اراء وافكار

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

الترجمة الكاملة لكتاب (العلمانية ): تُعنى العلمانية بحرية الضمير وتكفل حرية التعبير لجميع الملل .. الجزءالثامن

 

ما العلمانية؟ أول ما يتبادر الى الذهن انها فصل الدين عن الدولة، وثمة من يعرّفها بالإلحاد، أو اللادين. وفي المنطقة العربية الاسلامية تسود الشائعات حولها، فهي مشروع ماسوني استعماري ومؤامرة ضد الدين ، لكن العلمانية بالمعنى الواسع للكلمة تعني ان الدولة لا تمنح امتيازاً لأية ملة من الملل، وهي تكفل حرية التعبير لهذه الملل، كما ان الدولة العلمانية لا تعرض على مواطنيها اية وجهة نظر خاصة بها.
بهذا المعنى تعنى العلمانية بحرية الضمير وليس بتقييده أو فرض وجهة نظر واحدة على الشعب، سواء كانت ديناً أو مبدأ أو عقيدة سياسية.هذا الكتاب الذي تقدمه (المدى) باسم (العلمانية) يبسط الحقيقة بشأن العلمانية ويذكرنا بوجود علمانيات وليس علمانية واحدة، ولا يعدو النموذج الفرنسي منها غير تجربة ارتبطت بملامسة التاريخ الفرنسي نفسه، كما ان المؤلف (غي هارشير) يعدّ الدولة السوفيتية السابقة إنها غير علمانية لانها تفرض عقيدة سياسية واحدة على السكان ، بهذا المعنى فالكتاب يضعنا امام امكانية البحث عن نموذجنا الخاص للعلمانية .

الفصل الرابع
بعض المنظورات الفلسفيّة حول العلمانيّة المعاصرة
- أوروبا والعلمانيّتان

لقد حان الوقت على الأرجح لاستخلاص بعض النتائج الفلسفيّة المتعلّقة بالجدالات التي مزقت، وغالباً بطريقة مبهمة، أنصار العلمانيّة في مستهلّ القرن الحادي والعشرين هذا. يدور الجدال حول رهانات المفهوم، وعلى الأخصّ، حول طريقة الردّ على تنامي تيّارات التعصّب والأصوليّة- هذه التيّارات التي تجسّد نفي وإنكار المبادئ العلمانيّة. كنت قد بدأت هذا المؤلَّف بالتمييز، لأسباب تعليميّة، بين مدلولين لمصطلح (العلمانيّة). الأوّل يقتضي فصلاً جذريّاً للدولة عن المذاهب؛ والثاني، أو العلمانيّة بالمعنى الواسع للتعبير، هو الذي تعترف به- وتطبّقه عموماً -الدول الديموقراطيّة المعاصرة: إنّه يجمع بين مبدأ حريّة الضّمير ومبدأ عدم التمييز لأسباب دينيّة (أو، بشكل أوسع، بسبب ارتباطات روحيّة). فالدولة (ملك) للشعب كلّه
laos))، لا لأتباع تصوّر ما للحياة الصالحة، دينيّاً كان أم دنيويّاً. أجل، بهذا الصدد بدأت النقاشات بين المدافعين عن هذه العلمانيّة (الواسعة) والمناضلين في سبيل علمانيّة (فصليّة) بصورة صارمة. لقد رأينا في الفصل الثاني كيف تتفاوت العلاقات بين الكنيسة والدولة بشدّة في قلب الاتّحاد الأوروبيّ. فهناك في أوروبا بلدان ذات تقليد بروتستانتيّ أو أنغليكانيّ (وثمّة أيضاً اليونان، وهي بلد أورثوذكسيّ) فيها دين “مقرّر” بدرجات مختلفة، بل دين رسميّ. وبلدان أخرى تعيش في ظلّ نظام العبادات المعترف بها. كما أنّ فرنسا فصليّة بصورة جذريّة (ولكنّها تقدّم دعماً ماليّاً للمدارس الخاصّة، الكاثوليكيّة في غالبيتها العظمى، وترتضي وضعاً قانونيّاً خاصّاً للألزاس- موزيل). ثمّة إذن أولئك الذين ينافحون عن المرونة والتعدّديّة في الأنظمة، مكتفين بمبادئ حريّة الضّمير واللاتمييز (حياد الدولة، واليوم حياد المجتمع، بالنسبة للدين المعلَن). وأولئك الذين يحلمون بأن يمتدّ مبدأ الفصل على النموذج الفرنسيّ ليشمل أوروبا، بل العالم قاطبة؛ ويجذّرون علاوة على ذلك هذا الفصل بمعارضتهم للمساعدات الماليّة الممنوحة بمقتضى قانون دبريه للمدارس الدينيّة، باسم مبدأ “للمدرسة العامّة، أموالٌ عامّة، وللمدرسة الخاصّة، أموالٌ خاصّة”. الأوّلون لديهم النظام الأوروبيّ، ذاك الذي يجسّده في آن الاتّحاد والمجلس الأوروبيّان. إنّ علاقات كنائس/ دول لا تدخل في الواقع ضمن اختصاصات الاتّحاد، على الأقلّ مباشرة. ولكنّه يُعنى بهذا الموضوع بصورة غير مباشرة، وسيعمل بالأحرى على إدماج ميثاق الاتّحاد الأوروبيّ للحقوق الأساسيّة في دستور هذا الاتّحاد. أما في ما يخصّ المجلس الأوروبيّ والاتّفاقيّة الأوروبيّة لحقوق الإنسان التي أُقرّت في حضنه، فإنّه من خلال المادّة 9 المتعلّقة بحريّة الضّمير والمادّة 14 (التي أُكملت بالملحق الثاني عشر) المتعلّقة باللاتمييز، قد تناولت محكمة ستراسبورغ (بطريقة ممعنة في لا مباشرتها وممعنة- أو مبالِغة؟- في حذرها) موضوع كوكيناكيس. ففي تلك القضيّة التي تَواجَه فيها أحد أتباع شهود يهوه، المتّهم بالتبشير، مع الدولة اليونانيّة، أدانت المحكمةُ اليونانَ بالطبع لأنّها تصرّفت بطريقة غير متكافئة مع الفعل غير القانونيّ لكوكيناكيس (التبشير محظور بموجب دستور هذا البلد)، ولكنّها امتنعت عن إبداء رأيها حول هذا الحظر وكذلك حول البند الخلافيّ والذي ينصّ على أنّ (ديانة المسيح الأورثوذوكسيّة الشرقيّة) هي الديانة (السائدة في اليونان). أي أنّ أنصار العلمانيّة (الواسعة) يحتلّون في أوروبا موقعاً من القوّة بحيث يمكنهم التصدّي “لهجوم” أولئك الذين يرون في المبدأ الانفصالي ألف باء العلمانيّة، ويعتبرون سائر الأنظمة الأخرى أشكال اقتراب ناقصة -ومستوجبة للنقد بصفتها كذلك - من المثل الأعلى. ولا ينبغي للنقاش بين علمانيّة (عقائديّة) (فصليّة وأكثر تصلّباً) وعلمانيّة (منفتحة) (أكثر مرونة و(حياديّة)- وأكثر شيوعاً) أن يشوَّش بمحاولات، تحدثنا عنها آنفاً، تهدف إلى إعادة استعمار المجال العامّ. إن علمانيّة منفتحة لا يمكن أن تُختزَل إلى علمانيّة رخوة، إلا للإيهام بأنّ حزمَ المبادئ وصلابتها وقفٌ على المتطرّفين والمتعصّبين. زد على ذلك أنّ تناقض هذين المفهومين لا يسمح بإدراك الفوارق بين النظم العلمانيّة - بين فرنسا والولايات المتّحدة، مثلاً، على وجه صحيح.
العلمانيّة في الولايات المتّحدة
يحيط بهذا الموضوع كثيرٌ من الجهل والإبهام. فالولايات المتّحدة فصليّة من بعض الوجوه أكثر من فرنسا: إذ لا تقدّم السلطات العامّة على سبيل المثال، دعماً ماليّاً للمدارس الدينيّة. ولكنّ التعديل الأوّل في دستور الولايات المتّحدة لا يأتي، إذا توخّينا الدقّة، على ذكر كلمة فصل، بل يتضمّن فقط، (البندين الدينيّين)، المتعلّقين بعدم وجود أديان رسميّة وبحريّة الضمير. إنّ جيفرسون هو من كان قد تحدّث، في رسالة موجهة إلى جمعيّة معمدانيّة، عن ضرورة إنشاء “جدار فصل” بين الدولة والكنائس (كان هذا موقف ماديسون أيضاً). ومع أنّ وجود دين رسميّ مقرّر لا يتعارض بالضرورة، كما رأينا، مع مبادئ حريّة الضّمير واللاتمييز، فقد اعتبرت محكمة الولايات المتّحدة العليا أنّ أيّ ارتباط بين الدولة وهذه الكنيسة أو تلك حتّى وإن كان ضئيلاً، أو أيّ دعم ماليّ، حتّى وإن كان كذلك يوزّع بين “تسميات” مختلفة من شأنه أن يمسّ بالدستور. كثيراً ما يقال إن الدولة في الولايات المتّحدة علمانيّة والمجتمع متديِّن. لا ريب أنّ هذا البلد قد يشكّل، في نظر البعض، دحضاً حيّاً لمبدأ فيبير (نزع السحر عن العالم) الذي ألمحنا إليه آنفاً. وفي حين أنّ نزع كنسيّة أوروبا1 unchurching of Europe، بما فيها المملكة المتّحدة، هي ظاهرة شبه عامّة، فالدين في الولايات المتّحدة منتعش ومزدهر. وقد وجد توكفيل Tocqueville، في العام 1830، تفسيراً لذلك: بما أنّ الكنائس لم تُشرَك يوماً في السلطة فلم يكن من الممكن أن ينوبها نصيب من فقدان الثقة المحتمل الذي تعرّضت له السلطة الزمنيّة، بخلاف وضع الكنيسة الكاثوليكيّة إبّان الثورة الفرنسيّة. الفصل، في رأي مؤلف الديموقراطيّة في أميركا La démocratie en Amérique، يشكّل أحد أهم الأسباب في بقاء الكنائس ودوام حيويّة الشعور الدينيّ. اختلاف آخر مع أوروبا- وخاصّة مع فرنسا- يشكّله ذكر الله، الشائع في فعاليّات الحياة العامّة. هذا العرف الأميركيّ يمنح الدين حضوراً مرئيّاً لا يحظى بمثله في أوروبا. ولكن مما تجدر ملاحظته أنّ هذا المرجع عامّ ومجرّد، وأنّه رمزّي بحت ويصلح لجميع الملل، للأديان التوحيديّة على الأقلّ، وهو ما يضع اللاأدريّين والملحدين (بل الوثنيّين) في موقف مربك إلى حدّ ما، ذلك أنّ مرجعيّة سلطات الشعبlaos بأكمله هي عبارة عن كيان روحيّ لا يعني لهم شيئاً، وهم يشكّلون مع ذلك أفراداً كاملي الحقوق من... الشعب. ليس ثمّة البتّة ما يمنع المرء في الولايات المتّحدة من أن يكون لاأدريّاً، بل ملحداً، وأن يبدي هذا ويجاهر به: فالتعديل الأوّل (وهو هنا، بند حريّة التعبير) في هذا الشأن خيرُ حامٍ. ولكن، بوسعنا القول، إنّه لمن الصعب من الناحية الاجتماعيّة ألاّ يكون للمرء دينٌ ما في هذا البلد. فالدين هناك يعتبر ظاهرة طبيعيّة إلى درجة أنّ اللاأدري والملحد يبدوان في أحسن الأحوال غريبَي الأطوار. تلخيصاً للمسألة أقول إنّ الولايات المتّحدة هي من ناحية أكثر فصلاً من فرنسا، ولكنّ (التسميات) الدينيّة المختلفة هناك أكثر نشاطاً وازدهاراً بما لا يقاس، وإنّ السلطات العامّة تذكر ربّاً بوسعه أن يجمع عدداً كبيراً من الأفراد- عدا أولئك الذين لا يؤمنون به ويعلنون ذلك. غير أنّه ليس لعدم الإيمان هذا انعكاسات قانونيّة سلبيّة- وربما ترتبت عليه فقط تبعات اجتماعيّة غير مستحبّة. إنّ الولايات المتّحدة هي على الأرجح أكثر (لباقة سياسيّة) من الأوروبيّين بكثير في مجال العلاقات الاجتماعيّة بين المواطنين. ولكنّ المحكمة العليا بصفتها الكفيلة للتعديل الدستوريّ الأوّل، أقلّ التزاماً بهذه اللباقة من المحاكم الأوروبيّة، وبخاصّة محكمة ستراسبورغ. فإدانة مؤسّسة أوتو- بريمنغير، أو حتّى يرزيلد، لا بل محاوريه العنصريّين، أمرٌ يصعب تصوّره في الجانب الآخر من المحيط الأطلسي. أيّة نتيجة يمكن استخلاصها من مقاربة عامّة كهذه، إن لم تكن مشقّة إدراك الاختلاف بين أوروبّا والولايات المتّحدة اعتباراً من أنواع العلمانيّة (الصارمة) و”المنفتحة” أو (الجديدة) فعلى صعيد العلاقات بين الكنائس والدولة نرى أنّ أميركا قريبة من فرنسا؛ أمّا في ما يتعلّق بحيويّة الدين في المجتمع ودوره الرمزي في بعض مظاهر الحياة العامّة، فتعتبر فرنسا والولايات المتّحدة على طرفيّ نقيض.
الخطران الناجمان عن الأخلاق العلمانيّة
ينبغي إذن تجنّب إعطاء مثل تلك التباينات قدرةً إيضاحيّة مبالغاً في أهميّتها. والأمر عينه ينطبق من ناحية أخرى على التباين، الذي استُخدم في الفصل الثاني، بين العلمنة والدنيوة. من وجهة النظر هذه، لا بدّ من الرجوع إلى التحليلات التوضيحيّة التي قدّمها مارسيل غوشيه حول “الدين في الديموقراطيّة”. لا يمنح غوشيه قيمة إيضاحيّة للمقولتين التوأم والمتنافستين المتمثّلتين في العلمنة والدنيوة: ذلك أنهما تقنّعان ظاهرة أساسيّة قامت على إعادة بعث العناصر الدينيّة في عالم طرد الدين شيئاً فشيئاً من المجال العامّ. إنّ حالة الأديان العلمانيّة (الشيوعيّة على وجه الخصوص)، التي بشّرت بخلاص على الأرض في نهاية التاريخ لا في العالم الآخر والحياة الأبديّة، أشهر من أن نشدّد عليها هنا، نظراً لأنّ توقّعاتها الألفوية قد آلت إلى كارثة وإخفاق ذريع. ولكن البعد القدسيّ، وبالتالي “الدينيّ”، قد استمرّ في قلب الديموقراطيّة نفسها: إذ شكّلت الدولة الجمهوريّة في فرنسا بديلاً حقيقيّاً للمقدّس- “علمانيّة” ملعونة إذا جاز التعبير-، يشعر نحوها المواطنون (وليس فقط “فرسان الجمهوريّة السود”) بالتزام وإخلاص قويّين. فقد توجّب على المدرسة تكوين مواطنين، في البداية وقبل كلّ شيء، عبر تنشئةٍ قوامُها الأخلاقُ العلمانيّة، التي يفترض أن تحلّ محلّ التعليم الدينيّ والأخلاق التي يشجّعها ذلك التعليم، الصحيحة بالنسبة لفئة من الشعب
laos فقط. ولكن استعارة الكلّ والجزء لا تسمح بإدراك التوظيف لمصلحة الدولة الجمهوريّة بشكل صحيح: فالدولة لم تشكّل فقط نوعاً من حَكَم رفيق بين القيم المتنافسة- ولكنّها حصرت بها قيمَ المصلحةِ العامّة والخيرِ المشترك والعملِ السياسيّ بالمعنى الراقي للتعبير. ولهذا السبب كان ذاك الحجم من الالتزام، من الارتباط بالمبادئ ومن “المقدّس” واحداً في الجوهر في المعركة العلمانيّة المناهضة للتعصّب الدينيّ وللرغبة، التي كان ذلك الأخير يجسّدها، في استملاك الشأن العام. لقد تكلّمتُ في ما سلف عن المشكلات التي يطرحها مفهوم “الأخلاق العلمانيّة”، المُفترض أنّ يوفّر الأساس الأخلاقيّ والفلسفيّ للالتزام العلمانيّ. ولقد رأينا أنّ بديلاً هدّاماً كان ينبغي تجنّبه كيما يكون للأخلاق العلمانيّة مدلول إيجابيّ ونقديّ، كي لا تصبح غايةً في “الهزالة” وتختزل إلى قواعد للسلوك الحسن، للاحترام المتبادل وللباقة السياسيّة political correctness: في هذه الحالة، كان من الواجب تجنّب المسائل التي تثير الاستياء وتدعو للفرقة والانقسام تجنّباً تامّاً، كما بدت رغبة جول فيرّي- على الأقلّ بالنسبة للمدرسة-. ولكن الخطر بدا مضاعفاً: فمن جهة، ثمّة خطر اختزال الالتزام السياسيّ والنقاش والقرار المرتبطة جميعها بمسائل الصالح العامّ الشائكة، إلى القاسم المشترك الأصغر؛ ومن جهة أخرى، هناك خطر دفع التسامح إلى درجة يبدو معها أن قرار أوتو-بريمنغير قد أصبح قانون العلاقات الإنسانيّة المعاصرة، ممّا سيقود بشكل شبه محتّم إلى وهن النقاش وموت الجدال، وهما عصب الحياة بالنسبة للديموقراطيّات. أو- وهذا بديل آخر- إدراك الأخلاق العلمانيّة بمعنى نضاليّ ودغمائي، وتعريضها هذه المرّة لـ “نزع العلمنة” عنها بتسليمها، مشدودة الوثاق، إلى فئة من الشعب laos : إلى أصحاب الفكر الحرّ ومعارضي تدخّل الإكليروس في الشؤون العامّة؛ إلى الاشتراكيّين والفوضويّين وأنصار البيئة ورجال الدين “المستنيرين”، والبعض منهم لن يألوا جهداً في استرداد مواقعهم. لمّا كنا نعيش في مجتمعات تعدّديّة بصورة واسعة- الأمر الذي يشكّل تأثيراً لا يمكن إغفاله لحريّة الضمير ولرفض فرض حقيقة أخلاقيّة وحيدة، -من أعلى-، فغنيّ عن البيان أنّ تعريفات الأخلاق العلمانيّة ستكون، إذا لم نتوقَّ ذلك، مرتبطة بطريقة أكثر أو أقلّ “خفاءً” بتصوّرات خاصّة للخير الروحيّ أو السياسيّ. بحيث يُحتمل أن تعكس هذه الأخلاق التي كانت محطّ آمال العلمانيّة، ببساطة، علاقات القوى الإيديولوجيّة في زمنها. ولكن لا بدّ من توضيح حول هذا الموضوع. ولقد قدّمه هنري بينيا- رويث في كتابه “الله وفرنسا” فالأخلاق العلمانيّة، ليست الإحجام الحذر والرخو الذي أشاد به فيري، ولا هي دغمائيّة أولئك الذين يخفون تحت ظواهرهم العموميّة قيمهم وإيديولوجيّاتهم الخاصّة. إذ ستفقد في كلتا الحالتين أيّ معنىً لها. أجل، هناك محاسن ومثالب مرتبطة بالموقفين: فالإحجام، والتسامح الذي يعمل كرقيب ذاتي، يتفاديان الدغمائيّة وخطر الأديان العلمانيّة، أي خطر إعادة توظيف المجال العامّ لمصلحة تصوّرٍ أو تصوّراتٍ خاصّة للخير. ولكن العيب الأكبر لموقف كهذا يتجلّى في كونه يترك حتماً الدرب مفتوحاً أمام “الحلف المقدّس” للكنائس، ذاك الذي سبق لـ ألان فينكيلكراوت Finkielkraut، أن ندّد به. فإذا لم يستفد المجال العامّ إلاّ من توظيف أخلاقي وثقافيّ في حدّه الأدنى بدون التزام أو ولاء “قويين”، فستكون مسائل الصالح العامّ الكبرى موضوع اتفاق بين مجموعةِ طوائفٍ، هي الوحيدة في احتفاظها بـ “ذخر” من الإخلاص الذي تعزّزه، وفقاً لبعض الكتّاب، العولمةُ الراهنةُ وإضعافُ الدولة. ولكن لا ينبغي لهذا الإضعاف، الذي لا مناص منه ربّما بالنظر إلى النزعات “الثقيلة” التي تصاحبه، أن يُفاقَم بالالتباس الذي يكتنف الأساسات الأخلاقيّة والثقافيّة للالتزام العلمانيّ. هل نحن إذن في دائرة مغلقة، متنازَعِين بين أخلاقٍ علمانيّةٍ لا وجود لها، أوهى من أن تتوازن مع الولاءات “الحارّة” للمجتمع المدنيّ، وبين أخلاقٍ علمانيّةٍ مفرطة في قوّتها وفي خصوصيّتها وفي دغمائيّتها؟ ستكون العلمانيّة في الحالتين خاسرة حتماً: فقد لا تستطيع الصمود أمام إعادة احتلال ممثّليّ مفهومٍ خاصٍّ للخير (وهم غالباً قد نصّبوا أنفسهم) للمجال العامّ، أو - وهذه فرضية ثانية- قد تصبح الأخلاق التي تؤسّسها هي نفسها خاصّة ونسبيّة و”اجتماعيّة”، تتأرجح تبعاً لاتّجاهات الحركات الإيديولوجيّة. باختصار، يُحتمل، في الحالتين، أن يهيمن الحكم المسبق والتصوّر الخاصّ على شعب راح يرزح من جديد تحت نير العبوديّة، حتّى ولو كانت هذه الأخيرة- مؤقّتاً؟- رخوة وناعمة، وبكلمة مقتضَبة “ديموقراطيّة”.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة