روافد المدى

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

آراء في الشعر والقصة..وتجارب عام 1957

باسم عبد الحميد حمودي

هذا الكتيب الذي اعده وحرره الاديب الراحل خضر عباس الولي خاص بالشعر فقط، وقد صدر عام 1957 والعراق يرهص بتغيير كبير قادم لا يدري احد مداه على صعيد البنية السياسية. وخضر الولي يقول في التوطئة التي كتبها لكتيبه هذا عن الوضع الثقافي الذي يسميه الحركة الثقافية " مما لا شك فيه ان المتتبع للحركة يشاركني رأيي اذا ذكرت له الواقع المؤلم الذي يقاسي منه الادباء الامرين" وهو يصف فوضى الحركة الثقافية بوجود (صبية) يتكلمون بعرض افكارهم الفارغة بعد ان سكت الادباء عن النشر لاسباب عديدة اهمها عدم وجود صحافة تعنى بشؤون الفكر، ولو افصح (الولي) صراحة عن افكاره لقال بعدم وجود مجلة ثقافية واحدة في العراق (بعد غلق الهاتف وتقطع اصدار البلاغ ومنع مجلة الثقافة الجديدة) تكون منبراً للادب العراقي بشعره ونثره وعدم وجود دار ثقافية واحدة تعتني بالنشر فاتجه كبار الادباء والشباب الطليعيون للنشر في (الاداب) و (الاديب) في بيروت وقسم قليل منهم في مجلة (الرسالة الجديدة) المصرية، وكانوا جميعاً دون فائدة مادية فاذا اراد احدهم طبع مجموعة شعرية او رواية او مجموعة قصصية او مسرحية اتجه الى (التمويل الذاتي) والتمويل الذاتي هو ان يتحمل المؤلف نفقات الطبع وسوء التوزيع.
اما من طبع في القاهرة وبيروت مثل نازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي فقد تم ذلك لاحقا بعد ثبات تجربة الشعر الحديث ووضوح معاييرها.
سنجد في حوارات الولي مع العلامة الشبيبي والشعراء: السياب، الحيدري، البياتي، كاظم جواد حرصاً على تجربة الشعر الحديث وتماحكا بينهم بل واتهامات متبادلة، وسنجد في آراء الشبيبي استيعاباً وفهماً متقدماً لتجربة الشعر الحديث، وتأكيداً على فائدة (النخبة) من الادب وان كان موجهاً لكل الناس، وسنجد في اراء السياب حرصاً على التأكيد على ثورة الشعر الصافية على القديم دون اخلال ببنية وتماسك القصيدة الحديثة حيث الثورة على الوزن والقافية التقليديين وهو بذلك يعرض بتجربة زميله البياتي ويستشهد بابيات من قصيدته (سوق القرية) للتأكيد على عدم وجود وحدة موضوعية فيها وتغلب النثرية فيها على البنية الشعرية، كما نجد اشادة بأستاذية الجواهري وبقدرة بلند الحيدري الشعرية، كما سنجد في حوار بلند الحيدري ذاته ثورة على الاساليب التقليدية في الاداء الشعري ونقداً للشللية التي تسود الوسط الثقافي واعتبار الشعراء شعراء قصائد لا مستوى.
موضوعياً يمهد خضر الولي جهده هذا بالكلمات التالية.
" الى الشمس المشرقة في عالم الادب
الى من يتطلع اليه الادب بعيون ملؤها الامل والرجاء. الى من يخوض معارك الحياة القاسية بروح وطنية مخلصة الى معالي العلامة الكبير محمد رضا الشبيبي".
