استراحة المدى

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

مهنة المتاعب تحقيــق صحفــــي ينتهي بتسليب كاتبـــه

بغداد/كاظم غيلان

تصوير/سمير هادي

آمنت جداً ومنذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، بداية عملي الصحفي ، بأن الصحافة هي مهنة البحث عن المتاعب، والى اليوم أتذكر أول تحقيق صحفي نشرته في صحيفة الراصد الأسبوعية يوم كنت مراسلاً لها في ميسان وكيف وبخني بل وشتمني مدير تربية المحافظة وقتذاك لأن التحقيق كان يخص اهمالاً لحق بواحدة من المدارس الثانوية القديمة في المدينة. وخيرني بين أن أكون طالباً يهتم بمواصلة دراسته أو الانصراف لـ(الخربطات الصحفية) _على حد تعبيره_كانت تلك أول فاتحة خير ـ!

تذكرت تلك الحادثة بسبب ما حصل لي الأسبوع الماضي، حيث ارتكنت في مقهى صغير على مقربة من الشارع الذي تقع فيه بناية وزارة الدفاع (القديمة) وما تحمله هذه الوزارة من تاريخ زاخر بالمفارقات والانقلابات، وتذكرت جيدا كيف تتوقف حركة المركبات والمشاة أثناء رفع العلم الذي يرافقه صوت (البوق) وتعمقت جيداً في القداسة المزروعة بأرواحنا للعلم العراقي الذي يستحق مثل هكذا طقوس تليق به، وتوالت المشاهد تترى في ذاكرتي واقترحت مع نفسي استعادة مثل هكذا طقوس تعيد ترتيب الحس المرهف بالوطنية الحقة التي تعنيها رفعة العلم، ولا اعتقد ان ذلك يعيق مسيرة بناء العراق الجديد، ورحت أحث الخطى متأملاً بوابة الوزارة متذكراً المدفع الذي كان يتصدرها رمزاً لهيبتها. وقلت مع نفسي إن قرار حل الجيش العراقي لا يمنع من اعادة تشكيل الجيش الجديد المتخلص من تقاليد الطاعة العمياء وانضباطيات (الجيش العقائدي)، وفكرت جداً بان التقي في صباح اليوم التالي برجال من سكنة المنطقة المجاورة لهذه الوزارة ليستعيدوا معي ذكرياتهم حتى يكتمل التحقيق الصحفي الذي قفزت فكرته لذهني دفعة واحدة، وما أن أقتربت من الزقاق الذي يؤدي لغرفتي البائسة التي تمكنني من افراغ ما اختمر بذاكرتي على أوراقي المتناثرة (وهنا حصلت المفاجأة) فأجابني صبي وديع الملامح تبدو عليه علامات العوز والحاجة طالباً مني مبلغاً يمكنه من تناول وجبة عشاء وسألته كم المبلغ الذي يحتاجه وأجابني بكل (براءة): 250 ديناراً سعر (لفة الفلافل) فمددت يدي الى جيب قميصي وقلت له سأعطيك ضعف ما أردت لتتناول (لفتي فلافل)، في هذه الاثناء شهر هذا الصبي اللعين سكيناً حادة وضعها على رقبتي وأمرني بعدم إبداء أية مقاومة حتى ينتهي من تفتيشي! وأخذ يفتش ما في جيوبي حتى استخرج خمسة آلاف دينار وضعتها في جيب بنطالي الخلفي ثم (شتمني) وانصرف مسرعاً بين أزقة الميدان الموحلة، وبقدر ما أرعبني تصرفه إلا انني حسدت نفسي جداً لان حركة مقاومة واحدة لو كانت قد بدرت مني لغرز سكينة في (لوزتي) وانهى حياتي، وحمدت الله الذي كتب لي السلامة فضلاً عن سلامة الحقيبة الصغيرة التي لا تضم سوى بضعة موضوعات لم تزل كمسودات أولى استعد لنشرها. استلقيت على سريري وأخذت ذكريات هذا الزقاق تزدحم في ذاكرتي، فقبل أكثر من عام تعرض صديقي عبد اللطيف الراشد الذي يراهن دائماً على (الأمان والاستقرار) الى حادث تسليب مروع حيث انهالت عليه ثلة من شذاذ الآفاق افرغوا ما في جيبه وحتى الحقيبة التي يحمل فيها قصائده ونسخة من مجموعته الشعرية (نزق) التي طبعت على طريقة الاستنساخ بعد ان جمعها وقدم لها وتبناها على نفقته الخاصة الصديق الروائي المبدع ـ علي بدر ـ!
وكل من يراقب مشهد هذه المنطقة التي تشهد انتشاراً واسعاً للحرس الوطني والمدرعات الاميركية التي تجوب المنطقة يشعر بأنه في أكثر مناطق بغداد العاصمة أمناً واستقراراً.
استيقظت عند صباح اليوم التالي، ولعنت اللحظة التي دعتني لكتابة تحقيق كهذا يؤدي بي إلى (التسليب) بعد ان كاد يودي بحياتي فداءً لرفعة العلم!! ومن سيدري انني كنت أفكر بكتابة تحقيق صحفي!!؟
وهكذا أدرت وجهي وأسرعت بخطاي كأي هارب من قصف عشوائي مكثف تطلقه مدافع اللصوص الذين يتربصون بنا! وتوجهت على الفور لصديقي ـ وجيه عباس ـ لينشر لي شكواي التي ظهرت على واحدة من صفحات (الصباح)! أقول هل حقاً ان بغداد أصبحت على هذا الحال؟ وقبل أن اعثر على الإجابة أطلعت على خبر سرقة تمثال ـ أبو جعفر المنصور ـ باني بغداد، ولو كان هارون الرشيد على قيد الحياة لتعرض هو الآخر لعملية تسليب من قبل عصابة تنشد بوجهه: بغداد يا قلعة الأسود!!
والآن.. هل سيتذكر معي الصديق الشاعر خليل الاسدي ليلة صادفني على مقربة من مطعم صغير في تقاطع الميدان وأنا اقوم بتأدية التحية باتجاه بناية وزارة الدفاع وحين سألني مستغرباً ما أقوم به.. أجبته: من هنا يا خليل كان يمر موكب الزعيم عبد الكريم قاسم وأنا الآن أؤدي التحية العسكرية له، سخر الاسدي ودعاني لان انصرف لنومي.. كان ذلك في شتاء العام 2001 .. الآن دعني أعتذر منك يا خليل وأحيي سخريتك الجميلة من عقلي الذي لا أعرف لماذا يجرفه الحنين إلى (ماضٍ تولى)!


لغة التسامح حسب!

مها عادل العزي
التسامح لغة يعرفها المتسامحون فقط، اما المتعصبون ذوو النفوس المتشنجة فلهم شأن آخر، ان ما نمر به من ظرف صعب يحتم علينا ان نتروى ونقف ازاء كل ما يحدث، فكل ما يتوالى من امور يدعونا الى ان نفكر في التسامح.. التسامح الشامل بمعناه الديني والاجتماعي والفكري، فقليل من التسامح يعني البساطة والشفافية في تناول الامور وعدم الاجبار على وضعها في المحك، وبالتالي قد يؤدي هذا الى الخسارة، فالحياة ليست معركة ينهش فيها القوي الضعيف، والا كانت غابة اولى بالوحوش الضارية ان تسكنها، واولى بالباحثين عن الجمال والحب ان يغادروها الى اماكن بعيدة من صنع خيالهم.
تبدو فكرة التسامح بسيطة في حضورها، الا ان عدم تحققها يؤدي الى كوارث من الصعب تلافيها او الوقوف على مدى خطورتها، وهذا واقع لمسته شعوب كثيرة خاضت تجارب مرة ودخلت في آتون معارك طحنت انسانيتها، وبقيت لغة الدم وسيلة للحوار والتفاهم حسب.
ليس خافيا على احد صعوبة الظرف الذي نعيشه ولو اننا في عرض سينمائي لاستغربنا ما مر بنا من احداث وكيفية تحملنا إياها ولاشفقنا على انفسنا من هول الاعصار الذي لف كل شيء، في الوقت الذي نجد انفسنا مشحونين بعشرات الافكار التي تجذبنا رغما عنا الى زوايا معتمة لا سبيل الى تجاهلها تلوح فكرة التسامح كضوء من الممكن الوصول اليه، ما يجب معرفته ان الكل يخطئ،الكل يذنب لكننا في النهاية نحتاج الى التسامح.. التسامح ليس كفكرة هائمة مجردة عن التطبيق وانما كفعل واقعي يحط على الارض الصعبة.. فعل نتلمس ثماره في ما يواجهنا من مشاكل نغرق في تفاصيلها، ربما كان الحل السحري لها هو التسامح الذكي، فهو يقابل في قوته الشدة ويؤتي من الثمار ما يفوق ساحة معركة، ولنا ان نذكر هنا بعد هذه السطور ما نصه ميثاق الامم المتحدة في ديباجته المتفقة عن التسامح (لقد آلينا على انفسنا ان ننقذ الاجيال المقبلة من ويلات الحروب.. وان نؤكد من جديد ايماننا بالحقوق الاساسية للانسان وكرامة الفرد وقدره، وفي سبيل هذه الغايات اعتزمنا ان نأخذ انفسنا بالتسامح وان نعيش معا في سلام وحسن جوار.


وزارة الاحلام

آمنة عبد العزيز

في زمن النظام المباد كانت بعض الاحلام (جريمة)!! نعم جريمة قد تأخذك الى حبل المشنقة وانت متلبس (بالحلم) المشهود؟
حكى شاهد عيان في احد سجون النظام السابق ان مدة الحكم التي يقضيها هي عشرون عاما بتهمة وجوده في بيت صديق له من حزب (....) لكنة كان محظوظا كما قال عكس ذلك الشخص الذي حوكم امامه في المحكمة بتهمة (قتل الطاغية) اثناء المنام!
وهذا الاخير كان قد افضى امام زملائه في العمل ان ليلة امس رأى في المنام انه قتل الطاغية! احد الموجودين نقل ما قاله الرجل بكتابة تقرير (مرتب) ذهب بالرجل الى الاخرة بتهمة (الحلم).
وانا في عز النوم حلمت اني أترأس وزارة!.. ولدي حماية من كل صنف ولون اكثرهم من عائلتي، أخي وابن عمي وخالي الى آخر العشيرة.
وفي المنام وجدت نفسي محاطة بمسؤوليات كثيرة، اجتماعات، مؤتمرات، وسفرات، وتوقيع عقود لكن الذي ازعجني (كاد يفيقني من حلمي) ان بعض المشاريع لم تكن تبدأ حتى تتوقف وثمة مبالغ كبيرة توظف في مشاريع صغيرة. والشوارع التي كنت اتجول فيها تعاني ما تعاني من الحفر الصغيرة التي امرت بردمها وترقيعها.
اصبحت النفايات والانقاض في كل مكان تلالا وتلالا. اعطيت اوامري برفعها وصيانة الحدائق العامة، لكن بعد ايام وجدت الحال عاد اسوأ مما كان.
تأففت وقلت لمساعدي: ماذا افعل مع كل هذه التراكمات والمسؤوليات، لماذا سرقت اسيجة الخطوط السريعة حتى اصبحت مفتوحة على الجانبين؟ وسكراب السيارات المفخخة وتجميعها تحت الخطوط السريعة لماذا؟ وأنا في احد الاجتماعات لوزارتي التي لم أتبينها في منامي. انفعلت وقلت لمن حولي: لماذا هذا التقاعس في الاداء؟ لماذا لا تنجز الاعمال بصورة صحيحة؟
وانا جالسة على كرسي الوزارة المتحرك ادور به يمينا وشمالا سقطت بقوة واستفقت من حلمي الوزاري لأجد نفسي من عامة الشعب (والحمد لله).


تماثيل وانصاب .. ابو جعفر المنصور

بغداد/علي ياسين

لم يكن بناء العاصمة بغداد، ارتجالياً بل كان قرار بنائها بعد مشاورات طويلة واستشارات هندسية وفنية، ويقال ان المنصور استشار احد دهاقنة بغداد قبل الشروع في البناء، فاجابه بالقول: (الذي اراه يا امير المؤمنين ان تنزل في بغداد فانك تصير بين اربعة طساسيج: طسوجان في الجانب الغربي وطسوجان في الجانب الشرقي فان تأخرت طسوج منهما كان الاخر عامراً، وانت يا امير المؤمنين على الصراة، ودجلة تجيئك بالميرة من ارض الروم والفرات من الشام والجزيرة و مصر وتحمل اليك طرائف الهند والسند والصين والبصرة وواسط في دجلة وتجيئك ميرة ارمينية واذربيجان وما يتصل بها في تامرا وتجيئك ميرة الموصل وديار بكر وربيعة وانت بين انهارها لا يصل اليك عدوك الا على جسر او قنطرة، فاذا قطعت الجسر والقنطرة لم يصل اليك عدوك، وانت قريب من البر والبحر والجبل).
إذاً ووفق هذا التوصيف لبغداد، آنذاك الذي يشير بوضوح الى توفير عوامل مهمة، منها العامل الاقتصادي والجغرافي واللوجستي، كانت بغداد على موعد مع اللبنة الاولى لبنائها عام 145هـ، ومما قيل من طرائف القص في حكاية اختيارها ما جاء على لسان علي بن يقطين قائلاً: " كنت في عسكر ابي جعفر المنصور حين سار الى الصراة يلتمس موضعاً لبناء مدينته، قال: فنزل الدير الذي كان على الصراة في العتيقة، فمازال على دابته ذاهباً، جائياً، منفرداً عن الناس يفكر، قال: وكان في الدير راهب، عالم، فقال لي: لم يذهب الملك ويجيء ؟ قلت: انه يريد ان يبني مدينة، قال: فما اسمه؟ قلت: عبد الله بن محمد، قال: ابو من، قلت: ابو جعفر، قال: هل يلقب بشيء؟، قلت: المنصور، ليس هذا الذي يبينها، قلت: لم؟ قال: لاننا قد وجدنا في كتاب عندنا نتوارثه قرناً عن قرن، ان الذي يبني هذا المكان رجل يقال له مقلاص، قال: فركبت من وقتي حتى دخلت على المنصور ودنوت منه فقال لي: ما وراءك؟ قلت: خبر القيه الى امير المؤمنين واريحه من هذا العناء، فقال: قل، قلت: امير المؤمنين يعلم ان هؤلاء معهم علم، وقد اخبرني راهب هذا الدير بكذا وكذا، فلما ذكرت له (مقلاص) ضحك واستبشر ونزل عن دابته، فسجد واخذ سوطه واقبل يذرع به، فقلت في نفسي: لحقه اللجاج، ثم دعا المهندسين من وقته وامرهم بحط الرماد،
فقلت له: اظنك يا امير المؤمنين معاندة الراهب وتكذيبه، فقال: لا والله ولكني كنت ملقباً بمقلاص وما ظننت ان احداً عرف ذلك غيري، ان ابا جعفر المنصور وهو ثاني خلفاء بني العباس، كان قد شيد مدينة بغداد، الزوراء و دار السلام والروحاء، تذكرته المدينة بعد ان مرت عليها القرون والاحداث فأقامت له تمثالاً ابدعه النحات العراقي محمد غني حكمت عام 1968 بطول ستة امتار من الحجر، التمثال يجسد المنصور واقفاً وهو يعتمر عمامته، وتذكرت بغداد بانيها مرة ثانية، فاقام له الفنان الراحل خالد الرحال نصباً تذكاريا يمثل رأس المنصور عام 1976، انتصب على امتار قاعدته الستة في احدى ساحات المنصور.
نذكر هنا ان مسلحين قاموا يوم الثلاثاء الموافق 18/ 10/ 2005 بنسف نصب ابي جعفر المنصور ببغداد التي بناها عام 1972 وعلى الذين نسفوا النصب، وكذلك الجهات المعنية بشؤون تماثيل وانصاب المدن العراقية كافة ان يدركوا بان هذه الاعمال الفنية تشكل ارثاً ثقافيا وفنياً تعود ملكيته للعراق، وليس من حق أي تجمع او كيان او حزب سياسي ان يزيل مثل تلك الاثار الفنية من شوارع وساحات مدن العراق، مستثنين من ذلك تماثيل ونصب الطاغية وعهده التي شوهت كثيرا جمالية عمارة المدينة العراقية.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة