|
بسبب
الظروف الأمنية والسياسية والاقتصادية ..
طوابير من الكفاءات بانتظار تصديق شهاداتهم العلمية
ومغادرة الوطن!
- مواطنون يتركون
دورهم ومحالهم ووظائفهم ويرحلون وعيونهم على الوطن
تحقيق وتصوير/ شاكر المياحي
فجأة.. وعلى حين
غرة سألني صديقي ونحن نحتسي الشاي على قارعة الطريق، وبعد
ان كنا نتحدث في أمور كثيرة تناولنا فيها الأزمات المزمنة
التي تعصف بحياة العراقيين يومياً والوضع الأمني المتدهور
قال لي: من سيبقى في العراق؟
خلت
سؤاله في بادئ الأمر دعابة أو مزحة لكني أدركت انه جاد فيه
حين كرر على مسامعي مرة أخرى فقلت له: نحن باقون..
فقال: ربما يأتي اليوم الذي نحزم فيه امتعتنا ونرحل..
قلت : كيف ولماذا كل هذا التشاؤم ؟
- فاجابني قائلاً: ان رغبت .. اصحبك الى إحدى دوائر الدولة
لترى بأم عينيك الدليل الواضح على صحة كلامي وفعلاً
اصطحبني بسيارته مخترقين شارع فلسطين باتجاه المديرية
العامة للشهادات والامتحانات والتقويم وهناك عقدت الدهشة
لساني حين ابصرت العشرات.. لابل المئات مصطفين في طوابير
امام نوافذ الدائرة وغيرهم تجمعوا حول كتاب العرائض،
ومجاميع أخرى توزعت بين زوايا حديقة المبنى.. فاغتنمتها
فرصة لاحاور بعضهم واتعرف على بعض مشكلاتهم.
الوضع الأمني
يقول المواطن "محمد
حكمت" يعمل موظفاً في وزارة النقل: بأنه انجز تواً تصديق
ثلاث وثائق دراسية تخص ابناء شقيقته المقيمين مع عائلتهم
في سوريا احدهم في الرابع الصناعي وطالبة في الصف الثالث
متوسط واخرى في السادس الابتدائي ما هو سبب اقامتهم في
سوريا؟ قال: الحقيقة انهم سافروا الى هناك نتيجة الظروف
الأمنية المتردية والأزمات الحادة وصعوبة الحياة تحت وطأة
الخوف والرعب وتدني الاوضاع المعيشية فضلاً عن استشهاد
والدهم بانفجار عبوة ناسفة ويستطرد قائلاً: ليس هذا وحده
فقط، بل تعرضهم للتهديد المستمر الذي بث الرعب في نفوسهم.
ويضيف ليس سهلاً علينا ان نفقد خبراءنا وأساتذتنا وعلماءنا
وطلبتنا ومدرسينا.. ولا معلمينا ولا أهلينا بتقديري ان
الذي يحصل في العراق هو مؤامرة على العراقيين تشترك فيها
اطراف عربية وأجنبية وحتى عراقية.
خيار صعب
اما المواطن "لقاء
هاتف عريبي" الذي حضر لتصديق شهادات أولاده لانه يروم
السفر خارج العراق.
قال: ابنتي في الصف الخامس الاعدادي الفرع العلمي، وولد في
الصف الثالث المتوسط وآخر في الصف الثاني الابتدائي.
لاشك في ان الوضع المتدهور لم يبق لنا أي خيار سوى السفر
والابتعاد عن دوائر العنف الطائفي والإرهاب التي جعلت من
حياة العراقيين جحيماً لا يطاق فضلاً عن حرصنا على مستقبل
ابنائنا وتوفير المناخات الملائمة لهم لاكمال تعليمهم لان
القتل في العراق لا يستثني احداً حتى التلاميذ الصغار،
وسألته عن مشاعره وهو يهم بالمغادرة؟
فقال: هي خليط من مشاعر الأسى والحزن والغضب في آن واحدً
لاننا مرغمون على الهجرة من وطننا الذي احتضنت أرضه رفات
الأجداد والاباء.
سألته وكيف ستتدبر امور حياتك هناك؟
اجاب: في البداية سأبحث عن شقة مناسبة استأجرها مؤقتاً ومن
ثم سأختار سكناً يتلائم مع موقع عملي ان اتيحت لي فرصة.
قلت له: وخلال هذه المدة كيف ستعيش؟
اجابني قائلاً: سأعيش مثل بقية العراقيين المقيمين في
سوريا وحتماً سيكون معي مبلغاً من المال استعين به على
توفير لقمة العيش والاحتياجات اليومية الاخرى، ويسترسل
قائلاً: صدقني لست راضياً ولا فرحاً بهذا السفر بل على
العكس تماماً فانا اشعر بالاحباط التام والحزن العميق لاني
سافارق الاحبة والاصدقاء والجيرة الطيبة وعن عمله، قال:
بانه يعمل تاجراً في الشورجة قاطعته، قائلاً: هل تعرضت
للتهديد؟
التهديد موجود في كل مكان وزمان في الشارع في السوق وفي
البيت وعن مصير بيته وأثاثه ومحاله التجارية قال: ابقيت كل
شيء على حاله لم ابع بيتي ولا متجري ولا أثاثي وممتلكاتي
الأخيرة لاني حتماً سأعود يوماً ما "ويا غريب رد لهلك"
قالها مبتسماً.
اما المواطن ياس عبد الرزاق الذي حضر لتصديق شهاة ابن عمه
فقد عزا أسباب سفر عمه وأولاده الى سوء الأوضاع التي
يعيشها المواطن العراقي والتي اصبحت لاتطاق على حد وصفه..
سألته: هل انت على قناعة تامة على ان الهروب من مواجهة
الصعوبات هو الحل؟
قال: هذا يختلف من مواطن الى آخر، فبالنسبة لي أجد ان
السفر صار هو الاختيار الوحيد المتاح للعراقيين للنأي
بانفسهم عن محارقها..انا ضد هذا التوجه لأن افراغ البلد من
نخبه العلمية والثقافية يجعل من عملية اعادة بنائه في غاية
التعقيد.
غربة مذهلة
اما الشاب ستيف
قرياقوز توفيق في الصف السادس العلمي الذي يروم اكمال
دراسته في عمان فقد أشار الى الأسباب التي دعته الى السفر
الى الأردن واكمال دراسته هناك قائلاً: لم يعد هناك أي شيء
يدعو للبقاء في العراق فقد ساءت الأمور الى الحد الذي لم
نعد فيه قادرين على مواصلة الدراسة وتحقيق النجاح الذي
نطمح اليه، قلت له: ولكن الطلبة الآخرين ما يزالون منتظمين
في مدارسهم، وبعضهم حقق تفوقاً كبيراً في دراسته هذا العام
وهم مصرون على البقاء والاستمرار في دراستهم؟
قال: حتى المواظبين على الدراسة هم قلقون ومضطرون وخائفون
وانا على سبيل المثال لو قبلت في أية كلية لا أجد من هو
قادر على توفير الحماية لي ولزملائي الآخرين عدد من
الكليات تعرضت للضرب والتفجير ويقول:
نهاية العام الدراسي وبينما كان بعض الطلبة يحتفلون
بتخرجهم تعرضوا للقتل بعد ان دهمتهم عصابة وأطلقت عليهم
النار فقتل منهم من قتل وجرح آخرون والله وحده يعلم ماذا
سيحدث في هذا العام الدراسي ويسترسل الشاب ستيف قائلاً:
ومع ذلك فانا ضد فكرة النزوح الى خارج الوطن لأن الغربة
مذلة وصعبة ولكن ماذا باستطاعتنا ان نفعل؟ وذكر ستيف بان
جميع أفراد أسرته يعيشون في عمان وها هو يستعد للحاق بهم.
اما السيدة "مثار" التي جاءت بقصد تصديق شهادات ابناء
اختها المقيمين في سوريا منذ اربع سنوات، فقالت وقد اكتسى
وجهها بمسحة حزن بدت واضحة على ملامحه: " والله حرامات" ان
يصل العراق الى هذه الحالة المأساوية التي جعلت أبناءه
المثقفين وطالبي العلم والمعرفة يهجرون قسراً.
دور الدولة
واخيراً التقينا
السيد عبد الله لازم "يعمل معلماً في إحدى مدارس الرصافة
وسألناه عن سبب مراجعته لدائرة الشهادات والتقويم فقال:
جئت لغرض تصديق شهادات أولادي الثلاثة ووثيقة تخرجي من
معهد اعداد المعلمين بغية استكمال مستلزمات سفرنا الى
سوريا، قلت له كيف يتسنى لك السفر وانت مرتبط بالوظيفة.
قال: حصلت على موافقة رسمية بمنحي اجازة لمدة سنة من دون
راتب قلت:
وأولادك في أي المراحل الدراسية؟ اجابني قائلاً: ابني
البكر نجح هذا العام الى الصف السادس العلمي والولد الثاني
في الصف الثالث المتوسط، اما الثالث فقد نجح هذا العام الى
الصف الأول المتوسط وعن دواعي سفره حدثنا قائلاً: لا احد
من العراقيين يجهل دوافع سفرنا.. فالمعاناة تضرب اطنابها
في كل البلاد.. والازمات تعصف بالجميع وصعوبة التواصل مع
الحياة في ظل ظروف بالغة التعقيد والمخاطر وعجز الدولة عن
ضبط الامور وكذلك تراخي القوى السياسة في ايجاد حلول ولو
بالحدود الدنيا لمشكلات العراق بالرغم من وجود 325 حزباً
ناهيك عن القوى الاجتماعية والدينية المختلفة والتي تكاد
تكون عاجزة عن اخراج العراق من محنته.
سألته: كيف ستتدبر احتياجاتك المعيشية وأنت بلا مورد ؟
فأجاب: فضلاً عن كوني معلماً فانا أجيد عدة حرف سبق لي ان
عملت بها منها، الحلاقة والنجارة واعمال الديكور.
حق شخصي
وفي ختام جولتنا
أثرنا ان نلتقي بالسيد المدير العام للشهادات والتقويم
وسألناه عن امكانية الحد من هذه الظاهرة خشية افراغ العراق
من عقوله العلمية والكفاءات التعليمية والتدريسية واصحاب
الشهادات العليا؟ فاجابنا قائلاً: لكل عراقي الحق قي تصديق
شهادته المدرسية أو وثيقة تخرجه وعنونتها لاية جهة يرغب
فيها وله الحق في ترجمتها لأية لغة يشاء لأغراض السفر الى
خارج العراق أو لاكمال دراسته أو لأغراض الاستفادة منها في
العمل أو التوظيف.
وسألناه ثانية: هل بامكانكم إيقاف عملية التصديق لمدة
معينة لغرض التقليل من حجم هذه الظاهرة؟
فأجاب قائلاً: لا يجوز التصرف بحقوق المواطنين وعلى وفق
إجراءات إدارية تعسفية قد تلحق ضرراً بمصالحهم الخاصة أو
تعرض حياتهم للخطر، وعلى هذا فليس لدينا اية تعليمات من
الجهات العليا بهذا الشأن واضاف: لا تخشى على العراق،
فابناؤه غيارى حتى وان كانوا في المنافي فهم سيتواصلون
لاسيما وان العالم لم يعد سوى قرية صغيرة كما يقال.
|