار قبل أن نصحو على مرحلة نجد فيها ردود أفعال انتقامية، أول ما تنصب على لغتنا العربية ابتدءا من استبدال حروفها، كما حدث حينما استبدل أتاتورك الحروف العربية باللاتينية، وكما استبدل الأذربيجانيون وغيرهم من الدول السوفيتية السابقة المستقلة حروف اللغة الروسية بالحروف اللاتينية و كما ينادي البعض الآن من الأكراد والتركمان والامازيغ باستبدال حروف لغاتهم بالحروف اللاتينية.
إن منهجا من هذا النوع يقوم على أساس التخفيف من عقدة المركزية والتفوق لذواتنا، واحترام الآخر باعتباره شريكا ومساويا يعطيه إحساسا أقوى بالمواطنة ويقطع الطريق على جهات خارجية ستفرض علينا أي نوع من الإملاءات، ونخسر فيها الأشقاء قبل الأصدقاء.


إشكالية الدولة في المجتمعات الإسلامية (2-2)
 

علي وتوت *

* باحث أكاديمي في سوسيولوجيا السياسة

حين تولى معاوية بن أبي سفيان الخلافة في عام 40 ه (661م) اتخذ دمشق عاصمة للخلافة، وانحصرت الخلافة في الأسرة الأموية، وأصبح الخليفة يختار ولي عهده، ثم يدعو الناس في الشام والوفود في البلاد الأخرى لبيعة من يختاره. وظل الخلفاء الأمويون يقيمون في الشام. وندر من زار منهم الأقاليم الأخرى. وإنما أداروا الدولة عن طريق الولاة الذين يختارونهم، ولكل من هؤلاء الولاة، كونهم ممثلين للخلفاء، سلطات واسعة في إدارة ولايته ولكنهم كانوا خاضعين للخليفة الذي له حق توليتهم وعزلهم ومراقبة أعمالهم، وإصدار الأوامر والتوجيهات أليهم(13).
وقد بدأ بالظهور في هذا العصر، ما يمكن تسميته ب (دولة الملك السياسي) التي أعاد معاوية تأسيسها تأسيساً جديداً بعد حروب الردة أولاً، ثم حروب الفتوحات الكبرى ثانياً. وقد تبلورت بأثر ذلك ظاهرة التنوع والتعدد في المجتمع العربي الإسلامي مع ما رافقتها من بدء الخلافات الفقهية، وبدأ (التأويل). كما تبلور الحقل السياسي، أو المجال السياسي بوجه عام.
يقول الجابري بهذا الصدد: إذا نحن نظرنا إلى الدولة بوصفها ظاهرة سياسية أولاً وقبل كل شيء، فأننا سنجد أن (مُلك) معاوية كان فعلاً (دولة السياسة) في الإسلام، الدولة التي ستكون النموذج الذي بقي سائداً إلى اليوم. ونحن عندما نصف (ملك) معاوية بأنه (دولة السياسة) فأننا لا نقصد بذلك تلك المظاهر التي عرف بها سلوك معاوية، من الدهاء والقدرة على المفاوضة، وما يعرف ب (شعرة معاوية) فان هذه المظاهر، على أهميتها وإيجابيتها من الناحية السياسية، تبقى مما ينتمي إلى السلوك الشخصي، وليس إلى بنية الدولة.
أننا نقصد بذلك أن معاوية قد أوجد بالفعل من خلال سلوكه الشخصي كسياسي محنك، وبفعل التطورات الاجتماعية التي حصلت في عهده ما يعبر عنه علماء الاجتماع والسياسة اليوم ب (المجال السياسي) أو المؤسسة السياسية(14)، والذي يشمل الدولة باعتبارها تعبيراً سياسياً وحقوقياً عن علاقات الإنتاج، ويشمل السلطة والمعارضة في آن معاً، ويشمل كذلك سائر التيارات السياسية والاتجاهات الفكرية التي تغذيها. هذا التبلور مؤشر على تبلور حقول أو مجالات المجتمع المدني الأخرى القاعدية إذا أصح التعبير، مثل المجال الاقتصادي، والمجال الاجتماعي، أو لنقل المجال (الاقتصادي / الاجتماعي)، والمجال الثقافي، والمجال الأيديولوجي، وان كنا نسقط هذا المفهوم على الحياة الفكرية في ذلك الزمان، وأخيراً المجال السياسي(15).
أن طابع الدولة وطابع نظام الحكم يتحدد بالعلاقة بين السلطة والمعارضة، تلك العلاقة التي يمكن أن تجعل من الدولة أما دولة استبدادية تقوم على إقصاء المعارضة ونفيها، أو دولة تعددية يجري في مؤسساتها صراع اجتماعي - سياسي مفتوح يسمح بتداول السلطة سلمياً. وهو ما لم يكن معروفاً في التاريخ السياسي العربي، لاسيما منذ تولي معاوية السلطة، وتحويله الخلافة إلى (ملك عضوض).
