المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

قراءة في معجم عمارة الشعوب الإسلامية (2-2)

د.علي ثويني

المنهجية البحثية
ولا يفوتنا هنا فقه الأولويات:هل الأسبقية للمعلومة أم للغة؟، لاسيما عندما انتهجت تلك اللغة خطابا إنشائيا، حتى ولد لدى البعض سأم، وحددوا صلاحيتها في الأدبيات والحسيات. لقد سبق أن غطت تلك اللغة كل مناحي المعرفة يوم وطأت الحضارة ذروتها،وكتب بها حتى غير العرب من علماء دين وفلاسفة ورياضيين وفلكيين، ونأسف لانحسارها اليوم بعد عصور التخلف الأخيرة.وكانت قد استوعبت كل نتاج الثقافات في العالم، وأنضجت حركة ترجمة من لغات شتى اعتمدت على الوصول إلى صلب المعنى، يعجز عن وصول مترجمي اليوم إليه.
ونلمس تهميشا للغة وأصحابها يصل حد الإلغاء للضالعين بالعربية، وعادة ما يركنون الى الهوامش في السياسات التخطيطية والاجتماعية في البلدان العربية،ونأخذ مثلا سكان جنوب السودان الذين يعتبرون من يفقه العربية (أميا)، وفي الجزائر التي كانت رائدة في التعريب تراجعت اليوم لأسباب سياسية. أما في الخليج فقد أدخلت التجارة النشطة والتطور الاجتماعي السريع،حالة توفيقية خلاسية لها. ناهيك عن السياسات التي أتبعتها سلطات بعضها في إحلال الإنكليزية محل العربية في تعليم النشء. ولا نريد أن نذكر حال الصومال المأساوي التي(لتنت) لغتهم سياسيا على يد (زياد بري).
وقد ورثنا "للأسف" خطابا لغويا (وصيفا) للعمارة والفنون، مازال ضاربا أطنابه في شرح الظاهرة العمارية وتدوينها،بالرغم من الجهود التي بذلت لاسيما من المستشرقين في تطويرها الى الحالة (التحليلية)، بصرف النظر عن المآرب التي كان يحملها بعضهم على تلك الثقافة واللغة. ونطمح خلال المشروع النهضوي الى أن نطور خطابا(عماريا) يسمو باللغة العربية من "الوصف" إلى "التحليل" ثم تباعا إلى "التمثيل" أو "التأيض" (ميتابولزم)،الذي يضطلع في البحث عن بواطن الإبداع، ومنها العمارة، لاسيما في تقصي الآلية التي تم من خلالها الانتقال من الحالة الفكرية والروحية إلى التجسيد الإبداعي.
و وتجدر الإشارة هنا إلى أن مصطلح العمارة الإسلامية مازال غضا ويثار حوله لغط وشكوك عن مصدره الإستشراقي وسؤال عن كونه يمثل الإسلام الفكري أو كونه تفريغا فنيا لنزوات السلاطين وعلية القوم أم هو عملية إحياء لعمارات قديمة راسخة في عمارة الأقطار الإسلامية ذات الباع الكبير في الشرق القديم.وهذا يتعدى إدراك فحوى المفهوم إلى كنه الظاهرة.
وفي هذا السياق لتطور الخطاب الفكري في تدوين العمارة نحاول في هذا المعجم المتواضع أن نشرح كنه المعلومات العمارية و نسعى لسرد حياة وفكر الأعلام، وتحليل أعمالهم، ليكون خطوة أولى في جمع قبس التراث العماري المتناثر في بطون المراجع،أو في ثنايا الأطلال،والإطلاع على فكر هؤلاء،يضاف الى ما فصل من الاستنباط والاقتباس اللغوي بما يمكن اعتباره حالة تمهيدية لموسوعة أو دائرة معارف عن العمارة في أقطار العالم الإسلامي تباعا.
فبالإضافة إلى القاعدة في الاصطلاح والتسمية والأعلام، نجد أسماء ترد من أقاصي البلدان الإسلامية،يضاف إليها بما يتعلق بتلك العمارة وما مسها من تأثيرات خارجية. ولا يخلو ذلك من بعض الأسماء الأجنبية،ممن تركوا تأثيرهم في عمائر الأقطار الإسلامية. وعلى العموم فأن ما ورد يستند الى المنهجية البحثية التالية:
1 . ذكر كل الشخصيات الغربية التي أسهمت في العمارة والفنون الإسلامية، من خلال البحث والتدوين والتنظير والتحقيق أو حتى التخطيط والتنفيذ،بغض النظر عن ماهية بحوثهم ومواقفهم.
2 . ذكر كل المعماريين المسلمين الذين وردت أسماؤهم مشتتة في كتب التراث،بما يمكن أن يسهم جمعها والبحث فيها ومقارنتها والاسترسال في تحليلها مستقبلا. وهذا المسعى يصب في هدف التقليل من سطوة الإسهاب في ذكر السلاطين و أصحاب الجاه والحيثيات ممن أغرقوا التاريخ بأخبارهم وتحاشي صانعي المجد الإبداعي الحقيقيين. وقد سبقنا إلى ذلك أحمد تيمور باشا(1871-1930) في كتابه (المهندسون في العصر الإسلامي) إصدار دار نهضة مصر في القاهرة(دون تاريخ) والتي حصر فيها ذكر أكثر من مائة مهندس في العالم الإسلامي. ما يدعو للأسف أننا لم نطلع على هذا الكتاب لنثري به هذا المعجم
3 . إيراد كل مصطلح جديد وطارئ في العمائر العالمية بما يمكن أن يشكل شرحه إثراء مفاهيم العمارة الإسلامية، التي هي في أمس الحاجة لتطوير ملكاتها وخروجها من المكوث في الماضي،وولوجها إلى عالم الحداثة والمستقبل. ويجدر الذكر بأن جل المصطلحات الحداثية تضطلع بمساس فعلي أو شكلي مع بعض المفاهيم التراثية التي لم تجد طريقها إلى النظريات والاصطلاحات الحديثة للعمارة والفنون،أو كونها تشكل في بعض الأحيان الخلفية التاريخية لتلك الأفكار مع إيماننا العميق،بأن تيارات العمارة المعاصرة المتعاقبة والتي تضمحل الواحدة وتظهر الثانية على أنقاضها، خلال عقد أو عقدين من الزمان، لهي أضعف من أن تنافس الثراء والرسوخ والديمومة التي تكتنف المفاهيم العمارية التراثية التي عمرت ولم تهرم على امتداد آلاف السنين.
4. إيراد بعض المصطلحات التي تتعلق بالفن وأدواته وليس بالعمارة قصرا،وقد أوردناها لشعورنا بوجود رابطة مشيمية بين العمارة وتلك الفنون. وترد بهذا الصدد أسماء عدد من الفنانين المسلمين الذين تركوا أسماءهم على بعض الأعمال الفنية كالمنمنمات والخزف.
5. البحث في كل ما يتعلق بأصل الكلمة الوارد من اللغات القديمة التي سوف نجد أن جلها ورد من الآرامية وهي اللغة التي سادت (الشام والعراق) و استعملت في مصر و فارس وبيزنطة،ونطق بها النبي عيسى المسيح (ع)، و تواءمت مع العربية،ثم تركت لها السيادة لاحقا بما وسمته بها من الثراء الروحي. وقد وجدنا أن هذه اللغة حبلى بالمصطلحات الواردة من أعماق التاريخ لاسيما من السومرية،كأول حضارة مثقفة ومكتوبة عرفتها البشرية وعمارية عرفت بمفاهيمها. ونجد في طي الكلمات ما هو من أصول فارسية، وهي اللغة التي تلاقحت إبان الشفق الأول للإسلام ورسمت الملامح الأولى للحضارة الإسلامية،ونجد بعض ما ورد منها كان وروده سابقا جاء من مصادر آرامية.وفي كل ذلك اجتهاد مفتوح إلى من يستطيع إلى ذلك سبيلا.
6 . تداول بعض مصطلحات مواد البناء التي درجت في العمارة الإسلامية التي يمكن أن تكون حالة إستباقية وتمهيدا لتدوين تلك المواد وأدواتها التي وردت في العمارة التراثية.
7 . تصنيف كل الطرز العمارية التي كانت في تماس حضاري جغرافي أو تاريخي مع العمارة الإسلامية،لاسيما من كانت للعمارة الإسلامية عليها فضل التأثير في جانب منها. وكذلك الحال في تصنيف كل الطرز العمارية العتيقة التي سبقت الإسلام والتي كان لها تأثير في العمارة الإسلامية بحيث نطلق عليه (الثابت والمتغير في الثقافات الإسلامية) أو نجد إليه طريقا من خلال ما هو دارس أو باق في العمارة الإسلامية.
8 . ورود أسماء بعض مدارس العمارة الإقليمية كما غرب أو شرق أفريقيا أو جنوب أو وسط آسيا أو الأندلس،من اجل إظهار بعض الخصوصيات التاريخية التي اكتنفتها،ليعادل إطنابنا في شرح تفاصيل كثيرة عن عمارة الأقاليم الوسطية لاسيما الشامية -المصرية أو العراقية -الإيرانية أو حتى التركية منها،لما حظيت به من أهمية في الدراسات العمارية بسبب تزاحم الأحداث فيها وكذلك موقعها الوسيط في قلب العالم الإسلامي، ناهيك عن التأثير المباشر والأثر الأساسي الذي لعبته في رسم ملامح العمارة الإسلامية الأول.
يمكن اعتبار ورود المصطلح وشرحه لا يدخل من باب التنويه به فحسب، بل لكونه محاولة في تقصي الفوارق والتمايز للإصطلاح في شتى الثقافات الإسلامية، في جوهرها وطرزها وتسمياتها التي هي في الغالب موحدة أو متشابهة أو تأخذ مناحي اقتباسية متقاربة.وحاولنا من الناحية المنهجية أن يكون البحث في موضوع العمارة الإسلامية خارجا عن إسقاطات التاريخ ومعمعة أحداث الدول،والسلاطين. والهدف في ذلك أن ننحو بتلك الثقافة من المكوث في خانات التاريخ.
ونسعى هنا الى إيقاظ جذوة تلك الثقافة مع توخي الاحتراس من مغبة المكوث بتراثها والبقاء في عالم المحنطات، فإحياء التاريخ يكمن باستلهام العبر منه والبحث عن الآليات التي سرى عليها. و إذا ما رمنا أن نعيد العمارة الإسلامية إلى ما كانت عليه في الهيئة فما علينا إلا أن نغير معطيات العصر وشكل المجتمع ونمط حياته ووسائله التي تعكسها مرآة العمارة. وقد حذرنا القرآن من مغبة المكوث في عالم المحنطات ووردت في سورة البقرة الآية 134:(تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ).وهذا المفهوم الصريح للقراءات التاريخية يجب التأكيد عليه،أما ما ورد في حيثيات هذا المنهج فهو يدخل في إطار المبدأ القائل (ما لا يدرك كله لا يدرك جزؤه).
وعودة الى تأكيد صفة الغنى الذي يكتنف عمارة المسلمين، يمكننا أن نعيد للأذهان شهادة أحد رواد عمارة القرن العشرين الأمريكي فرانك لويد رايت حين قال في معرض تعليقه عندما زار مدرسة السلطان حسن في القاهرة عام 1958بما معناه(انه عمل عظيم اقتضته رسالة عظيمة وأنه أعظم عمل ضخم لإنسان و أمة). وأردف(كيف يجوز لقوم لديهم مثل هذه الروائع أن يتركوها ويستبدلوا بها حثالة العمارة الغربية، التي يحاول الغربيون أنفسهم أن يتخلصوا منها).
لست داعيا أو فقيها أو مفتيا، فلدينا من الدعاة والأئمة والوعاظ كثر، لاسيما من يترصد لتحريم دمية (البوكي مون)، ولا يفتي بتحريم هدم التراث الإسلامي الحضاري أو المساس باللغة القرآنية. ولتحاشي منافستهم،ندعو الى وقفة معاصرة من الثقافة المادية لهذا الدين،بما يدعونا إلى أن لا نقتصر على الجانب الروحي والطقوسي فقط في إظهار حجة تلك العقيدة،مع إقرارنا بأهميتها ولكننا نظن أنها وحدها عاجزة عن صنع الفتوح والإقبال المنشود إبان المنافسة والسجال الفكري لمفاهيم طغت وسادت عالما غزا الفضاء وأصبح الإنترنت لغة التعامل به.
ولا أدعي تميزا أو إمتيازا في معجمي هذا، بقدر كونه محاولة متواضعة عسى أن تفتح آفاقا لتدوين الفكر الفني والمعماري الذي تراجع أمام تقدم الإصطلاح العلمي والأدبي مثلا.وإذ أتمنى أن يطور القيمون على العربية من ملكاتها لاسيما في لفظ الكثير من الحروف التي لم تتوفر فيها سابقا،و يمكن استحداثها كوسيلة في سنة التطور،وليس من أجل طرق الجديد فحسب،ونأيا عن المكوث في القديم. ونجد هنا إستعمالي مثلا لحرف(چ) بما يقابل Ch الأنكليزي، حيثما أضطرتني الحاجة إليه ولاسيما في التسميات غير العربية. ومازلت أقول وجوب التفريق بين لفظ (ج) على الطريقتين العربية والمصرية. وأملي أن يكون المعجم عضويا قابلا للتطور على التطور مني أو من يأتي من بعدي، بما يفيد الثقافة المعمارية العربية والإسلامية.


إشكاليات المثقف النخبوي

كاظم الواسطي

تميز دور المثقف العربي، في العهود السابقة، بالاشتغال على مفاهيم ومقولات ومسبقات فكرية، اختزلت وجوده كداعية، وناطق باسم الحقيقة أو الأمة، والمدافع الذي لا يقبل لومة لائم عن تراثها، الذي أراد له، هذا المثقف، أن يبقى محفوظا كما هو في ذاكرته المغلقة، وعن قيمها، التي أراد لها أن تبقى (خالدة)في أحكام التاريخ، وصالحة لكل الأزمنة والدهور. وقد أعطى هذا المثقف لنفسه الحق المطلق في تفسير تراث وتاريخ الأمة بالشكل الذي يجعل من حاضره منتفخا بالمنجز الجاهز، الذي لم ولن يوجد نظير له في مساحات الأرض الأخرى. وبهذا الاحتفاء اليوتوبي المجرّد يُسعد المثقف النخبوي ذاته البائسة بنرجسية واهمة، وزائفة. إن هذا الاحتفاء اليوتوبي، يضخم عاطفة التعالي على الوقائع والمتغيرات التي تحدث من حوله، والنظر إليها من عدسة أفكاره المضببة بصور الماضي، وإنجاز الأسلاف. وهذا ما يجعل مفاهيمه، ومقولاته التي يحاول فرض تداولها في المجتمع، ذات تأثير سلبي على الفعالية الثقافية والفكرية، التي تنمو وتتطور بالإبداع والابتكار، وتحديث سلوكيات الأفراد.
إن الثقافة النخبوية تنتج مكوناتها الرمزية والمادية وسط شريحة أو فئة اجتماعية،تتناغم مصالحها مع المفاهيم والأفكار التي تحافظ على خزائن الوهم في عقولها، مادامها لا تضر بكنوز المال التي تتربع عليها. إن ثقافة معزولة، لا تعمل على فكرة الانتشار والتبادل أو الاغتناء بمتغيرات الحدث، ومواجهة مفاجآت ما سوف يحدث، تُبقي المجتمع في دائرة المراوحة، والتراجع المستمر إلى الحد الذي يكون فيه الانكفاء والعجز أو الفوضى والعنف من المكونات الأساسية لهذا المجتمع. إن المثقف النخبوي، الذي تتعارض مفاهيمه الأحادية المغلقة، وتعترض على أية قدرة أو محاولة لتوليد أدوات عمل وابتكار وسائل فكر جديدة تنشّط غرائز الحياة، يمهد الطريق لتوالد خلايا الفكر الأصولي، وتخصيب ثقافة النبذ والإقصاء للآخر، وكراهية المختلف. لقد أنتجت تلك الثقافة دعاة وعقائديين وسياسيين، يمتازون بنرجسية عالية، وتعالٍ لا يسمح لهم بقبول النقد من الآخر، ولا يسمح للآخر بالاختلاف عما يفكرون به، بل يقومون بمهاجمة الآخر،من أية جهة كان، وتشويه صورته، بكل الوسائل المتاحة والمبتكرة، إذا ما حاول النظر بزاوية مختلفة إلى مشاريعم وأفكارهم، التي منحوها الحق المطلق بتمثيل الحقيقة، وتجسيد طموحات الأمة التاريخية. وقد وجد سياسيو مجتمعاتنا العربية، في تلك المشاريع والأفكار، حاضنة لمنازعهم في التسلط الفردي، والتعامل مع الجمهور بتراتبية تبيح لهم الجلوس على قمة الهرم الاجتماعي. بل اعتبروا الجمهور مجرّد (كتلة عمياء) يمكن التدخل بحرية في تكوينها بالشكل الذي يريدون، ووجدوا في عماء الفكر النخبوي، وانغلاق الثقافة النخبوية على مجموعة من المسّلمات والأنساق المحفوظة في ذاكرة التراث، حجة لقناعاتهم الكسولة بواقع الحال، كما هو، بدون رغبة في التغيير أو محاولة لتفهم ما يحدث من حولهم لأن مثل هذا الأمر، يتطلب جهدا مغايرا، وزحزحة لتلك القناعات. ووصل الأمر إلى أن الكثير منا مازال خاضعا لسحر تلك الثقافة، باعتبار العمل الجيد، في أيّ حقل من حقول المعرفة أو السلوك الاجتماعي، نخبويا بامتياز التعالي على غيره. لقد ساهم المثقف النخبوي، بمشاريعه النظرية المجرّدة ومقولاته العقائدية المغلقة، في خلق الفجوات الاجتماعية، والتباين الثقافي في المجتمع،عبر عزل النشاطات الأخرى واعتبارها دون مستوى مشروعه اليوتوبي الوحيد، الصالح لكل أزمنة التاريخ وفئات المجتمع. إن أغلب المشاريع الثقافية العربية، لم تستطع تجاوز حدود هذا المشروع. وظلت، رغم تباين أشكالها وتفاوت أزمنتها، امتدادا له، وإحياء لجوهره الخالص، الذي لا غبار على نقاوته الحضارية. كما لو أن العالم كله قد خرج من محارتنا الذهبية، وليس لأحد الحق، بعد ذلك، في أن يدعي له ثقافة أو حضارة تميزه، أو يمكن أن تكون مفيدة لنا، نحن المصنوعين من ماء الذهب، المحفوظ في الأبدية. فكيف يكون، والحال هذه بالنسبة للعالم، موقف المثقف النخبوي من الجمهور المحلي، أفرادا وجماعات، الذي لا يتوافق مع أفكاره ومفاهيمه. إن تجسيدات الثقافة النخبوية، متمثلة بدعاة الفكر الرسالي، من قوميين (علمانيين) وسلفيين يدعون تمثيل الإسلام الأول، قد بينت لنا بوضوح تام، من خلال برامجهم السياسية وممارساتهم اليومية في السلطة
تجربة البعث في العراق وحكم طالبان في أفغانستان- مدى الخطر الذي تشكله نتاجات هذه الثقافة، التي تعتمد الأصول والنصوص أو المقولات والعقائد، مدخلا وحيدا للتعامل مع الوقائع والأحداث وتقييم ثقافة الآخر. لقد تعاملت النخب السلطوية، في العراق وأفغانستان، مع الجمهور المحلي كما لو أنه موجود فقط ككتلة طيّعة، تتكون حسب ما تريده أو تدعو إليه تلك النخب. وفي الحالات التي يظهر فيها البعض اعتراضا أو مجرد اختلاف في الرأي، تباشر سلطة العقيدة العمياء، فورا، إلى اجتثاثه وتدميره.
وبهذا المعنى، فان الجمهور في ذهن النخب الأصولية، هو جزء من الفكرة المجرّدة التي تتماهى معها، وتتماثل حد التطابق والانصهار. إن المتغيرات السريعة، في أدوات العمل والفكر، التي أنتجتها ثورة المعلومات والاتصالات والإعلام، وانتشارها الأثيري الواسع في كل بقاع الأرض، واختراقها سلطة الدول وحدود الجغرافيا، قد وضعت المثقف النخبوي، ومشروعه الثقافي اليوتوبي في خانق ضيق، وطريق مسدود، وجعلت من دعاة ومروجي هذا المشروع الفاشلين، مجرّد أشباح عمياء، تتسلل بأدوات القتل لتدمير كل شيء من حولها، لأنهم يعرفون، بحس العاجز والقاصر، فشل ما يفكرون به واتساع الفجوة التي تفصلهم عن أشكال الحياة الجديدة.
وقد يقول قائل، كيف تفسر، بعد كل هذا الذي قلته، وجود الكثير من المهندسين والأطباء ومتعلمين في اختصاصات مختلفة أخرى، وممن يعيشون في الدول الغربية، يمارسون، ضمن مجموعات أصولية، دور أشباح القتل أيضا؟ إن المفارقة الغريبة التي يعيشها هؤلاء، بين الاستخدام اليومي لأدوات وسلع ومناهج الآخر وبين الكراهية التي يعلنونها ويثقفون بها في دعواتهم وخطاباتهم ضد هذا الآخر، إنما تدلل على طبيعة المفاهيم والأفكار التي يحملونها، وصيرورتها النسقية في عقولهم، وفي ذاكرتهم الاجتماعية. إن البيئات التي اقتلعوا منها، بسبب ضغوطات اقتصادية أو سياسية، استمرت رموزها الاجتماعية والأخلاقية والدينية، على حالها، بل أشّد كثافة وعمقا في تكوين شخصياتهم داخل الأمكنة الجديدة. إن الإشكاليات الفكرية والاجتماعية التي ظهرت في حياة الأجيال الجديدة لأولئك المقتلعين من بيئاتهم الأصلية، والتناقضات الحادة بين ثقافة عوائلهم، التي ازدادت انغلاقا،في بيئات شبه معزولة، والبيئات الجديدة التي يتطلب الوجود فيها، التكيّف، بمواهب التبادل والمشاركة والتفاهم، والتعاطي مع الثقافة الجديدة، بروحية المثاقفة والاستعداد للعمل بأدوات فكرية مختلفة. وبدون ذلك، وفي ظل سيطرة رموز ومفاهيم تغلق منافذ التفاهم مع الآخر على أرضه، لن يكون للشهادات الجامعية، والاختصاصات العلمية التي يحصلون عليها، دور حاسم في تكيفهم الإيجابي مع الواقع. وإن الكثير منهم، يجعل من تلك الشهادات والاختصاصات، امتدادا لنرجسيتهم، ولذواتهم الباحثة عن توازناتٍ يعيشون اختلالها اليومي. وحالما تحين لهم الفرصة، لا يتوانون عن استخدامها في تقوية عناصر الكراهية، أو الانتقام من الآخر وثقافته، بالأدوات نفسها التي ينتجها، وهذا ما نراه اليوم بوضوح، في عمل الجماعات الأصولية والإرهابية عبر استخدامها الواسع للانترنيت، ووسائل الإعلام والاتصال الحديثة بمضامين متوحشة، تدعو للانتقام والقتل لكل من يختلف مع المكّون الذهني اليوتوبي لهذه الجماعات الخارجة من أنقاض التاريخ. إن الصور البشعة لعمليات الخطف والتفجير وذبح الرهائن، التي يقوم بها الإرهابيون السلفيون في العراق، تجسّد طبيعة الأفكار والمفاهيم التي تعشش في أذهانهم، في ظل غياب أيّ برنامج سياسي أو اجتماعي لهم، غير برنامج تدمير الآخر وتقويض أو تخريب أيّ محاولة لبناء حياة مستقرة وآمنة. إن أحداث 11 سبتمبر 2001 في أميركا وما حصل في أفغانستان والعراق، وما يحصل الآن من أعمال إرهابية مروّعة على صعيد عالمي، يكشف عن الجذور الحقيقية لثقافة لم تستطع الخروج من وهمها العقائدي، وتعالي سنابل أفكارها الفارغة. وتبين لنا وقائع الحياة في عصرنا الحالي حجم التغيرات الهائلة التي حصلت في قواه الإنتاجية والتسويقية وطرائق تبادل المعلومات وانتشارها، بسرعة الضوء، بين القارات، وأن مثل هذه التغيرات تعطّل أدوات ثقافة تصر على البقاء في أحكام نصوصها، ولا تخرج إلى فضاء الحياة الجديدة، الذي سيغني خصوصيتها المنفتحة، مثلما يغتني بها. ولن يحصل مثل هذا الانفتاح إلا إذا تم كسر القشرة الصلبة، ترس الثقافة، التي بناها النخبويون حول أنفسهم، وحول جمهور ما زال قسم كبير منه متكلّس الرؤية بتلك القشور، وميت الضمير بمفاهيم عمياء. وسيكون للنشاطات الفكرية المتحررة من سلطة الشعارات، والفعاليات الإعلامية والفنية المتنوعة، والدور الإيجابي للفاعلين فيها بالانتشار الأفقي داخل المجتمع، لبناء ثقافة تفاهم إنساني لا تستطيع فئة أو مجموعة احتكارها لنفسها، سيكون ذلك بمثابة المعول لقرميد ثقافة النخبة، والغصن الأخضر لشجرة الثقافة الحيّة.


خليل الاسدي بين (تراتيل بدائية) و (ويظل عطرك في المكان)

عبد علي سلمان

في عام 1978 صدرت للشاعر خليل الاسدي عن دار الشؤون الثقافية مجموعته الشعرية الأولى (تراتيل بدائية) في حين صدرت مجموعته الخامسة "ويظل عطرك في المكان" عن الدار نفسها عام 2005 . المجموعة الأولى لم تكن تراتيل بدائية ولم يجعل الشاعر عنوان قصيدة فيها عنوانا للمجموعة. هناك قصيدة عنوانها ترتيل يبدو كأنها تستفيد من اسطورة ملحمة كلكامش وسعيه للخلود ، وهناك قصيدة عنوانها الحانة استهلت بقول لكلكامش وآخر لامرأة "الحانة" وكل هذا لا يكفي ان تكون التراتيل بدائية ذلك ان البشرية وان تطورت صناعياً وهندسياً وعمرانياً فانها ما زالت ـ وهذا ليس قولي ـ على حالها اجتماعياً وسلوكياً وربما قانونياً أيضاً وسعي كلكامش للخلود لم يكن سعياً بدائياً وان كان سعياً قديماً من الناحية الزمنية ذلك ان الإنسان المعاصر يسعى هو الآخر إلى الخلود عن طريق العمل بواسطة الاستنساخ والتعديل الوراثي ومحاولة صنع الإنسان اليخضور أو عن طريق الإيمان الديني بوجود حياة يخلد الانسان فيها في الجنة أو النار.
ان الهم الإنساني هو هم مستمر منذ بدء الخليقة ولحد الساعة. ان الحب والكره والبغض والغضب والاستبداد والموت ليست اموراً معاصرة، ولكن يتم تناولها في كل عصر ومصر وفقاً لمعطيات زمنها الراهن. وقد سعى الشاعر خليل الاسدي لتناول جملة من هذه المواضيع في المجموعتين رغم سيادة موضوعة الحب والمرأة، وهذا بحد ذاته يمثل واحداً من اشكالات الشعر العربي عموما في كل عصوره، فالسياسة والمرأة هما الموضعان الاثيران في الشعر العربي ومن الصعب ان يتخطى الشعر العربي هذين الموضوعين. ولقد تسيدت المرأة واحتلت المجموعة الأخيرة تماماً للحد الذي أصبحت عنوانا لها، انها الغائبة الحاضرة بعطرها في المكان.
وفي المجموعة الأولى ـ تراتيل بدائية ـ تجد الهم السبعيني المتمثل بالاهتمام باللغة بعدة مستويات، منها محاولة استخدام مفردات جديدة لم تستخدم قبلاً أو ربط مفردات ببعضها لخلق صور غير مستقرة تبرق وتختفي بسبب شكليتها المحضة إذ يختفي اثرها بعد ان تنتقل لبيت آخر أو عندما تقلب الصفحة، ولعل سبب ذلك ان الشاعر يريد ان يكتب والكتابة تفترض الحرية. ان الشاعر يريد ان يكتب مع احساسه المسبق بان عليه ان يتحاشى التفسير والتأويل المريب والذي يكون في أحيان معينة قسرياً مفروضاً من خارج العمل الإبداعي وبدون ان يمت له بصلة.
ان الصور الشعرية في (تراتيل بدائية) صور بسيطة محدودة لا تأخذ من القصيدة مساحة، بل انها تكاد تكون غائبة وقد حلت المفردة محل الصورة، يضاف إلى ذلك الروح النثرية والاستطراد الذي هو سمة من سمات القصة أكثر مما هو سمة للقصيدة حتى وان كانت قصيدة نثر، ذلك ان قصيدة النثر هي قصيدة في المحصلة النهائية حاولت استبدال موسيقى التفعيلة الخارجية بموسيقى داخلية تستفيد من الحروف داخل المفردة ومن المفردة كوحدة مستقلة لخلق تناغم تراتبي.
وقد تخلصت المجموعة الأخيرة "ويظل عطرك في المكان" في أغلب قصائدها من الوقوع في النثرية والسرد ونجحت بخلق صور شعرية يعوز البعض منها التكثيف والايجاز ذلك ان الشاعر في النهاية قد يكون قصيدة واحدة أو ربما بيتاً واحداً أو تكون القصيدة أو البيت الشعري مركز الثقل في دائرة الشاعر، فاننا نتذكر "عيون المها بين الرصافة والجسر" حين نسمع بعلي بن الجهم، ويرد إلى بالنا "تلفت فمذ خفيت عني الطلول تلفت القلب" حين يكون الحديث عن الشريف الرضي.
وقد لجأ الشاعر إلى الموسيقى الخارجية بشكل بارز في قصائد عدة والى القافية الضمنية التي نجح الشاعر في توظيفها كموسيقى وخاتمة لصورة معينة ممهداً الانتقال إلى صورة أخرى و ويتضح ذلك في قصائده "ما زال حبك، وذكرى، يا كل مملكتي" حيث استفاد الشاعر من منجزات القصيدة العمودية التي تعتمد وحدة البيت واستفادة من القصيدة الحرة التي تعتمد وحدة القصيدة.
ويظل الشاعر مع ذلك مطالباً بالتخلص من الوقوع في فخ التلازم الذي يترافق عند استخدام مفردةٍ ما، مثال ورود كلمة القبو عند استعمال كلمة خمر، وعطر مع زهر، وصوت مع صدى. ان التخلص من التلازم والترادفية للكلمات هو واحد من شروط القصيدة الجديدة وربما يكون ذلك مطلوباً في النثر لكونه يعطي الكتابة النثرية مذاقاً خاصاً. وأخيرا وكما يقول الشاعر خليل الاسدي في قصيدته مرايا (ما الذي قد تبقى) ان الذي تبقى هو عطر القصيدة وسط اختناقات كثيرة.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة