|
سوق للتصوير الفوتوغرافي
محمد شريف ابو
ميسم
تجمع مهنة التصوير
الفوتوغرافي بين حرفة العمل، لدى الكثير من ممارسيها في
بلادنا وبين مساحتها الجمالية والتوثيقية التي تحمل الكثير
من المعاني والدلالات لدى المبدعين من ممارسيها القادرين على
اقتناص اللحظة من خلال عدساتهم المختلفة.
وفي بلدان عديدة
متقدمة، هنالك أسواق متخصصة، تضم محال تجارية لبيع مستلزمات
التصوير او لطبع الصور بأحجام مختلفة او محال لصيانة وتصليح
الاجهزة الفوتوغرافية وما إلى ذلك. فيستطيع الهاوي او
المحترف في التصوير الفوتوغرافي، ان يجد ما يريد في ذلك
السوق.
مثل هذا السوق ولد
وعبر سنوات وبشكل تلقائي في بغداد، ايضاً، فصارت المنطقة
المجاورة لحديقة الامة التي لا يتجاوز طولها الـ300م،
والممتدة من بداية شارع السعدون إلى ساحة الطيران من جانب
واحد من الحديقة، تغص بالمحال التجارية المتخصصة في
تعاملاتها مع المصورين المحترفين والهواة، والمتضمنة اكثر من
50 مختبراً لطباعة الصور الفوتوغرافية ومحال لبيع لوازم
التصوير او تكبير الصور وكبسها واخرى لتصليح الكاميرات
وادوات التصوير الاخرى، فأنت لا تفارق هذه المنطقة مدة ما،
حتى تعود لها فتجد محلاً لبيع العدد اليدوية او مطعماً ما او
مقهى تحول إلى مختبر لطبع الصور الفوتوغرافية او محلاً لبيع
لوازم التصوير.. وبقدر ما يعكس هذا التخصص حالة متحضرة حصلت
وتحصل بتلقائية، الا انه يثير اسئلة عن هذا الكم الهائل من
المختبرات، فهل يعبر عن تزايد في حاجات الناس إلى هذه
الآلات، ام ان الامر تسابق على موطئ قدم في المستقبل التجاري
لهذه المنطقة؟
السيد محمد علي
(ابو ليث) مهندس متخصص في البناء والانشاءات صاحب محل صغير
لبيع لوازم التصوير وشريك في مختبر الفؤاد، يقول: عملت في
هذه المهنة منذ 25 عاماً وقد ورثتها عن والدي وفضلتها على
العمل الوظيفي، فقد كانت هذه المنطقة التجارية تغص بالمطاعم
ومحال المشروبات وقليل من محال التصوير، والتحول الذي حصل له
اسباب كثيرة أهمها هو تزايد الحاجة لمختبرات التصوير إذ كان
العدد في بداية الثمانينيات لا يتجاوز عدد اصابع اليد
الواحدة، ولاننا بهذه المنطقة مركز بغداد ويرتادها عدد كبير
من مصوري المحافظات، فقد ازداد عدد المختبرات ومحال بيع
لوازم التصوير، ولان ارباح التصوير كانت عالية في تلك
الاوقات ناهيك عن توارث الابناء مهن آبائهم، ازداد الطلب على
المحال المجاورة.. اما ازدياد التوسع حالياً فمرده إلى
ارتفاع مستوى دخل الفرد كذلك دخول بعض الطارئين على هذه
المهنة.
وعلى الرغم من ان
هذه المهنة بإمكانها ان توفر رزقاً للجميع، الا ان الاحتكار
والمضاربات أصبحت سمة من سمات هذا السوق.
*أليس هنالك دور
للجمعية العراقية للتصوير في تنظيم العمل والحد من هذه
المضاربات؟
-ملاك الجمعية
الجديد هو الملاك القديم نفسه، واغلبهم من التجار المعروفين
في هذه المهنة، ولم يكن للجمعية في يوم ما دور في معالجة مثل
هذه الحالة.. تخيل ان سعر (الجملة) لفلم الكونيكا هو
(1250ديناراً) ويباع بالمفرد بـ(1250ديناراً) ايضاً، وكل هذا
للإضرار بشخص معين والضحية الصغار من العاملين في هذا المجال
لان الكبار (ضلعهم قوي) ويستطيعون التعويض في مجالات اخرى.
عدنان (ابو عمر)
صاحب ستوديو حيفا يقول: هذا التخصص يخدم المهنة فنحن الان
نـأتي إلى الباب الشرقي فننجز جميع اعمالنا ونتسوق ونغادر من
دون ان نذهب إلى مكان آخر، ولكن الغريب ان عدد المختبرات
يزداد وبعضها يشكو من قلة العمل، ثم ان الوضع الامني يجعل
هذه المنطقة تغلق محلاتها في اوقات مبكرة فلا أعرف تفسيراً
لازدياد عدد المختبرات، خاصة ان معتمدي المحافظات ما عادوا
يأتون إلى بغداد لان المختبرات ازداد عددها في المحافظات
ايضاً. وأعتقد ان سكان بغداد وبعد ازدياد القدرة الشرائية
اصبحوا يرتادون هذه المنطقة لطبع الافلام الفوتوغرافية وشراء
حاجاتهم من الافلام والكاميرات اكثر من ارتيادهم للمحال
والمختبرات في مناطقهم لانهم يحصلون على ما يريدون في هذا
السوق بالسعر الذي يحصل عليه المصور.
السيد سلام
الخفاجي احد المغتربين المقيمين في فرنسا ويعمل في السينما
يقول: مع ان لهذه المنطقة موقعاً متميزاً في ذاكرتي، الا
انني اشعر بأن تحولها إلى سوق متخصص في التصوير ومستلزماته
بات امراً طبيعياً لي لاني اجد فيه الكثير من العزاء لذاكرتي
المحبطة.. جميل ان نجد سوقاً متخصصاً بمتعلقات التصوير على
غرار ما نجده في العواصم الاوروبية ولكن الملاحظ ان كثيراً
من المواد متوفرة وبأسعار معقولة، الا انني عندما فكرت في
تصوير مجموعة لقطات لعمل ريبورتاج صغير، عرض عليّ اقاربي
استئجار كاميراً بدلاً من شرائها فاكتشفت ان سعر الايجار
لليوم الواحد هو 20 دولاراً، مع ان سعر الكاميرا لا يتعدى
600 دولار.. والمسألة الاخرى الملفتة للنظر ان هنالك مجموعة
من محال العدد اليدوية لا زالت صامدة امام الزحف
الفوتوغرافي، واعتقد ان محال العدد اليدوية هذه مرتبط وجودها
بوضع مجاميع العمال الذين يعرضون خدماتهم بقربها، فإذا ما
انتظم البلد ووجدت فرص العمل سينحسر وجود العمال في هذه
المنطقة وسينتصر زحف المختبرات على المتبقي من المحال
الاخرى.. اعتقد ان اتساع هذا السوق وفي هذا المكان يعد امراً
ايجابياً ويعكس تزايد طلب الناس على الصورة الفوتوغرافية
الذي يعني في مدلولاته ارتفاع مستوى مدخولات الناس ورغبتهم
في خلق السعادة وتوثيقها.
الاسلحة والاطفال
احمد عبد القادر
كلما ابصرت طفلاً
مضرجاً بدمه على سرير في مستشفى او ملفوفاً في كفن بانتظار
دسهِ في التراب، تذكرت قصيدة السياب (الاسلحة والاطفال)
وايقنت ان الحروب يصنعها الكبار، ويدفع ضريبتها الصغار
الابرياء الذين لا حول لهم ولا قوة في درء ويلاتها ومآسيها.
الحروب لها جبهات
يقف فيها الطرفان المتقاتلان وجهاً لوجه، هذه بديهية يعرفها
الجميع، أما ان يصيح الجميع- اطفالاً، نساء شيوخاً، مقاهي،
انابيب نفط، مدارس، مستشفيات- اماكن صالحة للضرب والموت،
فهذا هو العبث والفوضى، فلا احد معصوم من سيارة مفخخة، او
عبوة ناسفة يزرعها طلاب الموت، المتخفون وراء تسميات عجيبة
تتخذ من الدين شعاراً ومن الوطنية دثاراً، خادعة السذج من
الناس، يظاهرها في ذلك موتورون بذهاب سلطة او مدفوعو اجر
يرتكبون من الامور فظائعها، كل ذلك يجري وراء حجاب من
المجهول لا بد ان يبين يوماً ما فيعرف الجميع وحشية ما يخطط
له اعداء الحياة، وتجار الموت.
كل ذلك يتجسد
امامي، وانا ارقب طفلي الصغير وهو يرتدي ملابسه المدرسية،
استعداداً للذهاب إلى المدرسة، بينما تقف والدته خائفة وجلة
من مغادرة ابنها البيت، اذ ان مشاهد القتل المروعة تتجسد
امامها على شاشة التلفاز قتلى بأجساد محترقة او اشلاء مبعثرة
على الرصيف، دماء تصبغ الارصفة، كثيراً ما تصرخ في وجهي دع
الصغير يبقى في البيت، ان حياته عندي تساوي علوم الارض
جميعاً، وفوق ما يفعله هؤلاء القتلة بنا بروز ظاهرة
الاختطاف، ماذا ستفعل اذا اختطف هؤلاء المجرمون ولدنا؟ من
اين ندفع الفدية ونحن بالكاد ندبر عيشنا؟ أطمئنها قائلاً:
سأذهب معه إلى المدرسة والرعاية من الله.
أقود ولدي الصغير،
متذكراً أيام الطفولة حيث نذهب انا واخوتي إلى مدرستنا
صباحاً، متقافزين. مرحين، والسعادة تملأ قلوبنا. لقد كانت
الحياة بسيطة والآمال كبيرة قبل ان يستل دعاة الموت سكاكينهم
المسنونة على حجر الكراهية والتعصب في وطن أثقلته المآسي
ودمرته الحروب.
صادقت جاري قافلاً
وهو يقود ولده الصغير، بادرني بالسلام قائلاً: ارجع فلا دوام
اليوم، فقد وجد رجال الشرطة عبوة ناسفة في ساحة المدرسة وهم
يقومون بتفكيكها الان بعد ان صرفوا الطلاب إلى بيوتهم، إبْنا
إلى بيوتنا، شاعرين بالاسف والحزن على مصير اطفالنا
ومستقبلهم المجهول، أيمكن ان يصبح هؤلاء المساكين أميين،
جاهلين بينما العالم يغذ بخطواته إلى مراقي العلم والتطور؟
أليس لقاتلي
الاطفال قلوب وضمائر؟ أليس لهم أبناء يحتاجون إلى مدارس
وتعليم؟ ألا يمكن لهم ان ينزعوا الحقد والضغينة من نفوسهم؟
أسئلة تترى تجيب عنها شاشات التلفاز وهي تعرض أخبار وصور
الخراب الذي تخلفه اسلحة الموت في الشوارع والبيوت.
في هدأة الليل،
استللت من مكتبتي المتواضعة ديوان السياب وطفقت أقرأ قصيدته
الرائعة (الاسلحة والاطفال) فأحسست بقطرات صغيرة من الدمع
تنساب على وجنتي ساخنة وكأنها تبوح بحكايتها المنسوجة من
عذابات الوطن، ونيرانه الموقدة.
|