|
الإعلان
في المسلسلات التلفزيونية بين تسويق البضائع وتشتيت
المشاهد
خالد جمعة
لعل
من أهم شروط نجاح أي إعلان تجاري تلفزيوني هو: توافر مساحة
زمنية مناسبة يتجمع فيها اكبر عدد ممكن من الناس امام
الشاشة، وهذا الشرط هو الذي جعل شهر رمضان سوقاً رائجة
للمسلسلات العربية، التي ستكون مكتظة بفترات إعلانية لا
تعد.
ففي هذا الشهر ستصبح مهمة
اختيار مشاهدة مسلسل صعبة للغاية، ستقف محتاراً الى اية
قناة ستضغط ريموتك، بل أن هنالك أعداداً كبيرة من
المشاهدين الذين تابعوا مسلسلا دون آخر قادتهم المصادفة
وحدها لذلك.
ولضرورات تسويقية لها علاقة وثيقة بذلك الشرط، قسمت ساعات
البث التلفزيونية الى "فترات" كما تقسيم العصور في سالف
الازمان، فهنالك فترة ذهبية، وفضية وأخرى نحاسية، أهمية كل
فترة تعتمد على عدد المشاهدين الجالسين أمام الشاشة.
ان ذلك التقسيم يكاد يشترك به من حيث التوقيت معظم القنوات
الفضائية العربية، لذلك ستجد ان المسلسلات الضخمة انتاجياً
أو المعبأة بأكبر قدر ممكن من فترات الاعلان ستبث جميعها
في وقت واحد تقريبا، وبذلك سيكون لكل أسرة الحق في متابعة
مسلسل واحد مهم، ولها الحق أيضاً بالتخصص في انواع محددة
من الاعلانات!.
أن مقولة " كذب .. كذب، حتى يصدقك الآخرون" وظفت بشكل كبير
في الترويج للبضائع من خلال الاعلان، فبتقنية "كذب .. كذب"
التكرارية ستصبح الاشياء المروج لها مألوفة الى الحد الذي
تشعر بوجودها في البيت.
ترى ماذا يقول الناس والمتخصصون عن تلك الاعلانات؟
فائزة جاسم/ موظفة، تقول:
ـ من كثرة تكرار الاعلانات التي اشاهدها مجبرة ، أتفاجأ
أحياناً من ان الشامبو الذي أستخدمه ليس ماركة " دوف".
أما أحمد عبد الباقي/ طالب جامعي، فقد قال متذمرا من
الاعلانات:
ـ أن فكرة وجود الاعلان داخل المسلسل تستهزئ بمشاعر
المشاهدين، فأنت ما أن تندمج مع الحدث وتغوص فيه حتى يقرع
جرس الاعلان لينقلك الى عالم آخر.
أحد أكاديميي المسرح علق على ذلك مازحاً:
ـ ان وجود الاعلان داخل المسلسلات حقق فكرة " كسر الايهام"،
التي سعى اليها برخت في مسرحه الملحمي، فالبطل الذي يظهر
في مشهد وهو يدخل على مجرمين لينتقم لشرفه، ستوقف انتقامه
مشاهد اعلانية عن كاكو بالجوز او شوربة ماجي!.
اما محمد عبد الكاظم / اختصاص علم النفس، فقد قال:
ـ ان عملية حشر الاعلانات في مشاهد الذروة الانفعالية لدى
المشاهد لم تكن اعتباطية اطلاقاً، بل أنها عملية مقصودة
ومدروسة بعناية، والسبب كما يرى اختصاصيو علم النفس، كي
تعلق البضاعة المعلن عنها في وجدان المشاهد دون المرور
بوعيه، ولتصبح بمرور الوقت وبتكرارها واحدة من مستلزمات
الحياة الضرورية، انها عملية تسويقية عن طريق تخدير الوعي!،
ومن ناحية اخرى ان نجوم المسلسلات انفسهم يشتركون بشكل غير
مباشر في الترويج عن تلك البضائع، فاللقطة التي تقطع عن
البطل المحبوب ليظهر اعلان عن معجون الاسنان مثلاً، تجعل
الناس يعتقدون ان ذلك المعجون هو المنتوج المفضل لذلك
البطل.
منتجو الدراما غالبا ما يبدون امتعاضهم من سوء توقيت عرض
مسلسلاتهم، واحيان يعزو مؤلفو الدراما سبب فشل اعمالهم
جماهيرياً، الى كثرة الاعلان التي تتخللها، مع ذلك لا يمكن
تخيل الدراما دون تلك الاعلانات، فالمسلسلات تشترى من قبل
القنوات الفضائية لكي تكون فسحة لتمرير الاعلانات، بتعبير
آخر أن الذي يدفع أجور العاملين في الدراما ليس القنوات
الفضائية، بل الشركات التي ستعلن عن منتوجاتها، أما
التعبير الاكثر دقة فهو : أن المشاهدين الذين سيشترون تلك
البضائع من تلك الشركات هم في الحقيقة من سيدفعون اجور
اولئك العاملين في تلك الدراما.
حيدر عبد الغني علق على ذلك بدهشة حين قال:
ـ مستحيل ، بفلوسنا ويقطعون المسلسل مثلما يريدون .. هذا
ليس من حقهم!.
|