|
طابت ذكراك وانا لفراقك، يا أبا شيلان،
لمحزونون
محمد الملا
عبد الكريم
فجعت الحركة
القومية والوطنية، الكردية، قبل اسبوع، برحيل المناضل القومي
خسرو توفيق، وخسرو توفيق هو الاخ الشقيق للمناضل دارا توفيق
الذي كان يرأس تحرير جريدة التآخي، الذي اختطفته عصابات
البعث الصدامية قبل أكثر من ربع قرن ولم يعرف له اثر منذ ذلك
الحين.
ولد المناضل خسرو
توفيق في السليمانية في العام 1930، وبعد ان اكمل دراسته
الثانوية التحق بكلية التجارة في بغداد واكملها. انضم خسرو،
كشقيقه دارا، في السنوات الاولى من شبابه عندما كان لا يزال
طالباً في الثانوية إلى صفوف الحزب الشيوعي العراقي وناضل
ضمنه بدأب وتفان واشترك في انتفاضة تشرين 1952.
وفي العام 1956 اذ
كانت الخطوط العريضة للتوجه الوطني للثورة المصرية قد اتضحت
باسهام مصر الفعال في مؤتمر باندونغ لدول عدم الانحياز وكسر
احتكار السلاح بشرائه من جيكوسلوفاكيا ورفض البنك الدولي
تمويل بناء السد العالي وتأميم مصر لقناة السويس ومن ثم
العدوان الثلاثي عليه وهزيمة ذلك العدوان، عم العالم العربي
مد وطني عارم شمل كل بلدانه، والى جانب هذه التطورات كان
هناك المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي
الذي فتح آفاقاً جديدة امام الحركة الوطنية في عموم البلدان
المستقلة حديثاً، كما في البلدان المستعمرة والتابعة،
فارتفعت عالياً الدعوة إلى وحدة القوى الوطنية في هذه
البلدان، ولاحت في كردستان ايضاً معالم نهضة قومية للنضال في
سبيل الحقوق القومية لشعبنا الكردي انعكست بشكل او بآخر، على
الشيوعيين الكرد في صفوف الحزب الشيوعي العراقي ايضاً، وفي
العراق توحدت اجنحة الحركة الشيوعية التي كانت منشقة على
نفسها فانضمت جميعاً في حزب موحد، وكان لهذا التوحد اثر كبير
في اعطاء نشاط هذا الحزب قوة وزخماً جديدين، وما لبث ان عقد
الحزب كونفرسه الثاني بعد انقضاء اكثر من عشر سنوات على
كونفرسه الاول، وصدر تقريره البالغ الاهمية المعنون (خطتنا
السياسية في سبيل تحررنا الوطني والقومي) الذي تضمن لاول مرة
الدعوة إلى الحكم الذاتي للشعب الكردي في العراق.
وفي السنة 1956
ايضاً حاول اقطاب الحزبين الوطني الديمقراطي والاستقلال
المحلولين تأليف حزب واحد باسم (حزب المؤتمر الوطني) الا ان
السلطات لم تسمح بذلك، فبقي نشاط الحزبين محصوراً في
اطارهما السري، وفي اوائل سنة 1957 تمكنت الاحزاب الوطنية
العراقية السرية من تأليف جبهة الاتحاد الوطني التي كان لها
دور كبير في قيام ثورة الرابع عشر من تموز 1958 وانجاحها،
ولم يشترك الحزب الديمقراطي الكردستاني الموحد (البارتي) في
هذه الجبهة لان بعض اطرافها من الاحزاب القومية لم توافق على
ذلك.
اشرنا من قبل إلى
انعكاس هذه التطورات المهمة على الشعب الكردي في العراق وعلى
الشيوعيين الكرد المنضوين تحت راية الحزب الشيوعي العراقي،
بأشكال مختلفة، فقد كان هناك احساس لدى بعض الشيوعيين الكرد
بهامشية القضية الكردية في سياسة الحزب بالقياس إلى القضايا
القومية العربية التي اقتضت الظروف السائدة آنذاك ان تأخذ
حيزاً كبيراً في نشاط الاحزاب الشيوعية في العالم العربي
ومنها الحزب الشيوعي العراقي بطبيعة الحال، رغم ان هذا الحزب
لم يكن متخلفاً في الواقع في تبني القضايا القومية الكردية
والنضال في سبيلها اذا اخذنا مقاييس وظروف تلكم الايام بنظر
الاعتبار.
كان المرحوم خسرو
توفيق واحداً من بين هؤلاء الذين اكتفوا بأن يتركوا صفوف
الحزب جانباً دون ان يحاولوا القيام بعمل تنظيمي مناوئ
للحزب، ومثل هذا الموقف تكرر بالنسبة لخسرو مرة ثانية
ولآخرين كانوا معه في المرة الاولى ايضاً.
وسنشير إلى ذلك
فيما بعد.
في العام 1956
كانت مسألة الوحدة مطروحة بالنسبة لكل المنظمات الوطنية التي
كان في صفوفها انشقاقات، كما كانت مطروحة كذلك بالنسبة لجملة
الاحزاب الوطنية، فقد كانت التحديات التي تقف بوجهها كبيرة
لاتستطيع ان تتحداها والانشقاقات تنخر في داخلها، كما كانت
اكبر ايضا من ان يقف حزب وطني بمفرده بوجهها.
وقد اشرنا فيما
سبق إلى توحد المنظمات الشيوعية وعودة ما انشق منها إلى صفوف
الحزب، ولكن الحزب الديمقراطي الكردي كان لا يزال منشقاً إلى
جناحين باسم واحد ولهما جريدتان تحملان اسما واحداً.
احد الجناحين كان
يقوده المرحوم ابراهيم احمد والاخر يقوده المرحوم حمزة عبد
الله ويضيف إلى اسمه عبارة (الجناح التقدمي). وللجناحين زعيم
واحد يعيش في المنفى هو المرحوم الملا مصطفى البارازاني
وكلاهما يتغنيان باسمه ويفتخران بزعامته بوصفه رمز الامة
الكردية، كان الجناحان يحسان عميق الاحساس بضرورة وضع حد
لتمزقهما وكان البارازاني يحثهما على ذلك بقدر ما يتمكن من
ايصال صوته اليهما، وكان كاكه خسرو ومن معه ينشطون باتجاه
دفعهما إلى الوحدة بينهما، كما كان الحزب الشيوعي العراقي،
هو الآخر، يبذل جهده في هذا المضمار باعتبارهما اقرب
مجموعتين سياسيتين وطنيتين اليه. وأخيراً اتفقا مع مجموعة
كاكه خسرو على ان يتخلى كل جناح عن شكله التنظيمي الخاص
ويؤلف فيما بينهما حوب واحد باسم (الحزب الديمقراطي
الكردستاني الموحد- بارتي ديموكراني يه ككر تووى كوردستان)
وقد تم ذلك واختير المرحوم ابراهيم احمد سكرتيراً للحزب
واختير اسم (خه باتي كوردستان) اسماً لجريدة الحزب، وقد
حدثني بهذه التفاصيل اكثر من مرة كاكه خسرو، وكانت المرة
الاولى في العام 1965 ونحن موقوفان في الموقف العام بباب
المعظم، حيث هو الان مبنى وزارة الصحة، وقال لي ذات مرة انه
كانت لديه نسخة من البيان التأسيسي لهذا الحزب في مكتبه في
مقر الحزب في شارع المتنبي/ عمارة شاشا على ما اتذكر حيث
كانت ادارة الجريدة (خه بات) ايضا، ولكن بعد احداث 1959 التي
ازيح فيها عدد من قياديي الحزب وعلى رأسهم عبد الله ومن معه،
اضطر خسرو إلى ترك ما كان لديه من اوراق ووثائق هناك.
انضم إلى هذا
الحزب الجديد التأسيس فيما بعد صالح الحيدري وحميد عثمان
الذي كان قد اقصي عن قيادة الحزب الشيوعي في 1955 وأرسل إلى
كركوك ليقود الفرع الكردي للحزب، وقد ترك كلاهما الحزب
الشيوعي وانضما إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني الموحد في
العام 1957.
ذكر لي المرحوم
خسرو توفيق ايضاً ونحن موقوفان في الموقف العام سنة 1965 انه
جرت بينه وبين نزاد أحمد عزيز آغا من جهة، وهو ايضاً من
الشيوعيين السابقين، وبين الشهيدين سلام عادل وجمال الحيدري
لقاءات عديدة واحاديث متكررة بشأن حل الفرع الكردي للحزب
الشيوعي في كردستان وانضمام منظماته إلى الحزب الديمقراطي
الكردي وذلك قبل توحد جناحيه، على ان نشكل نحن الشيوعيين
الكرد الذين ننضم مع العناصر اليسارية الموجودة في قيادة
الحزب الديمقراطي الكردي فراكسيونا يقود الحزب باعتبار ان
هذا الشكل من التنظيم هو الانسب إلى ظروف كردستان حيث
الصدارة في قضاياها للمسألة القومية، كما كان يقول ان الموما
اليهما كانا يستوعبان هذه الفكرة ويوافقان عليها، لكن معارضة
بقية قيادة الحزب الشيوعي حالت دون تحقيقها مما لم يدع
امامنا سبيلاً الا التوحد مع جناحي الحزب الديمقراطي الكردي
كما ذكرنا وتشكيل الحزب الديمقراطي الكردستاني الموحد.
ولكن الفكرة لم
تمت عند هذا الحد، ففي النصف الاول من العام 1957 ظهر نفر
في تنظيمات الفرع الكردي للحزب الشيوعي، وقد قام هؤلاء
بمحاولات مستميتة في سبيل اقناع قيادة الحزب بالموافقة على
حل الفرع الكردي وانضمام منظماته إلى الحزب الديمقراطي
الكردستاني الموحد على نسق المحاولة السابقة، وقد وقف الحزب
بشدة ضد هذا الاتجاه ورد عليه بكراس بعنوان (رد على افكار
قومية بورجوازية تصفوية)، وقد اندثرت الفكرة فيما بعد ولم
تنبعث مجدداً الا في اوائل التسعينيات من القرن الماضي ولو
بصورة اخرى وفشلت من جديد، وربما كان تأسيس الحزب الشيوعي
الكردستاني بمبادرة من الحزب الشيوعي العراقي نفسه جاء في
بعض جوانبه كمحاولة لوضع حد لهذه التيارات في المستقبل.
بعد تأسيس الحزب
الديمقراطي الكردستاني الموحد كان خسرو توفيق إلى جانب
المرحومين نوري شاوه يس ومحمد كريم فتح الله (ابو سامان)
يقودون منظمة بهدينان للحزب، وكان مقرها في الموصل، وفي
الربع الاول من العام 1959 انتقل خسرو توفيق إلى بغداد، وفي
أواخر النصف الاول من العام 1959 وعند اشتداد الازمة بين
الحزب الشيوعي وعبد الكريم قاسم على موضوع تجميد الحياة
الحزبية وكانت قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني الموحد تقف
عمليا إلى جانب الحزب الشيوعي، جرت تحولات في قيادة الحزب
الديمقراطي الكردستاني الموحد، قيل انه كان للمرحوم عبد
الكريم قاسم يد فيها، فأبعد المرحوم حمزة عبد الله
والمحسوبون على تياره من امثال صالح الحيدري وخسرو توفيق
ونزاد احمد عزيز والآخرين من قيادة الحزب، وصفت القيادة
لجناح المرحوم ابراهيم احمد وجلال الطالباني وعلي عبد الله
ونوري شاويس وعمر دبابه وحلمي علي شريف وغيرهم، الذي كان قبل
توحد الحزب.
عند هذه التطورات
لم يلجأ أي من انصار حمزة عبد الله المبعدين إلى القيام بأي
عمل انشقاقي ضد قيادة البارزاني ومن في معيته، كما لم يقوموا
بأي حرب كلامية ضدها وظلوا كعناصر كردية قومية ديمقراطية
مستقلة يحتفظون بعلاقات طيبة مع الحزب وقيادته وينظرون
باحترام كبير إلى البارزاني الذي كانوا يعرفون موقعه الحقيقي
في الحركة الكردية خير معرفة. وبالنسبة للمرحوم خسرو توفيق
فقد دخل قيادة الشبيبة الديمقراطية العراقي بوصفه شخصية
كردية مستقلة. وفي احد اجتماعات قيادة الاتحاد لدراسة موضوع
ارسال وفد شبابي عرافي في مناسبة معينة اظنها، ان لم تخني
الذاكرة، كانت إلى الجزائر للحؤول مع شبيبة آخرين من بلدان
مختلفة دون تفجير نووي كانت فرنسا تنوي القيام به في الصحراء
الجزائرية، وكان الاجتماع في فندق الامباسادور (السفير
حالياً) داهمت سلطات الامن المجتمعين والقت القبض على كلهم
او بعضهم وكان احدهم خسرو توفيق الذي أرسل فيما بعد إلى سجن
الرمادي ولم يطلق سراحه الا في العام 1965 او 1966 على ما
اتذكر.
بعد انقلاب شباط
الفاشي نقل خسرو توفيق إلى اكثر من واحد من مراكز التعذيب
البعثية، وفي معتقل قصر النهاية الرهيب حيث اكثر الجلادين
وحشية واشد انواع التعذيب ضراوة تعرض خسرو توفيق إلى ما لم
يتعرض له الا القليلون. اتذكر ان اذاعة صوت الشعب العراقي،
اذاعة الحزب الشيوعي العراقي، التي كانت تتلقى، لا ادري عن
طريق من، بعض انباء ما كان يجري في تلكم المسالخ البشرية،
كانت تذيع اخبار ما يتعرض له خسرو توفيق من عذاب اليم من
جملتها صب الماء المغلي عل بطنه وان امعاءه كانت تبدو
للمشاهد. لقد حدثني المناضل الصامد البطل خسرو عن بعض ما
عاناه واني لآسف شديد الأسف لانني لم ادون في حينه تلك
النماذج التي حدثني عنها وصمد خلالها صمود الرجال ولم يبح
بأي سر يضمره قلبه، فكان أميناً على اسرار رفاقه وزملائه
واصدقائه الطيبين.
اتيح لي ان التقي
بخسرو في الموقف العام بعدما انتقل من الموصل إلى بغداد
وكانوا يريدون ان يورطوه في تهم تتعلق باحداث الموصل وسحق
المؤامرة الاثيمة التي حاكها اعداء ثورة الرابع عشر من تموز،
وبقيناً معاً لفترة من الوقت، ثم نقلت إلى سجن الرمادي ومكثت
هناك اشهراً وعندما عدت إلى الموقف العام لم اجد خسرو حيث
كان عند تسفيري إلى الرمادي.
وكان لقائي به
مجدداً وهو مدير عام التخطيط في وزارة شؤون الشمال بعد
اتفاقية آذار وانا عامل في مديرية انحصار التبغ صباحاً ومحرر
في القسم الكردي من التآخي "برايه تي" مساء.
كان خسرو آنذاك
يعمل بكل همة ونشاط من اجل تطبيق اتفاقية آذار، وكان قد عاد
إلى عمله الذي يقوم به في وزارة التخطيط عندما كان وزيرها
المرحوم طلعت الشيباني ولكنه كان قد صار في هذه المرة مديراً
عاماً.
وعند استئناف
القتال في كردستان عام 1974 التحق خسرو، شان شقيقه دارا
والعديد من رفاقهما، بالثورة، وظل في كردستان لحين انتكاسة
الثورة، حيث عاد إلى بغداد واخذ يعمل في مجال الاعمال الحرة،
غير انه ظل مناضلاً عنيداً في صفوف الحركة الوطنية الكردية
في اطار ما كانت الظروف تتيسر له.. ومنذ انتفاضة آذار 1991
تحرر قسم كبير من كردستان وتولت الحركة الكردية ادارة ذلك
القسم، كان كاكه خسرو على صلات وثيقة بالمناضل مسعود
البارازاني وكان محط احترام جميع اجنحة الحركة الكردية، وظل
كذلك إلى ان انتقل إلى مثواه الاخير مأسوفاً عليه من جميع من
عرفوه مناضلاً صلباً.
كان خسرو توفيق
مثقفاً دؤوباً على المطالعة والمتابعة وعلى اطلاع واسع حول
التطورات السياسية التي تحدث في العالم وفي المنطقة، محللاً
دقيقاً للاحداث وعلى قدر كبير من العمق السياسي، وذا صلات
دائمة مع خيرة المثقفين التقدميين العراقيين، يزورهم ويحضر
مجالسهم، وقد حافظ على نقائه وطهره السياسي بكل دقة وامانة
ولم تلطخ شرفه الوطني يوماً ما صلة بأي من الجهات المعادية
للشعب والوطن.
أصيب مؤخراً، بمرض
في الكبد لم يمهله طويلا، واظن انه كان لوفاة حفيدته الصغيرة
التي توفيت قبل حوالي العام وتسببت له في آلام بالغة القسوة،
اثر كبير في اصابته بذلك المرض القاتل.
تغمده الله برضوان
والهم اهله واصدقاءه وشعبه الصبر، وطابت ذكراه العطرة، وانا
لله وانا اليه راجعون. |