هكذا انقلبت الخلافة مُلكاً لما انغمس العرب في النعيم بكثرة الغنائم والفتوح، أصبحت طبيعة الظروف الجديدة تفرض الانفراد بالمجد واستئثار السلطة وكان ذلك على عهد معاوية. ولذلك فان ما حدث في عهد معاوية من مظاهر المُلك هو أمر طبيعي ساقته العصبية بطبيعتها، فلم يكن بإمكانه أن يدفع ذلك عن نفسه وقومه، ولو أنه حملهم على غير تلك الطريقة وخالفهم في الانفراد بالأمر لوقع في افتراق الكلمة التي كان جمعها وتأليفها أهم عليه من أمر ليس وراءه كبير مخالفه(16).
إن المضمون الواقعي والتاريخي لدولة معاوية بوصفها دولة كلية، يتمثل في اتخاذها عصبية قبيلة بني أمية بخاصة، واتخاذ القبيلة بوجه عام إطاراً لتوليد وتبلور الطبقة الأرستقراطية الجديدة وإعادة إنتاج البنية القبلية، كبنية اجتماعية وسياسية، حيث دخلت العلاقات القبلية في السياسة، على أنه لا يمكن الزعم من ان معاوية باعتباره رمزاً للسلطة الأموية قد استبعد المعارضة كلياً من مجال العمل السياسي، ومجال السلطة، بل أنه وضع نفسه في مركز السلطة، وفي موقع السيطرة على التراتبات الاجتماعية من جهة، وعلى التعارضات القبلية والأقوامية والطبقية في تجلياته السياسية من جهة أخرى. وهو معروف ب (العقد السياسي) الذي اقترحه على خصومه السياسيين بعد أن انتصر عليهم بالقوة، فضلاً عن عدم قطعه قنوات التواصل مع الآخرين (شعرة معاوية)، وعدم استبعاده المعارضة السياسية، إلا تلك التي كانت لا تقبل بأقل من إقصائه عن الحكم (كالشيعة أو الخوارج أو غيرهم من الفرق الذين قمعوا بشدة ونكل بهم بسبب أو بغيره، بل إن (التقية)(17) كمفهوم ديني شيعي ظهر في زمن الأمويين.
بعد انتصار العباسيين وتداعي الحكم الأموي، كيف نفسر استئثار العباسيين بالحكم والدولة والطريقة التي تم بها هذا الاستئثار: اسْتُبْعِدَ الشيعة من السلطة ونكِّل بهم ونُكِبَ بالبرامكة، واستبعدت العناصر الفارسية سياسياً في حين لم يستبعد بقية العناصر الأجنبية من مؤسسات السلطة، ولاسيما في الجانب الإداري والثقافي. فعلى الرغم من الحلف الذي كان قائماً بين العباسيين والعلويين والاتفاق الذي تم بينهما على مبايعة (محمد النفس الزكية) بحضور (السفاح) و(المنصور) وغيرهما من (آل العباس) وموافقتهم - وكان محمد هذا، ابن عبد الله المحض، علوياً من سادات بني هاشم نبلاً وديناً وشجاعة وفصاحة. وكان الناس شديدي الميل إليه، وقد قدمهّ أشراف بني هاشم على أنفسهم، ورشحوه وعاضدوه، إلا أن تقاسم السلطة بين العباسيين والعلويين، والذي يعكس ميزان القوى الاجتماعي والسياسي، قد حسم لمصلحة الأوائل. فاستأثر العباسيون بالحكم دون العلويين في تناقض كلي مع الاتفاق الذي كان معقوداً بينهما، والذي يكون أمر الخلافة شورى بينهما، بعد أن كانت الخلافة في نظر بني هاشم الذين ينتمي إليهما البيتان (العباسي والعلوي) مغتصبة(18).
هكذا ما أن انتصرت الثورة العباسية، حتى تغلب منطق الدولة على منطق الثورة، أصبح (العلويون) - من منظور العباسيين- عقبة سياسية يجب التخلص منهم نهائياً، كما يتطلبه ذلك شروط وأشكال انتقال السلطة، فالثورة تعني التغيير النوعي العميق، والطبقي الناجز والاجتماعي الجذري، في حين أن السلطة العباسية كانت تاريخياً، استمراراً صاعداً ومتطوراً كمّاً وكيفاً ضمن ظروف موضوعية أرقى وأرحب، لمؤسسة الخلافة الإسلامية. التي أوجدها المسلمون، ولم ينصّ عليها صراحة، دستور المسلمين (القرآن) ولا السنة النبوية الكريمة، كما سبقت الإشارة، وإنما استحدثها القائمون على الأمر في بلاد المسلمين بعد وفاة النبي (ص)، وقاموا بتطويرها، كنتاج اجتماعي، مع توالي عهود التنظيم السياسي.

الهوامش
(1) بطرس بطرس غالي ومحمود خيري عيسى: المدخل في علم السياسة، القاهرة، مطابع الأهرام التجارية، ط5، 1976، ص 156
(2) مجموعة من المؤلفين: العراق في التاريخ (إشراف وتقديم: صالح أحمد العلي)، بغداد، دار الحرية للطباعة، 1983، ص183
(3) المقصود هنا كتاب أبي الحسن الماوردي (الأحكام السلطانية والولايات الدينية) وبهامشه أقباس الأنام في تخريج أحاديث الأحكام، تحقيق: خالد رشيد الجميلي، بغداد، دار الحرية للطباعة، 1989
(4) محمد عمارة: الإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرازق، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر،1972، ص 146
(5) محمد ضياء الدين الريس: النظريات السياسية الإسلامية،القاهرة، مكتبة دار التراث، ط7، 1979، ص 27 .
(6) منصور الجمري: المواطنة الفاعلة، موقع البلاغ،
http://www.balagh.com/mosoa/ejtma/1k1ebntm.htm.
(7) محمد جابر الأنصاري: تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية، مدخل إلى إعادة فهم الواقع العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط 3 ، 2000 ، ص26
(8) بيري أندرسون: دولة الشرق الاستبدادية، ترجمة بديع عمر نظمي، بيروت، مؤسسة الأبحاث العربية، 1983، ص 18
(9) عبد الرحمن بن خلدون: المقدمة، العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاشرهم من ذوي السلطان الأكبر، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ب. ت.، ص 338
(10) محمد عابد الجابري: العقل السياسي العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط4، 2000، ص234
(11) توفيق المديني: المجتمع المدني والدولة السياسية في الوطن العربي، دمشق، اتحاد الكتاب العرب، 1997، ص 211
(12) راجع أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: تاريخ الأمم والملوك، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، بيروت، لبنان، دار روائع الفكر العربي، 1967، مج (10 ج )، ص 351
(13) توفيق المديني: المصدر السابق، ص 135 (14) ملاحظة للباحث
(15) محمد عابد الجابري: المصدر السابق، ص 234
(16) نفسه، ص 225
(17) وهو تجنب إظهار العقيدة خوفاً من الأذى (ملاحظة للباحث).
(18) نفسه، ص 211

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة