|
ترجمة-زينب محمد
بقلم- روبير ديسجاريك
عن لوفيغارو
روبير ديسجاريك باحث في العلاقات الدولية ومضارب في بورصة طوكيو من مؤسسة
هيتاشي لمجلس العلاقات الخارجية.
اعلنت واشنطن اعادة نشر قواتها في المانيا وكوريا باتجاه الولايات المتحدة
ومن المفترض ان تتم هذه الخطة قبل نهاية الولاية الثانية
لجورج بوش في حال اعادة انتخابه وعندما تنتهي اعادة النظ
الشاملة بوضع القوات هذه فلن يبقى بدون شك الا لواء واحد
(وبعض الوحدات الاخرى) بدلاً من فرقتين من القوات البرية في
المانيا وسوف ينخفض عدد الجنود الامريكيين الى اكثر من
النصف. ما المنطق في هذا المشروع؟ ان دونالد رامسفيلد مؤيد
لمفهوم / التغيير/ والذي تسمح المعلوماتية والفضاء والسلاح
الجوي بموجبه بتقليل عدد الجنود العنصر الاكثر كلفة في
الميزانية ويمتلك وزير الدفاع ايضاً رؤية تخفيضه للجيش الذي
هدفه الوحيد القتال، واخيراً يصبح الارهاب العدو الاساس ان
هذه الافكار التي لا يمكن احتكارها ليست دقيقة فالمشاة وليس
القاذفات او الحواسيب هم الذين يجوبون في يوغسلافيا السابقة
او الذين يحتلون كوريا الشمالية في حال وقوع الصراع وعدا عن
نشاطاتهم في القتال يلعب العسكريون دوراً سياسياً لا يقوم به
في الغالب الا الجنود في الميدان. فالجيش الامريكي ليس فقط
ادارة لشن الحرب. وينبغي ان لا نبالغ في تقدير الارهاب، ان
بن لادن ومنافسيه بوسعهم قتل آلاف الاشخاص وربما الملايين
بالاسلحة النووية لكنهم لا يمتلكون القدرة على الغلبة وعلى
العكس من المانيا النازية او الاتحاد السوفياتي، ليس بوسعهم
غزو الدول الغنية ولأجعل افكارهم تنتصر فيها، ان بإمكان
إستراتيجية عسكرية بوليسية ودبلوماسية تدمير هذه التنظيمات
او في الاقل تحديد قدرتها على الاذى ولا ينبغي للحرب على
القاعدة ان تحتكر اهتمام البنتاغون.
وبالمقابل لا تزال اسيا واوربا بحاجة الى الجيش الامريكي فالولايات المتحدة
الامريكية تلعب دور الردع ازاء كوريا الشمالية والصين، كما
انها تؤمن جيرة طيبة بين حلفائها لان العلاقات بين سيئول
وطوكيو ستكون اكثر توتراً بدون وجودها كما يساهم الجنود
الامريكيون ايضاً باستقرار كوريا الجنوبية البلد الذي ظل
هشاً وضعيفاً فالحامية الامريكية تعزز نظام سيئول بالتعبير
رمزياً عن العلاقات التي توحد كوريا مع القوة العالمية
الاولى.
ويتطلب الردع صدقية كبيرة، فالوجود المادي يظل افضل وسيلة لإثبات تصميم
الدولة على الاضطلاع بمسؤولياتها، اما بخصوص المهمات الاكثر
سياسية فإن العسكريين الاميركيين وحدهم الموجودين ميدانياً
تسهيل تحسين العلاقات اليابانية-الكورية ودعم سيئول. وفي
اوربا فإن للجيش الامريكي ايضاً مهمات عديدة، ففي المقام
الاول وهو دور لا تضطلع به الولايات المتحدة الامريكية بشكل
كامل فإنه يساهم في استقرار دول البلقان كما ان القسم الاعظم
من النصاب الناتو في يوغسلافيا اوروبياً غير ان الجنود
الامريكيين فيه اساسيون لانهم يمثلون القوة الامريكية، اما
قدراتهم على الردع وعلى الرغم من انها انخفضت بسبب قلة
اهتمام ادارة بوش فإنها تبقى الاعلى وباستثناء رغبتنا
بالدخول في الحرب فإن التردد بمهاجمة امريكي بالزي الرسمي
الموحد يكون اكثر من التردد بمهاجمة اوربي وان احد اسباب
الفساد الذي ينخر البلقان هو ضعف العمل والتحرك الأمريكي.
ويساهم الجنود الامريكيون كذلك في تحديث الجيوش الاوربية فالمشاركة بتمارين
مشتركة يجعل الاوربيين على تماس مع الوحدات التي تعد الافضل
تجهيزاًُ وتدريباً بفضل (400) مليار دولار التي يرصدها
البنتاغون لها سنوياً.
ومن دون الاتصالات عبر الاطلسي فإن الفارق بين القدرات العسكرية الامريكية
والاوربية سوف يتسع، ان احد عناصر توحيد اوربا هي العنصر
العسكري فهو يتطلب تعاوناً قريباً بين الولايات المتحدة
الامريكية وجيوش اوربا الوسطى.
واخيراً ، فإن الانكفاء والتقهقهر الامريكي قد يخفض على نحو غريب من وزن
اوربا على المسرح العالمي، اذ من اجل القيام بدور في القضايا
الستراتيجية الكبرى ينبغي الاعتماد على واشنطن حيث تتخذ
القرارات الكبرى التي تؤثر على العالم. ان بعض الفرنسيين
المتأثرين بنزعة ديغول الوبائية المناهضة لامريكا يرون في
الناتو ولاية امريكية، غير ان الناتو هو الآخر اللوبي
الاوربي في واشنطن، فالقادة والاميرالات الامريكيون في اوربا
وفي مكاتب البنتاغون والمكلفون بالشؤون الاوربية وهم الذين
يمثلون اوربا جزئياً داخل الحكومة الامريكية ويشكلون وزناً
اكثر مما يشكله الدبلوماسيون الاوربيون لانهم في مركز
الادارة ولا يقيمون في السفارات.. ومن النادر ان لا يؤدي
جنرال جزءاً من مهنته في اوربا.. وان الاداريين المدنيين في
البنتاغون هم ايضاً شديدو الارتباط بالناتو فإذا كان ثقل
فرنسا قليلاً في الولايات المتحدة الامريكية فذلك بسبب ابعاد
العسكريين الامريكيين من فرنسا في عام 1966 وانسحابها من
الناتو. وان القليل من القادة ومن كبار الموظفين الامريكيين
يعرفون فرنسا فالعلاقات بين الجيشين وعلى الرغم من انها
علاقات قوية منذ عشرة اعوام الا انها اضعف مما لو كان لا
يزال هناك قواعد امريكية في فرنسا ومما لو بقي المقر العام
للناتو ومقر حلف شمال الاطلسي في فونتينبلو وفي باريس. ان
اعادة النظر الشاملة بأوضاع القوات الامريكية مشروع طويل
الامد، وتمتلك اوربا امكانية محاولة لي وتعيير القرارات
الامريكية ولكن ماذا بوسعها ان تعمل للتأثير على واشنطن؟
كانت الدول المعارضة لغزو العراق على خطأ عندما ذهبت طوعاً
الى المستنقع الميزوبوتامي/ مستنقع بلاد ما بين النهرين،
والمقابل كان عليها القيام بأقصى ما يمكن للمساهمة بالكثير
من العمليات في افغانستان، وفي البلقان وفي المناطق التي لا
تختلف حولها مع واشنطن ولهذا فإن عليهالا الاستثمار في مجال
اداتها العسكرية ويصعب على الامريكيين ان يأخذوا الاوربيين
على محمل الجد لأنهم اهملوا جيوشهم وكانت المانيا وفرنسا
ستحظى بثقل اكبر في خلال الازمة الاطلسية حول العراق لو كانت
كل واحدة قد ساهمت بكتيبة محمولة جواً في افغانستان بدلاً من
ارسال عناصر رمزية. ان واشنطن تحمل مسؤولية ثقيلة في الكارثة
اليوغسلافية لانها رفضت التدخل منذ عام 1991 غير غير ان هذا
لا يعفي قصور اوربا في كوسوفو كما ان الاوربيين لم يستطيعوا
تطوير تأثيرهم في الولايات المتحدة الامريكية ان السعي
لتطوير المصالح لا يأتي من خلال النقاش مع وزارة الدفاع بل
ينبغي اقامة اتصالات قريبة مع الكونغرس، والقضاة والصحفيين
والجامعيين وعدم اهمال الحكام والمجتمع المدني خارج واشنطن.
وقد يبدو غريباً الاهتمام بالتقهقر الاميركي عندما يكون
رجلاً خطيراً ولا يضاهى مثل جورج بوش في القيادة لكن من
المهم التذكير ان الهيمنة الامريكية تبقى المفتاح الاساسي
لامن اوربا واسيا، اللتين تنتجان مع امريكا الشمالية اساس
الثروات العالمية ان خطاب بعض الأوربيين ابتداءً من خطاب جاك
شيراك حول، التعددية القطبية، يسهم في اقناع امريكا انها لا
تجد ترحيباً بها في اوربا ولكن اذا كان التقهقر الامريكي
يمثل خطراً على الولايات المتحدة الامريكية فإنه يخلف هلاكاً
اخطر لاوربا.
بقلم/
جوناثان فريدلاند
في السابق
بدا وكأنه انحراف، لكنه صار الآن عهداً جديداً، فقد بدأت
سيطرة جورج بوش على البيت الابيض عام 2000 بمراوغة انتخابية
نتيجة اخفاق تام في فلوريدا، عن علم الجبر الملغز للنظام
الانتخابي الامريكي، وعن قرار منقسم للمحكمة العليا.
بدأت هذه
الرئاسة وكأنها عرضية، تظهر في كتب التاريخ كفلتة من فلتات
الطبيعة و شواردها، لكن هذا تغير كلياً بالامس، تغير تماما،
سجل الرئيس بوش وجيشه الجمهوري نصراً مشهوداً، ولن ينظر اليه
كمجرد نصر انتخابي، بل نقطة تحول في الحياة الامريكية،
واعادة تنظيم للقوة. هذه الحقيقة، وطوال اثنتي عشر ساعة،
حجبت تحت ستر ولاية اوهايو، ورغبة الديمقراطيين اليائسة في
رؤية ان كان بالامكان نزع هذه الولاية الحيوية من ايدي
الجمهوريين، لكن المتحدي جون كيري ادرك آخر النهار ان هذه
الرغبة كانت املاً لا طائل فيه. اوهايو الآن ليست فلوريدا
عام 2000، لأن جورج بوش قد حقق اكثر من مجرد زيادة بالارقام
الضرورية في الكلية الانتخابية، لقد حقق ما اخفق فيه على نحو
بارز طوال السنوات الاربع الماضية. فقد كسب الصوت الشعبي
بفارق 3.5 مليون صوت. كما حقق ايضاً ما لم يتمكن احد من
تحقيقه منذ عام 1988 عندما كسب اكثر من 50% من اصوات
الناخبين، لكنه بالطبع بزّ والده واصبح عضواً في نادي النخبة
الصغير، نادي الرؤساء الذين فازوا في دورتين كاملتين..
عهد بوش
ذلك وحده
سيؤكد بأن العقد الاول من القرن الحادي والعشرين سيصبح عهد
بوش، كما كانت ثمانينيات القرن الماضي عهد ريغان والتسعينيات
عهد كلنتون. لكن هناك المزيد.
لقد وسع
الجمهوريون من حضورهم في مجلس الشيوخ من 51 مقعداً الى 55
مقعداً، ملحقين الهزيمة بالديمقراطيين في كل منافسة، ومطيحين
بزعيمهم في مجلس الشيوخ. لقد زادوا من اغلبيتهم في مجلس
النواب ايضاً. تحت قيادة بوش كسب الحزب الجمهوري سيطرة واضحة
على الهيئتين التشريعية والتنفيذية في الحكومة الامريكية، مع
تفويض لا يشك احدٌ في شرعيته. لكن الثورة الجمهورية لم تتوقف
عند هذا الحد، فهناك مؤامرة صغيرة تدار هذا الاسبوع في
المحكمة العليا، حيث رئيسها وليام ريهنكويست الذي اعجزه
سرطان الغدة الدرقية عن الاستمرار في منصبه مما يتيح للرئيس
بوش تعيين خلف له من بين المحافظين مثل مستشار البيت الابيض
البيرتو غونزاليس. وهنالك بعض المناصب الشاغرة الاخرى في
القضاء الامريكي، وعند اشغالها سيتمكن الرئيس بوش من الاطاحة
بالاغلبية المعتدلة. وبإمكان القضاء الآن البدء في العمل على
نقض التسوية التي تدافع عن حقوق المرأة والامريكيين السود
طوال خمسين عاماً، وتدافع الآن عن الشاذين جنسياً، ان
المعارضة لفعل ايجابي مثل حق الاجهاض كانت ولحد الآن معارضة
اقلية في القضاء الامريكي. لكن ذلك سيتغير الآن، واستيلاء
المحافظين الجدد على الهيئات الثلاث (التشريعية والتنفيذية
والقضائية) سيكون كاملاً.
لذلك لن يكون
جورج بوش على هامش التاريخ، بل صانعه.
اوهام اوربا
اولئك الذين
خارج الولايات المتحدة، في المحاكم العليا الاوربية وما
وراءها والذين كانوا يأملون بأن حكم بوش سيكون مرحلة عابرة
مثل اعصار فلوريدي يعصف فقط بالمناطق التي يمر بها، عليهم
الآن التكيف مع حقيقة مختلفة، طوال السنوات الاربع الماضية
امل كثيرون بأن المسار الذي اختطه الرئيس بوش - المستند على
وجهة نظر متهورة لعالم منقسم بين قوى الظلام وقوى النور -
سيكون مجرد ومضة عابرة. وعند حلول الثاني من نوفمبر ارادوا
ان يعتقدوا بأن الاداء الطبيعي سوف يعود، وبأن الولايات
المتحدة ستعود الى اسلوبها القديم في السياسة، تشاور حلفاءها
وتحترم النظام الدولي الذي ساهمت في خلقه، وان معايير
السياسة الخارجية التي كان يتبعها جميع الرؤساء من روزفلت
حتى كلنتون، بضمنهم بوش الاب نفسه، سوف يعاد احياؤها.
لقد وعد جون
كيري بذلك.
تلك الاوهام
تبددت الآن. لا يبدو ان البيت الابيض على وشك التخلي عن
الاسلوب الذي اختطه خلال السنوات الاربع الماضية.
ولماذا عليه
ان يفعل ذلك؟ فبالرغم من الذبح والتقتيل في العراق، وبالرغم
من مقتل اكثر من 1000 جندي امريكي وعدد لا يحصى (او لم يحص)
من العراقيين، بالرغم من عدم وجود اسلحة الدمار الشامل،
وبالرغم من فضائح سجن ابو غريب، كسبت ادارة بوش رضى الشعب
الامريكي.
لو خسر بوش
لدفن مشروع المحافظين الجدد والى الابد، لكنه فاز،
والمحافظون الجدد سيحتفلون بالفوز وكأنه تبرئة عذبة، لذلك
سيكون هناك اندفاع قوي الى الامام. قال السيد دانيال بلتكا،
وهو من المحافظين في معهد المؤسسة الامريكية : (هناك بالفعل
تهديدات علينا التعامل معها) ايران لن تفلت. قال السيد بلتكا
محذراً ( قد تكون القوة هي الخيار الوحيد). ولن تفلت كوريا
الشمالية ايضاً (ليس بإستطاعتنا الزعم بأن العالم سيكون
مكانأًُ اجمل لو لم يكن جورج بوش رئيساً).
كان هناك
الكثير من الناس حول العالم يفكرون بالضبط بهذا الاسلوب،
آملين بأن السنوات الاربع الماضية كانت كابوساً مريعاً
سينتهي بالامس. الآن عليهم الابحار حول المشهد الجيو سياسي
حيث جورج بوش هو المَعْلَم المسيطر.
تغير الخريطة
لكن نصر امس
مؤشر على تحول امريكا ذاتها ايضاً. لقد كانت الولايات
المتحدة في طور التحول على مدى عقود، لكن الآن كشفت عن
تحولها بوضوح تام، والخريطة الانتخابية اظهرت هذا التحول
بألوانه الكاملة: السواحل (الزرق) حيث انتصر الديمقراطيون،
والمساحات الشاسعة المتبقية من (الاحمر) للجمهوريين. على
الديمقراطيين ان يحدقوا طويلاً وبقوة في تلك الخريطة وفي
هزيمتهم الكاملة.
مستطلعو آراء
الجمهور، والذين اخفقوا على نحو قابض للصدر في التنبؤ
بالنتائج، حققوا بعض الاكتشافات شديدة التأثير.
العديد من
المصوتين لبوش اقروا بعدم رضاهم عما يجري في العراق،
واعترفوا بصعوبة الوضع الاقتصادي - وهما مسألتان كافيتان
للاطاحة بالرئيس - لكن هؤلاء الناخبين دعموا السيد بوش لأنه
يعكس شيئاً يعتبرونه اكثر اهمية: قيمهم! هذه القيم يمكن
اختصارها في قضايا مثل الاجهاض، السلاح، الشذوذ الجنسي.
لكنها تمثل فرقاً ثقافياً كبيراً. احد المحللين الجمهوريين
سأل مجموعة من الناس اربعة اسئلة: هل لك قريب او صديق يخدم
في القوات المسلحة؟ هل تمتلك بندقية؟ هل لك روابط شخصية مع
الريف الامريكي؟ هل تحضر القداس الديني كل اسبوع؟
اجب بنعم
لأغلب او جميع هذه الاسئلة وستكون (محافظاً على الصعيد
الثقافي) وستصوت للجمهوريين. اجب بلا وستكون ممن يقطنون في
الساحل الشرقي او الغربي وستصوت للديمقراطيين. في عام 2000
كانت هذه الثقافة تقسم امريكا بالتساوي. لكن اليوم المحافظون
يشكلون الاغلبية. ان الولايات المتحدة تمضي قدماً وبثبات نحو
اليمين وذلك يلقي مشكلة امام الديمقراطيين الذين عليهم ان
يتعلموا التحدث الى من هم في الولايات (الحمر) ان كان لهم ان
يفوزوا بالسلطة مرة اخرى. لكن هذا ايضاً يلقي مشكلة امام
امريكا التي عليها ان تضم ثقافتين مختلفتين جوهرياً في امة
واحدة.
ولعل ذلك
ايضاً يلقي مشكلة امام شعوب العالم التي تراقب القوة العظمى
الوحيدة وهي تسير في مسارٍ تخشاه وبالكاد تفهمه.
ترجمة/ زهير
رضوان
عن/
الغارديان
عمّان وكالة (آكي) الإيطالية للأنباء:
مرت قبل أيام الذكرى العاشرة لتوقيع معاهدة السلام الأردنية
الإسرائيلية التي أبرمت في 26 تشرين الأول عام 1994 ضمن
احتفال رسمي حاشد عند المعبر الجنوبي شمال مدينة العقبة
الأردنية بحضور العاهل الأردني الراحل الملك حسين ورئيس
الوزراء الإسرائيلي الأسبق اسحق رابين والرئيس الأمريكي
السابق بيل كلينتون وعدد كبير من كبار الشخصيات العربية
والأوروبية. وتضمنت المعاهدة الأردنية/ الإسرائيلية ثلاثين
مادة وخمسة ملاحق، عالجت قضايا الحدود والمياه والأمن.
وبعد مرور 10 سنوات على توقيع تلك المعاهدة، تصاعد الجدل
الدائر حولها في مختلف الأوساط السياسية والحزبية والتنظيمية
في الأردن، ولا سيما في ظل اتساع معارضيها، وانحسار المؤيدين
الذين تفاءلوا بها.
وفي سياق ذلك أشار مصدر أردني لوكالة (آكي)
الإيطالية للأنباء إلى أن الأردنيين من مؤيدي المعاهدة
يركزون على شرح الظروف التي كان يمر بها الأردن لحظة توقيع
المعاهدة، ويشيرون تلميحاً وتصريحاً الى ما يصفونه بـ
"مفاجأة أوسلو" التي أطلقها الفلسطينيون قبل عام من "وادي
عربة" وعزلت خلالها الأردن، إضافة إلى ظروف العزلة التي كانت
تعيشها عمان على خلفية موقفها المؤيد لصدام حسين في حرب
الخليج الثانية 1990.
كما أشار إلى أن المؤيدين الأردنيين يعتبرون المعاهدة "أعادت
لبلادهم حقوقهم في أراض كانت تحتلها إسرائيل، إضافة إلى
الحصول على حصص مائية، وخبرات في مجال الاستثمار والزراعة
والتنمية البشرية"، مشيراً بذلك إلى استطلاع للرأي جرى عند
توقيع المعاهدة أكد أن 74% من الأردنيين الذين شاركوا فيه
أيدوا الاتفاقية، "ولكن استطلاعاً آخر أُجري عام 2000 أكد
بأن 80% من الأردنيين يرون أن إسرائيل دولة عدوة".
وفي هذا المنحى قال أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة
الأردنية حسن البراري "إن اتفاقية السلام الأردنية/
الإسرائيلية، وضعت لأول مرة حدوداً شرقية واضحة للدولة
العبرية، الأمر الذي قطع الطريق على أحلام الإسرائيليين
بقيام دولة عبرية تمتد من النيل إلى الفرات"، وأشار إلى أن
التحدي الأكبر الذي واجه وادي عربة هو "عدم فهم الإسرائيليين
للطبيعة المعقدة للعلاقات بين الأردن ومحيطه الإقليمي، فقد
فشل القادة الإسرائيليون في فهم الحساسية الأردنية للسياق
العربي"، موضحاً أن ذلك حد كثيراً من هامش المناورة السياسية
الأردنية "فلم يكن الأردن قادراً على ضم إسرائيل في الوقت
الذي تحاول فيه إسرائيل التملص باستمرار من التزاماتها تجاه
الاتفاقية".
وفي المقابل شن حزب جبهة العمل الإسلامي، أكبر الأحزاب
السياسية في الأردن، هجوماً لاذعاً على المعاهدة، وذلك في
بيان صدر بمناسبة الذكرى العاشرة لتوقيعها. ووصف البيان
السنوات التي تلت المعاهدة بأنها "سنوات عجاف" وبأنها أخرجت
الأردن من دائرة "معادلة الصراع مع العدو الصهيوني إلى حالة
إنهاء العداء مع عدو احتل فلسطين وأراضي عربية أخرى"، واعتبر
أن الهدف الحقيقي لمعاهدة السلام الأردنية/ الإسرائيلية هو
"إعطاء الشرعية لكيان قام على الاغتصاب وإتاحة الفرصة له
لاستكمال استعداداته لمرحلة تالية". كما دحض الحزب المذكور
الادعاءات بأن الاتفاقية أعادت أراضي أردنية وسمحت بممارسة
السيادة عليها، حيث أشار إلى أن هذه الأراضي مازالت تحت
السيادة الإسرائيلية "بحجة أنها أرض مؤجرة للصهاينة، ولا
يتسنى للمواطن الأردني أن يدخلها إلا ضمن إجراءات معقدة".
وقال حزب جبهة العمل الإسلامي في بيانه إن اتفاقية وادي عربة
وفرت فرصة للإسرائيليين لكي ينفردوا بالفلسطينيين "لقد وفرت
الاتفاقية حماية كاملة للحدود وأصبح التفكير في نصرة الأشقاء
في فلسطين عملاً مجرماً، وأصبح تقديم أي دعم لتعزيز صمودهم
خروجاً على القانون".
يشار هنا إلى أن العديد من المعتقلين الأردنيين مازالوا
يقبعون في السجون الإسرائيلية، ولم تتمكن الجهود الرسمية
والشعبية من الإفراج عنهم، الأمر الذي طرح المزيد من
التساؤلات عن جدوى الاتفاقية.
ووفق للمصدر الأردني فإنه بين كافة الطروحات التي تختلج
الشارع الأردني، تبقى الحقائق على الأرض هي الشاهد الأكبر
على أن فرص السلام مازالت تسجل تراجعاً.
وأن
موازين القوى المختلفة التي أفرزت وادي عربة تشير دوماً إلى
أن "الطرف الأقوى قادر باستمرار على التحكم في تنفيذ ما يريد
من بنود الاتفاقية، وتجاهل بنود أخرى حتى ولو كانت أساسية".
|