|
نهاية
الإنسان .. وخطاب العنف بين مشروع الإحياء والفوضى الخلاقة
د.فائز الشرع *
* أديب واكاديمي عراقي/
بغداد
لا
ينصرف القصد في اختيار عنوان (نهاية الإنسان) إلى ما حدده
الفلاسفة والمفكرون من غياب عصر الإنسان نتيجة تقدم
التقانة وحلول الآلة ونظم المعلومات والذكاء الصناعي محل
الإنسان وقدراته الجسدية والذهنية في تحقيق الإنجاز
الحضاري، واقتصار حضوره على حفظ النوع البشري على الأرض،
بل يتصل بما يحصل من نكوص في مسيرة الإنسان، ولاسيما في
الشرق، الذي تعد التجربة العراقية، إحدى أهم علاماته
الفاقعة، في عصر تجاوز فعل العولمة، تراتب القوى على وفق
مناطق عزل محددة، إلى ما بعد الدولتية ونهاية عصر
الاستقلالات الوطنية التقليدية، لتنتقل إلى قوى عالمية-
كانت تصنف على أنها خارجية قياسا بكيان أية دولة مستقلة-
وظيفة العنف الرمزي، التي تؤديها الدولة، كما يرى بورديو،
منطلقا من تعريف الدولة لدى ماكس فيبر، على أساس ما تمارسه
إدارتها من سلطة، بأنها: (هيئة بشرية تطالب بنجاح باحتكار
الاستخدام الشرعي للعنف الفيزيائي على أرض محددة).
..
فبعد غزو الكويت، وانهيار الاتحاد السوفيتي، ونهاية عهد
التوازي/ التوازن في التأثير والرعب والاحتياز، افتتح عهد
الانفراد بقيادة قوى العالم، سواء المتحالفة أو المتراجعة
عن مواقعها وأحلافها المنافسة، لصالح النظام العالمي
الجديد، القائم على امتلاك العنف الرمزي المشرعن، بناء على
اتفاق دولي جماعي/ ولو قسرا وتحفيزا، وكانت صيغة العالم
الجديد كما أطلقها جورج بوش الأب وإدارته، علامة واضحة
المعالم على تحول عالمي كلي، انبثق من حدث جزئي، هو غزو
الكويت وقيادة العالم لاستعادتها من قبضة الاحتلال. والأمر
الجزئي أيضا ولكن على اختلاف الموقع من الخارج الأمني
المباشر- لا الاقتصادي غير المباشر- بالنسبة للولايات
المتحدة إلى الداخل الأمني المباشر (الأمن القومي) هو الذي
كرس تصاعد فعل العنف المعولم، بعد أحداث الحادي عشر من
أيلول، للانتقال إلى المجال التطبيقي للتغيير في الخارطة
الاقتصا سياسة في العالم، المفتقر إلى قيم الديمقراطية
الرأسمالية، أي في دول المدار/ الثقب/ المحيط، الذي يسور
دول القلب/ المركز الديمقراطي قي صياغته الجديدة. ومن
سياسة الاحتواء، وسلب مقومات استمرار الأنظمة السياسية
باعتماد العقوبات الاقتصادية مع الدعم الإعلامي للتغيير،
الذي مارسته الإدارة الديمقراطية الأمريكية بنسختها
الليبرالية في عهد الحزب الديمقراطي، إلى ما مارسته إدارة
المحافظين الجدد، نجد أن ثمة تصادما في التوجهات أفرز أزمة،
تقوم على الفعل ورد الفعل العنفي، يكون ساحتها الإنسان
نفسه، الفاقد لقيمته النوعية في نظر طرفي الصراع: الطرف
المتبني لخطاب (مايكل ليدن) في طرحه نظرية (التدمير
البنَّاء) أحد مفكري معهد (أمريكا أنتربراس) الموجه
لسياسات المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية،
والساند الفكري لنظرية (الفوضى الخلاقة/ البناءة)، التي
تحولت إلى واقع إستراتيجي ملموس بتبني الإدارة الأمريكية
الحالية لها، ولاسيما لدى عرابتها وزيرة الخارجية كوندليزا
رايس- مستشارة الأمن القومي السابقة، وزيرة الخارجية
الحالية- وتفترض التدخل المباشر والسريع لتغيير الأنظمة،
وتقليص مساحة المحيط/ المدار غير الديمقراطي، ومن ثم فسح
المجال لحراك غير منظم يمكن أن ينتج، ما دام تحت هيمنة
المغيرة وإشرافها، تجربة ديمقراطية متفاعلة مع اقتصاد
الرأسمالية الحديثة، عابرة الحدود/ القارات/ الأيديولوجيات،
لتكريس عملية التحول الجزئي الواسع معبرا عنه
بأطروحة(الشرق الأوسط الكبير)، من خلال ضربة/ صدمة مباشرة
مركزها العراق وتصدعاتها في المحيط الحاضن (الشرق الأوسط).
وبصرف النظر عن دوافع هذه السياسة وما تمليه من ممارسة
قووية، سواء في حفظ الأمن القومي/ العولمي الأمريكي، فإن
تحقيق هذا التوجه يمكن أن يحصد نتائج ايجابية، ما دامت
تزيح سلطة الدكتاتورية لإقامة نظام ديمقراطي يؤمِّن الحرية
المفتقدة لشعوب المنطقة،و إذا لم تواجه بقوة رفض أو عرقلة،
قد لا تساويها في المقدار القووي، ولكن تعاكسها في الاتجاه
وتستطيع عرقلة عملها الإصلاحي. ومثلما أنتجت الفوضى
الخلاقة خطابها القووي المغير وأخضعته لممارسته، قابل
الرافضون هذا الخطاب- الفعل بخطاب العنف وممارسته، بالدرجة
الانتشارية ذاتها سواء على أرض العراق أم غيره، في متابعة
للعولمة التغييرية- الوقائية بعولمة ذات وسائل عنفية-
إرهابية. وعندئذ وقع الإنسان- وبخاصة في العراق- في منطقة
القتل، أو الهدف الذي يقصده الطرفان، ليكون هذا الإنسان،
الخارج عن عضوية التوجهين، ضمن مشروع الاستهلاك/ الاستنفاد،
الذي يفترضه التوجه/ المسعى الإصلاحي، مضحيا بالنماذج
البشرية من أجل المبادئ/ التجارب، ما دامت هذه النماذج أقل
من المستفيدين بعد نجاح المشروع، إذ لا يعد النموذج المنضب
خسارة كبرى لدى تحقيق المشروع، ونجاح منتج صناعة الإصلاح/
الديمقراطية الثقيلة، وتصفية القوى المقاومة للمشروع على
نحو عنفي بتقويض الهيكل التكويني، الذي يمنح الكيان هويته
المعادية .
وفي الطرف الآخر الرافض/ المقاوم يضحَى بالنموذج/ الإنسان
من أجل تعطيل مشروع صناعة الإصلاح بنسختها المركزية
الأمريكية، لصالح إصلاح على أسس (أصولية)، فيدخل الإنسان-
وجودا حيويا وقيمة- أيضا إلى مشروع استهلاك/ استنفاد، سواء
في النموذج المنفذ للفعل العنفي (الضحية الايجابية)، أم
المنفذ به الفعل (الضحية السلبية). وذلك تابع لخطاب عنفي
يعتمد مرجعيات مؤولة/ ُمرحَّلة قسريا من النصوص المقدسة،
ولاسيما من القران الكريم، والحديث النبوي الشريف، فضلا عن
السير والمقولات المأثورة عن السلف الصالح. وفي الخطاب
العنفي يتجاوز الفعل الذات، ويتسع إلى مديات أكبر من
حضورها مادام مؤللا/ مسلحا بوسائل إنهاك الآخر(الهدف)،
الموضوع ضمن هدف استراتيجي هو الإنهاء، أو تقويض الهيكل
التكويني المكرس للضغط على موقع (المشروع الإصلاحي).
وسواء تعلق الأمر بهدف الإصلاح أو بهدف الإحياء وإقامة
الكيان اليماني بعيدا عن سيطرة العدو العقائدي، فإن ما
يحصل هو التوافر في ساحة الصراع بين التوجهين/
الأيديولوجيتين/ القوتين، مع احتساب الفوارق في القدرة
والتأثير والإمكانات، تتوزع فيها العناصر البشرية
ورأسمالاتها المادية والرمزية على ثلاثة اتجاهات:
1-اتجاه منجذب: سواء انجذب إلى طرف الإصلاح أو إلى طرف
الإحياء، وكل جماعة من ممثلي هذا الاتجاه قد تنجذب عن
اقتناع ومجانية في الموقف، أو برجاء تحقق مصالحها الخاصة
أو المصالح العامة. وتسعى كل جماعة إلى تغليب وجهات نظر من
تنجذب إليه، والسعي إلى تكريسه، وينطوي هذا الانجذاب على
استعداد للفعل، أو القيام به.
2-اتجاه غير منتم وغير قادر على التمييز: ولكنه تابع لمن
يملك القدرة على الهيمنة، لأنه اتجاه يدأب على طلب خدمة
القوى من أي اتجاه كانت، مع انحيازه لهذا الطرف أو ذاك
بناء على تأثير عقائدي أو تأثر بمعطى كارزمي من أي نوع، أو
بمحيط مفضل.
3- اتجاه ناقد/ حذر من كلا التوجهين: ويحاول- من دون جدوى-
أن يوجد رؤية مستقلة (وهذا لا يتعلق بالاستقلالية
الانتهازية التي تريد إظهار الأهمية والدعم من أي طرف) عن
المشروعين ولكن ذلك لا يتحقق لندرة ما ينطوي عليه هذا
الاتجاه من ضعف في الامكانات والنفوذ، فضلا عن استبعادها
من قوى الصراع، على الرغم من امتلاكها عنصر الإقناع.
ولكن كيف يجري استنفاد هذه الاتجاهات على وفق المشاريع
الفاعلة باتجاه نهاية الإنسان ؟
ما يمكن ملاحظته من استنفاد بالنسبة للاتجاه الأول هو ما
نشهده من عمليات انتحارية أو عمليات الاغتيال التي يقوم
بها الفاعلون من المنجذبين للتيار الرافض للإصلاح (الإحياء)،
على حين يندر من يقوم بالفعل الانتحاري لصالح مشروع
الإصلاح وذلك لافتقار المنضوين تحت هذا الاتجاه إلى
التوافر القائم على الجذب العقائدي وقيام الجذب المصلحي
بدلا منه، هذا إذا ما استبعدنا من الحساب جنود القوات
العسكرية صاحبة مشروع الإصلاح، وإن كانت داخلة ضمن دائرة
نهاية الإنسان. أما الاتجاه الثاني فيكون عرضة للاستنفاد/
القتل والإضرار عن طريق التزاحم الذي يوفره حضور أفراده في
منطقة الصراع، فما يحدث من انفجارات انتحارية أو موقوتة
بانتظار الهدف من جانب الفعل الاحيائي. ويمكن أن يكون عرضة
للانتهاك من جانب القوات العسكرية التي تريد ابادة عنصر
المقاومة لمشروعها والإرهاب الذي يستهدف قواها ومشاريعها
ومن يتعاون معها، فضلا عما يدمره في طريق تحقيق هذا الهدف
من هدر في الممتلكات العامة والخاصة، بعد أن يستنفد
الأبرياء أنفسهم.
الاتجاه الثالث المستقل عن المشروعين من دون أن يكون
حياديا بل ناقدا فاعلا بطرق شتى ليس أقلها التعبير عن
الرأي ومحاولة بث التوعية، وهذا ما يحدد طبيعة هذا الاتجاه
ونوع المنضوين تحت محدداته، إذ غالبا ما يكونون من النخب
العلمية والثقافية وبعض النخب الاجتماعية، سواء أكانوا
أكاديميين أم رجال دين أم معتدلين أم سياسيين مستقلين أو
مثقفين أو مبدعين في مجالات الكتابة والفن، يضاف إليهم
أصحاب النفوذ الاجتماعي ممن يفضلون مصالح أوطانهم وشعوبهم
على مصالحهم الاقتصادية الخاصة- على ضيقها في المنطقة
العربية ولاسيما العراق قياسا بما هو متحقق في حركة رؤوس
الأموال وحجمها عالميا- ويلحق بهذا الاتجاه من لا يملكون
القدرة على تجاوز عموميتهم والدخول في نسق النخبة وإن
كانوا ممن يملكون الوعي الكافي للرؤية وتشكيل الموقف.
وغالبا ما يتعرض أصحاب هذا الاتجاه إلى الاغتيال، الاحتجاز
أو التعرض للإضرار أو الحرمان منة الفرص المناسبة بحسب
الكفاءة، نتيجة مواقفهم المعارضة للمشاريع السائدة أو
الداخلة في دائرة الصراع من أجل تحقيق المصالح
الأيديولوجية بعيدا عن المصلحة العامة الطبيعية، مع أنهم
عرضة للموت المجاني أو المصادف لفعل عنفي ناتج عن الصراع
القائم.
المهم أن كل هذه الاتجاهات غير بعيدة عن دائرة الانتهاك
والاستنفاد، لتشكيل أفق نهاية الإنسان الذي يخلقه هذا
الصراع، ليس على أرض العراق فحسب بل في كل بقاع الصراع،
ولاسيما في العالم الإسلامي كما حصل في أفغانستان ولبنان
وفلسطين وما يستجد من ساحات للصراع سواء المباشر المرئي أو
النسبي، يضاف إلى ذلك المناطق ذات الأزمات المحدودة (المحلية)
التي تأخذ الحكومات دور قوة الإصلاح الذي يعني التسلط
وتسيير الأمور بموجب نظام معين، بصرف النظر عن كون توجهها
يتسق مع مشروع الإصلاح أو تناقضه تماما في كثير من الأحيان.
|