|
خليل الاسدي بين (تراتيل بدائية)
و (ويظل عطرك في المكان)
عبد علي سلمان
في عام 1978 صدرت للشاعر خليل الاسدي عن دار الشؤون الثقافية مجموعته الشعرية الأولى (تراتيل بدائية) في حين صدرت مجموعته الخامسة "ويظل عطرك في المكان" عن الدار نفسها عام 2005 . المجموعة الأولى لم تكن تراتيل بدائية ولم يجعل الشاعر عنوان قصيدة فيها عنوانا للمجموعة. هناك قصيدة عنوانها ترتيل يبدو كأنها تستفيد من اسطورة ملحمة كلكامش وسعيه للخلود ، وهناك قصيدة عنوانها الحانة استهلت بقول لكلكامش وآخر لامرأة "الحانة" وكل هذا لا يكفي ان تكون التراتيل بدائية ذلك ان البشرية وان تطورت صناعياً وهندسياً وعمرانياً فانها ما زالت ـ وهذا ليس قولي ـ على حالها اجتماعياً وسلوكياً وربما قانونياً أيضاً وسعي كلكامش للخلود لم يكن سعياً بدائياً وان كان سعياً قديماً من الناحية الزمنية ذلك ان الإنسان المعاصر يسعى هو الآخر إلى الخلود عن طريق العمل بواسطة الاستنساخ والتعديل الوراثي ومحاولة صنع الإنسان اليخضور أو عن طريق الإيمان الديني بوجود حياة يخلد الانسان فيها في الجنة أو النار.
ان الهم الإنساني هو هم مستمر منذ بدء الخليقة ولحد الساعة. ان الحب والكره والبغض والغضب والاستبداد والموت ليست اموراً معاصرة، ولكن يتم تناولها في كل عصر ومصر وفقاً لمعطيات زمنها الراهن. وقد سعى الشاعر خليل الاسدي لتناول جملة من هذه المواضيع في المجموعتين رغم سيادة موضوعة الحب والمرأة، وهذا بحد ذاته يمثل واحداً من اشكالات الشعر العربي عموما في كل عصوره، فالسياسة والمرأة هما الموضعان الاثيران في الشعر العربي ومن الصعب ان يتخطى الشعر العربي هذين الموضوعين. ولقد تسيدت المرأة واحتلت المجموعة الأخيرة تماماً للحد الذي أصبحت عنوانا لها، انها الغائبة الحاضرة بعطرها في المكان.
وفي المجموعة الأولى ـ تراتيل بدائية ـ تجد الهم السبعيني المتمثل بالاهتمام باللغة بعدة مستويات، منها محاولة استخدام مفردات جديدة لم تستخدم قبلاً أو ربط مفردات ببعضها لخلق صور غير مستقرة تبرق وتختفي بسبب شكليتها المحضة إذ يختفي اثرها بعد ان تنتقل لبيت آخر أو عندما تقلب الصفحة، ولعل سبب ذلك ان الشاعر يريد ان يكتب والكتابة تفترض الحرية. ان الشاعر يريد ان يكتب مع احساسه المسبق بان عليه ان يتحاشى التفسير والتأويل المريب والذي يكون في أحيان معينة قسرياً مفروضاً من خارج العمل الإبداعي وبدون ان يمت له بصلة.
ان الصور الشعرية في (تراتيل بدائية) صور بسيطة محدودة لا تأخذ من القصيدة مساحة، بل انها تكاد تكون غائبة وقد حلت المفردة محل الصورة، يضاف إلى ذلك الروح النثرية والاستطراد الذي هو سمة من سمات القصة أكثر مما هو سمة للقصيدة حتى وان كانت قصيدة نثر، ذلك ان قصيدة النثر هي قصيدة في المحصلة النهائية حاولت استبدال موسيقى التفعيلة الخارجية بموسيقى داخلية تستفيد من الحروف داخل المفردة ومن المفردة كوحدة مستقلة لخلق تناغم تراتبي.
وقد تخلصت المجموعة الأخيرة "ويظل عطرك في المكان" في أغلب قصائدها من الوقوع في النثرية والسرد ونجحت بخلق صور شعرية يعوز البعض منها التكثيف والايجاز ذلك ان الشاعر في النهاية قد يكون قصيدة واحدة أو ربما بيتاً واحداً أو تكون القصيدة أو البيت الشعري مركز الثقل في دائرة الشاعر، فاننا نتذكر "عيون المها بين الرصافة والجسر" حين نسمع بعلي بن الجهم، ويرد إلى بالنا "تلفت فمذ خفيت عني الطلول تلفت القلب" حين يكون الحديث عن الشريف الرضي.
وقد لجأ الشاعر إلى الموسيقى الخارجية بشكل بارز في قصائد عدة والى القافية الضمنية التي نجح الشاعر في توظيفها كموسيقى وخاتمة لصورة معينة ممهداً الانتقال إلى صورة أخرى و ويتضح ذلك في قصائده "ما زال حبك، وذكرى، يا كل مملكتي" حيث استفاد الشاعر من منجزات القصيدة العمودية التي تعتمد وحدة البيت واستفادة من القصيدة الحرة التي تعتمد وحدة القصيدة.
ويظل الشاعر مع ذلك مطالباً بالتخلص من الوقوع في فخ التلازم الذي يترافق عند استخدام مفردةٍ ما، مثال ورود كلمة القبو عند استعمال كلمة خمر، وعطر مع زهر، وصوت مع صدى. ان التخلص من التلازم والترادفية للكلمات هو واحد من شروط القصيدة الجديدة وربما يكون ذلك مطلوباً في النثر لكونه يعطي الكتابة النثرية مذاقاً خاصاً. وأخيرا وكما يقول الشاعر خليل الاسدي في قصيدته مرايا (ما الذي قد تبقى) ان الذي تبقى هو عطر القصيدة وسط اختناقات كثيرة. |