|
مفهوم
السلطة العقلانية بين التحليل النفسي والواقع العراقي
علي
تركي نافل
لو تأملنا قليلاً في
مشكلاتنا نحن، لرأينا ان نصفها يعود الى السلطة، ابتداءً
من السلطة الأبوية مروراً بكل انواع السلطات وصولاً الى
السلطة السياسية الحاكمة؛ والنصف الآخر يعود الى عدم تنظيم
العلاقة بين السلطة والفرد على أسس عقلانية، لا سابقاً ولا
حالياً. فالشر يأتي أما من سلطة جاهلة تفتقر للأهلية
والكفاية، أو من سلطة فاسدة همها المال أو استخدام النفوذ
على اهوائها، وكلا الأمرين يعد لا عقلانياً ولا عذر فيه.
وقد جربنا نحن العراقيين السلطة اللاعقلانية بأبشع صورها
على مدى اكثر من ثلاثة عقود، وجربنا الفوضى واللاسلطة
والحرية المنفلتة بأسوأ صورها أيضاً بعد الاحتلال، ومازلنا
نعيشها!
.. وقديماً عرف الانسان
السلطة وضرورة وجودها، ومارسها منذ ان أصبح يعيش في
مجموعات بشرية، اذ لم تكن مجرد فكرة جديدة، أو حلاً لمشكلة
التراتب الخاص بمنح امتيازات معينة، بل جاءت تلبية لضرورات
تنظيمية قائمة في صلب طبيعة الحياة آنذاك والتي لايزال
الكثير منها قائماًَ الى اليوم، ومن بينها ان اي تجمع بشري
يحتاج الى تنظيم وتنسيق العلاقات بين حقوق الافراد
وواجباتهم، ولابد من منظم وراعٍ يحفظ هذا النظام من
التداعي والانهيار.
إن السلطة بالمعنى العام هي القدرة الشرعية، اي القدرة
التي يعترف بشرعيتها الاشخاص الخاضعون لها، على أساس انها
تمارس وفق القيم التي يؤمنون بها، وبأساليب يتقبلونها.
والسلطة والحرية لا تتناقضان بالضرورة، ذلك إن نشوء السلطة
لا يلغي حرية الفرد إذا ما أدرك واقتنع بأنه يشارك في نظام
يفسح امامه مجال العمل وانماء شخصيته. فالحرية لا تعني
الفوضى، والفوضى لا تفضي الى الحرية لأنها تجعلها فريسة
الاقوياء، لذلك لا تتحقق الحرية الا في النظام، ولا يمكن
ان نتصور وجود نظام معين من غير سلطة.
التحليل النفسي للسلطة
يعد (اريك فروم) (Erich
From 1900-1980)
واحداً من ابرز علماء التحليل النفسي الاجتماعيين، بتبشيره
بالفكرة القائلة أن الانسان بقدر ما كسب من حرية عبر
العصور بقدر ما كان شعوره بالوحدة يزداد، ولذلك أصبحت
الحرية ظرفاً سلبياً يحاول الهروب منه الى وجود يحقق له
الأمن النفسي، إما بربط نفسه بالاخرين بروح من الحب والود
والعمل المشترك والاخوة، أو بالخضوع للسلطة والامتثال
للمجتمع.
إن السلطة في مفهوم (فروم) ليست صفة (يملكها) الشخص بمعنى
انه يملك ممتلكات أو صفات جسمية، بل إنها تشير الى علاقة
بين الاشخاص، يتطلع فيها الشخص الى الآخر على انه شخص أعلى
منه. وعلى هذا فالسلطة مفهوم واسع يحتمل معنيين مختلفين
اختلافاً تاماً. فهي إما سلطة عقلانية (Rational
Authority)، وإما
سلطة لاعقلانية (Irrational
Authority)
والاساس في (السلطة العقلانية) هو الكفاية والمقدرة،
ومساعدة الشخص الذي يمارسها على النمو والتعبير والارتقاء،
وهي ليست في صراع اطلاقاً مع الفرد واهدافه، بل تنسجم مع
الاخلاقيات الانسانية، وهي تشبه علاقة المدرس والطالب، ولا
تسمح فقط بل تتطلب ايضاً النقد والدراسة الدقيقة المستمرة
لها؛ أي إنها تعتمد على تساوي السلطة والافراد التابعين
لها، وتختلف فقط فيما يتعلق بدرجة المعرفة والمهارة في حقل
معين.
أما الاساس في (السلطة اللاعقلانية) فهو القوة واستغلال
الاشخاص الخاضعين لها، وهي في صراع مع الفرد واهدافه
المشروعة، وهي تشبه علاقة المالك بالعبد، فالمالك يريد أن
يستغل العبد الى أقصى ما يمكن، ويسعى العبد الى الدفاع
بأفضل ما عنده عن حقوقه، وبذلك تكون المصالح هنا مصالح
متطاحنة.
وهناك اختلاف اساسي بين هذين النوعين من السلطة، فالسلطة
اللاعقلانية تدفع باتجاه استغلال الشخص الخاضع لها، بواسطة
خلق الاعتماد، أي تتجه الى فرض أو تعيين نفسها، في حين ان
السلطة العقلانية تساعد الشخص الذي تقوده على النمو وتميل
الى حل نفسها بتحقيق هدفها.
إن ديناميات أو آليات السلطة في هذين النمطين مختلفة ايضاً.
فكلما ازداد التلميذ تعلماً، قلّ إتساع الهوة بينه وبين
المدرس، انه يزداد اقتراباً من أن يكون مثل المدرس. بتعبير
آخر، تميل علاقة السلطة العقلانية الى ان تحل نفسها، كما
تسودها عناصر المحبة أو الاعجاب أو العرفان بالجميل. ولكن
عندما تكون التفوقية مفيدة كأساس للاستغلال، تزداد المسافة
اتساعاً على المدى الطويل وينشأ الاستياء أو العداوة ضد
صاحب السلطة، كما في حالة العبد ومالكه، مما يفضي الى
الصراعات التي ترغم العبد على المعاناة من دون فرصة للنمو
والتفتح والاحتفاظ بالأمان والكرامة.
وقد حلل (فروم) لماذا الناس يخضعون للسلطة ولماذا هم
يجدونها مُرضية، واستكشف واحدة من فئات الشخصية لدى فرويد
وهي (السادوماسوشية)، وعدّها أساساً ونتاجاً للمجتمعات
المتسلطة. وقد فـُهمت السادية على إنها تهدف الى قوة لا
حدود لها على شخص آخر ممتزجة بشكل
أو آخر بالتدميرية
والشعور باللذة من خلال ايذائه، وقصد بالماسوشية على انها
تهدف الى اذابة الفرد في قوة متينة مهيمنة والمساهمة في
قوتها وعظمتها وشعوره باللذة من خلال ايذائها له أو
ايلامها اياه. ويمثل الحضور التلقائي لكلا الدافعين (السادية
والماسوشية) جوهر الشخصية المتسلطة.
جذور السلطة
اللاعقلانية
إن من بين ما شاع في اوساط النفسانيين، هو حث الآباء على
ممارسة سلطة قليلة حيال الطفل متبنين موقفاً متساهلاً (غير
متسلط)، على اعتقاد أن هذا سيمنع الاعتماد المتنامي للطفل
على السلطة اللاعقلانية أو الخضوع لها. ان هذه الفرضية
التي ترى بأن رفض الاحترام لكل سلطة، بغض النظر عن طبيعتها
(عقلانية أو لاعقلانية) سيقلل من الاحترام للسلطة
اللاعقلانية بشكل خاص، لم تؤيده نتائج الدراسات، بل تبين
أن عدم تعليمنا الطفل احترام السلطة العقلانية، سيجبره على
اللجوء مراراً الى السلطة اللاعقلانية لمجموعة الاقران
بوصفهم مصدراً للقواعد. فاذا تربى الاطفال على عدم قبول
واحترام السلطة العقلانية فانهم ببلوغهم سن الرشد
وباستمرار نموهم سوف يستمر معهم هذا التمرد على السلطة بل
ينمو معهم ايضاً. فاذا تولى أحدهم منصباً من مناصب الدولة
أو اصبح مديراً لمؤسسة ما فانه لا يخضع ولا يحترم السلطة
العقلانية وسيتمرد على السلطة التي تعلوه في سلم المسؤولية.
والحقيقة ان مصيبتنا تكمن في كون من يصل الى السلطة اليوم
بمختلف مستوياتها واشكالها في مجتمعنا، غالباً ما يكون من
هذا النوع من الناس الذي لا يقبل السلطة العقلانية،
وبالتالي يكون منتجاً ومروجاً للسلطة اللاعقلانية.
أين نحن من
العقلانية واللاعقلانية؟
اليوم في خضم بناء الدولة العراقية الجديدة، ومخاطر الوضع
الامني المتدهور، والآثار المدمرة للفساد الاداري المستشري
في اغلب مفاصل الدولة، تبرز الحاجة الى شيوع مفهوم السلطة
العقلانية ومكافحة تنامي السلطة اللاعقلانية، كونها لب
المشكلة التي يتسبب عنها ضعف الدولة وفساد اجهزتها من جهة،
وانجرار المجتمع الى ممارسات تشرذمية وتـناحرية من جهة
أخرى. ولا نغالي اذا قلنا ان الوضع الأمني يعود جزء كبير
من ترديه الى غياب السلطة العقلانية التي تنزع الى الحق
وليس الى القوة، والى الكفاية وليس الى الطائفية أو
الفئوية، والى أهداف الجماهير وليس الى الاهداف الذاتية.
إن طرحنا هذا ووضعنا لمفهومي السلطة العقلانية والسلطة
اللاعقلانية بين يدي القارىء الكريم، ليس من باب عرض ما هو
جديد عليه، أو مناقشة موضوع ما من موضوعات علم النفس
السياسي، فحسب، بل ان الضرورة التي نتوخاها هي دعوة
المخلصين من ابناء العراق، سواء كانوا مسؤولين أو مواطنين
عاديين، أن يتأملوا مغزى وأعماق هذا الطرح في هذه اللحظة
التاريخية الفريدة التي باتت فيها (العقلانية) المنقذ
الأوحد لكيانهم السياسي والاجتماعي والحضاري.
|