المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

الرحلة البغدادية . نص في رسائل

قاسم محمد عباس

 2 
عبثُ كل تلك الكلمات التي وصفت بها الحديقة القتيلة، فلا يمكن أن يكون تعثرك برسائلي علاجا لحزنك على ما آلت إليه حياتنا هنا. أحياناً أفكر أن حياة العراقيين عموما ليست إلا رحيلاً وهجرات دونما هدف إلا الإبقاء على الحدود المقبولة من البقاء.
فأنا وأنت ومنذ أسبوع نتحدث عن المطر لديك وعن الحديقة المغدورة في البيت القديم هنا، أتساءل عن قيمة هذا الأمر بالنسبة للآخرين.. فالحديقة التي نتحدث عنها ليست سوى مجموعة أشجار وزهور وحشائش رافقتنا بضع سنوات، وتتأتى قيمة تلك الظلال والروائح والصباحات من عدم قدرتنا على نسيان ماضينا بالقرب منها. قد لا يكون الأمر على هذا النحو، لكنني افزع من فكرة أن لا خيار سوى هذه المدينة التي يتساقط وجودها يوماً بعد آخر.
عموما ربما أكون أنا نفسي أقف موقفا محبطا من المكان هنا، ولكنني احمل معي زمانا من المسرات والذكريات يتحرك كالزئبق وسط دوامة الظلام والترقب والموت، لم يعد لشيء من معنى بمجيء صباحات كهذه، فقد سبق فهمنا لصباحاتنا الماضية كاستخراج ليقظتنا من ليال صيفية عذبة، لكنها الآن لم تعد سوى ترقبات للطريق، صباحات صارت رعبا مليئا ببقايا انفجارات، فخوف الأمهات والزوجات لم يعد من ليل محفوف بطرقات الأبواب، أو أصوات سيارات الأمن كما كان يحدث وإنما من صباحات مرعبة تفتتح بانفجار هنا أو اغتيال هناك،في وجه صباح بوجوه أغمضت على أخاديد ودم متيبس.
ذكرت في رسالتك معنى: تعال، فمقامك في تلك الصحراء بلا معنى أو انك مهووس بمدينة من وهم.أفكر بأغنية قديمة وأنا اقرأ كلماتك، اضحك واشعر بالأسى على مسرات المراهقة التي اختصرناها بمعنى أن نرقص ونقتلع الأفراح من قلب الفقر والمدارس وليالي الصيف والبعوض،قلوب مضطربة بالحب والكتب والامتحانات. هل تتخيلين أنني أتذكر كل تلك الليالي الصيفية، نحن نعود بسيارة اللادا من المحيط نحو الاعظمية عابرين الجسر، ونسمات أول المساء تملأ صدورنا، وتعبئ أكمام ملابسنا.كنت تجتهدين بعواطفك وأنت تمدين كفك من النافذة تغرفين من هواء النهر، وخلفك مصابيح ملونة تتلألأ من فضاء الكاظمية، أنت الجامعة بين لونين وفضاءين، كفك حد فاصل وجامع بين جنتين من ماء وأشجار ولون وتاريخ.
..أنني مخذول بمدينة من الخيال، ربما أكون قد خذلت نفسي قبل أن تخذلني المدينة، فلطالما نظرت إليها بعين العارف بأسرارها، كمن كنت اسوطها بمعارف وتواريخ، كنت دائما اختصرها بأطفال، فلم يكن من المجدي اليأس من مدينة طفلة. هل يتوجب أن امزج بين وجودها كخرائط حزينة وبين وجود من بقايا وجدران وحواجز وأسلاك وعيون مرتعبة، أحار من مزيج من اللامعقول والفوضى والجمال والشعر والجنون. يوم أمس ظننت أنني في مدينة أخرى... حينما كنت أتسوق بالقرب من محطة أبو أقلام... استوقفني مشهد وحيد لن يتكرر كل يوم... صدمني المشهد للوهلة الأولى.. لما اضطررت لشراء عصائر لوجبة السحور من إحدى المحال هناك، واجهة المكان المسور بسور من ألآس غطى على صورة فتيات ثلاث ببنطلونات الجينز يحلقن حول مائدة ملونة تحت ثريا من المصابيح، هززت رأسي محاولا إخفاء لمحة الحياة هذه عن وساوس المتربصين بحياة الناس هنا.
اللاابالية التي كانت تصدر عن الفتيات ألهمتني أملا جديدا، إن الحياة ستستمر على الرغم من مطحنة الموت، لم يكن بوسعي الخروج من بحر الضوء هناك بالقرب من الشارع الرئيسي للكرادة، لكنني تذكرت أن التوقيت الشتوي منّ علي بساعة أخرى اقضيها خارج البيت، حملت أكواب الكارتون المليئة بكوكتيل العصير، ووضعتها بهدوء في المقعد الأمامي للسيارة، ومسحة من الهدوء اجتاحت روحي لمرآى الفتيات بعد الساعة السابعة وهن يحلقن حول طاولة حمراء انتشرت فوقها كؤوس كبيرة ملآى بالفواكه والعصير. هل يمكن لصورة كهذه أن تتسبب بكل ذاك الهدوء؟
خلال مسيري نحو ساحة التحرير مرورا بمكتبات الباب الشرقي، تذكرت وصفك لهروباتك من الجامعة نحو مكتبات ساحة التحرير مع صديقاتك،بحثا عن معرفة معاكسة، وقررت أن احفظ لك كل تفصيل يمحو من عقلك صورة المكان، فأقول لك: ليس الموت من نصيب الوحوش والقتلة، إنما الموت الأبدي ليس إلا لاماكن مستعبدة ومهجورة كما رأيت المكان عند الغروب.
ليس بقدرة احد أن يبعث الروح بالمكان الذي مررت به وسط ذلك الظلام، ازدادت ظلمة نفسي، واختفى الهدوء، وغدت مشاعري بلا معنى، أو لم أجد في أحاسيسي معنى يمكن قوله في تلك اللحظات. آه من مدينة ميتة، آه من مكتبات مقهورة، آه من ساحة لجواد سليم بهذه العبودية، لم يكن النصب ولا ساحة التحرير إلا خرابة شاخصة حيث لا نجوم في السماء، لم أكن متأكدا من أن وجوداً أنا فيه، أم فناء في جحيم.
إنها مدينة قتيلة بالبؤس والخوف والقسوة.
وكما كنت قد طلبت مني، فقد خرجت اليوم مبكرا، كي أصور لك كتب الرحلات منها رحلتين عثرت عليهما في سوق السراي، أما الأخرى فقيل لي إنني سأجدها في مكتبة المتحف، ولكنني قبل ذلك وجدت أن ألبي بعض احتياجات البيت قبل الذهاب إلى المتحف، فقد أضعت أكثر من ساعة في ساحة بيروت حيث قطع الأمريكان الطريق المؤدي إلى الباب المعظم، بملابسهم المرقطة، وأحذيتهم الثقيلة، بعد أن ترجلوا من آلياتهم وراحو يرسلون نظراتهم من وراء نظاراتهم السود، كانت الموسيقى المنبعثة من أجهزة مذياع الراديو لمجموعة من السيارات عند إشارة المرور مزيجا من الأدعية وأغاني فيروز وإخبار البي بي سي، وجوه متغضنة متوعكة خارجة من ليلة مليئة بالظلام واللزوجة والسهر. انتظرنا نصف ساعة وأمامنا على الجانب الآخر من الطريق المؤدي إلى الباب المعظم آلية أمريكية أشبه بوحش يرتدي قفصا حديديا، لم نتبين لم يقطعون الطريق علينا كل هذا الوقت... ولم يكن بوسعي أن اصعد الرصيف ومن ثم العودة باتجاه معاكس فحركة مثل هذه في ظل هذا الزحام ستتسبب بفوضى كبيرة، احتشدنا وأرجلنا تهتز قلقا.. بينما اتخذ رجال المرور موقفا محايدا، أو إنهم وقفوا في نقاطهم دونما حراك، لا يعرفون ما الذي يتوجب فعله وهم يواجهون نظرات تذمر وانزعاج من وراء زجاج نوافذ السيارات، تعالت ضحكات من مجموعة أطفال كانوا في طريقهم إلى مدرستهم في باص مدرسة وقف إلى جنبي، ضحكات اخترقت الصورة وذكرتني إننا الآن في طريقنا نحو انعطافة الباب المعظم. نظرت إلى الأطفال فوجدتهم يتضاحكون غير عابئين بهذا الانتظار.
كنت أوزع نظراتي بين المقود ووجوه الأطفال في السيارة المجاورة. اطمأنت نفسي لمشهد الأطفال وهم يشطبون على حذري وترقبي وتوتري، فوجدت أن اخطط لإنجاز مشاويري قبل الذهاب إلى المتحف ومن ثم الجريدة، قنينة الغاز الفارغة في صندوق السيارة، لائحة طلبات التسوق لليوم في جيبي، الغاز بالقرب من محطة وقود المستنصرية، أما التسوق فمن سوق باب المعظم مرورا بكلية الآداب، إذن اصل إلى الجامعة المستنصرية ومن ثم أكمل طريقي نحو كلية الآداب في الباب المعظم... قفزت من مكاني عندما مزقت المشهد رشقة من رصاص مفاجئ خلف صراخا وفوضى كبيرين، صرخات الأطفال أفزعتني وهم ينزلون رؤوسهم أسفل النوافذ، أما السيارات فراحت تتقافز صاعدة الأرصفة وهي تختفي في أزقة قريبة، التفت إلى الخلف كان الطريق خلفي فارغا، استدرت وصعدت الرصيف لأسير في الاتجاه المعاكس..
تركت إشارة المرور خلفي تعج بتصادم المركبات، والجنود الأمريكان يلوحون بأيدهم ينهرون المارة والسيارات... لم يعد ممكنا الخروج مبكرا، كنت ألوم نفسي على بقائي في السرير حتى العاشرة صباحا.. اليوم تأكدت من أن نظرية أمي وزوجتي عن النهوض المبكر سخيفة وبلا معنى.. قررت أن اشتري الغاز من السوق السوداء واخلص، أما الخضار ووجبة الفطور لهذا اليوم فيمكن تدبر مكان آخر.. وجدت نفسي اقطع الطريق نحو زيونة تاركا ورائي طريقي اليومي.. رن تلفوني فكانت زوجتي في الطرف الآخر تسألني إن كنت وصلت محطة الوقود.. وقالت إنها سمعت انفجارا قريبا من البيت، طمأنتها واقفلت الخط.. وعدت أدراجي إلى البيت.
شعرت برغبة في أن كون في غرفتي أو في الجريدة... كيف يمكن الوصول إلى الجريدة البيت اقرب لي الآن.. وسيأتي وقت آخر لزيارة المتحف.
وصلت البيت كمن تحطمت على جسده مئات العصي... أدرت محرك مولدة الكهرباء، وجلست في الصالة أمام مبردة الهواء لدقائق. ثم استحممتُ وتمددت لدقائق ودفقات الهواء الرطب تلفح وجهي لم تسألني زوجتي عن الغاز أو الخضار، لكنني أخبرتها أن الأمريكان قطعوا الطريق، ويجب أن أكون في الجريدة.. ضحكت أمي من مشواري المبتور، وقالت ليذهب فؤاد إلى السوق القريبة.
ارتديت ثيابي وخرجت ثانية أفكر بالطريق الذي يتوجب أن اسلكه نحو المتحف أو الجريدة ؟
لم انجح عزيزتي في الوصول إلى مكتبة المتحف، لكنني وجدت فرصة للوصول إلى الجريدة،
كتبت إليك ردا مسهبا عن إجراءات بيع البيت، وأنت حرة في رفض أو قبول الفكرة، لكنني فقط ادعوك لان لا تكوني محافظة في قضية بيت العائلة وذكريات الآباء، والأجيال التي عاشت هناك، تاركة ذكرياتها على الجدران والأثاث وما شابه من هذا الكلام، لان الموضوع بمنتهى البساطة، نحن سجناء وعينا ونحن أطفال، وعذابنا الحقيقي هو تلك المسافة الفاصلة بين وعيك الآن ووعيك في ذلك البيت، اقدر بمحبة قصصك عن البيت، ولكنني أرى أن تعيدي النظر من هناك بتلك القصص التي تدغدغ تفكيرك ومشاعرك، فالموضوع في جوهره، البحث عن هوية، هوية بمعنى الانتماء إلى جماعة ما، الانتماء لمدينة أو بيت، مع أن فكرة زوال هذا التأثير يتكفل الزمن بتضييعه. لم يعد ما يهمك أو تصحين كل صباح على وقع محبته والحنين إليه، لم يعد لذلك أي تأثير على نظرتي للبيت، فهو مثل آلاف البيوت الأخرى، فعل الزمن فعله معها، وجددت روحه، وشيدت فوق ماضيه عمارات وبنايات وأسواق، أنت الآن طبعا تطبقين فمك على انزعاج من وصفي له، لكن الأمر على هذا النحو، أم لم اقل انك تبالغين وأنت واقعة تحت تأثير المسافة البعيدة بينك وبين حياتك فيه.
لم حياتك مرتبطة بحديقة يابسة، ومدخل من سلم معقوف لبيت بغدادي متهالك، فأنت مسجونة بالذكرى لا بالواقعة، حتى أنني أتخيلك ستشعرين بالقرف لحظة أن يقع بصرك على التغيرات التي حصلت حول البيت.
سأكتب لك لاحقا عن حقيقة مشاعري، بل وحتى ما افهمه من إصرارك على فكرة الانحياز للبيت على حساب موت حياة بأكملها.
أنا الآن في طريق العودة الظلام يلف ساحة التحرير، وكائنات جواد سليم بلا ملامح، ثمة سيارة للشرطة تختبئ تحت النصب، وكلاب وقطط تعبث بأكوام أزبال بالقرب من الحديقة، عدلت من وضع أقداح العصير، ورحت اقترب ببطء من كنيسة الباب الشرقي... قبيل النفق بخطوات وقف عسكريان يحملان السلاح، أوقفاني وطلبا أن أضيء داخل السيارة، وفتشا السيارة بكسل واضح، وطلبا مني أن لا أتأخر بعد هذا الوقت.. شكرتهما وواصلت السير نحو البيت.


ثقافتنا: رهانات مغامرتها الخاصة
 

سعد محمد رحيم

هناك، في دوامة هذا التشوش والخراب الذي نعيشه، مؤشرات صحية قليلة، هي التي تمنحنا بعض الأمل، القليل منه، والذي هو ضروري أيضاً كي نستمر في البحث عن بصيص ضوء، كما يقال، علنا نعثر على سبيل خلاصنا. وأحسب أن أهم ما يمكن أن نفعله، الآن/ هنا، هو أن لا نكف عن النظر إلى حالنا ( تاريخاً وثقافة )، معرضين إياها لأقصى ما نستطيع من التمحيص والتقويم والتساؤل، أقصد النقد. على أن نتحمل بشجاعة، ومن دون مواربة أو نفاق، نتائج ما يتكشف لنا، لأننا إذا لم نعرف ونتعرف على أنفسنا ووضعنا وتاريخنا تحت الشمس فإننا ماضون قطعاً إلى الهاوية. وما أقصده في هذا المقام هو ببساطة الشروع بالنبش في حقلنا الثقافي. في منظومة ثقافتنا ( مفاهيمها وأنساقها )، في صيرورتها وتاريخها، أي مغامرتها في الزمان والمكان، مع التأكيد على، أو عدم نسيان ذلك السؤال الأبستمولوجي الخطير؛ ما الذي يعيق حقاً ثقافتنا من التفتح والنمو والإبداع؟. فالشرط الأبستمولوجي لأية معرفة هو في تأشير ما يعيق تفتحها ونموها. وحين نتكلم عن "معرفة" تخص نهضتنا إنتاجاً وتداولاً وتفاعلاً وفعلاً في الواقع نجد سلسلة من عمليات إجهاض منظمة مورست ضدها وأعاقت تراكمها من قبل قوى وسلطات اجتماعية وسياسية، داخلية وخارجية، مباشرة وغير مباشرة ناهيك عن الإكراهات التي يمارسها الذهن نتيجة وجود عادات وآليات تفكير وقوالب مسبقة تشكل إعاقات ذاتية للفكر ويسميها علي حرب ب "الممتنع" كي يفرقه عن "الممنوع" الذي هو جملة المعوقات الخارجية "سياسية واجتماعية" للفكر. وعموماً فإن إعاقة نمو المعرفة والحجر على حرية إنتاجها وتداولها، لا سيما في مرحلة التحديات التي يواجهها المجتمع ترجع إلى المحددات المرسومة للعقل في أن لا ينتهك حرمة منطقة واسعة تبقى مسكوتاً عنها، ويمنع دخولها والتساؤل حولها.
لم تستطع ثقافتنا المعاصرة أن تمضي بمغامرتها الخاصة، منذ عصر النهضة العربية، قبل أكثر من قرن، شوطاً أبعد، فقد ظل التردد والتحسب والخوف، وأكاد أقول الجبن سمات واضحة لمساحات واسعة من تلك الثقافة.. كانت هناك خشية من إثارة الأسئلة الصادمة التي تتحرش بالتابوات الموروثة، وكذلك المبتكرة حديثاً. وحتى إذا ما طرحت الأسئلة كانت الأجوبة تبقى قاصرة، مخاتلة، منافقة، تخشى دخول المساحات المحظورة، وتتجنب الخطر، فإحدى وظائف السؤال هي خلق التوتر بين الفكر والواقع، فالسؤال مواجهة وإعلان اتهام، واستجواب واستنطاق ومحاولة استشفاف للواقع من أجل الوصول إلى حكم تاريخي ( ربما، هو لا عقلانية هذا الواقع الذي نعيشه ).. إن ازدهار الثقافة لن يكون من غير مغامرة حقيقية تواجه خلالها الثقافة تاريخها، أي نفسها، بثقة وشجاعة، ولا تأبه للنتائج، ذلك أن النتائج حينئذ ستكون في صالحها حتماً.
بقيت سلطة ( النقل ) فاعلة داخل الفضاء الفكري العربي لقرون طويلة كابحة أي توجه عقلاني، نقدي وإبداعي، وبالتالي فإن فكر النهضة العربية كان رهانه الوحيد والصعب هو انتزاع السلطة من جهة التكرار وإعادة إنتاج القديم يوماً بعد آخر، ومنحها إلى جهة العقل والحداثة والإبداع، فهل نجح في هذا المسعى؟.
لم تفعل ثقافتنا، أو مساحات واسعة منها، في الأقل، ذلك بل اكتفت بالعموميات والصيغ الجاهزة، والثنائيات، وكره التفاصيل والإسهاب والحفر، أي كره التفكير المتأمل، المتعمق، الواسع المستديم.. إن هذا العالم المعقد المتشعب الغامض، والمملوء بالمجاهل والمناطق العذراء غير المستكشفة بعد، كان يختزل إلى بضع جمل مبسطة في الثقافة السائدة الرديئة.. جمل مخدِّرة، تمنح اطمئناناً كاذباً، ومعرفة شاحبة وفقيرة إلى حد مؤس، ورضاً متوهماً عن الذات، وانفعالات هائجة، معادية لكل ما هو خارجها، أي خارج تلك الذات. إن ثقافة كهذه لا يمكن أن تسترشد بالواقع وترشده وتتفاعل معه عبر ابتكارها لمناهج ومفاهيم وأفكار قادرة على الاستمرار المبدع ناهيك عن استحالة استيعابها لقيم المحبة والتسامح والعدالة والحرية.. وهي، عندئذ، وببساطة لا تقبل اللبس، ستكون غير إنسانية، وهنا موئل الخطورة، فهي بإخفاقها ذاك ستفقد بعدها الإنساني، وستسوّغ العنف ضد الآخر/ المختلف حتى وإن كان هذا العنف سيفضي بالإضرار بمصالح متبنيها.. ستكون ثقافة جاحدة، مغلقة على نفسها، مكتفية بذاتها، تعتقد أنها الحقيقة المطلقة وما عداها مروق وكفر وضلال.. وبذا ستقول بالموت، الموت وحده، لأنه هو العتبة التي ستفضي، على وفق منطقها المعوج، إلى الخلاص، وهو خلاص، لاشك، يائسٌ وموهوم.
تتجذر ثقافتنا في الماضي، لكنها لا تتمثله في روحه، لغياب المنهج النقدي، بل تفهمه مثل شيء هلامي، ساحر وخلاب، كما أطياف الحلم، تحاول استعادته من دون جدوى.. ثقافة لا شأن لها بالمستقبل، أي أن المستقبل ليس شاغلها الرئيس، إلاّ في ضوء تلك الرغبة والهواجس المستحيلة في أن تعيش، أو تتعايش مع تلك الأطياف مجدداً، وهذا ما يجعل من علاقتها بالحاضر هشة، في حقيقة الأمر، غير مبدعة، مخربة ، فلقد تحول الماضي إلى عبء بدل أن يتحول إلى قوة دافعة خلاقة.. إلى ذريعة للكسل والاطمئنان، وإلى انكفاء الإبداع والعطاء العلمي والثقافي، وانحسار قيمة العمل.
والآن، ما الذي يغذي الآخر؛ الوضع المتردي هو الذي يبقي الثقافة شاحبة تعاني من عقم مزمن، أم أن الثقافة الشاحبة العقيمة المهيمنة على العقول هي التي تدفع بدأب الوضع إلى التردي والانتكاس/ الوضع المتردي بأبعاده الاقتصادية والاجتماعية المزرية والظالمة؟. لا شك في أننا إزاء حلقة مفرغة كتلك التي تعيد إنتاج الفقر في الدول المتخلفة، إذ تؤدي قلة الدخل إلى تراجع مستويات الطلب الفعال، وشحة الادخارات ومن ثم الهبوط في الاستثمار والإنتاج، وانتشار البطالة الذي يعني انخفاضاً جديداً في الدخل يفضي إلى تفاقم في الكساد الاقتصادي. وعلى الصعيد الثقافي تبدو الحلقة المفرغة أشد تعقيداً والتباساً، فها هنا نجد حلقات مفرغة صغرى تشكل سلسلة أو سلاسل متداخلة مشتبكة، تبعث على الأسى والاضطراب.
الثقافة هي حقل المعنى، حقل الانشغال باكتشاف وابتكار المعنى وإعادة إنتاجه. ولذلك فإن الثقافة هي شرط الإنسان للخروج من عدمية المملكة الحيوانية، وهي ضمانته ورهانه ليعقل حياته، ويكون كائناً حضارياً وتاريخياً، أي كائناً فاعلاً ومنفعلاً في الصيرورة الاجتماعية/ التاريخية. فالمعنى هو الاستدراك العقلاني للحياة/ حياة الكائن الإنساني.. إنه النسغ الواصل بين تلافيف الأشياء المحسوسة والمرئية والأشياء اللامحسوسة واللامرئية، بين الفكر والواقع، بين التاريخ والمجتمع، بين الماضي والحاضر والمستقبل، بين معطيات وحقائق الواقع والمخيال.. إنه العلامة على وجود الإنسان في العالم، وامتياز هذا الوجود.. أن تستشف أو تحاول عناصر العالم الكثيفة بفوضاها وتتبين النظام الخفي في علاقاتها سياقاً وقوانين وغايات.. المعنى ليس مطلقاً، ليس جوهراً مستقلاً، وليس شيئاً موضوعياً تماماً، ليس سابقاً على الأشياء في وجوده وليس لاحقاً بعد التأسيس.. المعنى يتأسس ويتلبس الشيء المحسوس ليكون روحه، معنى الشيء لا يتأتى إلاّ من طريقة وجود هذا الشيء وعلاقته مع الأشياء الأخرى، ومع عقل الإنسان الذي يستشفه أو يبتكره ويشكله في نظام قول. والمعنى أخيراً ينتمي إلى الإنسان وتفكيره ورؤيته، وإلى تاريخ الإنسان، إلى تاريخ تجربته ومعرفته. فمن يحقق المعنى ويجسده هو الإنسان.. كل إنسان تشغله قضية المعنى هو الإنسان المثقف حصراً، وهنا يكمن الفرق الجوهري بين الإنسان الاعتيادي والإنسان المثقف، فالأخير هو من تشغله قضية المعنى على حد تعبير محمد أركون. والمثقف كائن في حضرة اللغة.. إنه من يُسكن العالم ( زماناً ومكاناً ) في اللغة، على أن تستحيل اللغة حاضنة للإبداع والإنتاج المعرفي، لا وسيلة ثرثرة وهراء، إذ علينا أن نفرّق بين الدعي الثرثار المتحذلق والمثقف اللاعب الماهر في ساحة الفكر.
في أفق الحداثة يقف المثقف المعاصر  الحداثة بعدِّها مشروعاً مفتوحاً ومستمراً، يهيئ شروط انبثاق الإنسان المبدع وبزوغ حريته. فلا يزال وسيبقى معنى الوجود الإنساني كامناً في فكرة الحرية، الحرية التي من دونها لا نستطيع الحديث عن مشروع حداثة ونهضة، وعن الإنسان. وإذا كان ألان تورين يشير إلى ضرورة إعادة اللحمة بين الذات والحرية ( شذرتا الحداثة ) مع العقلانية، بعد أن انفصلت هذه الشذرات، بعضها عن بعض، في إطار الحداثة الغربية، فإننا في إطار نهضتنا المفترضة لم نعثر على، أو ننتج هذه الشذرات بعد.
لا ريب، في أن النهضة العربية بأسئلتها وبمنظومتها المعرفية المقترحة، سعت إلى زحزحة المنظومة التقليدية للفكر العربي طارحاً إشكاليات جديدة ومجترحاً وعياً مغايراً منطقته ووجهته التاريخ والذات والآخر. وفي هذا الخضم تواجهنا عديد من الأسئلة، منها؛ هل كرسنا حقاً مفاهيم الذات والحرية والعقل، هل جعلنا لأسئلتها الأسبقية على الأسئلة الأخرى؟. أم إننا تعاملنا معها بسطحية واستخفاف فانتُهكت الذات، وتلاشت الحرية وغاب العقل؟. إلى أي مدى يمكن الحديث عن الذات في استقلالها، وعن الآخر في انفصاله عنا واتصاله بنا؟. أهناك تماس بين لحظة الذات ولحظة الآخر، أهناك توازٍ؟. أم أن لحظة الآخر هي سابقة دائماً، ولحظة الذات تلهث على مبعدة مخيفة وراءها؟. ما هي رهاناتنا، حقاً، في عصر سمته التعولم والتحولات السريعة والتطور العلمي والمعرفي، وما يستتبع هذا كله من آمال وتحديات ومشكلات؟.


مهرجان كوبنهاكن الدولي الرابع للسينما  ابراز حداثة السينما الأوربية وتعتيم على السينما الأمريكية العجوز
 

كاظم صالح - كوبنهاكن

حين يبتعد المهرجان السينمائي عن دائرة الترويج السياحي والتأثيرات السياسية يبرز الجانب الفني واضحا في نوعية الأفلام المختارة التي شاركت في مهرجان كوبنهاكن الدولي الرابع للسينما والذي ركز فيه على الأنتاجات الحديثة لمخرجي اوربا الشباب واظهار ماطرحوه من معالجات ورؤى حداثية لواقع المجتمعات الأوربية المعاصرة والكشف عن طاقات ومواهب واسماء جديدة سيكون لها شأنها في مستقبل السينما الأوروبية.
شارك في المهرجان نحو 145 فيلما غالبيتها انتاج اوروبي او بتمويل مشترك مع احدى الدول الأوربية. عُرض 135 فيلما روائيا طويلا من بينها الفلم العراقي احلام والفلم الجزائري بركات على هامش المهرجان فيما ضمت المسابقة الرسمية عشرة افلام اوربية هي: الفيلم السويدي فم لفم لمخرجه بيرن رونكه موليد 1961 . والفيلم الألماني سعيدة كأحداهن للمخرجة فانيسا جوب مواليد1971 والفيلم الأسباني الأميرة للمخرج فيرناندو ليون ارانو والفيلم الأيطالي على حافة الأنحدار للمخرج كيم روزي مواليد 1969 والفيلم الروماني شرق بوخارست كوميليو بورمبوي مواليد 1975 والفيلم النرويجي الرجل المزعج للمخرج ينس لاين مواليد 1969 والفيلم اليوغسلافي غدا صباحا للمخرج أوليغ نوفكوفيج والفيلم الألماني حياة الآخرين للمخرج فلورين هينكل مواليد 1973 والفيلم الفرنسي جارلي يقول للمخرجة نيكولا كارسيا من مواليد الجزائر والفيلم الأنكليزي بيير بوينت للمخرج أدريان شيركولد .
تستطيع الصور المتحركة أن تتحدى الجمهور حين تعجز الكلمات عن فعل ذلك . ويجعلنا الفيلم الجيد نرى مانعرفه بضوء جديد ويفتح اعيننا على تنوع عالمنا واختلافه والتقائه في النواحي الأنسانية على الرغم من التباين في التفكير والعقيدة والأنتماء . ان الفلم شريط لذاكرة انسانية شاملة تنطلق من محليتها الى العالمية ويفهمها الجميع من خلال لغة الصورة المرئية والمعالجة الدرامية الفنية التي يتميز بها الفنان المبدع في طرح ومعالجة حالة انسانية تميزه عن غيره .
ان التقليد السائد في المهرجانات السينمائية في الدول الأسكندنافية هو التركيز على النوعية والمستوى الفني العالي بعيدا عن استعراضية وكرنفالية هوليوود وتضييف النجوم الكبار بهدف الترويج التجاري والسياحي وغالبا ما تكون لها ميزانية متواضعة لا تسمح لها بدعوة وتضييف الفنانين المشاركة افلامهم في المهرجان رغم الوضع الأقتصادي الجيد لتلك البلدان . وتعتمد على جمهور السينما المتنوع والذواق الذي يدفعه فضوله لرؤية كل ماهو جديد ومختلف .
افتتح مهرجان كوبنهاكن الدولي الرابع للسينما فعالياته بأحدث فيلم للمخرج الدنماركي العالمي لارس فون تريه ( رئيس لكل شئ ) وهو فيلم يتميز بكوميديا ساخرة نفذه بتقنية متواضعة بإسلوب الدوكما اثاراستغراب المشاهدين والنقاد بسبب التناول السطحي في طرح موضوعته وهو المخرج المعروف بعمقه في التناول والمعالجة الفنية والحائز على السعفة الذهبية في مهرجان كان عن فيلمه الرقص في الظلام ورفض عدة عروض للعمل في هوليوود .
واختتم المهرجان احتفاليته يوم الثلاثاء الماضي بالفيلم الدانماركي الكلاسيكي المعروف ( الجوع ) للمخرج هننك كارلسن الذي اخرجه عام 1966 ونال حينها شهره عالمية واسعة وجرى منحه في حفل اختتام المهرجان جائزة البجعة الذهبية تقديرا لمجمل اعماله السينمائية .
وكانت مفاجأة المهرجان حصول الفيلم الروماني شرق بوخارست على بجعتين ذهبيتين الأولى لأفضل سيناريو والثانية كأفضل فيلم . وهو فيلم يعرض بسخرية ذكريات بعض المواطنين من خلال برنامج تلفزيوني حول احداث انتفاضة الشعب الروماني و الأطاحة بنظام شاوشيسكو وهو الآخر انتاج بسيط
ومتواضع يفتقد الكثير من المواصفات الفيلمية المتعارف عليها.
يبدو ان الطرح الكوميدي الساخر لحدث سياسي مهم هو الذي حفز لجنة التحكيم على منح الفيلم بجعتين ذهبيتين من بحيرة البجع الدنماركية .
كما أحتضن المخرج الأيطالي كيم روزي هو الآخر وبجدارة بجعتين ذهبيتين كأفضل مخرج وأفضل تصوير عن فيلمه على حافة الأنحدار كما حصل الممثل الألماني اولريك موهه على البجعة الذهبية كأفضل ممثل عن دوره في فيلم حياة الآخرين والممثلة الألمانية هايدرون بارثالوموس كأفضل ممثلة عن دورها في الفيلم الألماني سعيدة كأحداهن .
فيما اختفت الأفلام الأميركية في صالات الشوارع الخلفية بعيدا عن واجهات الضوء التي تعم دور العرض التي احتضنت الأفلام المشاركة في الدورة الرابعة لمهرجان كوبنهاكن الدولي للسينما .


سيرة حياتي .. عبد الرحمن بدوي

أ.د. عقيل مهدي يوسف

يتحدث د. عبد الرحمن بدوي في مذكراته عن الفلسفة والدين والسياسة والمراة والمسرح، والجامعة، والقادة، والبلدان.. وسواها، بلغة لا تخفى مرارتها لا سيما من زملاء المهنة في الجامعة ويصل به الامر الى تسفيه شهاداتهم الاكاديمية، وتلطيخ الهالة التي هم فيها من شهرة، وألقاب، وبحوث، اما في نظرته لرجال الدين فيقول: كان التدين في الزمن الماضي لله، وللوجاهة في الآخرة، اما اليوم فهو لوجه السلطان، والنفوذ في الدنيا.
انه يرى مصر قد هرمت، فيستذكر قول مصطفى كامل: (اني أريد ان ابعث في مصر الهرمة، مصر الفتاة) مستلهماً افكار "متسيني" الذي اسس ايطاليا الفتاة.
ويفتح بدوي ابواب جهنم على الجامعة، ويأتي في سياق حديثه عن رأي استاذ جامعي "كويريه" الذي اصبح استاذه، الذي حرص على رعايته وهو يشعر بمرارة من تصرف د. احمد امين الذي كان يشغل منصب العميد، اذ راح كويريه، يواسي بدوي، بقوله: "انت أصدرت كتابين حتى الآن، وهذا كتابك الثالث: فلتعلم ان كل كتاب تصدره هو بمثابة خنجر تطعن به الزملاء العاجزين الحاقدين، مهما بلغت مرتبتهم في الوظيفة، ومن ثم يعرج بدوي على الكثير من الاساتذة الذين هم "خشب مسندة" في مجالس الكليات حين لا يتعلق الامر بمصالحهم الشخصية ويقف عند رأي د.طه حسين، الذي يفضله على سواه، هو، انهم لا يعملون ويؤذيهم ان يعمل الناس وحين يصف الجو الجامعي في سنوات (1960-1966) فيجده، جو الجاسوسية الشاملة، والارهاب المتربص، والوشاية المتحفزة.
ويتذكر فردوسه المفقود (المرأة) التي يذكر حالات خاصة، اشبه بذكريات شيخ يستعيد صباه، لا سيما فتاته الالمانية، التي فلتت من شباك هيامه الكاسح وقبض عليها بتوهماته الشعرية ثم يعلق على موقف رجال الدين من "المرأة" ويقول: انها لحماقة كبرى من رجال الدين ان يجعلوا من العلاقة الجنسية مشكلة جادة، ينفقون في الكلام عنها معظم نشاطهم.
وان التيارات الاسلامية، تجعل من المرأة مشكلتها الاولى.. فتريد ان تتدخل في تحديد ملابسها، وعملها، وسيرها، وسعيها للرزق وتعليمها، وسائر امورها ذلك ان بعض اصحابها افلسوا من العلم والاخلاق، التي هي الفضائل في التعامل بين الناس، فلم يجدوا وسيلة للاثارة، وجذب الاهتمام بهم طمعاً في نيل السلطة، غير هذا الهوس حول المرأة، ويقدم معنى كلمة (البارثنون) اليوناني، بانه يعني (غرفة البنات) ومن استطراداته في شأن المرأة، يذكر ما يسمى بالفتيات نصف دنيويات
Demi Mondaines وهن، بين بين، بائعات هوى، ويتظاهرن بالعفة ثم ينتهي الى قضية منع الحمل فيرى انها وسائل لا تقتل كائناً حياً، وانما تمنع من ولادة كائن حي، ويعجب المحايد، من تجريحه بعبد الناصر، فيصفه على الوجه الآتي: (..وكما ينهال الزوج الجريح، في عمله المفلس مما كان في يده، على اهل بيته بالتنكيل والركل والتصرفات الحمقاء الطائشة، انهال جمال عبد الناصر على اهل مصر بالحراسات والاعتقالات والعزل السياسي). ولم يكتف بهذا القدر، فيذكر خطاب عبد الناصر، في بور سعيد في (23) ديسمبر عام (1965) الذي قال فيه، اذا لم يعجب هذا امريكا فلتشرب من البحر، وان لم يعجبها الشرب من البحر الابيض، فلتشرب من البحر الاحمر، وهنا، يعلق بدوي "..ويقال ان ليندون جونسون حين قرأ ترجمة عبارة عبد الناصر هذه قال: "..سأضطره انا الى الشرب من المجاري"!! وعن ذكر اليهود، يرجع الى قول "ديجول" ان اليهود شعب من الصفوة واثق من نفسه، ومتسلط ولا يخفي بدوي مشاعره الوطنية في الصراع العربي- الاسرائيلي ويختزل موقفه من الحكام، وان الهوى واللامعقول والاستبداد الاحمق، هي التي تحكم تصرفاتهم.
اما تعريفه للشعب، فيسعفه فيه "كيركجورد" بان الشعب مارد هائل على رجلين من طين.
ويرى ان خصال "المثقفين" الانتلجنسيا، خصال معروفة ركوب الموجة حين الحركة والاضطراب والتغيير، والدس الخبيث ابان استقرار الاوضاع، والوصولية الشائكة بأخس السبل وبأقل مجهود، والملق.
وان كان يرى بدوي الفساد عند السياسيين، حسب وصفه لهم، وهم السادات، شاه ايران، والاشتراكيين في فرنسا.. فان لذلك اسباباً عنده وسبب فساد السياسيين، في سلوكهم الذين يظنون فيه، كسب المزيد من الانصار ان استعاروا من خصومهم بعض شعاراته ذات الاغراء فانهم واهمون.
السياسيون هؤلاء، مثل زملاء مهنته من اساتذة الجامعة الذين: (..لم يكن سلاحهم في التنافس في العلم والانتاج العلمي، بل الدس والوقيعة والوشاية والتزلف الى ذوي النفوذ داخل الجامعة وخارجها، فتحولت هيئة التدريس الى عش للافاعي، ينهش بعضها بعضاً..)
وهنا يشفع له "نيتشه" وهو يعيش في قرار الجحيم انك (لكي تجني من الوجود اسمى ما فيه عش في خطر) فيقرر بدوي استئناف نشاطه خارج الجامعة، ليحل ضيفاً على جامعات اجنبية، وعربية، ويعلي رايته في البحث والتنقيب عن المصادر والمراجع، اليونانية، والرومانية، والاسلامية بقوة بحث اسطورية، وهو يترنم ببيت الشعر:
رب يوم بكيت منه فلما صرتُ في غيره بكيت عليه
وفي وطن يرسمه بهذه القتامة، يصبح من المنطقي ان يغادره عبد الرحمن بدوي وفقاً لوصية (البستي) الشعرية:
وان نبت بك اوطان نشأت بها فارحل: فكل بلاد الله اوطان حتى انه حين حط رحاله في (ليبيا) لم يستقم امره الجامعي هناك، وبعد سنوات اخرج منها، بقول أرسطو: (ليبيا تأتي دائماً بالعجائب) وتتساءل هل هذا وفاء ام جمود ونكران وهنا يقف منافحاً عن سويسرا!! ويقول ان أهل سويسرا يتباهون بقولهم ان الله خلق العالم، والانسان السويسري خلق سويسرا. وليس صحيحاً ما قاله فكتور هيجو: "سويسرا تحلب بقرتها، وتعيش في سلام".
يعجب بدوي بآثار روما، (...الحق ان المشاهد للآثار الرومانية لا يشاهد ببصرة، بل بذاكرته، وهذا أشدّ ما يؤلم النفس، وهو يشاهد هذه البقايا المتهدمة).
ومن النصوص اليونانية التي ترجمها بدوي 1-الحجة الاولى من حجج (برقليس) لاثبات قدم العالم (نسخة مفقودة في اليونانية)
2-احدى عشرة رسالة (للاسكندر الافروديسي).
وفيما يخص الادب، يذكر الكثير عن السوربون وعن المتخرجين فيه والذين لا يجد جدارة لديهم (من ابناء جنسه (العرب)) الا في النادر، فرنسا هذه اطلقت لفظة امير الشعراء على شاعرها بول مور (1872-1960)، يقيم فيها عبد الرحمن بدوي، محاضرة تحت عنوان: (تأملات في الحضارة العربية)، وفي السوربون نفسه يصفها بدوي: (.. قمت بتحديد الخصائص العامة للتفكير والابداع العلمي والفلسفي والديني والادبي في الحضارة العربية، واهمها في نظري: الدورية في تصور الزمان، والتكرار في التعبير، وفي ادراك تسلسل الاحداث، والاهابة بالسلطة في الاحتجاج والتفسير، وازدراء الحاضر لصالح الماضي، والانفصال في السرد وفي تصور المكان) ولا تفوت بدوي شاردة ولا واردة، فياتيك باخبار اسماعيل الصفوي، الذي حكم ايران في (1501)، ويدرج لك شعار الكنيسة الكاثوليكية:
(لا حقيقة توجد خارج الكنيسة، ولا نجاة خارجها).
والعجيب ان سارتر، يمتلك رأيا في الفن السريالي، الذي يصفه بالفن المنحل، حيث قال (هل شاهد احد سوي العقل هذه الصور والاشكال في الطبيعة؟! ان كان هؤلاء (الفنانون) يزعمون انهم يرون الناس بهذه الاشكال الممسوخة- فاني أحيل امرهم الى وزير الداخلية ليعالجوا العلاج المناسب!!) ويعلق بدوي- وهو يقصد وضعهم في مسشتفى المجانين.
يا ترى ما موقف بدوي من سارتر؟ الذي ترجم له الى العربية كتابة الشهير (الوجود والعدم). عرف بدوي باهتمامه بمشكلة الوجود التي لا يمكن ايضاحها- كما يقول- الا ابتداءً من واقعة الموت.
واقعة الموت، فلسفة يمكن تقسيمها الى (انطولوجيا الموت) وكانت اطروحة الماجستير (مشكلة الموت في الفلسفة المعاصرة) خاصة لدى (هايدجر) وهناك كذلك (اخلاقية الموت) وهي فلسفة القيم والمعايير (اكسيولوجيا).
يقول، قرأت
لسارتر- كتابه الاول في علم النفس (التخييل) 1936 و(علو الأنا)، ولا صلة لكليهما "بالوجودية"!!
تأثر سارتر بعلم النفس عند (هوسرل) ويقول بدوي عن كتاب (الوجود والعدم) بانه وجود بعيد عن وجودية هايدجر، وخليط من التحليلات النفسية (..فدهشت من زعم سارتر وحوارييه ان هذا الكتاب هو اسهام في المذهب الوجودي، خصوصاً في (الانطولوجيا= علم الوجود)! ومنذ قراءتي لم اشعر نحو سارتر باي تقدير من الناحية الفلسفية، وعددته مجرد اديب، وباحث نفساني، يستند الى منهج الظاهريات، ولم اعتبره فيلسوفاً وجودياً، قد اسهم باي اسهام يذكر في تكوين المذهب الوجودي.


مصاصة الدماء الضحية

نينا أويرباخ
ترجمة : نجاح الجبيلي
 

عرض لكتاب زيلدا فيتزجيرالد : صوتها في الفردوس: سالي كلاين دار نشر: جون موراي 492

لو كانت زيلدا فيتزجيرالد على قيد الحياة اليوم لتبنت مذهب " ما بعد النسوية
post- feminism" إذ كانت وقتها "امرأة مخالفة للعرف". في عام 1926 قالت زوجة ف. سكوت فيتزجيرالد الوحشية في مقابلة معها بأنها رغبت في أن يكون جيل ابنتها أكثر حيوية من جيلها:" اعتقد بأن المرأة تحصل على سعادة في كونها مرحة وخالية من الهموم غير تابعة للتقاليد وسيدة مصيرها أكثر من انهماكها في مهنة تدعو إلى العمل المجهد والتشاؤم الفكري والعزلة.لا أريد من "بات" أن تصبح موهوبة ، أريد منها أن تكون مخالفة للعرف، لأن المخالفين للعرف شجعان ومرحون وجميلون".
هل قالت زيلدا كل هذا حقاً ؟ لقد أقحمت عليها الكثير جداً من العقائد من قبل "البجماليون" الهائمين بها ، ابتداء من سكوت فيتزجيرالد نفسه وحتى سالي كلاين في هذه السيرة المؤيدة لها بشكل حماسي ، بحيث أن زيلدا الحقيقية قد غرقت منذ أمد طويل في الصور ، وبضمنها صورتها نفسها. لكن حتى لو أنها لم تغدق هذه الصفات الوامضة على نفسها المخالفة للأعراف ، فإن حياتها ستشي بذلك.
إن النساء "المخالفات للأعراف" في العشرينيات هن مثل أتباع مذهب "ما بعد النسوية " اليوم يترددن ما بين التحدي والإذعان" وهي تتقبل الخضوع ، الذي نفر منه الجيل السابق ، لكنها تدعوه خضوعا "شجاعاً ومرحاً وجميلاً"، لا تضحية ذاتية أو ضجراً. ولأن زيلدا ظنت أن العمل كان كابحاً إضافة إلى أنه جذاب ، فإنها ليست موضوع السيرة المفضل لي: إنها تذكرني كثيراً بزميلاتي الشابات اللاتي يجدن أنه من المقت التعدّي على نظامي المهنة والعائلة اللذين من السعادة تحديهما في السبعينيات. وخلافاً لبطلاتي من النساء لم تعرّف زيلدا نفسها؛ إذ كانت تضرب من وراء درع زوجها الذكي، كفتاة افترضت أنها فعلت كل شيء أرادت فعله: كانت فتاة جنوبية ساحرة الجمال تزوجت من موهوب أنيق أصبح مرة غنياً بما فيه الكفاية لإبقائها، حتى إذا جرى المال والطاقة، عاشا الحياة التي تركزت عليها وسائل الإعلام "للناس الجميلين في نيويورك وباريس " الذين غرقوا (مع ابنتهم الرواقية في الألفة والخدم والمرح والشمبانيا).
عاشت زيلدا كي تبعث السرور ، لكن لا أحد أحبها. فأرنست همنغواي الذي يمقت النساء الكاتبات رآها مجنونة مستهترة حطمت عمل سكوت. وعلى الرغم من أن كلاين تصر أحياناً ببرهان ضعيف على ان زيلدا كانت فنانة حقيقية ، إلا أنها كانت من العدالة بحيث أنها أحاطتها بعدد من النساء اللاتي صنعن مهنهن بأنفسهن: ريبيكا ويست ، دوروثي باركر، ناتالي بارني، وصديقة زيلدا ورفيقتها في الصف في مونتغموري "سارة هاردث" التي فرّت من مملكة الجمال لتكتب الرواية؛ وتزوجت سارة الخطرة المصابة بالسل أخيراً من ه. ل. مينكن وماتت بعد فترة قصيرة من ذلك. كانت تلكم النسوة تقريباً ودودات مع زيلدا (اشترت دوروثي باركر أثنين من رسوماتها عام 1934 على الرغم من أنها وجدت عرضهما معذباً جداً) ، لكنها لم تكن نظيرة لهن. قد تكون غاضبة جداً من همنغواي لكنها أكثر أنثوية نحو الكتاب الماهرين. ومع ذلك أصبحت حياة زيلدا عام 1970 ، وليس مهن معاصراتها الناجحة، بصورة فعالة هي حياتنا. إن سيرة حياتها الرائعة التي كتبتها نانسي ميلفورد استحوذت على الأديبات الشابات في أميركا وأصابتهن بالقشعريرة. ما زلت أتذكر الصدمة التي خلقها الكتاب، على الرغم من أنني كمحبة لسكوت فيتزجيرالد كنت اعتقد أني أعرف القصة : الشهرة ، التسلية ، الانكسار، التهشم ، المستشفيات ، نفاد المال والحب. والميتتان المخزيتان : له في حطام هوليوود 1940 ولها في حريق في مستشفى الأمراض العقلية بعد ثماني سنوات من موته. ولكونها ذكية وأنيقة ومسلية ومتحررة فقد بدت زيلدا دائماً قائدة صوريةً لجيل ضائع لكنها أصبحت في عام 1970 رمزاً للنساء الضائعات.
لم يصدف أبداً بالنسبة لي أن حياة زيلدا فيتزجيرالد كانت خارج النثر الغنائي لزوجها. بطبيعة الحال كان لدى النساء الكاتبات حياة ، بل هل كان لهن أزواج ؟ وهل هنّ بحاجة لهم؟ إن اعتراف ميلفورد ، الذي يجب أن لا يكون صدمة ، في أن زيلدا قد عاشت خارج نطاق مجازات سكوت. في الواقع، أن صوره عن الفتاة الذهبية الوامضة التي تصبح في روايتيه العظيمتين "غاسبي " و "رقيق هو الليل" شيئاً أشبه بمصاصة الدماء، زيلدا الواقعة في شباك صوره الفنتازية. وهكذا كان دور الزوجة نفسه. وبعد سلب رسائلها ويومياتها ولغتها (من المفترض أن زيلدا هي التي قالت عند مولد ابنتها :" آمل أن تكون جميلة وحمقاء
جميلة وحمقاء قليلاً" النعمة / النقمة التي بها سيكبل سكوت "ديزي بوكانان" في رواية "غاتسبي") فإن سكوت لم يمجّد زيلدا ، بل ، حسب ميلفورد ، استنزف منها هويتها الأولية.
في القراءة التقليدية لحياتها ، كان اندفاع زيلدا المتأخر نحو الفن (كان عمرها 27 سنة حين قذفت نفسها في الرقص) عرضاً من أعراض الجنون. وفي المستشفى ، وخلال ثلاثة أسابيع مدهشة ، كتبت روايتها السيرذاتية "جنبني الفالس" وكان فيتزجيرالد ، الذي عمل عدة سنوات بجهد في روايته "رقيق هو الليل" واستنسخ أعراض زوجته إلى بطلته المجنونة ، قد انفجر حين قرأ المخطوطة الأولى لرواية "زيلدا" وادعى أنها سرقت مادته (حياتها الخاصة) وجعلته يشبه شخصا أحمق ضعيفاً ( في المخطوطة الأولى ، سمّت زيلدا الزوج العقيم آموري بيلن، وهو البطل الساحر لرواية سكوت "هذا الجانب من الجنة".
إن رواية "جنبني الفالس" تختلف بقوة عن عمل سكوت. وبالنسبة لزيلدا، يعد الزواج علاقة غامضة : إن الرواية تنبعث إلى الحياة في مدرسة الباليه ، عالم أنثوي من العضلات والكدح والسباق والحياة المشتركة. وخلافاً لسكوت ، لأنها مسممة بالصور الغائمة فأن زيلدا عاشت في الأجساد والروائح.من المستشفى كتبت إلى سكوت متشوقة :" هل ما زلت تشم أقلام الرصاص وأحياناً نسيج التويد ؟" وربما لأنه اعتقد بأن زوجته كانت تسرق مادته، أو ربما لأنها كانت تصل إلى العالم الملموس الذي خلفه ، فقد عمل سكوت كل ما بوسعه بشكل هستيري كي يجند أطباءها النفسيين لتغييب لا روايتها فحسب ، بل كل طموحاتها الفنية. وتواطؤه مع أطبائها في محاولة شنيعة "لإعادة تربية " زيلدا داخل الزوجية ، كانت ، بالنسبة لي ، هي المركز الصادم في كتاب ميلفورد. انتقلت زيلدا من مصاصة الدماء إلى الضحية، وسكوت المحبب من الضحية إلى الظالم. ومثل الزوجة في قصة شارلوت بيركنز غيلمان عام 1892 بعنوان "ورق الجدران الأصفر" التي أعيد طبعها في الوقت الذي ظهرت فيه السيرة المكتوبة بقلم ميلفورد ، فإن زيلدا تحطمت بسبب الاتفاق بين أولئك الرجال الطيبين المثاليين والأزاوج والأطباء.
كانت الاقتباسات من رسائل فيتزجيرالد ويومياته التي تستعملها كلاين جد مبتورة. لا شك لأن السير الأخرى نشرت قبل هذه المادة بحيث تبدو كلاين وكأنها تفرض قصة أكثر مما تدع واحدة مكشوفة ، ومن السلسلة المرعبة من الرسائل التي تتابع المعالجات الأولى لزيلدا في المستشفيات التي كان فيها سكوت مثاراً بشأن سرقتها لمادته ومحاولتها تهدئته ، تقتبس كلاين هذه النتف:
لم يستطع سكوت أن يكبح عواطفه :" إذاً فأنت أخذت مادتي، هل هذا صحيح ؟"
سألته زيلدا :" وهل هذه مادتك؟ مستشفيات الأمراض العقلية ؟ الجنون ؟ الرعب؟ هل هذه مادتك ؟ غريب أنها لم تلاحظ.
يحتاج الأمر إلى قارئ حاد كي يلاحظ أن الجمل الاتهامية الخمس هي لكلاين لا لزيلدا كأن كلاين كانت الآن هي الوسط الذي من خلاله تبرئ نفسها.
إن سكوت في سيرة كلاين هو شرير غير ملطف. وكلاين تدس مؤامرات واسعة ، لا جهلاً جنسياً نموذجياً ، ظناً من سكوت والطبيب أن طموح زيلدا وجنسها هي أعراض لجنونها. وهي توجه الاتهامات على حد سواء بشأن الخطأ في تشخيص مرض زيلدا كشيزوفرينيا ولم يكتشف سكوت أوقاته : وحتى الآن تماماً ، تضيف:" المصاب بالشيزوفرينيا ، كمريض عقلي، وخلال القرن العشرين ، كان من الشائع أن النساء ذات الدوافع الجنسية ، كن ، بالقياس ، مجنونات.
ولا شك في أن زيلدا ستشخص كونها مصابة بمس الكآبة ( لهذا فإن نوباتها المسعورة من الحمى الإبداعية تعقبها أسابيع من الصمت والانسحاب)؛ من المحتمل أنها ستستجيب إلى الليثيوم وهو الدواء الذي لم يستعمل حتى السبعينيات. إن مسؤولية سكوت في الإهمال الطبي لها ليست أكبر من مسؤولية ه. ل . منكن عن الموت المبكر لسارة هاردت بسبب السل الرئوي.
في الواقع يأتي من فوضى عويل سكوت واتهاماته شيء من الحس التنبؤي:" لا أستطيع أن أداري التعلق بفكرة أن بعض المواد الطبيعية الضرورية مثل الملح أو الحديد أو المني أو كمية غير محسوبة من الماء المقدس هي أما أنها مفقودة أو موجودة في كميات كبيرة جداً".
إن علم الصيدلة النفسي قد اكتشف32 حقيقة تخمين سكوت الوحشي، لكن زيلدا ليست المريضة المستبدة الوحيدة التي عولجت والتي ولدت فيما بعد.
تتهم كلاين فيتزجيرالد بالانتحال الصريح في استعماله الأدبي لمادة زيلدا. وهذا الاتهام مهزوز: قبل أيامنا المشاكسة ، كان الكتاب طفيليين مجازين. أضف إلى أننا سنخسر أصواتنا كما خسرها دكنز وسلفيا بلاث وفيليب روث إن كان أصدقاؤهم السلابة لهم الحق في الرقابة. كان سكوت قد نشر بعضاً من قصص زيلدا باسمه ، كما أظهرت ميلفورد ، لكنها قد تكون على العكس لم تنشر أبداً. إن إنجاز زيلدا الكاتبة غير لامع. فروايتها الوحيدة المنشورة بعنوان "أنقذني من الفالس " هي حية بشكل عنيف أحياناً ، لكنها أيضاً مرقعة ومفككة. وحين ظهرت لم تبع منها نسخة واحدة تقريباً ( بيع منها القليل جداً). وروايتها غير الكاملة "أشياء القيصر" ومسرحيتها الطويلة " سكاندلابرا" بالكاد تظهران متماسكتين. تضع كلاين تعليقاً غاضباً تحت صورة لسارة هاردت "كانت سارة تلقى دائماً تشجيعاً من زوجها ه.ل. مينكن أكثر من تشجيع سكوت لزيلدا". غير أن هاردت كانت كاتبة ماهرة قبل أن تلتقي ب"منكن" بزمن طويل. وأخيراً فإن الكتاب يكتبون سيرتهم الخاصة. والتشجيع شيء طارئ.
بالنسبة لكل الاتهامات المتغطرسة يبدو سكوت أنه قد جرت مساعدته كثيراً بقدر ما أعيق. في الأيام الأول كانت زيلدا سعيدة بما يكفي لاستعمال اسم فيتزجيرالد كي تروّج لقصصها؛ محررها ماكس بركنز حمل نسخة مزخرفة قليلاً من رواية " أنقذني من الفالس" حاول سكوت بلا كلل أن يحرّر فوضى رواية "سكانلابرا" إلى شكل حسن (قابل للتقديم). وأصدقاؤه قصدوا مخلصين معارض زيلدا الفنية واشتروا لوحاتها : بعد موته ، عرضت في "مونتغمري" حيث، بفضل سكوت، كانت تمتلك شيئاً من الموهبة المحلية.
كانت زيلدا دائماً على شفا هوية مستقلة لم تتقبلها أبداً. في عام 1929 دعتها شركة للباليه في نابولي لتلتحق بها كراقصة منفردة. رفضت الدعوة وبعد فترة قصيرة أصبحت عاجزة مهنياً. وفي فصل حي من رواية "انقذني من الفالس" تذهب البطلة إلى نابولي لا فقط كراقصة منفردة فحسب بل كراقصة أولى في باليه "بحيرة البجع". إنها وحيدة ومهجورة. وحين زارتها ابنتها النرجسية أربكها فقرها النسبي. فنابولي تمرض الطفل؛ فكل من الفتاة وأمها الراقصة شعرتا بالراحة حين رجعت إلى أبيها. وبعد ذلك بفترة وجيزة كأنه عقاب ، أصيبت قدمها بالتهاب وتأكد بأن البطلة لن ترقص أبداً. وبدلاً من أن تعيش هذا الحلم الكئيب أو حتى العثور ضمنه على نهاية سعيدة ممكنة، انهارت زيلدا.
إن دعوة نابولي سفهت الافتراض بأن رقص زيلدا كان عرضاً من أعراض العاطفة وليس نداءاً باطنياً لكن اعتقد بأن رفضها إكماله كان نقطة التحول في حياتها. فعلت كلاين كل ما بوسعها كي تلوم سكوت بسبب هذا الفشل العصبي مع الإيحاء المبهم بأنه إلى حد ما قد نوّم زوجته مغناطيسياً : سلبية زيلدا الغريبة في هذه اللحظة الحرجة تتضمن فشلاً عاطفياً منذ عدة أشهر من منفعتها المهنية". لكن لو كانت زيلدا ترغب بالذهاب إلى نابولي فإن من الممكن لزوجها أن يمنعها بحبسها في حجرة صغيرة. وفي ذلك الوقت ، أشك أنه سيرتاح- والمحرر من العمل- بدأت زيلدا تعمل مهنة لها. لكنها نفرت من فرصة الارتباط بعمل صعب ، والتشاؤم الفكري والعزلة بوسع المرء أن يوجه اللوم إلى شيء غير منظّم ، مثل "الحركة الارتجاعية " أو "الأزمان" أو أي شيء ربما غسل دماغ المرأة الشابة في مهن ذات حرمان أكثر منها تحدّ وقوة فكهة ، لكن من غير المعقول توجيه اللوم إلى فيتزجيرالد لحرمان زوجته من فرصة رفضت استغلالها.
آمل في عدم الرجوع إلى النمط الشائع حول "ملائكية سكوت وشيطانية زيلدا" كي نمنح زيلدا فيتزجيرالد قوة كل النساء في خلق خيباتها الخاصة إضافة إلى تحملها. أضف إلى أن كلاين تبدو وكأنها لم تر فشلاً في مهنها الثلاثة المقتضبة. إنها لم تصر بحماسة على موهبتها في كل المهن الثلاث
وهي محقة في ذلك- فقط بل اختلقت مزاعم مبالغاً بها أراها سخيفة. وهي تقارن بهدوء بين نثر زيلدا ونثر فوكنر (إضافة إلى سكوت) ، وتقارن لوحاتها مع لوحات بيكاسو و أوكيفي وفان كوخ. هل أن زيلدا حقاً متكافئة معهم ، أو أنها تضرب فيما حولها من أجل أسلوبها الخاص ؟ منذ أن أنتجت زيلدا فقط مجموعة من لوحاتها وتشير القارئ إلى أخرى (دمرت أمها أغلبها بعد موتها ) فإننا علينا أخذ إنجازها على محمل الجد والاخلاص). تعيد كلاين انتاج تصميم زيلدا غير المستعمل لغلاف رواية "الجميل والملعون" وفيه تبدو زيلدا العارية خارجة بصورة وقحة من كأس الشمبانيا. إنه جذاب لكنه يبدو أشبه بدعوة إلى حفلة أكثر مما هو غلاف كتاب- ولوحاتها الأخيرة عن الأزهار ، والتي يدعوها "بيرندان جيل" على نحو استفزازي "تعبيراً عن العنف والغضب غير المفرغ" ولهذا فهي "مناسبة لمجلة "نيويوركر" ، وتبدو خادعة لكنها ربما من الأحسن القراءة عنها بدلاً من رؤيتها".
إحدى أشد ملاحظات سكوت فيتزجيرالد قسوة هي أيضاً واحدة من أشدها حقيقية (صحة) " الآن فإن الاختلاف بين المحترفين والمبتدئين هو شيء من الصعب جداً تحليله ، هو غير محسوس جداً ، إنه يعني الأداة الحادة. إنه يعني رائحة ، عبير المستقبل في خطّ واحد !
من الممكن لزيلدا أن تشم الأجساد ، لكن لم تمتلك عبير المحترفين. في إنكلترا الفكتورية تعبر ثلاثيتها من المواهب "كمنجرات؛ في كل الأوقات ، النساء يحببن أن يبقين مبتدئات. كان عيب زيلدا التراجيدي ، لا خطأ أي رجل ، بحيث أنها لم تستطع الدخول إلى الاحتراف".
بدلاً من ذلك ، أصبحت مريضة ماهرة ، وبالنتيجة فقدت الزوج والمهنة. تحاول كلاين أن تزخرف تلك الخسارات بالانفعالات الفاغنرية المعبرة عن النصر. وبينما تعنون "ميلفورد" الفصل وهي تصف انهيار ويلدا الأول في المستشفى فإن كلاين تدعوه "أصوات مبدعة". وصفت ميلفورد "سنوات زيلدا الجارفة الأخيرة كونها أرملة سكوت ، وقضت أغلبها في وصاية أمها. "العودة إلى البيت"؛ وتدعوها كلاين " في صوتها الخاص" يود أن تنتهي زيلدا بانتصار نسوي ، لكن كلمات ميلفورد البسيطة الحزينة تبدو أنها أكثر تناسباً لحياتها الخاسرة. لقد جعلتني لغة كلاين البلاغية عصبية بشأن عصورنا. عبر ثلاثين سنة انتقلت زيلدا من السيرة إلى شخصية معبودة. إن حياة هذه المرأة المحطمة الأنيقة أصبحت لا حكاية تحذيرية في سنة 1970 ، بل إنجازاً يستحق التصفيق.


إستدراك متأخر

عبد الرزاق رشيد الناصري
 

لن تغادر وجهي بعد اليوم
يا صيف الورود..
لقد زرعت الخطوات على الماء
حتى لم يبق للعودة ميثاق...
وخلفتهم طوال سنين..
تحدثوا وشاخوا، وارتحلوا في أوصال
اللعبة..
هاجموا المدى..
مارسوا غوايات خجولة..
وما سمعت الصدى
وما أدخرت الزاد..
رويداً رويداً دخلت الظهيرة
يا ظهر الدروب حرر أعضائي
من لهجة الاذعان..
تحدث عن إخفاقات الأسرّةِ
وروعة التكوين..
تحدث عن (...)
ذلك البربري الذي باع قصائده، بثلاثين
من الفضة..(1)
وإنتهى كما تنتهي خيول العربات


(1)    يهوذا الاسخريوطي: باع المسيح بثلاثين من الفضة.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة