تحقيقات

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

بوابات الشمس التي اختفت خلف السحاب

تحقيق وتصوير/ مفيد الصافي

البوابة الأولى
كانت أشعة الشمس المشرقة تمنح الشارع ضوءا ساطعا يكاد يعمي العيون التي استيقظت قبل قليل. وقتها عبرت سوق الميدان المزدحم في باب المعظم،مخترقا السوق الشعبية لاتجه عبر أزقة بغداد ومحلاتها حتى وصلت الى المكان الذي أريده . وكأن نسمات الهواء الصباحية تدفعني دفعا الى شيء كنت ابحث عنه منذ زمن بعيد .كانت هناك لافتة صغيرة كتب عليها السفير الأول، ضريح الشيخ عثمان بن سعيد العمري.على الجهة اليمنى كانت المغاسل معزولة عن الجامع. دخلت الى باحة الجامع الصغير، وبدأت اقرأ ما كتب على قرميدة بيضاء مستطيلة بخط اسود... الشيخ عثمان بن سعيد العمري.يقال له العسكري أيضا لأنه كان من مدينة عسكر( سامراء).ويقال له الزيات والسمان لأنه كان يتاجر بالسمن- ربما كان يخفي الرسائل السرية في تلك الأواني خوفا من السلطة العباسية- دامت فترة سفارته خمس سنوات حتى وفاته في عام265 هجرية،تولى السفارة من بعده ابنه الخلاني.
قبة مهددة بالسقوط
قال حارس الجامع "ان هذا المزار يحمل أهمية كبيرة بالنسبة لأتباع الامامية فزواره ياتون من اماكن مختلفة كالهند وباكستان وإيران وكثير من الدول العربية.ونحن نعاني من عدة مصاعب.مثل عدم وجود مصلى للنساء كما ان القبة مهددة بالسقوط .فقام واراني شقا ترك أثره على السطح الداخلي للضريح الذي كانت أضواء المصابيح الخضراء تمنحه جوا صوفيا جميلا.
وأكمل الحارس قائلا "لقد حاولنا هذه الأيام ان نبلغ مديرية الأوقاف الشيعية. ولكن لم يتحرك احد منهم.لقد كان هذا المزار مهجورا في زمن الطاغية فكان ممنوعا ان تضع حنفية ماء فيه.وعانينا من ظلم شديد في ذلك الوقت.ومازلنا نعاني من ذلك.فلماذا هذا الإهمال مع ضريح شخصية مهمة مثل ضريح العمري!. نعم لقد كانت هنالك حملة بسيطة لترميم الجامع ولكن هل تصدق إنها كانت من دون إشراف هندسي!.
من كرامات الأولياء
يروي الحارس عن كرامات صاحب الضريح قائلا "ان بعض أهل الخير قالوا انه في احد الأيام وبينما كانا يريدان الصلاة والتوجه الى المغاسل،اقترب منهما رجل لم يشاهداه من قبل في منطقتهم، تبدو عليه آثار المهابة وكان يرتدي ملابس بغدادية. وحينما دخلا الى باحة الجامع أغلق الباب.لقد انشغل الرجلان برؤيته عن الصلاة!!.وفي احد الأيام بينما كنت نائما في الجامع حلمت بشخص يقول لي ان على ان استيقظ وحالما استيقظت سقطت الثريا على الفراش الذي تركته قبل قليل ونجوت من ذلك الحادث بلطف الله ـ تركت الحارس والضريح وانا اردد عبارة "عاش أبوك سعيدا ومات حميدا فرحمة الله عليه.....
البوابة الثانية
لم يمنعني ازدحام السيارات ودخانها من عبور ساحة الخلاني فدخلت الى باحة المسجد الكبير . احتل الجامع موقعا تميز به عن أضرحة الرجال الثلاثة الاخرين. سالت عن شيخ الجامع فقالوا لي انه غير موجود.تجولت في باحة الجامع.كان ضريح الشيخ الخلاني مصنوعا من النحاس ومقسما الى ثلاثة أقسام تعلوه لوحة كتب عليها اسمه وطريقة الصلاة عليه. محمد بن سعيد بن عثمان العمري،الخلاني كان السفير الثاني حوالي أربعين عاما.توفى عام305 هجرية وهو أطولهم سفارة.
رافقني في تجوال مصور فوتوغرافي قال لي "عليك ان تعرف ان جامع ألخلاني هو الجامع الوحيد ربما في العراق الذي يتساوى فيه ارتفاع قبته مع منارته.وربما حدث هذا بسبب التمويل ثم دلني على بئر يستعمله الناس هنا للاستشفاء من الإمراض الجلدية والتبرك.وقال ان هذا الجامع يضم اكبر مكتبة في العراق.لقد كانت الباحة واسعة وكبيرة.وقسم الضريح الداخلي الى قسمين.ضم على اليمين ضريح الشيخ.أما القسم الأخر فاستعمل للصلاة
البوابة الثالثة
وسط الزحام الشديد اندفعت عبر سوق الشورجة مقتربا من سوق العربي، ثم اتجهت يسارا لأجد بابا صغيراً جلست قربه شحاذتان.كانت اللافتة تبين انه ضريح السفير الثالث الشيخ حسين النوبختي. الباحة الداخلية عالية برغم ضيق المكان بالمصلين الذين تجمعوا لاداء صلاة الظهر . كانت القبة العالية جميلة تدور على حلقة دائرية من النوافذ . اما سطحها الداخلي الأبيض فدارت على محيطه نوافذ جميلة تضاهي جمالية هندسة البناء الملون بلون ازرق الى اليسار . طرزت ورود صناعية مختلفة الألوان أعلى الصندوق المعدني والذي وضع القبر فيه نقرأعلى لوحة التعريف الشيخ حسين النوبختي انه تسلم النيابة بعد ألخلاني حتى وفاته في عام 326 هجرية وكانت مدة سفارته 21 عاما.
معاناة أخرى
قال أبو طيبة ،35 عاما المسؤول عن الجامع "ان الزوار الى الجامع اليوم هم أكثر بعد سقوط النظام السابق . كما يزور الضريح مواطنون من دول مختلفة.ولقد جرى في الخمسينيات على المرقد والجامع تطوير في البناء من قبل بعض التجار.ونعاني من شحة الماء وعدم وجود مغاسل عديدة تكفي المصلين.وقد تم تحويل المياه الثقيلة من المجاري القديمة الى الجديدة والتي كانت تعاني من الانكسارات الكثيرة. إننا نقوم بشراء حاويات ماء لتأمين الماء للمصلين.فنشتري حاوية الماء كل ثلاثة أيام بسعر 25 -30 ألفا.كما ان هنالك وحدة للإطفاء تساعدنا أحيانا بتوفير بعض المياه.
كما ان الكهرباء هنا مشكلة أيضا،ونحن نتمنى لو حظينا بخط للجامع فقط نتمكن من خلاله من قراءة القران.ونحن لا نفضل استعمال المولدة لأنها تصدر صوتا عاليا بسبب الضيق. والجامع يحتوي على سرداب قد نستغله ليكون مكتبة جيدة.
جامع من دون منارة
قال احد المصلين"لم يكن الجامع بهذه المساحة ولقد تم توسيعه مع مرور الوقت.في زمن النظام السابق كان يؤتى أحيانا بإمام جماعة ولكنه ضابط امن او مقدم في المخابرات. فكانت الناس لا تتفاعل معه كثيرا .وقد يغلق الجامع بعد تأزم الأوضاع في البلد مثلما حدث مع جامع ألخلاني.كما انه لم يكن يجوز لنا ان نعمل عزاء في عاشوراء .وقد عانى الجامع من تجاوز صاحب عمارة ملاصقة له ولهذا ظل من دون منارة.وعندما حاول احدهم ان يشتكي تعرض الى التهديد فقد كان صاحب العمارة (مسنودا).
توسيع الجامع
في الستينيات وقبل ان يوسعوا الجامع ذهب شخصان من اهل الخير الى النجف وتأكدا من موقع ضريح الحسين بن روح ولقد اشتروا المساحة المجاورة من بيت لامرأة يهودية قريبة من الجامع وقد عرضوا عليها ان يشتروا بيتها فارادت إن تعطيه هدية للجامع ولكنهم رفضوا ذلك.وأعطوها الثمن.. وقد روى البعض عن كرامات صاحب الضريح. قال انه مرة أثناء أعمال البناء سقط احد العمال من فوق القبة المرتفعة حوالي ثلاثين مترا عن باحة الجامع وظنوا انه مات ، ولكنه عندما وصل الى الارض نفض عن ثيابه.وقال احد المصلين"ان الجامع يستوعب يوميا من 300 الى ألف مصل.
البوابة الرابعة
اخذ بعض السحاب يغطي وجه الشمس ولكن نورها مازال قويا ،وبعد تجوال طويل لمعرفة مكان السفير الرابع ،دخلت في شارع البنك فأوقفني شرطة مدنيون هناك،وبعد التأكد من هويتي سمحوا لي بالذهاب ، بعد ان دلني بائع شاي كان يقف قربهم الى وجهتي الاخيرة .دلفت بجانب شارع يقترب من شاطئ دجلة ثم اتجهت يمينا ودخلت سوقا لبيع الأقمشة وفي ممر مغلق من المحال وصلت الى لافتة موضوعة هناك لتعرف عن ضريح السفير علي بن محمد السمري. تتوسط القبر غرفة داخلية وقد وضع عليه قماش اخضر. ويمكن للزائر ان يرى فضاء المكان الصغير عبر نافذتين صغيرتين .في الخارج وضع احدهم شمعة لا تزال تشتعل.
إهمال قديم
قال التاجر صادق الخفاجي، 40 عاما، محله ملاصق الى الضريح"تم تشييد هذا السوق في عام 1991.لقد كانت الغرفة الموجود بها القبر مهملة بشدة، وجدرانها سوداً من التراب الذي تكدس عليه،كثير من الناس لم تكن تعلم من صاحبها،ولم تكن هناك علامة تدل عليه.وكان بعض الأشخاص يبيع حلويات امامها .كان خالي الحاج سوادي يقول لي ان علي ان اهتم بهذا المكان لأنه ضريح السفير الرابع. وفي احدى المرات فكرت ان اذهب الى مدير العتبات الدينية آنذاك واسمه ناصر الناصري ولكني لم احصل على موافقة بترميم الضريح وقد تحجج بعدم وجود الإمكانيات لذلك! ثم قمت برفع مذكرة أخرى الا أن المدير في هذه المرة قال لي "اذهب لا أريد ان أرى وجهك ثانية"
في التسعينيات جاء رجل من الحوزة وتأكد عمليا من وجود القبر وصاحبه بعد ان نزل الى الأرضية في عام 1997 وقد حصل على موافقة وزارة الأوقاف ولكن بعد فترة جاء احدهم ليقول له ان عليه ان يتوقف. لان بعض الصحف أخذت تتحدث عن هذا العمل. فترك سيد معاذ عمله وهاجر فقد كانت عليه مضايقات من قبل نظام الطاغية.قمنا بالاعتناء بالمكان انا وقسم من التجار حتى اصبح على هذا الشكل. ان مديرية الأوقاف الشيعية لم تقم بأي نشاط يخدم هذا المكان.
لمحة تاريخية
يروي كتاب فلك النجاة للحجة السيد القزويني ..ان محمد بن علي ألسمري كان سفيرا لمدة ثلاث سنوات كاملة حتى وفاته في عام 329 .ومرقده لا يزال شامخا جنب جامع كبير معروف باسم جامع القبلانية قرب المدرسة المستنصرية وهو اليوم عامر وعليه قبة!! .وفي كتاب نزهة الحرمين للباحث السيد حسن الصدر... ان قبر علي بن محمد ألسمري ببغداد في سوق الهرج في حجرة من مسجد له شباك في السوق المذكور على يسار الداخل الى السوق وقال الشيخ محمد حرز وقفت على قبره عام 1967 وكان على المرقد صندوق خشبي فوقه ستارة تظله قبة شامخة ومنارة المسجد.كما يشاهد قبره من السوق من شبابيك ثلاثة.وله كتيبة نقشت بالقاشان الأزرق كتب عليها اسمه ولقبه. وزاره احد السادة فقال"زرنا مرقد ألسمري في سوق السراي وشاهدنا الحرم والباحة التي فيها ,المسجد كلها هدمت وشيد عليها سوق عصري. فلم يبق الا المئذنة!!.
