|
المدى/ خاص
تصوير/ نهاد
العزاوي
يبدو ان
الفرح ينبع من داخل الاطفال، بل هم الذين ينتجون الفرح،
ويكونان توأماً! لذلك فإن الطفل لن يتخلى عن فرحه، حتى في
الظروف التي يرى الكبار انها صعبة. ففي هذا العيد، كما في
غيره، كان الاطفال يتسابقون فيما بينهم للوصول الى الاماكن
التي تجلب لهم الفرحة والمسرة، وتجعلهم في منأى عن كل ما
يعكر فرحهم. فالمراجيح، ودواليب الهواء، والعربات التي تجرها
الخيول، هي مرتع هؤلاء الاطفال، بعد ان يأخذوا في صباحات
العيد (عيدياتهم) من عوائلهم، يتوجهون الى الاماكن التي
تواجد فيها هذه (المفرحات) وهي موجودة في معظم مناطقنا في
بغداد والمحافظات. رأيت عربة يجرها حصان، ويغني صاحبها وهو
شاب لف رأسه بيشماغ احمر ويضرب الحصان، بسوط حاد من حين
لآخر، ويردد الاطفال الذين في العربة معه الاغنية. عندما
توقف ليحمل مجموعة اخرى من الاطفال سألته: الا تخاف من
عصابات اختطاف الاطفال؟ اجابني بعد ان اراني عصا غليظة:
(خليهة على الله وهاي العصة ومعليك). كان ممتلئاً بالثقة
والاصرار وجوه الاطفال كانت تقول اشياء كثيرة من الفرح، دون
ان تبالي بأي شيء. وفي مكان آخر كانت هنالك امرأة تقود
اطفالها وتوزعهم على المراجيح ودواليب الهواء. توجهت اليها
سائلاً: كيف ترين العيد؟ اجابت: الحياة جميلة، والمستقبل
اجمل في ظل السلام، وان شاء الله يحل السلام في بلدنا، وننعم
به عرفت انها ارملة فقدت زوجها بسبب طلقة طائشة بعد التاسع
من نيسان في عام 2003، والاطفال الثلاثة هم ذخرها وعالمها.
طفلة صغيرة من بين مجموعة من الاطفال سألتها لماذا تحب
العيد؟ اجابت ببراءة الطفولة: لأنه عيد والعيد يعني العيدية.
ماذا يعمل
والدك؟ اجابت: شرطي مرور يوقف السيارات ليعبر الاطفال،
ويذهبون الى مدارسهم.
وقالت طفلة
اخرى (عمو آني ابوية معلم ويعلم الاطفال) قبلتها وقلت لها ما
اسمك؟ اجابت: سارة حسين.
تجمهر حولي
الاطفال وهم يضحكون وكل واحد منهم يذكر اسمه وعنوان مهنة
والده. احد الاطفال كان صامتاً، سألته: لماذا عمو لا تتكلم؟
اجاب: والدي قتله (الحرامية) واخذوا سيارته. وضعت رأسه على
صدري، وحاولت ان اعطيه مبلغاً ما، رفض بإصرار وقال ماما لا
تقبل.
في مدينة
الثورة كانت مجاميع الاطفال، تركض، وتلعب مزهوة بالعيد، وهي
تشتري اللفات وتركب المراجيح التي تربط بعمودين، ومرات
بنخلتين، او (الزحليكَة) وهي تردد اغنيات الفرح والمسرة.
سألت احد الاطفال عن معنى العيد، اجاب: العيد عمو ان اركب
(المرجوحة) واصرف (الفلوس) والبس (ملابس جديدة) وان لا اذهب
الى المدرسة! ضحكت من اجوبته العفوية، وبراءته وحبه للعيد.
سألته ثانية عن العفوية، وبراءته وحبه للعيد. سألته عن
الاطفال الذين معه، قال: هم من قطاعنا، ومعي في المدرسة.
كان شيخاً
جالساً غير بعيد عن مكان (المراجيح) ومعه عدد من الشيوخ سلمت
عليهم و(عايدتهم) وسألته عن العيد ايام زمان. اجاب: (بوية
العيد كبل يختلف مو مثل هسة). ودخلت في تفاصيل جميلة ومفرحة
عن العيد في زمانه. وفي كل مرة كان يستشهد بأحد الجالسين
معه. انها بساطة الانسان الذي لا يعرف غير المحبة للآخرين
وبالتالي لنفسه.
في حديقة
الزوراء كانت هنالك عائلة يبدو عليها الفرح. سألت رب
العائلة: كيف تنظر الى هذا العيد؟ اجابني: يكفي اننا تخلصنا
من النظام الدكتاتوري المتمثل بصدام. العيد جميل برغم كل شيء
اما اذا كنت تريد ان تعرف رأيي بالانفجارات، فأقول: انها
زائلة حتماًُ، واجد الوضع طبيعياً قياساً لمخلفات النظام
السابق. ان شاء الله المستقبل لأطفالنا الذين تراهم يمرحون
ويسرحون.
شاركت في هذا
الرأي زوجته التي اعدم شقيقها من قبل النظام السابق، لأنه
كان في خلاف مع احد اركان النظام والذي كان يعمل في الاجهزة
الامنية.
في مدينة
الالعاب كان الاطفال مع ذويهم يتزاحمون للدخول الى هذا
المكان الذي له ذكرى في دواخلنا جميعاً، وان تجاوز العمر بنا
مرحلة الطفولة والشباب. كان يعنيني في كل هذا، ان ارى الفرح
يطفو على الوجوه، وبالفعل رأيته كذلك، طافياً على وجوه
الاطفال وذويهم.
في هذا العيد
برغم التهديدات والوعيد من الارهابيين، فإن الناس مارست
حياتها بشكل طبيعي، وادت طقوس العيد، وذهبت تعايد بعضها
بعضاً متمنية حياة سعيدة للجميع، ومن مظاهر الفرح الاخرى
التي رأيتها هي الاعراس التي كانت تقام، وتسير مواكبها في
الشوارع، معلنة عن حالات البهجة والسعادة والفرح.
عشرات من
مواكب الاعراس رأيتها، قسم منها على الطريقة الاسلامية تسير
وترافقها اصوات الدفوف والمديح للرسول (ص) وقسم آخر على
الطريقة المتبعة من موسيقى مبهجة، وهلاهل تشق الصمت، وتذرو
الحزن بعيداً، وتعيد الى الاذهان سنوات الفرح والمسرة.
لقد كان
الاصرار على ادامة الفرح كبيراً، لمعاندة الارهاب، وافهام
الارهابيين ان العراقيين اختاروا طريقاً جديدة فيها الامل
والشمس الدائمة المتمثلة بالحرية، بعيداً عن القتل وسفك
الدماء، قريباً من العراق مدينة جنب مدينة، وانسان جنب انسان
تحت سقف موحد لا تزعزعه ريح غريبة او تثقبه رصاصة حاقدة.
محمد درويش
الحديث في
الشارع العراقي يأخذ اكثر من منحى، للتعبير عن اهمية
الانتخابات التي تجري، من عدمها، مرّة يسوده التشنج، مرّة
يسوده التفاؤل، وما بينهما احاديث واحاديث تقترب من الكلام
من اجل الكلام، او رمي الحجر في الظلمة، او مساندة فئة لمجرد
انها تمتلك القوة والبطش، وليس لسبب آخر. فثمة من يقول،
يدفعه الامل بتغييرات جذرية في البنية السياسية للعراق،
ويتمنى ان يرى بلده مزهواً، يعمه الفرح بأن هذه الانتخابات:
شرعية ونزيهة وتسعى الى خدمة العراق. وثمة من يقول، يدفعه
اليأس والاحباط مما رآه خلال السنتين الاخيرتين والسنوات
الماضية الممتدة الى اكثر من ثلاثين سنة، بأن هذه الانتخابات
مزيفة وليس بالامكان ان تقام، وان يسود العراق الامن
والاستقرار وان يمثلنا رجل نزيه، ديدنه خدمة العراق ، ارضاً
وشعباً ، وارثاً.
وسواهما
يقول: نريد الامن والاستقرار وتوفير فرص العمل والخدمات
والعيش في ظل السكينة والطمأنينة.
وكل هذا
مشروع ومن حق اي واحد منا ان يقوله، وفقاً لتوجهاته الفكرية
سواء اكانت محدودة ام مفتوحة على آفاق واسعة من المعرفة
بدقائق الامور وتفاصيلها.
ولكن هنالك
مسألة اخرى، ففي الوقت الذي نرى انشغال المواطن وافراطه في
التفكير في هذا الموضوع الحيوي والمهم، ومنحه مساحات واسعة
من اهتمامه، نرى في المقابل سكوتاً رهيباً حيث يدعي كل حزب
منها بدوره في تحجيم النظام السابق والنيل منه، عبر برامجه
السياسية في الخارج والداخل، وتعرية الاخطاء التي كان
يرتكبها، والممارسات التي كانت اشبه بالممارسات الخيالية
لرموزه، من حيث التصرف بالسلطة، وصرف الاموال، وفي اهماله
لمتطلبات الشعب الاساسية وانشغاله بالحروب والتهديدات، وخنق
الحريات واشغال المواطن بممارسات جانبية، لكي ينسى واجباته
الاساسية المتمثلة بإنتمائه الى الوطن. لا نريد التقليل من
شأن كل هذا، وان جاء هذا بمقادير معينة من حزب الى آخر،
واعطى الضحايا تلو الضحايا من اجل مبادئه وايمانه بأهمية
الوطن، وبقي مصراً على ذلك، برغم اغراءات السلطة والمال.
ولكن لا بد من طرح السؤال التالي: اين هي برامج الاحزاب
السياسية التي تقدمها للمواطن، والتي تحاول من خلالها شرح
ابعاد وسياسة هذه الانتخابات، وكيفية الدخول الى هذا المعترك
الذي نتمنى ان يكون ديمقراطياً، حتى ولو بنسبة مقبولة، وان
لا نقع ثانية، ضحايا اناس لا يفهمون غير لغة العنف والقسوة
والبطش والارهاب؟!
المواطن الآن
يريد كلاماً واضحاً، وبرنامجاً يعيد اليه توازنه الذي اختل
بسبب الوعود المعسولة المتمثلة بحياة مثالية فيها كل ما
يتمنى ويشتهي، وبالتالي سلبت منه عنوة حتى سيره في الشارع
بكل طمأنينة وحرية!
على الاحزاب
ان تعلن عن نفسها، وتسهل مهمة المواطن في التقرب اليها من
خلال عمل جاد ودؤوب فيه رائحة الجدية، وفيه الحرص على الوطن،
بعيداً عن اشكال الانانية وحب السلطة والحصول على اكبر قدر
ممكن من الدولارات مقابل تعاسة الآخرين.
اما الصحافة
فهي الاخرى لم تعِ دورها بعد ولم تسهم بالحد الادنى، في
التعريف بتفاصيل هذه العملية الانتخابية التي من المؤمل ان
يشارك فيها كل المواطنين في العراق بما فيها المناطق
المتوترة والتي تشهد اعمال عنف! الصحافة معنية بتوضيح
الامور، التي تكون حلقة وصل بين المواطن والمرشح، وآلية
العمل التي تجري من خلالها الانتخابات، وبعد ذلك نعلن
ملاحظاتنا وآراءنا عن كل ما يجري، لا ان تكون التفاصيل
عمومية لا يعرف المواطن عنها شيئاً ويبقى (كالاطرش في الزفة)
لكي تمرر عليه الا لاعيب والمخاتلات وتعود الاضطرابات الى
سابق عهدها، والضحايا يسقطون في كل مكان، وكأن شيئاً لم يكن.
|