ثم يكتب مقدمة يسميها (توطئة) يتحدث فيها عن الحركة الادبية كما اسلفنا، ثم تأتي حوارات الكتاب متسلسلة مع الاساتذة: الشبيبي- السياب- حافظ جميل- البياتي- كاظم جواد- محمود الحبوبي- ونحن ننشر جزءاً منها في هذه الصفحة مع التعريفات التي كتبها الولي لكل شخصية وستنشر الاراء الباقية في صفحة قادمة من (ذاكرة) ولا بد من ذكر ان الولي الراحل كان صديقاً حميما لكبار الادباء العراقيين والعرب وكان صندوق بريده اليومي يحوي العديد من الرسائل الاتية من كل مكان، من فدوى طوقان، ثريا ملحس، يوسف غصوب، البير اديب، سهيل ادريس، ومن عبد الرزاق حسين (بصرة) ومحمد روزنا مجي ونزار سليم وكارنيك جورج وفاضل السباعي (سوريا)، وايليا ابو ماضي (المهجر).. كل اللآلئ والاصداف الادبية وكان مؤتمنا على مصالح المنفيين من الادباء العراقيين فهو وكيل عبد الوهاب البياتي كلما غادر الوطن وهو المتابع لمشكلات السياب الصحية والمادية، وكان سعيدا بما يعطي ويبذل دون منة، وقد اصدر خضر الولي في الستينيات مجلة (الرسالة) بمعاونة د. جليل العطية ايام كان يكتب تحت توقيع (جهين) مقالاته الساخرة وقد احتجبت المجلة كغيرها من المجلات الثقافية الفردية التمويل امثال (الاسبوع) لخالص عزمي و (الفكر) لمحمد جواد الغبان و (الرسالة الجديدة) لمحمد منير ال ياسين وغيرها.
ولا بد من القول ختاماً ان التعريفات التي وضعت في مقدمات الحوارات مع الشعراء هي لخضر الولي صاحب هذا الكتاب.


خطوط جديدة للأدب الحي

خضر الولي

جعل خضر الولي من مقدمة الكتاب -وقد اسماها توطئة - مدخلاً للحديث عن الادب العراقي ايامها وقد كتب عن معاناة الادب والادباء واختلاط المعايير .

توطئة
مما لا شك فيه ان الادب العراقي الحديث يجاهد لكي يجد له مكاناً الى جانب الاداب العالمية. والذي اراه انه سوف لا يمضي وقت طويل الا ويكون الادب العراقي قد تبوأ المكانة التي يستحقها، وذلك لتغلغل التيارات الفكرية الحديثة في كافة نواحي الفنون، والتي تدعو الى تحرير الفكر الانساني من كل ما يشوبه من جمود وظلام.
ولقد اشتد الاقبال على دراسة تلك التيارات الفكرية دراسة جدية، واتجه معظم الادباء الى تتبع ينابيعها بعمق، وبحماس يدعو الى الاعجاب، حتى انهم اشتقوا منها مواضيع جعلوها عناوين ضخمة لأطروحات تقدموا بها لجامعات عالمية، ولكن، وهذا شيء يؤسف له حقاً، ان الدراسات تلك كان ينقصها الشيء الكثير من التركيز وان اكثرها تطغى عليها سطحية البحث، وتفتقر الى الاستقصاء العلمي الدقيق، ويسودها الطابع الشخصي .. ويؤسفني ان اقول، انني لم اجد- حتى الان- دراسة وافية ذات ركائز ثابتة اعطت للادب العراقي المكانة التي يستحقها، ولكني آمل ان يكون الشباب الطالع الذي اخذ على عاتقه اداء الرسالة بأمانة، ان يتحاشى الأخطاء التي وقع فيها من سبقه ويؤدي واجبه على الوجه الاكمل.
بقي علي ان استعرض الحركة الادبية عندنا اليوم، فمما لا شك فيه ايضا ان المتتبع للحركة يشاركني رأيي اذا ذكرت له الواقع المؤلم الذي يقاسي منه الادباء الأمرين. انني لا استطيع ان اصف تلك الحركة بغير الفوضوية يعبث بها صبية لاهون لم يجدوا مجالا ينفسون فيه عن افكارهم الفارغة غير هذا اليوم، وقد جنح فيه اهل الادب عن النشر لاسباب كثيرة احدها عدم وجود صحافة تعنى بشؤون الفكر، فانفسح المجال للمتحذلقين، فاخذوا يضعون مقاييس لا تمت الى الادب وفنونه بصلة، ثم لم يكتفوا بذلك، بل راحوا يحكمون على الانتاج الادبي الجيد الذي اخذ من الاديب وقتاً وجهداً لا يستهان بهما، بأحكام ما انزل الله بها من سلطان.. فيرتجلون قائلين بادعائية فارغة، ان هذا الاثر (تافه)، اما كيف، وعلى أي اساس تم صدور مثل هذا الحكم الجائر، فتلك اشياء لا نحظى عنها بجواب، لان الذين اصدروا مثل تلك الاحكام كانوا قد جعلوا من انفسهم وبكل وقاحة، حكاماً وقضاة، فهم يحكمون وهم يقضون، وهم يعبثون بالاثار ما يحلو لهم العبث دون ان يجدوا ما يردعهم، ومن يوقفهم عند حدهم، انه يومهم، فليعبثوا اذن.. ولكن، ومهما طال عبث اولئك وامتد، فان الايام وحدها الكفيلة بان تسحقهم بعجلاتها الجبارة وتلقي بهم الى هوة النسيان والعدم.
اما الخلود.. فانه لأولئك العاملين بإخلاص، للذين طفحت قلوبهم بحب البشرية، وامتلأت نفوسهم بعبادة الكون.
وبين هذه الاقلام التي استساغت الصمت هذه الايام، اخذت على عاتقي مهمة اخراج هذا الكتاب الذي يضم بين دفتيه آراء متعددة قد تتضارب فيما بينها، ولكني لم اتوخ منه غير رسم الخطوط الجديدة التي سيسير عليها الادب الحي بعد ان ينفض عنه غبار (الدخلاء) ويسير مواكباً الحركات الفكرية العالمية جنباً الى جنب حيث التقدم والازدهار.. واترك الحكم اخيراً الى القارئ وحده... فهو رائدي الاول.


بدر شاكر السياب:القصيدة الحديثة وحدة متماسكة الاجزاء .. تسعة اعشار العبقرية عرق ودموع

- ولد عام 1926 في قرية جيكور، في ابي الخصيب، جنوبي البصرة.
- دخل المدرسة الابتدائية في ابي الخصيب عام 1932 وتخرج منها عام 1938 حيث دخل الدراسة المتوسطة.
- تخرج من الدراسة الثانوية في مدينة البصرة عام 1943.
- دخل في دارالمعلمين العالية، وقضى سنتين في فرع الادب العربي ثم انتقل الى فرع اللغة الانكليزية فتخرج منه عام 1947- 1948.
- اشتغل في التدريس بضعة اشهر في ثانوية الرمادي ثم فصل لأسباب سياسية.
- تقلب بعد هذا في اشغال عدة في الشركات الاهلية كمأمور مخزن ومراقب عمال وكاتب.
- حرر وترجم في عدد من الصحف حتى استقر به المقام في مديرية التجارة العامة.
- بدأ بكتابة الشعر ربيع 1940 ونشر في ذلك الوقت عدداً من القصائد في صحف بغداد، كما نشر بعض القصص القصيرة.
- من مؤلفاته الشعرية: ازهار ذابلة 1947، اساطير 1950، حفار القبور (قصيدة طويلة) 1952، المومس العمياء (قصيدة طويلة )1954، الاسلحة والاطفال 1954 ، قصائد مختارة من الشعر العالمي الحديث (مترجمة عن الانكليزية) 1955 .
- تزوج عام 1955 .


*
يتزعم الشعر اء الشباب في العراق ثورة على القواعد الكلاسيكية شملت الوزن والقافية.. فهل ترى ان هذه الثورة قد ادت غرضها لتقوية بناء الشعر العربي المتوارث ام جاءت تهدف الى هدم عبقريته؟
- من التعابير التي تنطلق بها الاقلام والافواه دون ان يكون لها معنى واضح المعالم في ذهن الكاتب او المتكلم، تعبير (الكلاسيكية). واظن المقصود بهذا التعبير في هذا السؤال: " تقاليد الشعر العربي".
- ويواجهنا الشق الثاني من السؤال بلبس جديد. فليس للثورة من معنى واضح في اذهاننا. وعندي ان الثورة الناضجة نوع من انواع التطور: انها استعراض للماضي، للتراث، واهمال الفاسد منه، والسير بالشيء الحسن فيه الى امام. فـ (الثورة) على القديم لمجرد انه قديم، جنون وانتكاس. اذ (كيف نستطيع ان نحيا وقد فقدنا ماضينا؟).
ان الشعراء في العراق لم (يثوروا) على القواعد الكلاسيكية، بالمعنى الدارج للثورة، ولكنهم طوروا بعض العناصر التي اعتقدوا انها حسنة من عناصر التراث الشعري العربي، وتخلصوا من بعض العناصر التي اعتقدوا بانها اصبحت فاسدة. فـ (الثورة) على القوافي ليست وليدة اليوم. فلنبحث عن اصولها عند الاندلسيين. ولكن الاسباب التي دعت الاندلسيين الى ذلك، هي غير الاسباب التي تدعو الشعراء المحدثين الى هذه (الثورة). لقد ثار الاندلسيون على القوافي- وعلى الاوزان، كما سنوضح معنى (الثورة) على الاوزان
لاسباب كانت موسيقية في اكثرها. اما الثورة الحديثة على القافية فلها اسباب غير تلك، فبينما كان في وسع الشاعر الجاهلي ان يكتب قصيدة، على قافية اللام مثلاً، تتالف من ستين بيتاً، نرى الشاعر الحديث لا يستطيع ان يستعمل من هذه القوافي الستين سوى عشرين او اقل. فالسجنجل والمنعثكل والكلكل وغيرها اصبحت كلمات اثرية- منقرضة او شبه منقرضة. ولكن هذا ليس الا جانباً من جوانب الموضوع. فالثورة الحديثة على القافية تتماشى مع الثورة على نظام (البيت). لقد اصبح الشاعر الحديث يطمح الى جعل القصيدة وحدة متماسكة الاجزاء، بحيث لو اخرت وقدمت في ترتيب ابياتها لاختلت القصيدة كلها، او لفقدت جزءاً كبيراً من تاثيرها، على الاقل. فهل يسمح الشاعر الحديث للقافية الموحدة بان تكون حجر عثرة في سبيله هذا؟ كما ان الشاعر الحديث مطالب بخلق تعابير جديدة عليه ان (ينحت) لا ان يرصف الآجر القديم. لقد شبعنا من تلك القوالب التي تفرضها القافية عليه: الجحفل الجرار، والشفير الهاري، والخيال او النسيم الساري، والصيب المدرار- هذه الصفات والموصوفات التي تتكرر قوافي لكل القصائد التي يجمعها بحر واحد وروي واحد!
وننتقل الان الى (الثورة) على الاوزان وما هي بثورة فنحن ما زلنا نكتب الشعر باوزان الخليل وليس لنا الا ان نكتب بها.
ونعود مرة اخرى الى الاندلسيين وتجديدهم في استخدام الاوزان، والى تحطيم نظام (البيت) فنقول في الثورة على الاوزان ما قلناه في الثورةعلى القافية من حيث الاصول التاريخية والاسباب الموسيقية والشكلية. ولكننا لم نتحدث حتى الان عن الشكل، واهملنا المضمون.
لا بد لكل ثورة ناضجة من ان تبدأ بالمضمون قبل الشكل. فالشكل تابع يخدم ويحطم الاطار القديم كما تحطم البذرة النامية قشورها.
ويؤسفني ان اقول: ان (التجديد) الهائل الذي تناول الشكل لا يتناسب مع (التجديد) الضئيل الذي تناول المضمون ويقودنا هذا الى الاعتراف بان (ثورة) الشعراء الشباب على الشكل
لا يتناسب مع (التجديد) الضئيل الذي تناول المضمون ويقودنا هذا الى الاعتراف بان (ثورة) الشعراء الشباب على الشكل على القوافي والاوزان- ثورة سطحية وانها اذا بقيت على ما هي عليه- ستعود على الشعر العربي بأبلغ الضرر.
لقد (ثرنا) على القافية والوزن التقليديين لأسباب من اهمها تحقيق وحدة القصيدة. ولكن دعونا نقرأ هذه القصيدة (سوق القرية) للشاعر عبد الوهاب البياتي:
الشمس، والحمر الهزيلة، والذباب،
وحذاء جندي قديم،
وصياح ديك فر من قفص، وقديس صغير،
والعائدون من المدينة: يا لها وحشاً ضرير،
وخوار ابقار وبائعة الاساور والعطور
كالخنفساء تدب : ( قبرتي العزيزة يا سدوم)
وبنادق سود، ومحراث، ونار
تخبو، وحداد يراود جفنه الدامي النعاس،
والشمس في كبد السماء،
وبائعات الكرم يجمعن السلال،
والسوق يقفر، والحوانيت الصغيرة، والذباب
يصطاده الاطفال، والافق البعيد،
وتثاؤب الاكواخ في غاب النخيل!
فأية وحدة في القصيدة- وحدة نضحي، من اجلها بالوزن التقليدي والقافية التقليدية وجزالة الاسلوب؟ لولا هذه (الواوات) التي لا تكاد تقوى على شد الحزمة العجيبة من الصور الفوتوغرافية لانفرط كل بيت وتدحرج يبحث له عن مكان، انها ظاهرة نراها في بعض شعر البياتي وشعر مقلديه تجعلنا نتحسر على القصيدة العربية بمفهومها التقليدي وانما استشهدت بالبياتي لأنني ارى فيه شاعراً مبدعاً حين يكتب عن تجربة صادقة وبأسلوب لا يجعله التفكير بـ (القارئ البسيط) ينحدر الى مستوى النثر.
*
بمن اعجبت من شعراء الغرب الذين كان لهم تأثير على شعرك وما هي الجوانب التي اعجبتك فيهم؟
- حين يسألني سائل عمن اعجبت بهم من شعراء الغرب، احدق في وجهه برهة من الزمن محاولاً ان استشف اغوار نفسه ايجد او يهزل فيما يسأل؟ بمن اعجبت من شعراء الغرب منذ هوميروس حتى دايلن توماس! اتراه يدرك ضخامة ما يسأل عنه؟ الحق انني لست (دائرة المعارف البريطانية) ولا احسن من اللغات الاجنبية سوى الانكليزية، ولم اقرأ في هذه اللغة الا اثار القليلين من شعرائها واثار بعض الشعراء الأوربيين المترجمة اليها. وبعد هذا الاعتراف استطيع الاجابة وانا مطمئن الضمير:
شكسبير ودانتي بالدرجة الاولى، وهوميروس، وفرجيل، وغوته وكيتس، وايديث ستويل و ت.س. اليوت.
اما السؤال عن الجوانب التي اعجبتني في هؤلاء فهو يحتاج الى ان يفرد له كتاب بذاته.. لو كنت قادراً في الحق على تأليف مثل هذا الكتاب ولكن في الوسع اختصار قسم كبير من الجواب، بكلمة واحدة: الحقيقة، انهم ينطقون بالحقيقة.
*
هل من المحتم ان يتاثر شاعر بشاعر آخر؟ واذا صح ذلك فبمن تأثرت؟
- ليس من المحتم ان يتأثر شاعر باخر، ولكن ذلك هو الغالب بصورة تكاد تشبه الحتم.
وقد تأثرت انا شخصياً في بدء حياتي الشعرية، بعدد كبير من الشعراء: بالبحتري وعلي محمود طه اول الامر، ثم بأبي تمام، من الشعراء العرب، اما من الشعراء الغربيين فبين الذين تاثرت بهم في بداية الامر شللي وكيتس، ثم اليوت ثم ايديث ستويل، وحين استعرض هذا التاريخ الطويل من التأثر اجد ان ابا تمام وايديث سيتويل هما الغالبان. وحين اراجع انتاجي الشعري لا سيما في مرحلته الاخيرة اجد اثر هذين الشاعرين واضحاً، فالطريقة التي اكتب بها اغلب قصائدي الان هي مزيج من طريقة ابي تمام وطريقة ايديث ستويل: ادخال عنصر الثقافة والاستعانة بالاساطير والتاريخ والتضمين، في كتابة الشعر.
*
هل لك اسلوب خاص في نظم الشعر؟ ما هو؟
- لا استطيع القول، جازماً بان لي اسلوباً خاصاً في الشعر فانا ما زلت في تطور وتجربة ولم ابلغ دور النضج بعد. ولكني اظن ان لدي ما يمكن تسميته اسلوباً شعرياً خاصاً. وقد اكد هذا الظن في نفسي كثيرون من اصدقائي الادباء. فهم يقولون ان في وسعهم معرفتي من اسلوبي في اية قصيدة اكتبها حتى لو لم تكن منسوبة الي، ولكن مثل هذا القول لا يخلو من مبالغة بيد اني احاول ان اطور لنفسي اسلوباً خاصاً، واني مخلص لنفسي في محاولتي هذه.
*
اتعتقد ان الشعر يحتفظ بجماله اذا ترجم من لغة الى اخرى ؟
- من بين الاشياء التي يؤكد عليها الشعر الحديث الاهتمام باللفظة وليس معنى هذا ان الشعراء القدامى لم يكونوا يحسنون استعمال الالفاظ، ولكن معناه ان الشاعر الحديث الذي خلف له الاوائل ارثاً هائلاً من الالفاظ التي رثت لكثرة ما تداولتها الالسن والاقلام، مكلف بان يعيد اليها اعتبارها، ان يخلع عليها جدة، وينفخ فيها من روح الشباب. ولكل لفظة تاريخ يختلف من لغة الى لغة، ولها كيان خاص يستمد الوانه من ذلك التاريخ زمن استعمال الشاعر لها، كما اثر الموسيقى تؤلف ركناً مهماً من اركان الشعر. ونستخلص من هذا كله ان الشعر يفقد الكثير من جماله اذا هو ترجم من لغة الى لغة اخرى.
*
ماهي خطوط المدرسة الواقعية في الشعر العراقي؟
- حين اسمع شخصاً يتحدث عن (المدرسة الواقعية) في العراق لو انه استعاض عن ذلك لتعبير بسواه: الاتجاه الواقعي، ان كل الشعراء العراقيين الذين يستحقون ان نسميهم شعراء، هم واقعيون: من الشاعر الفحل الشيخ محمد رضا الشبيبي الى استاذنا الاكبر محمد مهدي الجواهري، الى خالد الشواف بديباجته الشوقية الى كاظم جواد الذي تراه رومانتيكياً في بعض الاحيان، ثم تصويرياً في ان اخر، كما يحاول ان يكون انطباعياً في حين ثالث/ الى علي الحلي الذي طور رمزية محمود حسن اسماعيل تطويراً جعله يتميز باسلوب خاص ينفرد به الى عبد الوهاب البياتي الذي يجمع في اسلوبه اشتاتاً من اساليب ت. س اليوت التي تمثل مراحل شعره المختلفة، بل وحتى بلند الحيدري، هذا الشاعر الممتاز الذي اعتبر العديد من قصائده الرائعة اكثر واقعية من مئات القصائد التي يريد منا المفهوم السطحي للواقعية ان نعتبرها واقعية.
نرى من هذا ان الواقعية اتجاه يمكن ان يندرج تحت لوائه شعراء من شتى (المدارس) الشعرية.
والاديب الواقعي هو الذي يحلل مجتمعه تحليلاً عميقاً فيه اكبر نصيب ممكن من الحقيقة، على راي الشاعر الانكليزي الكبير ستيفن سبندر.
فالكتابة، اذن، عن المدرسة الواقعية في الشعر العراقي وخطوطها ليست يسيرة ان معناها الكتابة عن الشعر العراقي كله، بكافة مدارسه المختلفة.
*
يمن تعجب من شعراء العرب المعاصرين؟
- يعجبني من الشعراء العرب المعاصرين الجواهري والياس ابو شبكة من (الشيوخ) ويعجبني الشاعر المصري محمد مفتاح الفيتوري من الشباب، اما الشعراء العراقيون الشباب فلعل الصداقات التي تربط بيني وبين الكثيرين منهم لا تجعلني منصفاً في الحكم عليهم. ولهذا اوثر السكوت؟ اما لماذا اعجبت بالجواهري وابي شبكة والفيتوري فلان شعر كل منهم- على ما بين الثلاثة من فوارق- تتحقق فيه اكثر المثل الشعرية التي اعتبرها كفيلة بان تجعل من الشاعر شاعراً مجيداً: متانة الاسلوب وحرارة العاطفة دون ميوعة، والموازنة بين الفكرة والصورة والعاطفة والاتجاه الواقعي.
*
ما رايك بالشعراء العراقيين المعاصرين وبالجواهري بصورة خاصة، وما رايك بالشعر النسائي عندنا؟
- الجواهري استاذ هذا الجيل الطالع من الشعراء العراقيين والحق اني والكثيرين من الشعراء الشباب الاخرين مدينون له بالشيء الكثير وهو قمة من قمم الشعر العربي في كل عصوره، واعظم شاعر ختم به النهج التقليدي للشعر العربي.
اما عن رأيي في الشعراء العراقيين الشباب فانهم يفتحون امام الشعر العربي افاقاً جديدة هم روادها الاوائل انهم ثروة يحق للعراق ان يعتز بها بل ويجب عليه ان يعتز بها.
واما (الشعر النسائي) فتسمية لم يعد لها محل ولا معنى ان الشعر النسائي شيء كان يصح التحدث عنه يوم كانت المرأة رهينة الخباء، ودمية الرجل التي يعبدها او يلعب بها. اما اليوم فهناك شعراء منهم الرجل ومنهم المرأة وليس بين شاعر ذكر وشاعرة انثى من فرق يختلف في طبيعته عن طبيعة الفروق التي لا بد من وجودها بين شاعر واخر. اما اذا كان المقصود رايي بالشاعرات العراقيات فليس لدينا سوى شاعرة واحدة: نازك الملائكة، نازك الشاعرة المبدعة التي اتمنى ان يفيق شعرها من الانتكاسة التي حلت به اخيرا.
*
ماذا تقول في المذاهب والاتجاهات الادبية الحديثة؟ وهل ترى الترويج لواحد منها وهل تاثر الشعر العربي بها؟
- لقد سبق ان بينت رايي في هذا الامر حين تحدثت عن الواقعية، الواقعية الجديدة كما يراها (سبندر) واراها معه وتسالني عما اذا كان من رايي الترويج للواقعية الجديدة ولست ادري ما الذي يقصد بالترويج او احاديث المقاهي والحانات التي تلقى فيها العبارات المحفوظة ويستشهد فيها بأقوال هذا الفيلسوف وذاك التاقد ام هذه المقالات الممجوجة التي تطالعنا بها الصحف بين حين وحين : الفن للمجتمع لان الفن انعكاس العالم الخارجي؟!
ان خير ما يروج به الادباء الواقعيون للاتجاه الواقعي هو ان يجودوا في ادبهم ويبلغوا به اعلى ما يستطيعون من درجات الابداع.
اما عن تأثر الشعر العربي بالمذاهب والاتجاهات الادبية الحديثة فهذا امر يراه كل مطلع على النتاج الشعري الجديد في شتى انحاء الوطن العربي الكبير.
*
ما هي الصفات الجوهرية التي ترى توفرها في الشاعر ليكون شاعرا مجيداً؟
- لكي يكون الشاعر مجيداً ينبغي ان يكون قبل كل شيء شاعرا: ان تتقد في قلبه تلك النار الالهية . الموهبة والاسلوب ركن مهم من اركان الشعر والاسلوب شيء يكتسب اكتساباً من المام لشاعر بتراث أمته الادبي، ومن طول التمرس والمران. وهناك شيء اخر يبدو للوهلة الاولى وكأنه جزء من الاسلوب ولكنه في الحق مستقل بذاته. لا بد للشاعر من ذخيرة ضخمة من الالفاظ وهذا ما لم يحققه معظم الشعراء (المجددين).
ولقد مضى الزمن الذي لم تكن فيه الثقافة ضرورية للشاعر لكي يصبح مجيداً، فالموهبة وحدها لم تعد تكفي لخلق شعراء كايديث سيتويل و ت. س اليوت.
والتواضع صفة لا يمكن للشاعر ولا لكل فنان اخر ان يتطور دونها فمتى ما ركب الغرور احدنا وخيل اليه انه بلغ القمة فقد قضي عليه فليس للابداع من حدود ويمشي مع التواضع يداً بيد، ان تكون الشهرة اخر ما يطمح الشاعر اليه فالشاعر الحق يطمح الى الابداع والتفوق على نفسه وعلى الشعراء الاخرين فيما ينتج
لا فيما يقال عنه- حتى لو لم يعترف احد بتفوقه هذا. عليه ان يكون صبوراً قبل ان يكتب وحين يكتب وبعد ان يكتب فان تسعة اعشار العبقرية عرق ودموع.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة