الانسان والمجتمع

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

مفهوم السلطة العقلانية بين التحليل النفسي والواقع العراقي

علي تركي نافل
لو تأملنا قليلاً في مشكلاتنا نحن، لرأينا ان نصفها يعود الى السلطة، ابتداءً من السلطة الأبوية مروراً بكل انواع السلطات وصولاً الى السلطة السياسية الحاكمة؛ والنصف الآخر يعود الى عدم تنظيم العلاقة بين السلطة والفرد على أسس عقلانية، لا سابقاً ولا حالياً. فالشر يأتي أما من سلطة جاهلة تفتقر للأهلية والكفاية، أو من سلطة فاسدة همها المال أو استخدام النفوذ على اهوائها، وكلا الأمرين يعد لا عقلانياً ولا عذر فيه. وقد جربنا نحن العراقيين السلطة اللاعقلانية بأبشع صورها على مدى اكثر من ثلاثة عقود، وجربنا الفوضى واللاسلطة والحرية المنفلتة بأسوأ صورها أيضاً بعد الاحتلال، ومازلنا نعيشها!

.. وقديماً عرف الانسان السلطة وضرورة وجودها، ومارسها منذ ان أصبح يعيش في مجموعات بشرية، اذ لم تكن مجرد فكرة جديدة، أو حلاً لمشكلة التراتب الخاص بمنح امتيازات معينة، بل جاءت تلبية لضرورات تنظيمية قائمة في صلب طبيعة الحياة آنذاك والتي لايزال الكثير منها قائماًَ الى اليوم، ومن بينها ان اي تجمع بشري يحتاج الى تنظيم وتنسيق العلاقات بين حقوق الافراد وواجباتهم، ولابد من منظم وراعٍ يحفظ هذا النظام من التداعي والانهيار.
إن السلطة بالمعنى العام هي القدرة الشرعية، اي القدرة التي يعترف بشرعيتها الاشخاص الخاضعون لها، على أساس انها تمارس وفق القيم التي يؤمنون بها، وبأساليب يتقبلونها. والسلطة والحرية لا تتناقضان بالضرورة، ذلك إن نشوء السلطة لا يلغي حرية الفرد إذا ما أدرك واقتنع بأنه يشارك في نظام يفسح امامه مجال العمل وانماء شخصيته. فالحرية لا تعني الفوضى، والفوضى لا تفضي الى الحرية لأنها تجعلها فريسة الاقوياء، لذلك لا تتحقق الحرية الا في النظام، ولا يمكن ان نتصور وجود نظام معين من غير سلطة.
التحليل النفسي للسلطة
يعد (اريك فروم) (
Erich From 1900-1980) واحداً من ابرز علماء التحليل النفسي الاجتماعيين، بتبشيره بالفكرة القائلة أن الانسان بقدر ما كسب من حرية عبر العصور بقدر ما كان شعوره بالوحدة يزداد، ولذلك أصبحت الحرية ظرفاً سلبياً يحاول الهروب منه الى وجود يحقق له الأمن النفسي، إما بربط نفسه بالاخرين بروح من الحب والود والعمل المشترك والاخوة، أو بالخضوع للسلطة والامتثال للمجتمع.
إن السلطة في مفهوم (فروم) ليست صفة (يملكها) الشخص بمعنى انه يملك ممتلكات أو صفات جسمية، بل إنها تشير الى علاقة بين الاشخاص، يتطلع فيها الشخص الى الآخر على انه شخص أعلى منه. وعلى هذا فالسلطة مفهوم واسع يحتمل معنيين مختلفين اختلافاً تاماً. فهي إما سلطة عقلانية (
Rational Authority)، وإما سلطة لاعقلانية (Irrational Authority) والاساس في (السلطة العقلانية) هو الكفاية والمقدرة، ومساعدة الشخص الذي يمارسها على النمو والتعبير والارتقاء، وهي ليست في صراع اطلاقاً مع الفرد واهدافه، بل تنسجم مع الاخلاقيات الانسانية، وهي تشبه علاقة المدرس والطالب، ولا تسمح فقط بل تتطلب ايضاً النقد والدراسة الدقيقة المستمرة لها؛ أي إنها تعتمد على تساوي السلطة والافراد التابعين لها، وتختلف فقط فيما يتعلق بدرجة المعرفة والمهارة في حقل معين.
أما الاساس في (السلطة اللاعقلانية) فهو القوة واستغلال الاشخاص الخاضعين لها، وهي في صراع مع الفرد واهدافه المشروعة، وهي تشبه علاقة المالك بالعبد، فالمالك يريد أن يستغل العبد الى أقصى ما يمكن، ويسعى العبد الى الدفاع بأفضل ما عنده عن حقوقه، وبذلك تكون المصالح هنا مصالح متطاحنة.
وهناك اختلاف اساسي بين هذين النوعين من السلطة، فالسلطة اللاعقلانية تدفع باتجاه استغلال الشخص الخاضع لها، بواسطة خلق الاعتماد، أي تتجه الى فرض أو تعيين نفسها، في حين ان السلطة العقلانية تساعد الشخص الذي تقوده على النمو وتميل الى حل نفسها بتحقيق هدفها.
إن ديناميات أو آليات السلطة في هذين النمطين مختلفة ايضاً. فكلما ازداد التلميذ تعلماً، قلّ إتساع الهوة بينه وبين المدرس، انه يزداد اقتراباً من أن يكون مثل المدرس. بتعبير آخر، تميل علاقة السلطة العقلانية الى ان تحل نفسها، كما تسودها عناصر المحبة أو الاعجاب أو العرفان بالجميل. ولكن عندما تكون التفوقية مفيدة كأساس للاستغلال، تزداد المسافة اتساعاً على المدى الطويل وينشأ الاستياء أو العداوة ضد صاحب السلطة، كما في حالة العبد ومالكه، مما يفضي الى الصراعات التي ترغم العبد على المعاناة من دون فرصة للنمو والتفتح والاحتفاظ بالأمان والكرامة.
وقد حلل (فروم) لماذا الناس يخضعون للسلطة ولماذا هم يجدونها مُرضية، واستكشف واحدة من فئات الشخصية لدى فرويد وهي (السادوماسوشية)، وعدّها أساساً ونتاجاً للمجتمعات المتسلطة. وقد فـُهمت السادية على إنها تهدف الى قوة لا حدود لها على شخص آخر ممتزجة بشكل
أو آخر بالتدميرية والشعور باللذة من خلال ايذائه، وقصد بالماسوشية على انها تهدف الى اذابة الفرد في قوة متينة مهيمنة والمساهمة في قوتها وعظمتها وشعوره باللذة من خلال ايذائها له أو ايلامها اياه. ويمثل الحضور التلقائي لكلا الدافعين (السادية والماسوشية) جوهر الشخصية المتسلطة.
جذور السلطة اللاعقلانية
إن من بين ما شاع في اوساط النفسانيين، هو حث الآباء على ممارسة سلطة قليلة حيال الطفل متبنين موقفاً متساهلاً (غير متسلط)، على اعتقاد أن هذا سيمنع الاعتماد المتنامي للطفل على السلطة اللاعقلانية أو الخضوع لها. ان هذه الفرضية التي ترى بأن رفض الاحترام لكل سلطة، بغض النظر عن طبيعتها (عقلانية أو لاعقلانية) سيقلل من الاحترام للسلطة اللاعقلانية بشكل خاص، لم تؤيده نتائج الدراسات، بل تبين أن عدم تعليمنا الطفل احترام السلطة العقلانية، سيجبره على اللجوء مراراً الى السلطة اللاعقلانية لمجموعة الاقران بوصفهم مصدراً للقواعد. فاذا تربى الاطفال على عدم قبول واحترام السلطة العقلانية فانهم ببلوغهم سن الرشد وباستمرار نموهم سوف يستمر معهم هذا التمرد على السلطة بل ينمو معهم ايضاً. فاذا تولى أحدهم منصباً من مناصب الدولة أو اصبح مديراً لمؤسسة ما فانه لا يخضع ولا يحترم السلطة العقلانية وسيتمرد على السلطة التي تعلوه في سلم المسؤولية. والحقيقة ان مصيبتنا تكمن في كون من يصل الى السلطة اليوم بمختلف مستوياتها واشكالها في مجتمعنا، غالباً ما يكون من هذا النوع من الناس الذي لا يقبل السلطة العقلانية، وبالتالي يكون منتجاً ومروجاً للسلطة اللاعقلانية.
أين نحن من العقلانية واللاعقلانية؟
اليوم في خضم بناء الدولة العراقية الجديدة، ومخاطر الوضع الامني المتدهور، والآثار المدمرة للفساد الاداري المستشري في اغلب مفاصل الدولة، تبرز الحاجة الى شيوع مفهوم السلطة العقلانية ومكافحة تنامي السلطة اللاعقلانية، كونها لب المشكلة التي يتسبب عنها ضعف الدولة وفساد اجهزتها من جهة، وانجرار المجتمع الى ممارسات تشرذمية وتـناحرية من جهة أخرى. ولا نغالي اذا قلنا ان الوضع الأمني يعود جزء كبير من ترديه الى غياب السلطة العقلانية التي تنزع الى الحق وليس الى القوة، والى الكفاية وليس الى الطائفية أو الفئوية، والى أهداف الجماهير وليس الى الاهداف الذاتية.
إن طرحنا هذا ووضعنا لمفهومي السلطة العقلانية والسلطة اللاعقلانية بين يدي القارىء الكريم، ليس من باب عرض ما هو جديد عليه، أو مناقشة موضوع ما من موضوعات علم النفس السياسي، فحسب، بل ان الضرورة التي نتوخاها هي دعوة المخلصين من ابناء العراق، سواء كانوا مسؤولين أو مواطنين عاديين، أن يتأملوا مغزى وأعماق هذا الطرح في هذه اللحظة التاريخية الفريدة التي باتت فيها (العقلانية) المنقذ الأوحد لكيانهم السياسي والاجتماعي والحضاري.


دور الاختصـاصي النفسـي في الأزمـات والكوارث
 

د. داليا مؤمن
باحثة مصرية

بالرغم من أن الآثار النفسية للكوارث قد تكون أشد من آثارها الجسمية، إلا أننا بوصفنا أختصاصيين نفسيين لا نزال في حاجة إلى فهم دورنا الذي يمكن أن نسهم به في الأزمات التي تمر بها مجتمعاتنا.
لتحديد وعرض هذه المهام تجدر الإشارة في البداية الى ما يأتي:
* علم النفس يعرّف (الأزمة) بأنها عبارة عن مجموعة من المواقف والأحداث المسببة للضغوط النفسية والقلق والتوتر لدى الأفراد المعنيين بالموقف أو الأزمة على مختلف المستويات، حتى يتم التوصل لحل يقضي على حدة القلق.
* أما (الكارثة) فهي موقف مفاجئ وضاغط قد تصعب السيطرة عليه، ويثير نوعاً من القلق والخوف على الحياة والممتلكات، وتأثير ذلك على سلوكيات واتجاهات الفرد.
يتضح من هذين التعريفين وجود اختلاف وفرق بين الكارثة والأزمة، هو:
1- إن عنصر المفاجأة المتضمن في الكارثة (خاصة الطبيعية كالزلزال)، وضيق الوقت، وكثرة وتناقض وغموض المعلومات، تمثل أهم عوامل الضغط النفسي، والذي تزداد حدته في ظل نقص الإدراك والوعي.
2- تسبب الكارثة في بدايتها صدمة ودرجة عالية من التوتر، مما يضعف إمكانات العمل المؤثر السريع لمجابهتها.
3- تتعدد تأثيرات الكوارث نتيجة أنها غالباً ما تمس الجانب الأمني للفرد، وتهدد باقي مدرج الحاجات الأساسية، حتى ينتج عنها بعض الأزمات، كالبطالة مثلاً.
4- يمكن التنبؤ بالأزمة واتخاذ الإجراءات اللازمة حيالها، بالمقارنة بالكارثة التي يصعب توقعها، وتأثير ذلك على ارتفاع درجة القلق لدى الجمهور والذي يجعلهم يندفعون وراء الشائعات والحملات الدعائية (أنفلونزا الطيور مثلاً).

قبل الكارثة/ الأزمة
يتحدد دور الأختصاصي النفسي قبل الكارثة/ الأزمة ، بالتعرف والتحديد الدقيق لاهتمامات ودوافع ومشاعر واتجاهات الرأي العام على المستوى المحلي والدولي محل الاهتمام من خلال:
1- إعداد وتنفيذ الدراسات الميدانية عن الموضوع أو الحدث المدعم بآراء واتجاهات الرأي العام.
2- تنفيذ استطلاعات رأي حول الأحداث والمتغيرات الطارئة والإجراءات المتبعة بشأنها مع تحليل الاستطلاعات التي يتم رصدها على المستويات كافة.
3- متابعة وتحليل المتغيرات والأحداث والخبرات السابقة وآثارها ونتائجها وردود أفعالها وخسائرها النفسية المتوقعة (نوعاً وكماً)، وكيفية التعامل معها.
4- خلق الإدراك ونشر ورفع مستوى الوعي بالمخاطر التي قد يتعرض لها الفرد في أثناء التعرض للضغوط والمشكلات والكوارث وذلك من خلال إعداد وإصدار:
* كتابة دليل خاص يتناول أسباب ومظاهر الأحداث والكوارث والمواقف الضاغطة وكيفية معالجتها.
* وضع مقترحات لخطة توعية شاملة (أفلام وثائقية ،إعلانات ،ملصقات، ندوات ،لافتات(عن كيفية التعرف والتعامل مع الكوارث (زلازل، اختطاف، سيول، حرائق، إرهاب(.
* التقارير والدراسات النفسية المشتملة على نتائج القياسات، وتحليل ردود الفعل، وذلك بهدف توعية الأفراد بأنسب أساليب التعامل مع الكوارث الطبيعية والصناعية ونتائج الأزمات المختلفة.

في أثناء الكارثة وإدارة الأزمة
يتحدد دور الاختصاصي النفسي في ادارة الأزمة بالآتي:
1- حصر وتحديد نسبة ونوع وأسباب الخسائر النفسية الناتجة عن الكارثة (هستيريا بأنواعها، خوف ،قلق ،توتر، ذعر، عدم تكيف، اضطرابات عصابية وذهانية وسيكوسوماتية).
2- تحليل الحملات الإعلامية )محلية، إقليمية، عالمية) وتحديد العوامل المؤثرة فيها ونقاط الضعف ونقاط القوة التي يكون لها تأثير سلبي في آراء واتجاهات الأفراد تحت ضغوط الكوارث والأزمات، وتحديد أنسب طرق وأساليب ووسائل تقويتها لمصلحة الاحتواء.
3- الاستمرار في تنفيذ إجراءات حملات التوعية والتهيئة النفسية للأفراد في مواجهة الكوارث.
4- مراقبة ومتابعة الظواهر النفسية والسلوكية التي يتم رصدها بين الجمهور الذي يتعرض للأزمة أو الكارثة وتحليلها والتعرف على أسبابها ودوافعها وتقديم العلاج المناسب لها.
5- معاونة الجهات المعنية المختصة في مجال العمل المدني في تنفيذ عمليات الإخلاء وإقناع الأفراد بالتعاون مع هذه الجهات.
6- استمرار قياس الاتجاهات والرأي العام لدى الأفراد وإعداد تقارير المتابعة النفسية اليومية.
بعد انتهاء الكارثة/ الأزمة
يتضمن دور الاختصاصي النفسي هنا خلق الإدراك وتنمية الوعي وتعديل الاتجاهات النفسية والاجتماعية وإزالة الآثار النفسية الناتجة عن الكارثة أو الأزمة،عن طريق:
1- الاستمرار في تنفيذ خطة التوعية والإعلام ونشر الوعي ورفع الروح المعنوية (برامج تلفاز وإذاعة، أفلام تسجيلية، هدايا عينية ومادية).
2- عقد وتنفيذ برامج إعادة التأهيل النفسي خاصة للأطفال الذين يمثلون أكثر الفئات تعرضاً للخسائر النفسية.
3- استعمال القياس والمسوح الميدانية الخاصة بتحديد احتياجات ومشاعر واهتمامات الجمهور الذي تعرض لآثار وتداعيات الكارثة التي تبنى عليها برامج التأهيل.
4- إعداد وإصدار التقارير والدراسات النفسية عن تقييم وتحليل الحادث أو الكارثة أو الأزمة.


في سايكولوجية الزواج .. كيف نختار شريك الحياة..؟
 

ماريو أنور
الاختيار في حد ذاته فعل إنساني ليس بالسهل، وخاصة، إذا كان يتعلق باختيار شريك الحياة. ينطوي الاختيار على معنى الحرية، فالحرية هي القدرة على الاختيار، ولكن ليس أي اختيار، إنها القدرة على اختيار الأفضل. في كل مرة نختار علينا أن نتساءل: إلى أي مدى كان اختيارنا بإرادتنا، إلى أي مدى كان اختيارنا حرّاً، إلى أي مدى كان اختيارنا سليماً؟
الدوافع اللاشعورية في الاختيار
ثمة دوافع خفيّة تقريباً تؤدي دوراً في اختيار شريك الحياة من دون وعي منّا تقريباً ، فنختار تحت تأثيرها ظانين أن اختيارنا هذا كان بإرادتنا تماماً، وأننا كنا أحراراً فيه ، في حين أن الواقع غير ذلك. من هذه الدوافع نذكر:
* الاختيار بدافع الهروب : كالهروب من عائلة تعتريها مشكلات تسلط الأب أو معاملة زوجة الأب القاسية، أو بدافع الهروب من الإحساس بالوحدة والخوف من فوات الأوان (البنت العانس) أو بدافع الهروب من الفقر (تبني نظرية العروس أو العريس الجاهز).
* الاختيار بدافع الصِفات المُفتـَقدة: كأن يختار المرء شخصاً تتوافر فيه صفات أو إمكانات يفتقدها ويتمنى أن تكون لديه، كمن يختار شخصاً يتصف بالجمال أو العلم أو الرزانة أو الحيوية أو موهبة ما.
* الاختيار بدافع الشعور بالنقص: فَمَنْ كان محروماً من حنان الأمومة أو عطف الأبوة والتقى مَن يسدّ لديه هذا النقص، يندفع نحوه ويختاره،وغالباً يكون هذا المختار أكبر سناً من صاحب الاختيار.
* الاختيار بدافع (البديل): قد ينجذب شخص نحو آخر، فيختاره لأنه يحمل صفات جسمانية أو سمات نفسانية وأخلاقية تذكّره بأشخاص يحبهم كانت تتوفر فيهم هذه الصفات أو السمات. مثال ذلك، الرجل الذي يختار زوجة فيها الكثير من صفات أمه التي كان يحبّها ويقدّرها.
* الاختيار بدافع الضد : كأن يختار الواحد شخصاً يحمل نقيض القيم التي تحملها أسرة صاحب الاختيار والتي يرفضها أصلاً ليعبّر في اختياره عن رفضه لقيم أسرته. مثال ذلك الفتاة التي تنتمي إلى أسرة محافظة متعصِّبة تعاني فيها تسلّط الأب أو الأخوة، تختار شاباً من أسرة متحررة تقدمية .
* الاختيار بدافع توكيد الذات: يعبّر عن الحاجة إلى تقدير الذات، فيه يستهدف صاحب الاختيار شخصاً له مقام اجتماعي أو ديني أو سياسي أو نَسَبي وحَسَبي أو غيره، يربط شخصه به ويؤكد ذاته عن طريق اختياره له وارتباطه به.
* الاختيار بدافع الإنقاذ: كأن تختار إنسانة شاباً ضائعاً بتأثير الشفقة عليه، وهو يختارها بدوره لتخرجه وتنقذه من حالة البؤس والشقاء والفقر الذي يعيش فيه.
* الاختيار بدافع عشق الذات: إنه اختيار نرجسي فيه يختار الواحد شخصاً تتوفر فيه الصورة التي يعشقها عن ذاته. إن هذا الاختيار عشقٌ للذات من خلال الآخر.
معايير الاختيار الجيد
ليس المهم أن نختار فقط ، إنما أن نحسن الاختيار؛ فيكون اختيارنا واعياً ومدروساً، حرّاً وعقلانياً ومحباً؛ أي أن نختار ما يناسبنا وما هو الأفضل حقاً بالنسبة إلينا.
فيما يأتي أهم مقاييس هذا الاختيار الجيد :
* الانجذاب: الانجذاب الجسدي والعاطفي والروحي شرط ضروري وأساسي، لكنه لا يكفي وحده. لهذا الانجذاب معنيان: سلبي ويعني عدم وجود موانع في الآخر تنفـّره منه، وإيجابي ويعني أن الشخص المختار يستحق أن يكون موضع اهتمام وتفكير ودراسة أعمق.
* توافر عناصر ربط بين الاثنين: عوامل مشتركة في الميول والطباع والطموح والذوق والاتجاهات والأهداف المشتركة والوسط الاجتماعي والقيم الأخلاقية الأساسية والمذهب الواحد. وكذلك التناسب في العمــر والمستوى الثقافي والتعليمي والاجتماعي والاقتصادي .
* مراعــاة السلّــم القيمــي: لكل شخص قيم معينة يقدّرها ويعتنقها ويسعى إلى تحقيقها في حياته، مثل: العلم والمال والإيمان والأمانة والصدق. كلّما اتفق الشريكان على ترتيب الأولويات في هذه القيم، أدّى ذلك إلى اتفاقهما وسعادتهما وشعورهما بوحدة الهدف. أما لو تصورنا أن القيمة الأولى عند الزوج هي العلم والسعي للحصول على أعلى الشهادات، بينما كانت عند الزوجة الحصول على المال والتمتع بمباهج الحياة فإننا لا نتوقع لهذا الزواج النجـــاح.
* الوضوح مع النفس والصراحة التامة وإتاحة الفرصة للتعارف المتبادل: ذلك كله لا يتم عن طريق الحوار فقط إنما أيضاً عن طريق المواقف وردود الفعل العفوية المختلفة، وعن طريق ملاحظة شكل تعامل كل طرف مع أهل بيته ( الوالد والوالدة والأخوان..) وكذلك عن طريق الصحبة والرفاق.
* نضج الشخصية: الحب والزواج من عمل الراشدين، لذلك يستلزم نضج الشخصية . ومن مؤشرات هذا النضج: الاستقلال العاطفي والمادي، والثقة بالنفس، والشعور والقدرة على تحمل المسؤولية، والقدرة على التكيف، والقدرة على التحكم في الذات وضبطها، والقدرة على عطاء الذات وإسعاد الآخر، والاستعداد لقبول الآخر المختلف عنّي والتكيف مع طباعه، وتحكيم العقل وعدم الانجراف مع تيار العاطفة.
* قبـول فكـرة أنّ الاختيـار نقطـة انطـلاق : يبدأ من بعدها المسير في رحلة بناء البيت الزوجي والحياة الزوجية. إنه البداية في مشروع الارتباط وليس النهاية كما يتخيّل البعض.


قراءة في كتاب .. القصة العائلية لسيغموند فرويد
 

رحيم العراقي
يتناول كتاب (القصة العائلية لسيغموند فرويد) حياة احدى الشخصيات التي كان لها تأثيرها الكبير على الفكر الغربي خلال القرن الماضي، إذ تعود مؤلفة الكتاب(غابرييلا روبان) وهي عضوة في جمعية التحليل النفسي الباريسية الى الظروف الاسرية التي عاشها اكثر المحللين النفسانيين شهرة في جميع العصور. إن القصة العائلية لفرويد تبدأ منذ 29 تموز 1855، عندما تزوجت الفتاة الشابة (اماليا) التي لم تكن قد بلغت الثامنة عشرة من عمرها، المدعو (جاكوب) ابن الاربعين عاماً في مدينة فيينا. لم تكن (اماليا) قد عرفت (جاكوب) الا منذ فترة قصيرة. كان زواجاً مدبراً بعيداً عن العواطف، لكنه أثمر ثمانية اطفال خلال عشر سنوات، كان الابن الاكبر لهذه الاسرة كبيرة العدد يدعى (سيغموند) المولود رسمياً بتاريخ 6 مايس 1856 .
تتساءل المؤلفة عن الاسباب الحقيقية التي جعلت اهل (أماليا) يؤيدون بحزم زواجها من (جاكوب) برغم فارق السن الكبير بينهما. ولماذا قبلت فتاة جميلة وذكية من مدينة فيينا أن تدفن نفسها في مدينة (فريبورغ) كزوجة لرجل مخضرم كان قد اصبح جداً بعد ان كان قد غدا ارمل لمرتين.
إن مؤلفة هذا الكتاب تجد في القصة العائلية لفرويد الخلفية الحقيقية التي تؤسس للأفكار التي طرحها في ميدان التحليل النفسي، وتجد مرجعياتها في كتابات فرويد الابن نفسه. إن (سيغموند فرويد) وكما يقول بدأ منذ ان كان مراهقاً يبلغ السادسة عشرة من العمر يتساءل عن حقيقة أبوة والده جاكوب له. ان مثل هذه الشكوك تعيدها المؤلفة الى واقع أن (أماليا) قد تزوجت من ابيه قبل عرسها حيث انها انجبت ابنها البكر (سيغموند) بعد سبعة اشهر فقط من اعلان الزواج، وهذا يطرح العديد من الاسئلة التي لم يتجرأ احد على طرحها كما تشير المؤلفة، وخاصة فيما يتعلق بمعرفة هوية أب ذلك الطفل الذي اصبح فيما بعد مؤسس التحليل النفساني.
على قاعدة مثل هذه التساؤلات تذهب مؤلفة الكتاب في تحقيقاتها وكأن الامر يتعلق برواية بوليسية حقيقية. إنها تثير الشكوك حول الاسباب الحقيقية لزواج (جاكوب) و(أماليا)، وعما اذا لم يكن ذلك الزواج نفسه بمثابة حل لـ (مشكلة) كانت أماليا واهلها يواجهونها، ولذلك قبلوا بل اندفعوا بصفقة زواج غير متكافيء بكل الحالات. وأمام التساؤلات المطروحة تجد المؤلفة تفسيرين أساسيين: فإما أن تكون (اماليا) قد عاشت مغامرة مع رجل آخر كان اهلها لا يريدون ان تتزوج منه بأي شكل من الاشكال، ولذلك جاء الزواج من أجل فصلها عنه نهائياً، وإما - وهذا هو التفسير الثاني - إنها كانت قد حملت سفاحاً من رجل لا تستطيع ان تتزوجه فلربما انه كان متزوجاً أو كان من عقيدة دينية اخرى.
وتجد (غابرييلا روبان) مادة لتحقيقها حول القصة العائلية لفرويد في عالم الاحلام الذي كان قد أثار اهتماماً كبيرا لدى المحلل النفساني الكبير نفسه، والذي كان قد لجأ كثيراً الى تفسير الاحلام وما تمثله في عالم اللاوعي لدى البشر كي يبني على اساسها تفسير سلوكياتهم. وكان (جاكوب) والد سيغموند رسمياً قد توفي في اواخر شهر تشرين الاول عام 1896، وبعد دفنه بفترة بسيطة رأى الابن (سيغموند) حلماً اطلق عليه تسمية "الرجاء ان تغلقوا عيونكم". وقد اصبح هذا الحلم مشهوراً في عالم التحليل النفسي، اذ رواه صاحبه برسالة كتبها بتاريخ 2 تشرين الثاني 1896 الى احد اصدقائه وقال فيها أن تفسير هذا الحلم وربطه بوفاة الأب قد حرره كثيراً، ليعرف بعده ولأشهر طويلة حالة من الفرح والتوازن النفسي والصحة البدنية الممتازة وخاصة النشاط الفكري المزدهر. لكن مؤلفة هذا الكتاب تقدم تفسيرا آخر لـ "الحلم الشهير"، اذ ترى أن حالة الحبور والتفتح التي عاشها (سيغموند فرويد) لأشهر طويلة بعد هذا الحلم انما تعود في الواقع الى قرار واع كان قد اتخذه، وكان له في الواقع اثر تحرري بالنسبة له، اذ انه قد قرر ان يغمض عينيه على الشكوك التي كانت تحوم باستمرار في رأسه وتسمم أيامه وحياته كلها والمتعلقة بمسألة أبوة والده الحقيقية له. وترى المؤلفة وهي محللة نفسانية ايضاً، أن شكوك (فرويد) حيال قصته العائلية وجدت صداها ايضاً في كتاباته، وخاصة عندما تحدث عن القصة العائلية للمأزوم نفسياً، وربط مثل هذه الأزمة بواقع أن هدية الأب تقبل دائماً التشكك حيالها، بينما هدية الام ثابتة يقيناً، وبمجرد أن يتم طرح مثل هذه المقولة في رأس أي طفل أو بالغ يبدأ الشك في حقيقة أبوة الاب.
وتؤكد المؤلفة في تحليلاتها أن القصة العائلية لسيغموند فرويد كانت احد الاسباب الرئيسة في توجيه حياته المهنية نفسها، اذ هي التي حولته عن السعي لتحقيق حلمه بأن يصبح قائداً سياسياً، كما إن تلك القصة العائلية قد ادت الى تشوش علاقاته مع أبيه نفسه ومع أمه. لقد كان (سيغموند) يبدي باستمرار احترامه الشديد لأبيه (جاكوب)، برغم إن هذا الاب لم يكن ذلك البطل الذي يتمناه، لكنه كان يحس دائما بالتعاطف معه في مسألة زواجه من أمه (اماليا). لكن (سيغموند) كان بالمقابل قاسياً باستمرار مع والدته التي كان يشك بانها غير مستقيمة. كان الشك قائماً، اما عدم الاستقامة فربما كان حقيقياً أو مجرد شطحات خيال. ووصلت قسوة (سيغموند فرويد) حيال امه انه لم يذهب لحضور دفنها، الامر الذي كان يمثل فضيحة في فيينا في عام 1930 .

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة