|
عندما
يدخل المُغْترب أسلاك العراق الشائكة ..
الحرب
ومروياتها بصوت سمية الشيباني
فاطمة
المحسن
الحرب في العراق
تكتب نفسها كل يوم، قصص تتراكم وحياة تفلت من زمامها
وتحلّق في أزمنة هيولية. الموت يفضي إلى موت آخر، وذاكرات
الناس تضج بالصور، وكل صورة تستنسخ الأخرى. ولو قيض للحروب
أن تنتج كاتبيها، لظهر في العراق حشد من الروائيين الذين
يطاولون بعض ماجاء به تولستوي وهمنغواي وأناتول فرانس
وريمارك، وما لاعد له من كتاب الملاحم الحربية.
ربما لأن حروب العراق أكثر فوضى من أن تنتظم في قصة جديرة
بالتسجيل، وربما يتطلب تراكب الحوادث والأزمنة على بعضها
إلى قدرة على التصنيف والفرز، وهي لاتتوفر عند كل
المشتغلين في هذا الميدان.
وإذ يتعين على الدارس فك طلاسم الحروب في العراق، عليه ان
يقرأ التجربة المعيشة كما هي دون رتوش ومحسنات.هكذا حاول
الجيل الجديد الذي سجل سيرته الشخصية على ورق الحروب، فكان
من بينهم الشعراء وكتاب القصة القصيرة، وبعض من عاش على
خطوط التماس.
رواية جديدة ظهرت لكاتبة عراقية غير معروفة اسمها سمية
الشيباني، وعنوان كتابها "حارسة النخيل" صدر عن المؤسسة
العربية للنشر ببيروت. الكاتبة مذيعة تلفزيونية ومقدمة
برامج، وهناك مايدفع إلى الاعتقاد أنها سجلت في هذا العمل
يومياتها، فهي تحكي عن قصة إعلامية مهاجرة تعود إلى العراق
في رحلة قطعتها إلى بلدها خلال مرحلة حرجة.وسواء كانت هذه
الرواية سيرة حقيقية او متخيلة، فكل ماترويه محض واقع يبنى
على دراما التوتر بين بشاعة الحرب وقدرة البشر على التحمل.
يمكن لقارئ هذه الرواية تلمس فيض المشاعر وعفويتها الآسرة
التي تشده إلى عوالمها وتقرّبه من فهم الظاهرات لا
بالعلامات الرمزية،بل بالتاريخ المسرود للأفراد، ولحركتهم
وهي تتنقل في الأمكنة التي طالها زلزال الحرب.
تسجل هذه الرواية ولادة قاصة تجيد مهنة الكتابة
المشوقة،وتحسن الربط بين المواقف والأحداث، فبدا بناء
الرواية على قدر من الإحتراف،على رغم كون المؤلفة تدخل
عالم الكتابة لأول مرة.
بطلة الرواية وقعت في مأزق إحتلال الكويت، وهي من أب عراقي
وأمّ كويتية من سكنة البصرة، وعليها وهي تتابع الكارثة
التي تلوح في أفق البلدين، أن تستذكر تاريخها الشخصي بين
إنتماء إلى العراق عززته زيجتها من عراقي إعلامي مثلها،
وإنتماء إلى أمّ عانت الغربة وجحود الزوج. وهكذا تقول
الكاتبة انها كتبت حكاية الأم التي عاشت بين بلدين، في حين
إنها تسجل قصة من قصص العراق المؤثرة.
في مفارقة الرواية أن البطلة المغتربة في الخليج تعود إلى
العراق بعد احتلال الكويت لأن الذين حولها عاقبوا
العراقيين لقرار لم يشاركوا باتخاذه، الأمر الذي دفع
البطلة إلى الشعور بأن لاوطن لها خارج بلدها. وعند عودتها
تبدأ حرب تحرير الكويت وتحطيم العراق ودك مدنه.
تسجل الرواية يوميات القصف وهجرة الناس من بغداد إلى المدن
البعيدة، حيث تلاحقهم الحرب وتحاصرهم بوابلها إلى كل
الأماكن.
صاغت الشيباني مادتها أقرب إلى استذكارات تفصيلية،
واحداثها تبدا يوم دخول الجيش العراقي أرض الكويت 2 اب
1990. وهي تعتمد على الفعل والعقدة كي تصل ذروتها في
النهاية مثل كل روايات الحركة، ولا مجال هنا لبناء شخصيات
استثنائية او قابلة للنمو والتفاعل في ذهن القارئ، فهناك
عقدة تدور حول الدخول في ورطة الحرب والخروج منها. ولكن
المسار السردي يربط بين الشخصي والعام، في مترادف يعتمد
التناوب بين ماضي الأبطال وحاضر الزمن المرصود قصصيا، ومن
خلال مشاعر الشخصية الأولى يمكن اقامة علاقة تواشج بين
الزمنين.
هي عانت واخوتها الصغار من ظلم الأب الذي هجر زوجته
الغريبة في البصرة، وانتزع أطفالها ليعيشوا مع ضرتها التي
تسومهم العذاب، عند هذه النقطة تستكمل المأساة الشخصية
بفصل يضاف إلى فصل الحرب التي تورط بها الناس دون دراية
منهم. وبين سطور الحياة الشخصية تنبثق في ومضات متسارعة،
العلاقة بين الكويت والعراق في مظالم متبادلة، ولكن
الرواية لفرط عفويتها،تبدو شهادة محايدة، ولكنها تشرح حال
العراق ومعاناته من حكم سلطة جائرة تدفع الناس إلى ورط
الحروب المتكررة.
العائلة وترابطها ثيمة من بين ثيمات الرواية الأساسية،
ولعلها تشكل هاجس البحث عن الأمان واللحمة الانسانية مقابل
التشتت والخراب الذي يجابه المجتمع زمن الإضطرابات الكبيرة.
ولكي تجسد مشروع البحث في صيرورة التواصل العائلي، تبدو
النظرة إلى المستقبل من بين مكونات إدراك السرد لقيمة
الزمن، ففي إصرار البطلة على العودة إلى العراق وهي إمرأة
حامل وتنوء بمسؤولية طفلتين،تجابه زمنا مكثفا بالاحداث
يؤرخ أشهر الحمل ذاتها.انه يتواتر في إنتظار ولادة الطفل
الذي تحمله في أحشائها،والبحث عن الأمان لصغارها الذين
تتنقل بهم بين الجبهات. على هذا تبدو معاناتها محض دفاع عن
حياة تتعدى حياتها الشخصية، وعندما تخرج بأطفالها ومولودها
الجديد من العراق مرة أخرى، يكون الجواب على السؤال
الأساسي: هل ثمة مكان يصلح في العراق للعيش ولبناء حياة
سوية؟
تأتي الإجابة من خلال الأفعال، فالحرب تختبر معادن الناس:
السلطة والجيران والمستشفيات ومراكز الشرطة ومواقع الحدود.
وفي بيت أهل الزوج، يلتقي حشد من الأقارب الباحثين عن أمان
في سردابه، لتكتشف البطلة في منلوجها خطوات التباعد
والتقارب بينها وبينهم:هي تريد إستعادة الأب الضائع في شخص
رب العائلة الورع المتدين، والأم الحارسة لنخيل البصرة
ولروحها المذعورة. وفي لمسات التواصل تعرف الفرق بين من
بقي في وطنه ومن إغترب عنه. لعل مخاض مجتمع جديد كان ينأى
ويقترب منها، ولكن انشغال السرد بحدود الحياة الشخصية
للبطلة، حال دون تشّكل أفق روائي أوسع يمتد أمام بصيرة
الراوي لينسج خيوط حكايات موازية لقصة حياة البطلة وهروبها.
مغامرات المرأة ونضالها من أجل مُثلها الخاصة، تتوضح من
خلال مسرودات واقعية تتشكل وفق نظام شبه منطقي، فهناك
تداعيات دراماتيكية للأحداث في متوالية تقرأ بوصفها تعاقبا
زمنيا بين بداية الرحلة ونهايتها، هروب وهروب مضاد، ولعل
تلك المكررات تشكل البناء الممكن لصيغة العمل في حقل القص
الكلاسيكي.
تضيق الرواية بصوت منلوج البطلة الذي يغرق في أحيان بإنشاء
رومانسي فائض،يطيل الرواية ويضعفها، ولعله من بين العيوب
الأوضح للبدايات،بيد ان العمل عموما يبقى شهادة حية لمأساة
تكررت في حياة العراقيين وتسربت من بين أيديهم وذاكرتهم
لفرط ما واجهوا من مخاضات. ومن هنا نتلمس أهمية هذا النص
الذي شهد ولادة كاتبة جديدة وكتابة سردية تملك من الحرارة
والتشويق ما يقرّبها من القراء على اختلاف مستوياتهم، وهي
غاية يسعى اليها معظم محترفي القص.
|