|
بوابات الشمس التي اختفت خلف السحاب
تحقيق وتصوير/ مفيد الصافي
البوابة الأولى
كانت أشعة الشمس المشرقة تمنح الشارع ضوءا ساطعا يكاد يعمي العيون التي استيقظت قبل قليل. وقتها عبرت سوق الميدان المزدحم في باب المعظم،مخترقا السوق الشعبية لاتجه عبر أزقة بغداد ومحلاتها حتى وصلت الى المكان الذي أريده . وكأن نسمات الهواء الصباحية تدفعني دفعا الى شيء كنت ابحث عنه منذ زمن بعيد .كانت هناك لافتة صغيرة كتب عليها السفير الأول، ضريح الشيخ عثمان بن سعيد العمري.على الجهة اليمنى كانت المغاسل معزولة عن الجامع. دخلت الى باحة الجامع الصغير، وبدأت اقرأ ما كتب على قرميدة بيضاء مستطيلة بخط اسود... الشيخ عثمان بن سعيد العمري.يقال له العسكري أيضا لأنه كان من مدينة عسكر( سامراء).ويقال له الزيات والسمان لأنه كان يتاجر بالسمن- ربما كان يخفي الرسائل السرية في تلك الأواني خوفا من السلطة العباسية- دامت فترة سفارته خمس سنوات حتى وفاته في عام265 هجرية،تولى السفارة من بعده ابنه الخلاني.
قبة مهددة بالسقوط
قال حارس الجامع "ان هذا المزار يحمل أهمية كبيرة بالنسبة لأتباع الامامية فزواره ياتون من اماكن مختلفة كالهند وباكستان وإيران وكثير من الدول العربية.ونحن نعاني من عدة مصاعب.مثل عدم وجود مصلى للنساء كما ان القبة مهددة بالسقوط .فقام واراني شقا ترك أثره على السطح الداخلي للضريح الذي كانت أضواء المصابيح الخضراء تمنحه جوا صوفيا جميلا.
وأكمل الحارس قائلا "لقد حاولنا هذه الأيام ان نبلغ مديرية الأوقاف الشيعية. ولكن لم يتحرك احد منهم.لقد كان هذا المزار مهجورا في زمن الطاغية فكان ممنوعا ان تضع حنفية ماء فيه.وعانينا من ظلم شديد في ذلك الوقت.ومازلنا نعاني من ذلك.فلماذا هذا الإهمال مع ضريح شخصية مهمة مثل ضريح العمري!. نعم لقد كانت هنالك حملة بسيطة لترميم الجامع ولكن هل تصدق إنها كانت من دون إشراف هندسي!.
من كرامات الأولياء
يروي الحارس عن كرامات صاحب الضريح قائلا "ان بعض أهل الخير قالوا انه في احد الأيام وبينما كانا يريدان الصلاة والتوجه الى المغاسل،اقترب منهما رجل لم يشاهداه من قبل في منطقتهم، تبدو عليه آثار المهابة وكان يرتدي ملابس بغدادية. وحينما دخلا الى باحة الجامع أغلق الباب.لقد انشغل الرجلان برؤيته عن الصلاة!!.وفي احد الأيام بينما كنت نائما في الجامع حلمت بشخص يقول لي ان على ان استيقظ وحالما استيقظت سقطت الثريا على الفراش الذي تركته قبل قليل ونجوت من ذلك الحادث بلطف الله ـ تركت الحارس والضريح وانا اردد عبارة "عاش أبوك سعيدا ومات حميدا فرحمة الله عليه.....
البوابة الثانية
لم يمنعني ازدحام السيارات ودخانها من عبور ساحة الخلاني فدخلت الى باحة المسجد الكبير . احتل الجامع موقعا تميز به عن أضرحة الرجال الثلاثة الاخرين. سالت عن شيخ الجامع فقالوا لي انه غير موجود.تجولت في باحة الجامع.كان ضريح الشيخ الخلاني مصنوعا من النحاس ومقسما الى ثلاثة أقسام تعلوه لوحة كتب عليها اسمه وطريقة الصلاة عليه. محمد بن سعيد بن عثمان العمري،الخلاني كان السفير الثاني حوالي أربعين عاما.توفى عام305 هجرية وهو أطولهم سفارة.
رافقني في تجوال مصور فوتوغرافي قال لي "عليك ان تعرف ان جامع ألخلاني هو الجامع الوحيد ربما في العراق الذي يتساوى فيه ارتفاع قبته مع منارته.وربما حدث هذا بسبب التمويل ثم دلني على بئر يستعمله الناس هنا للاستشفاء من الإمراض الجلدية والتبرك.وقال ان هذا الجامع يضم اكبر مكتبة في العراق.لقد كانت الباحة واسعة وكبيرة.وقسم الضريح الداخلي الى قسمين.ضم على اليمين ضريح الشيخ.أما القسم الأخر فاستعمل للصلاة
البوابة الثالثة
وسط الزحام الشديد اندفعت عبر سوق الشورجة مقتربا من سوق العربي، ثم اتجهت يسارا لأجد بابا صغيراً جلست قربه شحاذتان.كانت اللافتة تبين انه ضريح السفير الثالث الشيخ حسين النوبختي. الباحة الداخلية عالية برغم ضيق المكان بالمصلين الذين تجمعوا لاداء صلاة الظهر . كانت القبة العالية جميلة تدور على حلقة دائرية من النوافذ . اما سطحها الداخلي الأبيض فدارت على محيطه نوافذ جميلة تضاهي جمالية هندسة البناء الملون بلون ازرق الى اليسار . طرزت ورود صناعية مختلفة الألوان أعلى الصندوق المعدني والذي وضع القبر فيه نقرأعلى لوحة التعريف الشيخ حسين النوبختي انه تسلم النيابة بعد ألخلاني حتى وفاته في عام 326 هجرية وكانت مدة سفارته 21 عاما.
معاناة أخرى
قال أبو طيبة ،35 عاما المسؤول عن الجامع "ان الزوار الى الجامع اليوم هم أكثر بعد سقوط النظام السابق . كما يزور الضريح مواطنون من دول مختلفة.ولقد جرى في الخمسينيات على المرقد والجامع تطوير في البناء من قبل بعض التجار.ونعاني من شحة الماء وعدم وجود مغاسل عديدة تكفي المصلين.وقد تم تحويل المياه الثقيلة من المجاري القديمة الى الجديدة والتي كانت تعاني من الانكسارات الكثيرة. إننا نقوم بشراء حاويات ماء لتأمين الماء للمصلين.فنشتري حاوية الماء كل ثلاثة أيام بسعر 25 -30 ألفا.كما ان هنالك وحدة للإطفاء تساعدنا أحيانا بتوفير بعض المياه.
كما ان الكهرباء هنا مشكلة أيضا،ونحن نتمنى لو حظينا بخط للجامع فقط نتمكن من خلاله من قراءة القران.ونحن لا نفضل استعمال المولدة لأنها تصدر صوتا عاليا بسبب الضيق. والجامع يحتوي على سرداب قد نستغله ليكون مكتبة جيدة.
جامع من دون منارة
قال احد المصلين"لم يكن الجامع بهذه المساحة ولقد تم توسيعه مع مرور الوقت.في زمن النظام السابق كان يؤتى أحيانا بإمام جماعة ولكنه ضابط امن او مقدم في المخابرات. فكانت الناس لا تتفاعل معه كثيرا .وقد يغلق الجامع بعد تأزم الأوضاع في البلد مثلما حدث مع جامع ألخلاني.كما انه لم يكن يجوز لنا ان نعمل عزاء في عاشوراء .وقد عانى الجامع من تجاوز صاحب عمارة ملاصقة له ولهذا ظل من دون منارة.وعندما حاول احدهم ان يشتكي تعرض الى التهديد فقد كان صاحب العمارة (مسنودا).
توسيع الجامع
في الستينيات وقبل ان يوسعوا الجامع ذهب شخصان من اهل الخير الى النجف وتأكدا من موقع ضريح الحسين بن روح ولقد اشتروا المساحة المجاورة من بيت لامرأة يهودية قريبة من الجامع وقد عرضوا عليها ان يشتروا بيتها فارادت إن تعطيه هدية للجامع ولكنهم رفضوا ذلك.وأعطوها الثمن.. وقد روى البعض عن كرامات صاحب الضريح. قال انه مرة أثناء أعمال البناء سقط احد العمال من فوق القبة المرتفعة حوالي ثلاثين مترا عن باحة الجامع وظنوا انه مات ، ولكنه عندما وصل الى الارض نفض عن ثيابه.وقال احد المصلين"ان الجامع يستوعب يوميا من 300 الى ألف مصل.
البوابة الرابعة
اخذ بعض السحاب يغطي وجه الشمس ولكن نورها مازال قويا ،وبعد تجوال طويل لمعرفة مكان السفير الرابع ،دخلت في شارع البنك فأوقفني شرطة مدنيون هناك،وبعد التأكد من هويتي سمحوا لي بالذهاب ، بعد ان دلني بائع شاي كان يقف قربهم الى وجهتي الاخيرة .دلفت بجانب شارع يقترب من شاطئ دجلة ثم اتجهت يمينا ودخلت سوقا لبيع الأقمشة وفي ممر مغلق من المحال وصلت الى لافتة موضوعة هناك لتعرف عن ضريح السفير علي بن محمد السمري. تتوسط القبر غرفة داخلية وقد وضع عليه قماش اخضر. ويمكن للزائر ان يرى فضاء المكان الصغير عبر نافذتين صغيرتين .في الخارج وضع احدهم شمعة لا تزال تشتعل.
إهمال قديم
قال التاجر صادق الخفاجي، 40 عاما، محله ملاصق الى الضريح"تم تشييد هذا السوق في عام 1991.لقد كانت الغرفة الموجود بها القبر مهملة بشدة، وجدرانها سوداً من التراب الذي تكدس عليه،كثير من الناس لم تكن تعلم من صاحبها،ولم تكن هناك علامة تدل عليه.وكان بعض الأشخاص يبيع حلويات امامها .كان خالي الحاج سوادي يقول لي ان علي ان اهتم بهذا المكان لأنه ضريح السفير الرابع. وفي احدى المرات فكرت ان اذهب الى مدير العتبات الدينية آنذاك واسمه ناصر الناصري ولكني لم احصل على موافقة بترميم الضريح وقد تحجج بعدم وجود الإمكانيات لذلك! ثم قمت برفع مذكرة أخرى الا أن المدير في هذه المرة قال لي "اذهب لا أريد ان أرى وجهك ثانية"
في التسعينيات جاء رجل من الحوزة وتأكد عمليا من وجود القبر وصاحبه بعد ان نزل الى الأرضية في عام 1997 وقد حصل على موافقة وزارة الأوقاف ولكن بعد فترة جاء احدهم ليقول له ان عليه ان يتوقف. لان بعض الصحف أخذت تتحدث عن هذا العمل. فترك سيد معاذ عمله وهاجر فقد كانت عليه مضايقات من قبل نظام الطاغية.قمنا بالاعتناء بالمكان انا وقسم من التجار حتى اصبح على هذا الشكل. ان مديرية الأوقاف الشيعية لم تقم بأي نشاط يخدم هذا المكان.
لمحة تاريخية
يروي كتاب فلك النجاة للحجة السيد القزويني ..ان محمد بن علي ألسمري كان سفيرا لمدة ثلاث سنوات كاملة حتى وفاته في عام 329 .ومرقده لا يزال شامخا جنب جامع كبير معروف باسم جامع القبلانية قرب المدرسة المستنصرية وهو اليوم عامر وعليه قبة!! .وفي كتاب نزهة الحرمين للباحث السيد حسن الصدر... ان قبر علي بن محمد ألسمري ببغداد في سوق الهرج في حجرة من مسجد له شباك في السوق المذكور على يسار الداخل الى السوق وقال الشيخ محمد حرز وقفت على قبره عام 1967 وكان على المرقد صندوق خشبي فوقه ستارة تظله قبة شامخة ومنارة المسجد.كما يشاهد قبره من السوق من شبابيك ثلاثة.وله كتيبة نقشت بالقاشان الأزرق كتب عليها اسمه ولقبه. وزاره احد السادة فقال"زرنا مرقد ألسمري في سوق السراي وشاهدنا الحرم والباحة التي فيها ,المسجد كلها هدمت وشيد عليها سوق عصري. فلم يبق الا المئذنة!!.
نبوءات الشمس
قام ألسمري بإعمال النيابة بعد وفاة الشيخ حسين بن روح النوبختي.ومن أخباره الغيبية التي اخبر بها لجمع من أصحابه ومشايخ بغداد.أخباره بوفاة العلامة ألقمي في الساعة واليوم والشهر!! فما مضى سبعة عشر يوما حتى ورد الخبر من إيران بوفاته بالضبط كما حدد ألسمري.كما انه اخبر الناس بأنه سيموت بعد ستة أيام!! "يا علي بن محمد ألسمري،انك ميت ما بينك وبين ستة أيام،فاجمع أمرك ولا توص الى احد فيقوم مقامك.........
تركت المكان وانا أتأمل في كلمات ...يومها ستعطي السماء قطرها والشجرة ثمرها والأرض نباتها وتزين لأهلها وتأمن الوحوش حتى ترتعي في طرق الارض كالانعام وتذهب الشحناء بين قلوب العباد.... كم هي جميلة هذه الكلمات!
|