نبوءات الشمس
قام ألسمري بإعمال النيابة بعد وفاة الشيخ حسين بن روح النوبختي.ومن أخباره الغيبية التي اخبر بها لجمع من أصحابه ومشايخ بغداد.أخباره بوفاة العلامة ألقمي في الساعة واليوم والشهر!! فما مضى سبعة عشر يوما حتى ورد الخبر من إيران بوفاته بالضبط كما حدد ألسمري.كما انه اخبر الناس بأنه سيموت بعد ستة أيام!! "يا علي بن محمد ألسمري،انك ميت ما بينك وبين ستة أيام،فاجمع أمرك ولا توص الى احد فيقوم مقامك.........
تركت المكان وانا أتأمل في كلمات ...يومها ستعطي السماء قطرها والشجرة ثمرها والأرض نباتها وتزين لأهلها وتأمن الوحوش حتى ترتعي في طرق الارض كالانعام وتذهب الشحناء بين قلوب العباد.... كم هي جميلة هذه الكلمات!


ملف غرامة الحرب الايرانية-العراقية

صافي الياسري

safialyassry@yahoo.com

ان الحرية تتطلب التقوى والشجاعة
الشاعر اليوناني اندرناس كالووس

اتابع باهتمام ما يكتب وينشر في الصحف الايرانية ومواقع الانترنت حول الوضع في العراق، فبعض ما يكتب يعكس الموقف الرسمي للحكومة الايرانية او انه صدى هذا الموقف، على خلفية اتهام هذه الحكومة من جهات عديدة بالتدخل في شؤون العراق.
وعلى سبيل المثال اورد مقتطفات من مقال نشره موقع بازتاب (الحكومي) على الانترنت يتعلق باثارة ملف غرامة الحرب الايرانية- العراقية التي يجب على العراقيين دفعها لايران، وارجو ان يؤخذ بعين الاعتبار توقيت نشر هذا المقال (6تشرين الاول) أي قبل ايام قلائل من الاستفتاء على الدستور. والظرف العراقي الصعب الذي يفترض في الجار مديد العون لجاره لاجتياز المحنة، يقول كاتب المقال
حسن طاهري- (يرى الخبراء ان الخسائر الناجمة عن الحرب العراقية- الايرانية التي تعد اطول حرب تقليدية في القرن العشرين، قدرت باكثر من الف مليار دولار!!
وحسب الدراسات الاولية فان ايران وطوال ثماني سنوات من الحرب خسرت في الارواح مليون شهيد وجريح ومصاب جسدياً وكيمياوياً وان غرامة هذه العوائل تصل الى اكثر من الف مليار دولار، وان هذه الخسارة لا تشمل الخسائر التي لحقت مرات عيدة بالاف دور السكن والمدارس والمعامل والدوائر والمطارات والمؤسسات والمراكز الاقتصادية والسياسية المهمة كما تعرضت الهيكلية الرئيسة للتصنيع العسكري الدفاعي للبلاد لخسائر جدية نتيجة هذه الحملات وهي بحاجة الى اعادة الهيكلية والاعمار، ان مجمل هذه الخسائر والاضرار وبتقديرات منصفة يبلغ اكثر من الف مليار دولار، غير ان الهيئات الدولية حددت حتى الان غرامة قدرها الف مليار دولار تدفع للطرف الايراني!)
ويتساءل الكاتب- متى يدفع العراق هذه الغرامة؟ ثم يقترح (لانتزاعها) اولاً
احتكار طويل الاجل لاستثمار ايران للاحتياطيات النفطية العراقية والمعادن غير النفطية وهو يقدر احتياطي النفط العراقي بـ 200 مليار برميل ويضيف اليه مئات المناجم ذات القيمة العالية.
وثانيا- ادارة العتبات المقدسة لارسال الزوار وكسب الفوائد المادية.
والاقتراحات كما نرى بوضوح فيها مساس بسيادة العراق وحقه في التصرف بثرواته الوطنية كما في المقترح الاول ولا يمكن لملف الغرامة ان يبرر هذا المساس او او يبيحه ومن المستحيل ان يسمح العراقيون بوضع ثرواتهم الوطنية في ايد اجنبية تحت أي مبرر او ذريعة، وكان على كاتب المقال ان يفكر في هذا قبل ان يدونه مقترحاً، ولكن يبدوان الامر مقصود ومتعمد ويفتقر الى حسن النية في ادنى توصيف له.
اما المقترح الثاني وهو ادارة العتبات المقدسة فهو يجدد ويؤكد في نفوسنا نحن العراقيين شكلنا القديم في نوايا طهران بشأن الحاق العتبات المقدسة في العراق بالمؤسسة الدينية في ايران، وكذلك بالنظام الحاكم هناك، وهذا مساس اخر بسيادة العراق وكرامته وهيمنته الوطنية على مؤسساته وموروثاته الدينية والتاريخية، ومحاولة مكشوفة لتشريع التدخل في الشأن العراقي، كما ان له مرامي اخرى لا يفوت القارئ اللبيب ادراكها، حين يقرأ مقترحاً كهذا بكف اليد العراقية عن ادارة عتباتها المقدسة ووضع اليد الايرانية مكانها.
ان ثمة اعرافاً وتقاليد دولية توافق العالم المتحضر على احترامها في التعامل بين الدول، حتى تلك التي خاضت فيما بينها حروباً تتصل اتصالاً وثيقاً بروح حضارة شعوب تلك الدول ومصالحها فلا تتعسف في استحصال حقوقها اذا ما افترضنا ان لها حقوقاً الى الحد الذي تستخف به بكرامة وسيادة البلد الخصم.
ونحن العراقيين تربطنا علاقات تاريخية وطيدة بالشعب الايراني قامت على مشتركات كثيرة، واذا كانت الانظمة السياسية التي حكمت البلدين قد جرت شعبيهما الى حرب طاحنة فان بلاء هذه الحرب ومصائبها لم يقتصر على ايران وحدها، فهل يمكن نسيان الدمار والخراب الذي لحق بالعراق واهله ايضاً؟ كما ان هذه الحرب ذاتها على وفق رأي المحلل المنصف، هي التي جرت العراق بالنتيجة الى الوضع المأساوي الذي يعيشه اليوم تحت مطرقتي الاحتلال والارهاب. ونقولها بكل صدق واخلاص، ان العراقيين ما كانوا يريدون حرباً على الجارة ايران، وانها ليست حربهم، وعلى هذا فهم لا يتحملون مسؤوليتها، كما انهم لم يرغبوا في اطالتها كل تلك السنوات التي اكلت الاخضر واليابس، والايرانيون يعرفون قبل غيرهم من يتحمل مسؤولية اطالة تلك الحرب العبثية التي لم يكن للشعبين فيها ناقة ولا جمل.
ان تكرار فتح هذا الملف البائس في مناسبات بعينها او كلما اشتهى مزاج هذا الكاتب او ذاك او هذا المسؤول الحكومي او ذاك، امر يضر بالعلاقات العراقية الايرانية التي نود ان تأخذ منحى اخر يؤكد على المشتركات الكثيرة التي تربط بين الشعبين الجارين، ولن ينسى العراقيون اليد التي تمتد لتصافحهم او تكف عنهم اذاها على الاقل في وقت الشدة.
نحن على بينة من تعداد مراكز القرار في هيكل النظام الحاكم في ايران، وان اثارة هذا الملف وطرح مثل هذه المقترحات الاستفزازية قد لا يمثل تياراً واسعاً في الاوساط الحاكمة هناك، لكنه على أي مأخذ اخذناه، يمثل نسفاً لجسر من جسور الربط بين الشعبين وفك آصرة من أواصر العلاقات القائمة على حسن الجوار وحسن النية، الامر الذي يستدعي استدراكاً واعياً من الجهات الايرانية الحكومية والشعبية الحريصة على تطبيع العلاقات بين الشعبين وبنائها على اسس سليمة ومتينة، وتجنب (الخطايا) التي لا يمكن عدها اغلاطاً او هفوات، فالمساس بسيادة بلد او التجاوز على حقوقه او التعرض لثوابته الوطنية ليس من الاغلاط او الهفوات او (الممكنات) التي يمكن التعامل معها باستخفاف وشيء من التسامح، فهي من (الخطايا) التي لا يمكن غفرانها.
نعترف اننا لا نريد فتح جبهة من أي نوع مع الجارة ايران، فليس من مصلحتنا ولا من مصلحة الشعب الايراني العودة الى حفر الخنادق من جديد، لكننا نرى في محاولات الاستفزاز التي وردت في مقترحات موقع بازتاب (الحكومي) على الانترنت سعياً الى جرنا الى تلك الخنادق- حتى لو كان ذلك اعلامياً وحسب.
وندعو بإخلاص الى وضع الحكمة موضعها قبل التوجه الى اثارة مواضيع لا يتفق الحديث عنها وزمنه وظرفه، واحتساب ردة فعل الكلمة قبل كتابتها او قولها، يقول احد الحكماء (ما زالت الكلمة ملكي ما لم اقلها، فاذا قلتها ملكتني) ونحن لا نريد لجيرننا ان تملكهم كلمة ربما ندموا لانهم قالوها او كتبوها.


واقع التخطيط الحضري لمدينة السماوة : ما الأسباب التي أدت الى عدم توسع مدينة السماوة والارتفاع الجنوني لأسعار الاراضي ؟

عدنان سمير دهيرب

لم تكن مدينة السماوة وحتى وقت قريب غير قصبة صغيرة تغفو على ضفتي الفرات. بيوتها متراصة وازقتها ضيقة يجمع اهلها الحب والطيبة والعفوية. حتى يشعر المرء ان الجميع عائلة واحدة ولم يطلها التطور والنهوض والتغيير من قبل الحكومات التي توالت على حكم العراق. واذا ما حدث ثمة تغيير فانه لا يستحق الاشارة اليه. والحال ان شوارعها التجارية والتحديث العمراني الذي طرأ عليها عن حاجة الناس الى التجمع والعمل والتنوع على اساس المهنة التي يسترزق عليها المواطن.
فكان السوق الرئيس الذي يقسم الصوب الكبير والاهم في بداية القرن الماضي الى منطقتي الشرقي والغربي. اللتين اصبحتا فيما بعد نواة لانشطارالعوائل وبناء الاحياء الجديدة وفتح الشوارع وتحديث المدينة وفق مخططات عمرانية بسيطة وهي بداية لتشكيل المدينة وتصميمها الحديث الذي يؤشر وجود التغيير. رئيس المهندسين يحيى جواد مدير التخطيط العمراني في محافظة المثنى اوضح للمدى المتغيرات التي حصلت في السماوة والتي بدأت في عام 1962 حيث تم اعداد اول مخطط اساس لها يوم كانت (قصبة) ثم جرت عليها عدة تحديثات كان آخرها التصميم الاساس للمدينة عام 1993 حيث اصبحت المساحة الكلية للتصميم اكثر من 5 كم2 أي اكثر من مساحة تصميم عام 1962بـ 30 مرة مما يدل على حجم التوسع الحاصل بسبب النمو السكاني وهجرة المواطنين من الريف الى المدينة اضافة الى التطور الحاصل في كافة المجالات الصناعية والزراعية والتجارية اضافة الى الحروب التي مرت على هذا البلد وما تبعها من قرارات لاسكان اهالي الضحايا مما تطلب الامر ضم مساحات واسعة من الاراضي الفارغة الى داخل حدود التصميم الاساس لمدينة السماوة.
واضاف بعد الاطلاع ودراسة التصميم الاساس للمدينة وجدنا المساحات المخصصة لكل الفعاليات هي كآلاتي:
1- المساحات المخصصة للسكن المفرز والمفتوح بنوعيه الافقي العمودي بحدود 20 كم2 وهذا يشكل نسبة 35% من اجمالي مساحة المخطط الاساس للمدينة.
2- المساحات المخصصة للمباني والخدمات العامة بلغت بحدود 1.4 كم2 وتمثل نسبة 1.8% من اجمالي مساحة المخطط الاساس لمدينة السماوة.
3- بلغت المساحات المخصصة للمراكز القطاعية 7.4 كم2 وتشمل المساحات المخصصة للاستعمال المستقبلي وحسب حاجة المدينة من مشاريع طارئة او اية ابنية خدمية اخرى وتشكل هذه المساحات نسبة 13% من اجمالي مساحة التصميم الاساس.
4- بلغت المساحات المخصصة للمنطقة التعليمية 2.24 كم2 وشكلت 4% من اجمالي مساحة المخطط الاساس للمدينة علماً بان هذا الموقع خصص لاغراض الدراسات الجامعية.
5- بلغت المساحات المخصصة للبساتين15.6كم2 أي نسبة 27.8% من اجمالي مساحة المخطط الاساس.
6- المساحات المخصصة للمناطق الصناعية والتخزين 4.9 كم2 وتشكل نسبة 7% من اجمالي مساحة المخطط الاساس. فيما بلغت المساحات المخصصة للمناطق الترفيهية والمناطق الخضر والمناطق المخصصة للمتنزهات 2.9 كم2 وتشكل نسبة 4% اضافة الى المساحات المقررة للجوانب الحية والتجارية والمساحات والمناطق المحجوزة للاستخدامات المستقبلية.
ونرى من خلال تحليل نسب التوزيع ان المناطق التي حجزت للبساتين شكلت التسلسل الثاني من الحصة الرئيسة في التصميم بعد الحصة المقررة من السكن بنوعيه العمودي والافقي والذي شكل الحصة الاولى من التصميم والسبب يعود الى ان السماوة من المدن التي تهتم بزراعة النخيل اضافة الى مرور نهر الفرات في وسطها ويقسمها الى قسمين هما الصوب الكبير والصوب الصغير. غير ان المدينة مازالت تعيقها المشاكل في التوسع وظلت محصورة. ولم يكن هناك استحداث لاحياء سكنية جديدة مما انعكس على ارتفاع جنوني لاسعار الاراضي. لماذا؟
- نعم ان المدينة وخلال السنوات القريبة لم يحدث فيها توسع وذلك يعود الى وجود معمل سمنت الجنوب الذي يقع على مسافة لا تزيد على كيلو متر واحد عن مركز المدينة ومشيد منذ زمن طويل يقارب الخمسين تماماً. ووجوده يؤثر في حياة الساكنين من الاهالي جراء الغازات والاتربة التي ادت الى اصابة العديد من المواطنين بمرض الربو وهلاك الاراضي الزراعية القريبة منه. ويشغل المعمل نحو مساحة 300 دونم وهذه المساحة كبيرة جداً مقارنة بالمساحات الفارغة داخل مدينة السماوة. وبالامكان نقل هذا المعمل خارج حدود البلدية بمسافة لاتقل عن 10 كم حسب الشروط البيئية لان هذا المعمل ملوث للبيئة من الصنف الاول كما ان هناك اراضي كبيرة وواسعة مجاورة للمعمل لا يمكن الاستفادة منها في الوقت الحالي لكونها تقع ضمن محرمات المعمل. وهذه تشكل خسارة للمدينة لأغراض التوسع العمراني.
اضافة الى وجود خطوط المنتجات النفطية التي تمر داخل المدينة وقريبة من المناطق السكنية بموجب محرمات سابقة لا تتجاوز 25 كم من كل جانب. مما يشكل خطورة اذا تعرضت الى حادث معين. كما ان هذه الانابيب من خلال محرماتها تشكل عزلا في الترابط النسيجي بين الاحياء السكنية القريبة.
والسبب الاخر يعود الى التجاوزات وهي التجمعات السكانية التي انشئت في غياب التخطيط العمراني متجاوزة على املاك الدولة ومشيدة من دون الحصول على موافقات رسمية. فضلاً عن ضعف وعدم قدرة الاجهزة الحكومية في تطبيق القوانين. وهناك ثلاثة انواع من النمو العشوائي وهي:
- نمو شريطي على الاراضي الزراعية.
- نمو مبعثر على الاراضي الزراعية.
- نمو على شكل تجمعات سكنية داخل حدود التصاميم.
وهذه الحالات ادت الى ظهور مشاكل اخرى تمثلت بقلة الخدمات الضرورية. والشوارع الضيقة وغير النظامية ومساحات البناء العشوائية وبمقاييس مختلفة.
* وما رد فعل الجهات الرسمية المختصة بشأن هذه التصرفات التي تؤثر في جمالية المدينة والمخالفة للتعليمات والقوانين؟
- عدم الاعتراف بتلك المناطق مما اثر سلباً على ضعف الخدمات وانعدامها في الاغلب. وهدم بعض المناطق وخاصة ضمن حدود المدن مما يسبب خلق مشاكل كثيرة منها عدم توفر السكن لهذه العوائل وخلق فئة من الناس بسلوكية تصبح عالة في المجتمع من خلال تصرفاتها.
* وما المعالجات للقضاء على هذه الظواهر؟
- اجراء المسح الميداني لمناطق التجاوزات لغرض حصرها وجرد ساكنيها والقيام بوضع استمارة تتضمن كافة المعلومات الخاصة بالساكنين ولكل الفئات العمرية ودرج احتياجاتهم ووضع تصاميم ومخططات نموذجية لاستيعاب جميع الفعاليات وحاجة المنطقة. وتعديل استقامات الشوارع وتعريض البعض منها لتسهيل ايصال الخدمات الضرورية للمنطقة. فضلاً عن ضم بعض الاراضي الفارغة المحيطة بالمنطقة التي بالامكان الاستفادة منها في تخصيص مواقع للابنية الخدمية.
* تعاني مدينة السماوة من ضيق في شوارعها وخاصة الرئيسة والشريانية التي تحيط بها. ما اسبابها وما كيفية معالجتها؟
- ان سبب ذلك يعود الى مصالح بعض ضعيفي النفوس من خلال تاثيرهم في السلطة باستخدام الرشاوي وممارسة المحسوبية حيث تم تنفيذ شوارع وضعها المصمم بعرض 40م بينما نفذت بعرض 20م كما هو الحال بما يسمى بشارع باتا الواقع في قلب مدينة السماوة وتم تقليص شارع الجسر في المدينة الى 30 م وهو شارع رئيس يربط المدينة بمدخليها من جهتي بغداد والبصرة وهذه العوامل ادت الى حدوث اختناقات مرورية حادة داخل المدينة وضاعف الامر سوءاً ازدياد وحجم المرور في المدينة فهل يعقل ان يحصل في التقاطع الواحد ان تكون الشوارع المتقاطعة بعرض 30م يتقاطع مع شارع عرض 40م وشارع بعرض 60 م يتقاطع مع شارع بعرض 30 م مما يجعل عدم تجانس في التصميم وعرقلة في انسيابية المرور. ونرى من الضروري اجراء المسح الميداني لجميع التقاطعات واحتساب حجم المرور للمركبات الداخلة والخارجة من التقاطع ومسح جميع الشوارع في المدينة ووضع خطة متكاملة لصيانتها وتحسينها بما يتلاءم وتحسين المرور فيها. والبحث عن شوارع غير منفذة ووضع خطة لتنفيذ الشوارع التي تعتبر رئيسة لاستيعاب حركة المرور. فضلاً عن تنفيذ الجسور المهمة والرئيسة الموجودة في التصميم الاساس للمدينة لما لها من دور رئيس في تحسين ومعالجة الاختناقات المرورية. وتحديد المواقع المخصصة لمواقف السيارات في المدينة ووضع الدراسات التصميمية لها بما ينسجم واتجاهات السير في المدينة.
واكد انه من الضروري وضع خطة متكاملة لنقل علاوي بيع الفواكه والخضر التي تقع حاليا في وسط المدينة والتي لها الاثر بإعاقة حركة المرور من خلال تجمع السيارات امامها. ودراسة تقييم الجزرات الوسطية للشوارع وامكانية تقليص
البعض منها.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة