المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

القاص والشاعر زيد الشهيد:كنتُ أخلق من ضيق الفناء فضاءً أرحب للتعبير

حاوره -علي لفتة سعيد

قاص وشاعر عراقي احتضنته المدينة وكانت الصحراء على مبعدة منه تميل به إلى الغرب .. كان ذلك حين اكتشف ضوء الحياة لأول مرة في منتصف عام 1935 فكانت السماوة موطئ قدمه الأولى والأثر الذي أخذه معه ليعجن الحروف الأبتدائية في عالم اسكنه الدهشة ففاض بحروفه الخاصة .. زيد الشهيد القاص والشاعر لم يكتف بأثر المدينة والصحراء والطرق الوعرة بل أراد أن يبوب ذاكرة الأكاديمية فكانت شهادة البكلوريوس آداب / لغة إنكليزية / جامعة بغداد.. ربما وجد كتابا وضع في البيت ليقرأه غيره فقرأه هو فكانت الخطوة الأولى إلى عالم مليء بالمخيلة أو كانت الحكايات الجنوبية التي أوجعته وسكنت ذاكرته هي الأثر الأول دون أن يدرك ذلك كما هو شأن الكثيرين من المبدعين .. وربما كان التأمل واحته وسط خراب الحياة وعسرها في سنوات الستينيات والسبعينيات فأخذه القلم على نزف الوجع لكي يصدر طوال تجربته ( مدينة الحجر ) مجموعة قصصية صادرة عن اتحاد أدباء العراق عام 1994و( حكايات عن الغرف المعلقة ) مجموعة قصصية صادرة عن دار أزمنة-عمان عام2003 و( فضاءات التيه ) مجموعة قصصية صادرة عن ( دار ألواح ) في أسبانيا-عام 2004 و( أمي والسراويل ) مجموعة شعرية صادرة عن دار أزمنة -عمان 2005 و( سبت يا ثلاثاء ) رواية صادرة عن دار أزمنة-عمان 2005 و ( فم الصحراء الناده ) مجموعة قصصية منشورة في موقع ( أفق الالكتروني ) .. وأخيرا ( الرؤى والأمكنة .. نصوص مستلة من ذاكرة المكان ) مجموعة نصوص مفتوحة ، منشورة في موقع القصة العراقية بعنوان تجارب.

 

وليس بعيدا عن الحروف ووجعها التقيناه على بساط كربلائي فكانت المدينة والصحراء والقباب قد هبطت من علوها لتمازج في لحظة بوح حوارها الأدبي .
* ما الذي جاء بك إلى القصة ؟
ـ القراءات المستمرة والمطالعة التي ابتدأت منذ الصبا وأنا أقرأ ديوان عنترة في فناء الدار _ المفتوح على سماء تمنحني زرقتها العذبة _ وبصوت عالٍ هو ما جعل القراءة في الكبر حالة من الهوس ، ومتابعة ما يدخل إلى المكتبات من كتب ومجلات حديثة شيء ما اقرب إلى الجنون . وكان لرواية " رد قلبي " ليوسف السباعي ووجودها في البيت أثرها الفاعل في التعرف على السرد الكتابي لا القصص الشفاهية التي نسمعها من الجدات والأمهات . لم يكن للمدارس التعليمية من تأثير ؛ ولا أتذكر معلماً أو مدرساً له من التميز ما جعلنا نتمثل به أو نأخذ بنصائحه التوجيهية . المعرفة اكتسبتها ذاتياً ، ولعل حشود الكتب التي كان يقتنيها أخوتي الذين يكبرونني هو العامل الأكثر أهمية في توجهي نحو اكتساب المعرفة ؛ والتي قادت في ما بعد إلى الكتابة القصصية غب مراحل عديدة من كتابة الشعر البسيط والخواطر ورسائل الحب التي أكتبها لحبيبات مفترضات . القصة هي محاولة جرّ الواقع إلى تخوم الخيال ، أو هي تحويل ما ينتجه الخيال ليستحيل واقعاً . وفق هذه الجدلية تغدو كتابة القصة ضرباً من الخلق الذي يتوخاه كل مَن يمتلك خيالاً يبغي توظيفه لإشباع فضول الذائقة ( ذائقة المتلقي لا ذائقة منتج القص ) .. هذه الرؤية هي ما ولَدت لدي قناعة أن اكتب أولا .. كتابة بلا هوية تأرجحت بين الشعر والقصة والخاطرة ونقل العبارات التي أجدها مؤثرة ، والاحتفاظ بقصاصات الورق ، والاندهاش بهذا الكاتب أو ذاك .. ثم بعد كل هذا الماراثون من الاهتمام كان للقصة أرجحيتها في التدوين الكتابي .. وطبعاً هناك ما يدفعك إلى الشعور بأنك تستطيع تشكيل هويةً وأقصد حالة النشر التي ترمي لك بطعم الاستمرار في الكتابة ومنحك شعور أنك مقروء وإلا كان ما تكتب يأخذ طريقه الى سلة المهملات .القصة عالم سردي يعتمد الوصف وخلق الشخصيات والترنم بسيول المفردات التي يحتاجها هذا العالم كيما يتجسد بقبول ورضا الذات ، حيث الكتابة القصصية الأولى هي ما جاءت متَّشحة بالبراءة ومستحمة بالمفردات المنسكبة من الخزين المعرفي . هذا قبل أن أدخل حلبة الكتابة الاحترافية التي تتوالى على الورق وأمام الكاتب عيون القراء الذين يتلصصون على أبجدية حِرَفية ويبحثون عن مهارة المرسل في مضمار الاستقبال . ولا أخفيك أنني أعتبر مجموعتي القصصية الأولى ( مدينة الحجر ) بما احتوت من نصوص قصصية هي مجموعة البراءة الخالية من الحرفة . مجموعة التماهي مع الذات والتحاور معها في حين جاءت مجاميعي القصصية التالية ( فضاءات التيه ) و( حكايات عن الغرف المعلقة ) و( فم الصحراء الناده ) متداخلة ومتمازجة فيها نقاءات البراءة ومهارات الحرفة . لكن الذي يجمع بينها كلها هو الصدق الفني ورغبة الخلق الجميل .
* في عوالمك ثمة مرجعية مكانية .. هل المكان هو نقطة الضوء التي يتحرك من خلالها السرد أم هو النقطة التي تريد من القارئ أن يسلط الضوء عليها ؟
- المكان هو أحدى دعائم السرد الأساسية ، وبدونه ينتفي فعل الزمن في السردية المتوخاة ، إذ المكان منبت للزمان ؛ وعبره تتجسّد أبجدية الزمن التي تؤثث فعلها المؤثر . بغير المكان ينتفي وجود الزمان ، فهو الذي يعبر بتماثله عن فحوى الزمن . ويوم نزور متحفاً لا نزور مكاناً أنما تكمن زيارتنا في تفكيك حقب الزمان المبعثرة على سطوح المكان . في المتحف نقرأ زمناً ، لا نترجم مكاناً . من هنا انطلاقتي في تدويني السردي ، حيث المكان الذي أسلط الضوء عليه ابغي من ورائه سبر غور الزمن الذي جرت على حيثياته اللحظية تفاصيل الفعل الناجز . أما بخصوص القارىء فأقول أن النص بعد خروجه من جعبتي يغدو ملكاً له ، وبالتأكيد سيجري عملية القراءة وفق اكتشافه الدلالات التي يرتئيها هو لا التي أهدفها أنا . عندما أراجع نصوصي القصصية أكتشف أنني أحاور الزمن في فعلي السردي ، وأرى ثقله على كاهل الشخصية التي تتحرك في نسيج القص . لم يفعمني المكان بالجمال بل ألهمني غدر الزمن وقسوته على أبطال نصوصي . هل يدرك ذلك المتلقي الذي يتعامل مع مقروئي ؟ .. اجزم انه كذلك ..
* لم يكن الواقع الثقافي غير مساحة ضيقة .. كيف استطاع السرد من فرط هذا الضيق أن يكون واسعاً في قصصك ؟
- الكاتب إنسان خلاّق ، وله تميزه عن الآخرين المحمَّلين بالبساطة من الناس . أنّه لا يأبه بضيق المساحة ؛ وقسوة الأقدار تخلق لديه حالة من التحدي المقصود . وهو مَن تنطبق عليه مقولة " اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة " لديه . لا احد يخاف على المبدع أن يتقهقر وينكفىء ، وليس من اليقين إلغاء قدرته وطاقته حين تضيق عليه المساحة . وإذا كنا رأينا مبدعين آثروا الانزواء خلف أستار النسيان من أجل الاستمرار في الحياة بحثاً عن لقمة العيش الصعبة أو تجنباً لملاحقة ازلام النظام المباد لهم فانَ دواخلهم كانت ترهص ؛ والإبداع تتوهج شعلته النيرة في دواخلهم وأطلعتنا اعمالُهم التي قرأناها وأنت أحد هؤلاء الذين لهم خطاب روائي مهم أنهم لم يكونوا محنَّطين في حلقة الستاتيك ، ولم يتكدس الشمع فيكتِّلهم .وفي مضمار السرد الذي انتميت لعالمه أنا َّ فجرت قدرتي الكتابية وخزيني المعرفي ؛ ولا تنس يا صديقي أن واقعنا الذي كنّا نخطو على أديمه يمنحنا بلا جهد الصور الحياتية اليومية بكل قسوتها ومأساويتها وصورها السوريالية . فكتبت العديد من نصوص الحصار في وقت كان النظام يجهد على أن لا تأخذ موضوعة الحصار ومعاناته حيزاً لها في المد الثقافي الأدبي ، وكانت الصحف تتطيّر من نصوص تتولّى عرض معاناة شعب يتدهور صحياً ونفسياً واجتماعياً . إن جملة " ارنست همنغواي " ( قد يتحطم الإنسان لكنّه لا يهزم) دائماً تدق أجراسها في مسمعي فكانت وستكون حكمة أزلية أتَّكئ عليها واعبُّ من منهلها فهي تمنحك الشعور بأنك مهما خسرت فإنَّ الإرادة تستبدل التهالكات الخوالي بالنجاحات التوالي . وعندها تجد نفسك أنك لم تخسر الكرامة بل كسبت احترام الذات .
هكذا كنتُ أخلقُ من ضيق الفناء فضاءً أرحب للتعبير ؛ وهكذا كانت الكتابات تأخذ حيزها في الصحافة الخارجية ؛ صحافة العيش في الغربة والاغتراب . ووجدت أن ما أكتب كان محط قبول القراء ؛ مع أني كنت أحسب أنني أعبر بالكتابة عن تنفسي للقاء درءاً لمحاولات القدر طمس أعوامي في وحل العيش الرتيب الخالي من الكتابة والإبداع . ولقد كتبتُ رواية ( سبت يا ثلاثاء ) الصادرة عن دار أزمنة هذا العام من وحي التحدي للزمن والقدر والمضايقات الكبيرة التي لم تنته حتى بعد ترك الوطن . ومعها رواية ( فراسخ لآهات تنتظر ) التي نشرت معظم فصولها في موقع ( كيكا) الالكتروني تحت عنوان ( الأب كما رأيته .. البيت كما أراه ) .
* صدرت لك مجموعة شعرية في الخارج .. هل هي نزعة لتجريب اللغة في الشعر أم الهروب من السرد أم أن في داخلك شاعرا كشف عن نفسه في المجموعة ؟
- نشأتُ وأنا متعدد القراءات والمطالعات . كبرت وأنا أسير في خمائل الثقافة .. أرى إلى ورد الشعر فأدهش به ، وأقف عند تفتحاته ونصاعاته وأشذائه فاغترف صوراً ، واشم أرائج ، وأقتني انبهارات .وحين أقف عند روض سردي ارتمي عند يناعته وأترك لذائقتي حرية الترجل والتطلع بامتلاء ، أفتح لها كل مغاليق الرغبة في النهل وجمع المراد . وأيضاً نده بي عالم النقد فتوجهتُ إليه بملء انشراحي فتداخلتُ مع مفرداته وتحادثت مع مريديه ، ووقفت أساجل فرسانه . ومع ذلك أيضاً استهوتني الترجمة فترجمت عن الإنكليزية نصوصاً قصصية وأعمالاً مسرحية ... أعترف أنني أحتفظ بخزين معرفي راكمته الأعوام وأهال عليه جنون القراءات والمطالعات الكثيرة رذاذ التدوين الذي جعل من عملية الكتابة ممارسة وجدانية صراعية تنافسية لا تنتهي إلا بموت القلم الذي هو موتي .وفي الوقت الذي أعتبر نفسي قصاصاً صرخ بوجهي الكثير ممّن قرأوا مجموعتي الشعرية ( أمي والسراويل ) قائلين : " أنتَ شاعر أكثر منك قصاصاً !" في حين همس شاعرٌ أهديته مجموعتي القصصية " حكايات عن الغرف المعلقة " قبل أن أهديه المجموعة الشعرية :" عندما قرأتُ مجموعتك القصصية قلت أنكَ شاعر ،وعندما أهديتني مجموعتك الشعرية هتفت : يا إلهي هذا قاص أكثر منه شاعراً " بينما خاطبني الدكتور محمد الجبوري رئيس قسم اللغة العربية في كلية تربية المثنى : وجدتك في الشعر ونسيتك في القصة ! " وأخيراً تطرَّفَ أحدهم ناصحاً أن اكتب الشعر فأنسى القصة إلى الأبد ؛ فقط الدكتورة فوزية الجابري أستاذة الأدب العربي في كلية تربية المثنى وهي قاصة أيضاً أفصحت عن إعجابها بالقص لدي والشعر على السواء ... ولا أدري حين سيقرأ الجميع الذين سأرفدهم بروايتي ( سبت يا ثلاثاء ) التي صدرت قبل أيام بأيِّ رأيٍّ سيخرجون ، وبأية اطلاقات نقدية أو نصائحية سيرشقونني بها ؟!


عن هابرماس وصرخة الدين العاقل

هابرماس آخر الفلاسفة الكبار الأحياء، يمر بتحولات من ذلك النمط الذي يحدث في مواقف الفلاسفة الذين يغطون ما يجري في العالم من تغيرات بنظرة شاملة يعيدون بها ربط الواقع بالفكرة وتأصيل ما يجري من فظائع وغياب للتسامح لثقافات وأفكار هي الأصل الذي يتحرك عليه هذا الواقع .
هابرماس تحدث قبل مدة عن المجتمع ما بعد العلماني الذي تتحرك على سطحه أديان عدة هي ذاتها تحرك وعي المجموع، وليست كل هذه الأديان هي عاقلة بالضرورة كما يذهب هابرماس . الا من عصم الله ـ وتخلى بسبب توازنه الذاتي وإيمانه بالعقل ـ عن منطق القسر والفرض على المؤمنين به، ودفعهم للانتحار.
صرخة هابرماس التي ضاعت كما صرخات أخرى دعت إلى تقبل الآخر معرفيا وثقافيا، لا ترى ما يمنع من لقاء المختلفين دينيا، ولا يرى في سلطة العلم عيبا على الدين، ولا خطراً عليه من الدستور، حتى وان كانت هذه الممهدات تقوم على أخلاق غير دينية في الأصل .
هابرماس الذي تأمل موجة الانتحار التي تحدث باسم الدين حاول ربط المعرفة الدينية بالدولة الحديثة ، والتصدي لتاريخ هذه العلاقة ، ليكشف عن خطر التأويلات الدينية التي حولت الطاقات الداخلية للدين إلى قوة مهدمة للحياة المعاصرة ودفع التأويل الى اهمال النقد والتفكر والتدبر، حتى وان كانت هذه الدوافع من صفات العصر والدولة الحديثة.
ليست صرخة هابرماس هي الأولى من نوعها ، وانما يعيد هابرماس صرخات سابقة حدثت قبله بأوقات متفاوتة، من مثل صرخات هيغل وفيورباخ وماركس وجون تولاند وغيرهم .لكن ميزة صرخة هابرماس تتزامن وظهور الحركات الأصولية في الغرب والشرق ، وتقسيم قادة الفكر في الغرب إلى عديمي الإيمان ومؤمنين طبقا لتأثيرهم على الجمهور من الناخبين.
والصرخة هذه كما يرى البعض تنتصر للعقل في مواجهة الخرافة والاسطورة ، هي مواجهة للسر ، بوصفه وثنيا، وهي ذاتها صيحة جون تولاند، التي كشفت عن فكرة أن السر الذي تمت المحافظة عليه إنما هو الخرافة التي يجب أن تدمر، أو العقبة التي يجب أن تذلل فلا يمكن لشيء أن يعلو فوق العقل، أو يتعارض معه .فطبقا لتولاند هذه الخرافة هي التي احتفظت بنا منذ ولادتنا فالتعاويذ ترافقنا منذ الأصابع التي لامستنا حين الولادة، وتعاويذ المربيات والأمهات وقصص الذئاب والاشرار ترافقنا منذ ذلك الحين، وهي ذاتها قصص الجنيات والعفاريت أيام دراستنا الأولى التي قضت مضاجعنا، فضلا عن خطب رجال الدين المليئة بصور الجن والأسرار، فضلا عن الشعراء والمدرسين الذين احترفوا الدجل وكرسوا السرية في داخلنا. كانت هذه صورا من خريطة الصيحات قبل هابرماس الذي يكشف الآن عن نزعة لاهوتية مع أنه مفكر علماني بامتياز، بسبب أن البعض يرى ان الثيمات الدينية التي توقف عندها هابرماس هي مواقف استثنائية قليلة لكنه في النهاية علماني مؤثر، أكدها بنقده الكبير لأحداث 11 أيلول، مع نظرته الحادة المحذرة من عودة الدين، هذه العودة التي يمكنها أن تخلف مخاطر ونتائج كبيرة على المجتمعات الانسانية لو سمح له بتغييب فكرة الدفع التأملي .
تتركز صرخة هابرماس على فكرة المجتمعات ما بعد العلمانية وهي تواجه الدين بوصفه لطفا إلهيا لكنه في الوقت ذاته يعطى للجمهور العزاء الكبير عن القدر الذي يعيشه ، وضرورة الاستمرار السلبي مع الشعور بالرضا عن هذا القدر ، وتشجيع السلبية الاجتماعية وهو ما يتقاطع مع الحاجات المعاصرة للديمقراطية ومفهوم المواطنة .
صرخة هابرماس تنتصر للدين العاقل الذي يسمح بلقاء المختلفين ثقافيا ، ويؤمن بالتسامح، وينبذ القسر والعنف والاضطهاد باسم الدين، ولا يمكن لأحد أن يستحق صفة العاقل الا تلك الأفكار التي تتخلى عن فرض القناعات بالقوة . أو تنتزع أيمانا منك بقوة السلاح، فيتوجب من المؤمنين. من أي دين كانوا أن يدركوا وجودهم الكوكبي المتعدد المختلف ثقافيا ودينيا ومذهبيا، وعلى الوعي الديني في ظل هذا الظرف أن يعالج لقاء المختلف معه معرفيا معالجة ايجابية، وتقبل السلطة التي تخلفها العلوم وهي تهيمن على كل أنواع المعرفة في حياتنا المعاصرة، والتعاطي مع المقدمات المنطقية التي توفرها الدولة الدستورية . والا ستعود رحلة الصراع بين الدين والفلسفة، بين العقل والنقل بين الحداثة والخرافة وتخلف ما خلفت من مجازر وفظاعات ودماء ومذابح .



قراءة لكوابيس زهير شليبة

زهير كاظم عبود

قد تكون كوابيس المنافي قاسماً مشتركاً يمكن ان يستل منه القاص الدكتور زهير شليبة قصصه القصيرة ، غير أن متابعة بسيطة لهذه الكوابيس يظهر فيها الكاتب نفسه محورا من محاورها الاساسية .
اوهمنا زهير شليبة انه يسرد ذكرياته أو لنقل انه تمكن من تطويع الحكاية الى حالة عامة قد نبدو نحن شخصياً ثيماتها الأساسية حتى نصحو على قصة أخرى ، وفي هذا قدرة على تمكن القاص شليبة من التقاط العام وتوظيفه لصالح الخاص ، بالأضافة الى قدرته على أستلال لقطات دقيقة من واقع حياة المنافي وتداعياتها وكوابيسها .
قدم لمجموعته التي طبعها مركز الحضارة العربية في القاهرة 2004 بقصيدتين الأولى كتبها في العام 1990 في مدينة روسكلده والثانية في العام 1986 في موسكو ، ليشير لنا الى الأمتداد التاريخي العميق في روح الكاتب الهائمة بين المنافي ، فقد أكلت روحة مدن الثلج والرمل والسكون ، فتوزعت شظايا روحه بين مدن باردة ولم تزل ذاكرته تحتفظ بدفئها العراقي وحكاياتها الشعبية . لم تكن تجربة الكاتب زهير شليبة جديدة ، مثلما لم تكن متحددة في مكان واحد ،ولهذا تأتي قصصه موزعة بين الصحراء الكبرى وموسكو ومعسكر اللاجئين ناكيبول جزيرة فوين بالدنمارك ثم في المدينة الدنماركية الصغيرة التي استقر فيها أخيراً ينفق فيها بقية ايامه بحميمية ، وهو بهذا التوزيع ينتقي لنا حكايات يستلها من وجع الأنسان يربطها كلها بالمكان الذي علق في ذاكرته منقوشاً فوق ثنايا روحه في الوطن الأزلي .
ويعمد شليبة الى توظيف التناقض في الكوابيس ففي ذاكرة البحر حيث يسافر فوق الامواج ويشم رائحة الموت وهطول المطر على ساحل البحر وهو القابع وسط اكبر مساحة من الرمال الشاسعة حيث لابحر ولامياه .
وفي قصة ( مدرسة السياقة ) ، ينتقل من وصف معلم السياقة الى بارود ومفردة سكين وملح التي تغيظ الرجل الذي ضيعوا له عقله ودربه في العمل السياسي فبات ابو الريش ، غير انه يصحو ليلتقط انفاسه بعد سهرة السبت التي يبدد فيها سكرته بكسر اخماريتها بما يقولونه له في روسيا الباخميل .
في مجموعة الدكتور زهير شليبة القصصية هذه نكهة نشعر معها بحجم الجراح التي نالت من جسد العراقيين وبعثرتهم ، وبالغت في تشردهم وتوزيعهم في مدن قصية وفي بلاد لم تكن يوما ما في البال أو الحساب . الكوابيس التي قدمها زهير شليبة جزء مهم من وجع الأنسان ، يتعايش معها ويسكن معها ويحملها بين جنباته وبين ضلوعه ، بل ونعيشها كلنا ونشعر بها ونتحدث لبعضنا ، غير أن زهير شليبة أراد ان يوثقها بشكلها الجميل وبقدرته الفائقة التي أكتملت صورتها عنده في الذاكرة أو من خلال البوح الذي يخزنه في روحه ممن التقاه في الغربة .
نسيج القصص ربما خليط مما خزنته ذاكرة القاص وماتخيله ليوظفه قصصاً وحكايات تتحرك داخل الوجدان وتتناغم مع أيام العمر لجيل توزعت أيامه بين الكوابيس في الوطن و الغربة ، وفي كل الأحيان فإن الكوابيس هي القاسم المشترك الذي دخلت في دقائق حياة جيل الكاتب زهير شليبة . وضمن مقدمة قصصه التي يبدأها بذاكرة البحر تشعر بعمق المعاناة التي فجرت داخل روحة أسس الإبداع في التخيل الواقعي وتلمس الموجود ليعيد ترتيبه وصياغته بموهبته الفطرية التي تنامت الى موهبة قصصية بعد أن تمترس بالنقد والترجمة وأقترب من روح المبدع غائب طعمة فرمان ليصير لصق روحه بالأضافة الى كتاباته الأكاديمية عنه مندفعا بإرهاصات روحية ومشاعر شخصية فتتحول قصصه اليانعة الى خيالات مثل غيوم البلاد التي أثقلتها قطرات المطر.
حتى أن كوابيس المنفى التي يحدثنا عنها الدكتور زهير شليبة شكلت لنا أحلاماً كنا نحن قاسمها المشترك ، بالرغم من أن الأنسان في غياب أنسانيته غريب حتى وأن كان في وطنه ، ولهذا فأن الكوابيس التي تجتاح مخيلته وأحلامه في المنافي لا تقل قتامة وحرقة من كوابيسه داخل الوطن في غياب الوطن . إستطاع زهير شليبة ان يتلفلف داخل دقائق ارواحنا ويسرق من وقتنا وساعات أعمارنا ليصير لنا شريكاً أو متحدثاً ونحن ننصت له بتواضع التلاميذ لأستاذهم ، فقد كان موفقاً في توظيف ماخزنته ذاكرته المشبعة بالنفي والضياع وفراق الوطن ، الى مجموعة من القصص القصيرة جميعها تتحدث عن كوابيس المنافي . ولذا يقول عنه الكاتب المبدع عدنان مبارك انه يستعمل لغــــــة تفوح منها رائحة اليومي ( المألوف ) ونبضه ، ومن الواضح انها لغة ذات تركيب املتها الغاية منها السخرية ونزع اقنعة الانسان بشتى اصنافها . أستطاع الدكتور شليبة أن يدخل تفاصيل يومية من البوح العراقي ضمن كوابيسه ، فقد كان لصيقاً بهذا البوح كامناً ضمن تفاصيلة ، وموفقاً في التقاط مايجده يوجع الذاكرة ويدخل ضمن تفاصيل الكوابيس التي تنتابنا في المنافي ، ويؤكد الكاتب عدنان المبارك في مقدمة المجموعة ان ابطال القصص لايستلون حكمتهم من الكتب ، بل من تيار الحياة الفعلية .
كوابيس المنفى التي أصدرتها مؤسسة مركز الحضارة العربية في القاهرة 2004 منجز أدبي عراقي يشكل علامة بارزة من علامات الأبداع العراقي في زمن الغربة والمرارة ، ودليلاً على تألق المثقف العراقي مهما قست ظروف المنافي والحياة عليه ، حيث يوظف كل الأبداع من اجل أن يبقى ملتصقاً بخيط يشد روحه المتشظية في البحار والبلاد المنتشرة على خريطة الدنيا وفي المدن التي لم نكتشفها بعد ، يبقى اسم العراق متألقاً وكامناً في أرواحهم ، حلماً وأملاً وكوابيسَ وحكايات يتحدثون بها مع أطفالهم الذين ربما كانوا يمتلئون بأحلام الحكايات الحلوة ، وربما بكوابيس المنافي التي أستطاع زهير شليبة أن يقدمها لنا على طبق من الورق الفضي الأنيق ، بعد ان زينها بقصيدتين الأولى احلامه التي تمتد من الدنمارك مخترقا بحور الصمت وموانئ الغربة ، ممتطياً بروقاً ورعداً ومطراً ، عابراً طرق الرمل والالام مسكوناً بشوارع بابل والحكايات التي لم تزل تطن في ذاكرته ، ثم في الحنين التي أذاب بكلماتها جليد البلاد التي غلفته ، ومضى يصنع النار التي يشوي بها أسماك العراق ولهيب الكتب المحترقة من أثر الكلمات الملتهبة والأحاسيس التي أذابت جسد الجليد في غربته الباردة ، والرسائل التي أختفت مع اسرارها والقصص التي يكتبها على الحيطان والنار التي تلتهم العمر وتحيله الى رماد في الذاكرة . 13 قصة قصيرة توزعت ضمن هذه المجموعة التي اضافها القاص زهير شليبة الى نتاجه الغزير واسهاماته في الثقافة العراقية بعد ان تالق في دراسته النقدية عن المبدع العراقي غائب طعمة فرمان
دراسة مقارنة عن الرواية العراقية – 1996 ودراسته عن ميخائيل باختين 2001 وقبلها مختارات من الشعر الدنماركي 2000 وكتابه الأخير الذي صدر تواً : انطولوجيا الشعر الدنماركي الحديث.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة