|
ترجمة: كاطع الحلفي
عن: صحيفة الغارديان
أثارت إذاعة فلم قصير المدة الأسبوع الماضي ضجة عالمية لأنه
يصور مشاة البحرية وهم يطلقون النار على مقاتل عراقي جريح في
الفلوجة. ونشر أمس المصور الذي التقط المشهد نفسه وهو "كيفين
سايتس" رسالة مفتوحة إلى مشاة البحرية الذين يعمل معهم بصورة
دائمة وذلك على موقعه الالكتروني.
منذ إطلاق النار في المسجد انتابني شعور بعدم قدرتي على
إبلاغكم مباشرة بما رأيته أو أنني لم أشرح لكم العملية التي
شاهدها العالم أيضاً.
فكما تعلمون فإني لست سائحاً في منطقة حرب يحمل آلة تصوير
دون أن يفهم تلك المشاهد القبيحة التي تقع أثناء القتال. لقد
أنفقت معظم السنوات الخمس الأخيرة في تغطية الصراع العالمي
غير أني لم أكن ذات يوم ابداً مراسلاً انتهازياً لاهم لي إلا
أن يقترف الناس السيئات كيما تقع تحت آلة تصويري.
وقد صدمت في هذا الأسبوع بعد أن صورني الناس على أني ذلك
النوع من الناشطين المناهضين للحرب. غير أن أي إنسان شاهد
تقاريري في التلفزيون أو قرأ ما أبعث به سيدرك المدى الذي
ذهبت إليه في الصدق والمباشرة دون أن أكون أداة للدعاية بيد
هذا اليسار أو ذاك اليمين. غير أني وجدت نفسي موضوعاً مثاراً
للجدل في إرسال تقارير عن ما أراه يحدث أمامي ومتدحرجاً أمام
آلة التصوير.
وقد حان الوقت لأن تعرفوا الحقيقة بكلماتي أنا عن ما شاهدت
دون الضرب على وتر جندي مشاة مذنب أو بريء وما بينهما. أريد
لكم أن تقرأوا تفاصيل وصفي ثم تقررون حسب حكمكم. وهنا أبدأ:
كان صباح يوم السبت وكنا معتصمين في مواقعنا منذ ليلة أمس،
وموقعنا عبارة عن طريق ممهد بين مجموعة بنايات على الحافة
الجنوبية من المدينة. كان التقدم سريعاً غير ان جيوب
المقاومة كانت لا تزال موجودة والحقيقة إننا كنا نواجه
القناصة من الأمام ومن الخلف.
استخدمت فرق الأسلحة مدافع 81 ملم حيث استهدفوا وميض فوهات
المدافع. أما الدبابات فقد قامت بضرباتها الخاصة وفي منتصف
الصباح أبلغنا إننا نسير نحو الشمال ثانية وسنعود ثانية
لتطهير جزء من المكان الذي مررنا به أمس. وكانت هناك أيضاً
تقارير أن المسجد الذي قتل فيه عشرة وجرح فيه خمسة ربما يكون
أعيد احتلاله أثناء الليل. وقررت أنا ترككم يا شباب والتحق
مع احدى مفارز المشاة وهي تنتقل من بيت إلى بيت عائدة نحو
المسجد. كانت الكثير من الدور فارغة من سكانها غير أنها
مملوءة بالأسلحة وخارج منزل احد الناس قذف أحد أعضاء المفرزة
بقنبلة على الحائط وسقط كل أحد في الداخل متكوماً ومن بينهم
أنا.
وبينما يدخل مشاة البحرية إلى البيت تتبعت لهيب القنبلة إلى
داخل فناء الدار وعندما اختفى الدخان استطعت أن أشاهد خلال
ناظوري ناراً تندلع بجانب كومة كبيرة من القذائف المضادة
للطائرات هرعت صائحاً أن يجب علينا التحرك. وتقريباً على
الفور بعد أن خرجنا من البيت أخذت الانفجارات تتصاعد بعد أن
التهمت النار القذائف.
وفي تلك اللحظة سمعنا الدبابات وهي تطلق مدافع 240
الميكانيكية باتجاه المسجد. وقد صرخ أحد مشاة البحرية من
مفرزتي "هل هناك مشاة بحرية في هذا المكان"؟
وعندما وصلنا إلى المدخل الأمامي شاهدنا أن هناك مفرزة أخرى
وقد دخلت قبلنا.
ثم سألهم الملازم "هل هناك أحد في الداخل"؟
وأشار أحد جنود البحرية إلى إنهم خمسة.
وسأل الملازم: هل أطلقت عليهم النار.
فأجاب نفس الجندي "هذا ما قام به (روجر) يا سيدي"
وعندما سئل "هل كانوا مسلحين" أجاب الجندي بلا أبالية ثم
دخلنا جميعاً إلى المسجد.
وبعد دخولنا مباشرة شاهدت نفس أكياس الجسم السوداء منتشرة
حول المسجد ونفس الأموات من اليوم السابق ولكني دهشت أكثر
حين شاهدت نفس الرجال الخمسة الذين جرحوا منذ الجمعة كذلك،
ويبدو أن أحدهم الآن مات وثلاثة ينزفون حتى الموت من جروح
إطلاقات نارية حديثة.
كان الخامس مغطى جزئياً ببطانية وهو في نفس المكان ونفس
الحالة التي كان بهما أمس بالقرب من العمود. إنه لم تطلق
عليه النار ثانية. نظرت بإمعان إلى الموتى والجرحى. لا يبدو
أن عليهم آثار إطلاقات في أي مكان.
وقلت إلى الملازم "هؤلاء نفس الجرحى منذ أمس" ثم ألقى نظرة
حول المكان وخرج من المسجد وهو يحمل جهاز الاتصال ليبلغ عن
الموقف إلى مقر الكتيبة المتقدم.
شاهدت رجلاً شيخاً كبيراً في كوفية حمراء مستلقياً على
الجدار الخارجي وشاهدت آخر وجهه على الأرض بالقرب منه ويده
في حجره وكأنه يحاول أن يتغطى. ثنيت أقدامي بجنبهم بضع بوصات
لتصويرهما بالفيديو ثم لاحظت أن الدم الذي يجري من أنف الرجل
الكبير السن يتدفق وهذا دليل على انه يتنفس وكذلك الرجل الذي
يليه.
وأنا مستمر في التصوير سار جندي من البحرية باتجاه الجسمين
الآخرين على مسافة 15 قدماً غير إنهما كانا مستلقيين على نفس
الجدار الخارجي ثم سمعته يشتمهما شتماً شنيعاً.
وعن طريق ناظور تصويري شاهدت الجندي وهو يرفع فوهة بندقيته
باتجاه العراقي الجريح ولم تكن هناك تحركات مفاجئة أو اقتراب
أو اندفاع بالسلاح.
وعلى كل حال فربما اعتقد جندي البحرية أن الرجل مثل نوعاً من
الخطر. فلعله كان يريد أن يقوم بتغطيته في حين يقوم جنود
البحرية بالبحث عن الأسلحة. وبدلا ًمن كل هذه الاحتمالات قام
بسحب الأقسام وكانت هناك زخات من الرصاص على الحائط الخارجي
حتى سقطت رجل الجريح على الأرض.
ثم قال جندي بحرية في الخلف "لقد مات الأن".
وفي هذه الأثناء فاني لا أزال أدير عدسة جهاز تصويري، شعرت
بالتقزز من أعماقي. ثم تحرك جندي البحرية بصورة مفاجئة وسار
بخطى سريعة بعيداً عني تماماً باتجاه الجريح الخامس الملقى
بجانب العمود. كان على قيد الحياة بصورة واضحة جداً وكان
ينظر من تحت بطانيته غير أنه قام جنديان آخران في الغرفة
بدفع أسلحتهما حين حاول الرجل الكلام.
لقد كنت مشلولاً لبرهة من الزمن لأني لا أزال أصور الرجل
الكبير السن في المشهد الخلفي. نهضت بعد مدة وأبلغت جنود
البحرية ثانية نفس ما أبلغت به الملازم أن ذلك الرجل وكل
هؤلاء الرجال الجرحى هم أنفسهم جرحى الأمس. لقد نزعت أسلحتهم
وعولجوا ثم تركوا هنا.
وفي هذه الأثناء أدرك الجندي الذي أطلق النار أني موجود في
الغرفة حيث جاء لي وقال "أنا لم أعرف سيدي - أنا لم أعرف".
لقد تحول الغضب الذي كان موجوداً قبل لحظات إلى خوف وتخوف.
ثم حاول الرجل التحدث معي بالعربية.
ثم قفز لي سؤال "لماذا ترك هؤلاء الرجال الخمسة في المسجد؟"
وقد أجاب على هذا السؤال القاضي العقيد (بوب ميلر) الذي قابل
جنود البحرية المتورطين بعد الحادث. فبعد أن عولجت جروحهم
يوم الجمعة من قبل فرقة البحرية (وأنا شخصيا شاهدت ضماداتهم)
كان يجب نقل هؤلاء خلف الخطوط حين يسمح الوقت والظروف.
كانت المنطقة على كل حال ساخنة وكانت هناك خسائر أمريكية يجب
إخلاؤها أولاً. كما إن المفرزة التي دخلت المسجد يوم السبت
كانت تختلف عن تلك التي قادت الهجوم يوم الجمعة.
ومن المعقول الافتراض أنهم لم يعرفوا هؤلاء المتمردين وأنهم
دخلوا الاشتباك أمس ثم اسكتت نيرانهم.
ومع ذلك فإن هذه المفرزة الجديدة عندما اشتبكت مع المتمردين
الجرحى فقد كانوا يعتقدون حقاً أنهم يواصلون القتال أو أن
أحدهم شكل تهديداً وقد علم هؤلاء الجنود في البحرية من
تدريبهم أن عليهم تفتيش المتمردين بحثاً عن الأسلحة
والمتفجرات بعد السيطرة عليهم بدلاً من تركهم حيث يوجدون
والبحث خارج المسجد عن المفرزة التي اتبعها حتى تصل.
وخلال مجرى هذه الأحداث كانت هناك الكثير من الظروف
التخفيفية كتلك التي ذكرتها للتو والتي أوردتها في قصتي فقد
ذكر أن الجندي الذي أطلق النار هو الآخر جاءه طلق في وجهه
اليوم الذي سبقه.
كما أني أعي جيداً من خبرة عدة سنوات كمراسل حربي أن هناك
أوقاتاً وخصوصاً في هذا الصراع حين يقع الموتى والجرحى في
مصائد تثير الشفقة ولا يستطيع أحد أن ينكر وخصوصاً شخص مثلي
عاش في منطقة حرب أن جندياً أو أحد مشاة البحرية أخطأ بصورة
مشروعة حذراً من مثل هذه الظروف فالحرب هي عبارة عن اقتل
عدوك قبل أن يقتلك.
وفي هذه الظروف المعينة التي أرسل منها تقريري فإن الذي
يقلقني هو أن جندي البحرية لم يبدو أنه قد اعتبر المتمرد
الآخر تهديداً وهو الذي يتحرك بصورة واضحة تحت البطانية أو
الاثنين اللذين يلياني وهما لا يزالان يتنفسان.
أنا لا استطيع أن أعرف ماذا كان بذهن رجل البحرية ذلك فهو
الوحيد الذي قام بالعمل.
غير أني عند ملاحظة كل هذا كمراسل حربي ذي خبرة يحمل في
تصوره دائماً عبثيات هذا الصراع حتى وإن كان عارفاً
باحتمالات الظروف المخففة فيبدو لي بوضوح كبير أن شيئاً
مغلوطاً قد وقع. وكما يقول العقيد (بوب ميلر) فإن قواعد
الاشتباك في الفلوجة كانت تتطلب أن يحدد الجنود نية المعادي
قبل استخدام القوة المميتة. وأني لم أكن أراقب الموقف عن بعد
مائة قدم بل كنت في ذات الغرفة. وما عدا التنفس فإني لم ألحظ
أية حركة إطلاقاً.
وإن التأكد من أنكم تعرفون أساس اختياراتي بعد الحادثة يسير
بذات الأهمية التي تخص معرفة تسلسل الحادثة أولاًبأول ولم
أشعر أبداً أني أفوز بجائزة للتصوير بالفيديو. لقد كان قلبي
يعتصر ألماً في الواقع. ومباشرة بعد حادثة المسجد أبلغت آمر
الوحدة بما حدث. وقد عبرت عن وجهة نظري معه وقد كان لذلك
أثره على سلسلة القيادة برمتها وقد تعهد أمراء البحرية
بالتعاون.
إننا نعرف جميعاً أنها قضية معقدة وأن لم ينظر إليها بصورة
مسؤولة فقد تؤدي إلى أن تلتهب المنطقة المتفجرة. وقد عرضت أن
احتفظ بالشريط حتى يتوفر الوقت للنظر في الحادثة والبدء في
التحقيق وتزويدي بمعلومات تجيب على بعض التساؤلات.
إن أولئك الذين لا يمارسون الصحافة كمهنة قد يكون من الصعب
عليهم فهم لماذا يجب علينا نشر مثل هذه التقارير أصلاً
وخصوصاً إذا كانت مثل هذه التقارير انحرافات وتعسفاً ولا
تمثل سلوك أو شخصية منظمة ككل متكامل.
والجواب ليس بهذه السهولة.
وفي الحرب كما في الحياة هناك العديد من الفرص التي يشاهدها
المرء يعرض فيها الصالح والطالح من أعمال بني البشر.
وكصحفيين تكون وظيفتنا أن ننشر الاثنين وإن كان لا يمثل أي
منهما بصورة تامة أولئك الناس الذين يدور حولهم التقرير.
غير أن تغطيتنا لهذه الأحداث الفريدة مصحوبة برؤية أوسع
ستساعدنا على وضوح الحقيقة بكل تعقيداتها. وهذا لا يجعل من
قرار نشر الأحداث كهذه شيئاً سهلاً.
وعندما قامت شبكة
NBC
بإذاعة الخير بعد 48 ساعة قمنا بفعل ذلك بطريقة حاولت
التخفيف جهد الإمكان من عمل ذلك الجندي. إننا نريد المشاهدين
أن يتشكل لديهم فهم واضح للظروف المحيطة بالقتال على تلك
الجبهة. وكثير من زملائنا يتحملون نفس المسؤولية بالضبط.
إن شبكات أجنبية أخرى اتخذت قرارات مختلفة وبسبب ذلك فقد
أصبحت مسرب النزاع الذي استقدم هذا الموضوع إلى العالم.
إن عبء الحرب كما تعلمون ثقيل المسؤولية علينا جميعاً.
|