الاخيرة

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

الجنائن المعلقة

علي حسين عبيد

انها احدى عجائب الدنيا السبع، تلك هي الجنائن المعلقة التي صنعها نبوخذ نصر لزوجته الاغريقية التي ضاقت بها سهول أرض الرافدين فتاقت لطبيعة بلدها اليونان الذي يضج بالقمم الشاهقة والجبال والتلال المتنوعة، ولكي يخفف الملك وطأة الغربة وثقلها على زوجته الجميلة فقد أنشأ لها خميلة تقترب من طبيعة بلدها الجبلية وشهقت الجنائن المعلقة نحو السماء في سبع طبقات متتالية اعلاها تتربع على اسفلها وصولاً إلى الارض والامر الذي أثار العجب في ذلك الزمن الموغل في القدم هو صعود الماء بوسائل ميكانيكية من الطبقة الارضية حتى الطبقة السابعة  للجنائن المصنعة محلياً. وكان هذا الحدث العجيب من نتاج عقول وايادٍ عراقية صرف، ثم تألقت الزهور والورود ولونت ارض الجنائن بأفرشة خضر محلاة بألوان الطيف الشمسي تتلوى بين ثناياها اللامعة غدران من الماء الزلال لدرجة ان جمال الطبيعة المصنعة الغى غربة الملكة وقضى تماما على اشواقها العارمة لأرضها الأم. ولهذا اطلق على الجنائن المعلقة لقب لم تحظ به الا سبعة اماكن فقط في المعمورة بأسرها وصارت الجنائن البابلية (احدى عجائب الدنيا السبع). وهنا اتذكر حديثاً (فوتوغرافيا) لاحد الاصدقاء الصحفيين الذين زاروا واحدة من عجائب الدنيا السبع وهي (تاج محل) التي تقع في الهند وهذه الزيارة لم يمض عليها الكثير من الزمن وعندما اتذكر تفاصيل الحكاية التصويرية الدقيقة الان اكاد انفجر من القهر والغيظ على من يهمه الامر او المسؤول المباشر عن رعاية واحدة من اروع عجائب الارض برمتها، ثمة فرق لا تصدقه العين ولن يقبله العقل بين الجنائن المعلقة الآن وبين تاج محل، ومن يساوي بينهما في الوصف العجائبي فهو غير منصف ابداً.

فشتان ما بين اعجوبة حافظ اهلها على مواصفاتها التي منحتها هذه الصفة الفريدة بل زادوها عجباً وتالقاً وبين من حولوا أعجوبتهم المتفردة إلى اضحوكة او اكذوبة لا تنطلي على احد.

وليس في كلامي هذا غبن لاحد، فقبل آلاف السنين كانت الجنائن المعلقة تفوق بسحرها وجمالها المصنع سحر الطبيعة نفسها لدرجة انها ألغت احزان المرأة الاغريقية وأشواقها لأرضها وأهلها واصبحت اعجوبة الزمان، أما الان فلن يصح عمل الخمائل (الحلاوية) الذابلة المهملة الا القول المأثور للفنان المبدع جعفر السعدي (عجيب أمور غريب قضية).

 

 


قيصرية الكتب في أربيل ملتقى لتنوع الثقافات

جرجيس كوليزادة

تحمل قيصرية الكتب في مدينة اربيل عاصمة إقليم كردستان، وهي قيصرية الشعراء والأدباء والفنانين، طابعا خاصا، جبلت عليه منذ أول تأسيسها في مطلع العقد الأخير من القرن الماضي، فرائحة الورق، ورفوف خزائن الكتب، ومجلدات الكتب، كلها عناوين لقيصرية واحدة، لا يختلف عليها اثنان، في مدينة ارتبط اسمها وقلعتها على مر الألفيات بأحداث تاريخية، وبالشعراء والأمراء والسلاطين والقادة العظام، وكأنه كان مكتوبا على ابن المستوفي صاحب كتاب تاريخ أربل المؤرخ أن لا يفارق مدينته إلا وهو في صومعته لكتابة فكره ونتاجه بشموخ من قلعة قائما عليها بعد قرون من مماته.

تقع قيصرية الكتب "بازارى روشنبيران" في وسط عاصمة الإقليم، متفرعة من شارع القلعة المنتهي بالتقاطع الثلاثي عند مدخل بناية المحكمة ومدخل شارع الأحمدية المتجه صوب القلعة من الباب الشمالي، أقدم شارع في المدينة يحيط بالقلعة ليجعل منها حلبة دائرية ناطقة بالشواهد الحية لأطراف القلعة التي تسجل انحدارا نيسميا من الحافات العليا صوب الحافات السفلى. وقد عرف الشارع منذ مطلع القرن الماضي بأنه شارع القلعة الوحيد الذي ظل يحتفظ باسمه عقودا وعهودا دون تغيير برغم مرور أنظمة حكم عديدة على نظام الحكم في بغداد، إذ كان الشارع واجهة تجارية وثقافية واجتماعية للمدينة، كان يقع فيها أغلب المحلات التجارية والمكتبات والمطابع والمقاهي والفنادق والكازينوهات الصيفية والشتوية.

تتميز القيصرية عند الدخول اليها بصفين من المكتبات المتراصة على كل جانب من المدخل الى النهاية، كل مكتبة منها تبيع كتباً في اختصاصات متعددة ومتنوعة. وفي خارج القيصرية على جانبي الشارع تصطف مجموعة من باعة الكتب القديمة المتنوعة والمستنسخة ومنها كتب وملازم مدرسية. والقدرة الشرائية لأصدقاء الكتب والمطبوعات الذين يقتنونها رغبة وهواية، غير مستقرة. وهذه جعلت ذهنية الباعة تتفتق عن آلية عملية، يستطيعون من خلالها أن يوازنوا بين قدرات الرواد البسيطة المتواضعة، وبين رغباتهم في اقتناء الكتاب. وما زال هذا التعامل الجميل بين المثقفين والباعة يسيطر على باعة القيصرية وقراء حتى الآن.

حصل للقيصرية الكثير من التطوير، فقد خرجت الكتب من ردهات هذه القيصرية، لتستقر في أماكن أخرى، وحلت محلها المكتبات، ومحال تجليد وطبع الكتب وبيع القرطاسية. إلا أن القيصرية اشتهرت بأنها قيصرية الأدباء والمثقفين الكرد من أهالي المدينة، ومن روادها من غير أهالي المدينة، الذين يقصدونها كل يوم جمعة بين حين وأخر، بحثا عن كتاب أو رواية أو مجلة أو إصدار أو مطبوع قديم أو جديد، لتكون أحد الأماكن المشهورة في المدينة في مقصدهم وترحالهم.

وتشهد القيصرية في أربيل، في بعض أيام الخميس وفي كل يوم جمعة، حركة كبيرة جدا، إذ يقصد القيصرية الكثير من الرواد من المدينة ومن بقية محافظات الإقليم ومن مدن الموصل وكركوك، كل يبحث عن ضالته، ففي هذه القيصرية تجد كل أنواع الكتب، من شتى المشارب والاتجاهات. فالشيوعية مازالت موجودة في الرأسمال وكتب السير الحياتية للشخصيات القيادية الشيوعية العراقية السابقة، ما زال لها روادها. وعشاق الأدب الكردي ودواوينه الشعرية ورواياته لهم أيضا نصيب كبير من مكتبات القيصرية كهيمن وهزار وكوران ونالي وسالم وحاجي قادري كويى وشيخ رضا الطالباني وشيركو بيكس ولطيف هلمت وعبدالله بشيو. كما إن للكتب السياسية الكردية أيضا سوقها وروادها فتجد كتبا للشخصيات السياسية الكردية من أبرزها عبدالرحمن قاسملو ومسعود البارزاني وجلال الطالباني، وكذلك تجد كتبا قيمة للمؤرخين والمحللين السياسيين العراقيين والكرد مثل عبدالرزاق الحسيني وجرجيس فتح الله، ويبدو أن الأخير قد رفد المكتبة الكردية والعراقية بمجموعة قيمة وقديرة من الكتب المؤلفة والمترجمة التي تسلط الأضواء على الكثير من الحقائق والأحداث التي كانت غائبة عن أعين ومسامع القارئ الكردي والعراقي. كما أن الكتب العربية أيضا لها مكانها في شتى المجالات منها الأدبية والتاريخية والسياسية والعامة، والإسلامية أيضا لها مكانها، ولكن للكتب اللغوية والعلمية نصيب وافر من قواميس لغوية للغات الكردية والعربية والإنكليزية والفارسية والألمانية والتركية والهولندية وغيرها، ومجموعة الكتب الحديثة عن الكومبيوتر والانترنيت بقصد التعلم والإلمام بالبرمجيات، وموسوعات متنوعة، وكتب جامعية حديثة وقديمة. وغيرها من الكتب لها نصيبها أيضا ككتب الأطفال وسلسلة الكتب الصغيرة التي تحمل عناوين كتاب الجيب، فكل شيء في هذه القيصرية موجود، وفيها ديمقراطية خاصة لا تعرفها مناطق كثيرة مثلما تعرفها الأماكن المميزة للمثقفين والأدباء في المدينة مثل المقهى المشهور في أربيل مقهى "مجكو" الواقع في الطرف الجنوبي للقلعة والذي يعتبر المجمع اليومي لأدباء وكتاب ومثقفي المدينة.

فسوق الكتب ومقهى رواد الثقافة، رغم التشديد الأمني، الذي كان يشتهر به النظام السابق، لم يتمكن من سد باب تسريب الكتب الممنوعة، رغم الممارسات الأمنية التي كانت مفروضة على الثقافة خاصة المطبوعات، فرغم هذا فإن الرواد والباعة العاملين في سوق الكتب تمكنوا من تمرير العديد من المطبوعات، التي كانت تناهض النظام، وذلك عبر ما عرف بثقافة الاستنساخ وثقافة الكاسيت، إذ كانت الكتب الممنوعة تستنسخ في أماكن سرية في داخل المدينة، وتباع بعيدا عن أنظار الرقيب. أما الآن وبعد زوال كافة أشكال الرقابة للنظام السابق بعد انتفاضة الشعب في عام 1991، فإن القيصرية شهدت تحولا كبيرا على صعيد المكتبات والكتب المعروضة، وهو تحول عوض عن سنوات الحرمان قبل الانتفاضة، التي عانى منها الكتاب والقارئ على حد سواء على صعيد إقليم كردستان وعلى صعيد العراق.

وبهذا الصدد يتحدث السيد زيور صاحب مكتبة في القيصرية ، وهو بائع كتب منذ أكثر من عشرة أعوام في هذه القيصرية العتيدة له مكتبة مكتظة بالكتب والمطبوعات والدوريات القديمة، فيقول "طرأت الكثير من التغييرات على القيصرية بعد الانتفاضة، ربما لا يستطيع العابر أن يراها، ولكننا بحكم وجودنا في هذه القيصرية، منذ سنوات عديدة، نستطيع أن نلمس الكثير من المتغيرات على القيصرية، من أبرزها دخول قواميس وكتب اللغويات التي أخذت تستحوذ على حصة كبيرة من الطلب وكتب الكومبيوتر والانترنيت الحديثة الطبع  وكتب البرمجيات إلى ساحات عرض بيع الكتب".

وفجأة يدخل عليه أحد الزبائن ويطلب منه كتابا عن تاريخ الكومبيوتر، فيلبي طلبه ويعود للكلام فيضيف "قيصرية الكتب في أربيل تبيع الكتب والقواميس اللغوية والإصدارات والمطبوعات الكردية من كتب ومجلات. وكذلك الكتب والإصدارات العراقية التي كانت تصدر في الخارج قبل الإطاحة بالطاغية في بغداد. هذه المطبوعات لم تكن موجودة سابقا، فالنظام السابق والأجهزة الأمنية في بغداد والمناطق الأخرى من العراق (عد إقليم كردستان) كانت تمنع هذه المجلات والكتب، بل إن من كان يمسك وبحوزته مثل هذه المطبوعات فإن السجن كان مصيره".

ويدخل عليه آخر ليسأل عن كتاب عن الطفل وعلم النفس، وآخر عن كتاب عن شبكة الكومبيوتر والانترنيت، فيعود للكلام قائلا " أثمن كتاب كان عندي أطلس المواقع الأثرية، طبعة 1975، اشتراه أحد الباحثين من الكرد، كان يبحث على خريطة معتمدة تحوي على أسم وموقع قريته المدمرة في كركوك التي دمرها النظام السابق، وأطرف كتاب عندي مهدى الى أمير الكويت السابق، مكتوب عليه (هدية لأمير الكويت السيد سالم الصباح الموقر) سنة 1962، وانتظر الفرصة المناسبة لإعادة هذا الكتاب الى أهله".

وأخيرا يبقى الشيء المميز لهذا السوق الثقافي، هو التنوع الجامع للثقافات الكردية والعربية والفارسية والتركية والإنكليزية، وهي السمة البارزة التي قلما تجد لها مثيلا في اسواق أخرى للكتب والمكتبات في العراق ومن أشهرها شارع المتنبي. والسمة الأخرى التي تتميز بها هذه القيصرية مع أسواق الكتب في محافظات إقليم كردستان، هي حرية الكتب والمطبوعات ، فلا رقيب عليها ولا رقابة، سوق رائج تجد فيه كل ما طاب لك من ألوان الفكر وأطياف الثقافة. وليس هذا الأمر مجرد أحاديث عابرة، فمجرد زيارة واحدة للقيصرية تثبت لك ذلك.

 

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة