اراء وافكار

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

الى استاذي الراحل (ابراهيم كبة) صاحب فكر ثائر ورحيل صامت

امير الحلو

قبل ثورة 14 تموز 1958 قرات دراسات حول البراغماتية والاوليخارشية والتوتاليتارية والنفط العراقي بقلم الاستاذ ابراهيم كبة، ولفت نظري ان يقوم كاتب تقدمي بطرق مثل هذه المواضيع المهمة في ذلك الوقت الذي كان يحرم نشر الفكر الوطني والتقدمي، وعندما قامت الثورة اصبح كبة وزيرا للاقتصاد ولا اخفي سراً اذا ما قلت ان الصراعات (غير الموضوعية ) التي شهدتها الساحة بين التيارات اليسارية والوطنية التقدمية من جهة والاطراف القومية العربية من جهة اخرى، وعرضت السياسة الاقتصادية للاستاذ كبة الى (تهجمات) القوى المعادية للنظام آنذاك وخصوصاً حول الاتفاقيات الاقتصادية مع الاتحاد السوفيتي، وقد تركزت الانتقادات حول الادعاء ان المصانع التي جرى شراؤها كانت مستعملة او اقل كفاءة من الانتاج الغربي، وان التعامل جرى بسعر صرف الروبل السوفيتي الرسمي في حين ان سعره يختلف في الاسواق العالمية (وهذا امر غير منطقي فلا تستطيع دولة ان تتعامل حالياً مع دولة اخرى الا بسعر الصرف الرسمي لعملتها، ولا اعرف ما طبيعة الخلاف الذي ادى بالزعيم عبد الكريم قاسم الى التخلي عن شخصيات مثقفة وخبيرة مثل ابراهيم كبة، اذ جرى خروجه من الوزارة فعاد الى الجامعة استاذاً لمواضيع اقتصادية مختلفة، ففي عام 1962 وعندما كنت في الصف الثالث في كلية التجارة والاقتصاد (فرع الاقتصاد) التحق الاستاذ كبة بالكلية وتولى تدريسنا موضوع (تطور الانظمة الاقتصادية) كما درسنا مادة (الاقتصاد الزراعي) في الصف الرابع عام 1963. لم تكن لدي سابق معرفة بالاستاذ كبة ولكنني كنت اقرأ جميع كتاباته ومؤلفاته وقد اثرت في وفي نهجي الفكري وايماني بالفكر التقدمي واعتقادي ان بالامكان (التعايش) بين الفكر الماركسي وطروحات الفكر العربي التقدمي (وقد نشرت عدة مقالات في مجلة الثقافة الجديدة عامي 1969 و 1970 حول هذا الموضوع)، ولكن معرفتي به بدأت عندما دخل قائمة المحاضرات وهو معروف بحضوره المؤثر وسيطرته الكاملة سواء في التدريس او الضبط، وكنا قد انتهينا من امتحانات نصف السنة، وقبل ان يبدأ الدرس فاجأنا بالسؤال: من هو (فلان) ويقصدني انا ومن هي (فلانه) ويقصد طالبة مجتهدة جداً ومتفوقة في الدراسة، قمنا وقلنا نعم استاذ، قال: كان ضمن اسئلة الامتحان سؤال يقول لماذا تحول نظام الرق والعبودية الى نظام الاقطاع، فماذا كانت اجابتك يا فلان وكم (صفحة) كتبت؟ قلت: كانت اجابتي من سطرين فقط وهي ان التحول جرى بسبب التناقض بين قوى الانتاج وعلاقات الانتاج. وكرر السؤال على الزميلة فقالت انها كتبت دفتراً كاملاً تفسر فيه سبب التحول، قال: لم يكن ما احتواه الدفتر الكامل بمقنع لك فقد كنت تدورين حول الموضوع وتفسرين للوصول الى نقطة تعذر عليك التقاطها، في حين ان سطرين لـ(فلان) قد شكلا الاجابة المطلوبة لذلك اخذ علامة كاملة. كانت تلك البداية اذ ذهبت الى الاستاذ كبة في غرفة التدريسيين وشكرته واخبرته انني قرأت كل كتبه كما انني قرأت كتاب (تطور الملكية الفردية) للاستاذ انور عبد الملك وفيه الاجابة كيفية تحول النظم التي مرت بها البشرية ابتداءً من المشاعية البدائية..لا انكر انه فرح بوجود طالب لديه يقرأ (كتباً خارجية) ولا يتقيد بالمنهج المقرر فقام بإرشادي الى الكتب التي تنبغي مطالعتها للحصول على المزيد من الثقافة التقدمية ولا ازال احتفظ بمسودة المحاضرات التي كان يلقيها ارتجالاً فاكتبها للفائدة والثقافة لا لاغراض الامتحانات.

استمرت علاقتنا (الثقافية) بين الاستاذ والطالب حتى قيام انقلاب 8 شباط 1963 حيث جرى اعتقال الاستاذ ابراهيم كبة، وبعده بفترة قليلة جرى اعتقالي في قصر النهاية ثم سجن واحد ولم التق به في السجن ولكن بعد خروجي في 18 تشرين الثاني اثر سقوط نظام البعث التحقت بالدراسة بعد ان خسرت عاماً دراسياً بسبب وجودي في السجن فوجدت ان تغييراً كاملاً قد جرى في المناهج والاساتذة، اذ (اختفى) الاساتذة التقدميون وتغيرت المناهج العلمية والموضوعية وحلت محلها الافكار الرأسمالية الصرفة والمعادية للمنهج الاشتراكي والتقدمي، وبالكاد استطعت ان اهضم هذه المواد لإغراض الامتحان فقط، ومما واجهته يوماً مع الاساتذة (البدلاء) يستحق الذكر، فقد كان (بديلاً)  عن الاستاذ ابراهيم كبة الذي يقبع في السجن، واخذ يشرح لنا نظرية (فائض القيمة) لكارل ماركس بشكل مغاير لحقيقة النظرية وما ذكره ماركس حولها وذلك لغرض الطعن بها، وهنا تدخلت فقلت له: يا دكتور ما هو مصدرك في ذلك؟ قلت: كتاب (راس المال) لكارل ماركس فإذا بالاستاذ يضحك بسخرية ويقول للطلبة: انه يستند الى اقوال كارل ماركس لشرح نظريته، قلت: وهل بالامكان شرح رأي أي مفكر ان لم نرجع الى ما قاله اصلاً؟ وهنا تذكرت استاذي ابراهيم كبة ولعنت الظروف و (الانظمة) التي تلقي بابنائها المفكرين والمخلصين في سجونها.

المفارقة التي علينا الاشارة اليها وقد رحل ابراهيم كبة عن دنيانا هي انه اول (سجين) يحول محاكمته الى محاكمة للحكام وبرامجهم الاقتصادية الخاطئة، فأمام مطالعة المدعي العام (الجاهل) بالاقتصاد والسياسة الاقتصادية وما وجهه من اتهامات متخلفة إلى الاستاذ كبة، قام المرحوم (المتهم) ابراهيم كبة بإعداد دراسة عن الاقتصاد العراقي في الرحلة التي اعقبت ثورة 14 تموز والظروف التي مر بها والاخطاء التي ارتكبها بعض الحكام بتدخلهم في الامور الاقتصادية، و (الطريف) في الامر ان دفاع الاستاذ كبة امام المحكمة قد تحول الى كتاب اقتصادي وفكري ثمين جرى طبعه في بيروت ووزع في انحاء الوطن العربي، وقد مثل اضافة جديدة لمؤلفات وتراجم ابراهيم كبة الثرّة، وبهذا حقق (سابقة) جريئة ورائعة ولا اعتقد ان احداً قد حول محاكمته ودفاعه الى دراسة علمية اقتصادية ذات قيمة عالية.

بعد ان خرج الاستاذ ابراهيم كبة من السجن بقي فترة في داره يمارس هوايته المفضلة (المطالعة) فهو يجيد القراءة بخمس لغات عالمية ولديه اشتراكات في اهم المجلات والاصدارات الاقتصادية والسياسية في العالم، ثم اعيد إلى التدريس في الجامعة المستنصرية خلال الدوام المسائي، وبعد فترة وجيزة من معرفة النظام انه يقوم بالتدريس وفق مهجه التقدمي المعروف، جرى إعفاؤه وبقي متقاعداً حتى رحل عن الدنيا.

لقد اتيحت لي الفرصة ان التقي استاذي ابراهيم كبة عام 2000 في دار الصديق الدكتور حافظ التكمه جي مع نخبة من الاساتذة والمفكرين وكانت الجلسة رائعة وغنية بالفكر والطروحات التقدمية وبعيداً عن (اسماع الرقيب) وقد فرحت جداً للالتقاء بأستاذي من جديد، وفرحت اكثر عندما عرفت انه لا يملك سيارة ولا يوجد من هو على (طريقه) الى المنزل ليوصله فتكفلت بذلك بكل سرور  لاقتنص وقت الطريق في الحديث معه والاستفادة من كل كلمة يقولها، وقد اوصلته الى دار في شارع (الوزير) في منطقة الزوية، ومن الطريف ان هذا الشارع قد اطلق عليه الناس هذا الاسم عام 1958 لان الوزير ابراهيم كبة يسكن فيه، وهو يسمى بذلك الى الان بقرار من الناس لا الحكومات التي وضعت له اسماء اخرى، اما دار الاستاذ ابراهيم كبة فهي متواضعة تواضع صاحبها وبعده عن كل المظاهر الزائفة.

واذا كان المي (كبير) على فقدان استاذي ابراهيم كبة، فإن ما يعزينا جميعاً انه قد ترك لنا ثروة فكرية تتمثل في كتبه ومؤلفاته وسيرته المستقيمة في الحياة وزهده فيها وثباته على مواقفه السياسية والمبدئية، وتعليمه اجيالاً من طلبته واصدقائه فكراً تقدمياً هادفاً وملتزماً وبودي ان تتبنى جمعية الاقتصاديين العراقيين او احد الاحزاب التقدمية او المنظمات التقدمية اعداد  ندوة عن شخصية ابراهيم كبة وفكره وسيرته كما ادعو الى اعادة طبع بعض كتبه وتراجمه لانها تبقى منهلاً للفكر التقدمي الذي سيبقى دائماً مناراً للبشرية مستفيداً من التجارب التطبيقية التي افرزت بعض السلبيات وحققت الكثير من الايجابيات..

استاذي ابراهيم كبة ودائماً.. واعتذر ان لم أوفك حقك. 


طابت ذكراك وانا لفراقك، يا أبا شيلان، لمحزونون

محمد الملا عبد الكريم

فجعت الحركة القومية والوطنية، الكردية، قبل اسبوع، برحيل المناضل القومي خسرو توفيق، وخسرو توفيق هو الاخ الشقيق للمناضل دارا توفيق الذي كان يرأس تحرير جريدة التآخي، الذي اختطفته عصابات البعث الصدامية قبل أكثر من ربع قرن ولم يعرف له اثر منذ ذلك الحين.

ولد المناضل خسرو توفيق في السليمانية في العام 1930، وبعد ان اكمل دراسته الثانوية التحق بكلية التجارة في بغداد واكملها. انضم خسرو، كشقيقه دارا، في السنوات الاولى من شبابه عندما كان لا يزال طالباً في الثانوية إلى صفوف الحزب الشيوعي العراقي وناضل ضمنه بدأب وتفان واشترك في انتفاضة تشرين 1952.

وفي العام 1956 اذ كانت الخطوط العريضة للتوجه الوطني للثورة المصرية قد اتضحت باسهام مصر الفعال في مؤتمر باندونغ لدول عدم الانحياز وكسر احتكار السلاح بشرائه من جيكوسلوفاكيا ورفض البنك الدولي تمويل بناء السد العالي وتأميم مصر لقناة السويس ومن ثم العدوان الثلاثي عليه وهزيمة ذلك العدوان، عم العالم العربي مد وطني عارم شمل كل بلدانه، والى جانب هذه التطورات كان هناك المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي الذي فتح آفاقاً جديدة امام الحركة الوطنية في عموم البلدان المستقلة حديثاً، كما في البلدان المستعمرة والتابعة، فارتفعت عالياً الدعوة إلى وحدة القوى الوطنية في هذه البلدان، ولاحت في كردستان ايضاً معالم نهضة قومية للنضال في سبيل الحقوق القومية لشعبنا الكردي انعكست بشكل او بآخر، على الشيوعيين الكرد في صفوف الحزب الشيوعي العراقي ايضاً، وفي العراق توحدت اجنحة الحركة الشيوعية التي كانت منشقة على نفسها فانضمت جميعاً في حزب موحد، وكان لهذا التوحد اثر كبير في اعطاء نشاط هذا الحزب  قوة وزخماً جديدين، وما لبث ان عقد الحزب كونفرسه الثاني بعد انقضاء اكثر من عشر سنوات على كونفرسه الاول، وصدر تقريره البالغ الاهمية المعنون (خطتنا السياسية في سبيل تحررنا الوطني والقومي) الذي تضمن لاول مرة الدعوة إلى الحكم الذاتي للشعب الكردي في العراق.

وفي السنة 1956 ايضاً حاول اقطاب الحزبين الوطني الديمقراطي والاستقلال المحلولين تأليف حزب واحد باسم (حزب المؤتمر الوطني) الا ان السلطات لم تسمح بذلك، فبقي نشاط الحزبين محصوراً  في اطارهما السري، وفي اوائل سنة 1957 تمكنت الاحزاب الوطنية العراقية السرية من تأليف جبهة الاتحاد الوطني التي كان لها دور كبير في قيام ثورة الرابع عشر من تموز 1958 وانجاحها، ولم يشترك الحزب الديمقراطي الكردستاني الموحد (البارتي) في هذه الجبهة لان بعض اطرافها من الاحزاب القومية لم توافق على ذلك.

اشرنا من قبل إلى انعكاس هذه التطورات المهمة على الشعب الكردي في العراق وعلى الشيوعيين الكرد المنضوين تحت راية الحزب الشيوعي العراقي، بأشكال مختلفة، فقد كان هناك احساس لدى بعض الشيوعيين الكرد بهامشية القضية الكردية في سياسة الحزب بالقياس إلى القضايا القومية العربية التي اقتضت الظروف السائدة آنذاك ان تأخذ حيزاً كبيراً في نشاط الاحزاب الشيوعية في العالم العربي ومنها الحزب الشيوعي العراقي بطبيعة الحال، رغم ان هذا الحزب لم يكن متخلفاً في الواقع في تبني القضايا القومية الكردية والنضال في سبيلها اذا اخذنا مقاييس وظروف تلكم الايام بنظر الاعتبار.

كان المرحوم خسرو توفيق واحداً من بين هؤلاء الذين اكتفوا بأن يتركوا صفوف الحزب جانباً دون ان يحاولوا القيام بعمل تنظيمي مناوئ للحزب، ومثل هذا الموقف تكرر بالنسبة لخسرو مرة ثانية ولآخرين كانوا معه في المرة الاولى ايضاً.

وسنشير إلى ذلك فيما بعد.

في العام 1956 كانت مسألة الوحدة مطروحة بالنسبة لكل المنظمات الوطنية التي كان في صفوفها انشقاقات، كما كانت مطروحة كذلك بالنسبة لجملة الاحزاب الوطنية، فقد كانت التحديات التي تقف بوجهها كبيرة لاتستطيع ان تتحداها والانشقاقات تنخر في داخلها، كما كانت اكبر ايضا من ان يقف حزب وطني بمفرده بوجهها.

وقد اشرنا فيما سبق إلى توحد المنظمات الشيوعية وعودة ما انشق منها إلى صفوف الحزب، ولكن الحزب الديمقراطي الكردي كان لا يزال منشقاً إلى جناحين باسم واحد ولهما جريدتان تحملان اسما واحداً.

احد الجناحين كان يقوده المرحوم ابراهيم احمد والاخر يقوده المرحوم حمزة عبد الله ويضيف إلى اسمه عبارة (الجناح التقدمي). وللجناحين زعيم واحد يعيش في المنفى هو المرحوم الملا مصطفى البارازاني وكلاهما يتغنيان باسمه ويفتخران بزعامته بوصفه رمز الامة الكردية، كان الجناحان يحسان عميق الاحساس بضرورة وضع حد لتمزقهما وكان البارازاني يحثهما على ذلك بقدر ما يتمكن من ايصال صوته اليهما، وكان كاكه خسرو ومن معه ينشطون باتجاه دفعهما إلى الوحدة بينهما، كما كان الحزب الشيوعي العراقي، هو الآخر، يبذل جهده في هذا المضمار باعتبارهما اقرب مجموعتين سياسيتين وطنيتين اليه. وأخيراً اتفقا مع مجموعة كاكه خسرو على ان يتخلى كل جناح عن شكله التنظيمي الخاص ويؤلف فيما بينهما حوب واحد باسم (الحزب الديمقراطي الكردستاني الموحد- بارتي ديموكراني يه ككر تووى كوردستان) وقد تم ذلك واختير المرحوم ابراهيم احمد سكرتيراً للحزب واختير اسم (خه باتي كوردستان) اسماً لجريدة الحزب، وقد حدثني بهذه التفاصيل اكثر من مرة كاكه خسرو، وكانت المرة الاولى في العام 1965 ونحن موقوفان في الموقف العام بباب المعظم، حيث هو الان مبنى وزارة الصحة، وقال لي ذات مرة  انه كانت لديه نسخة من البيان التأسيسي لهذا الحزب في مكتبه في مقر الحزب في شارع  المتنبي/ عمارة شاشا على ما اتذكر حيث كانت ادارة الجريدة (خه بات) ايضا، ولكن بعد احداث 1959 التي ازيح فيها عدد من قياديي الحزب وعلى رأسهم عبد الله ومن معه، اضطر خسرو إلى ترك ما كان لديه من اوراق ووثائق هناك.

انضم إلى هذا الحزب الجديد التأسيس فيما بعد صالح الحيدري وحميد عثمان الذي كان قد اقصي عن قيادة الحزب الشيوعي في 1955 وأرسل إلى كركوك ليقود الفرع الكردي للحزب، وقد ترك كلاهما الحزب الشيوعي وانضما إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني الموحد في العام 1957.

ذكر لي المرحوم خسرو توفيق ايضاً ونحن موقوفان في الموقف العام سنة 1965 انه جرت بينه وبين نزاد أحمد عزيز آغا من جهة، وهو ايضاً من الشيوعيين السابقين، وبين الشهيدين سلام عادل وجمال الحيدري لقاءات عديدة واحاديث متكررة بشأن حل الفرع الكردي للحزب  الشيوعي في كردستان وانضمام منظماته إلى الحزب الديمقراطي الكردي وذلك قبل توحد جناحيه، على ان نشكل نحن الشيوعيين الكرد الذين ننضم مع العناصر اليسارية الموجودة في قيادة الحزب الديمقراطي الكردي فراكسيونا يقود الحزب باعتبار ان هذا الشكل من التنظيم هو الانسب إلى ظروف كردستان حيث الصدارة في قضاياها للمسألة القومية، كما كان يقول ان الموما اليهما كانا يستوعبان هذه الفكرة ويوافقان عليها، لكن معارضة بقية قيادة الحزب الشيوعي حالت دون تحقيقها مما لم  يدع امامنا سبيلاً الا التوحد مع جناحي الحزب الديمقراطي الكردي كما ذكرنا وتشكيل الحزب الديمقراطي الكردستاني الموحد.

ولكن الفكرة لم تمت  عند هذا الحد،  ففي النصف الاول من العام 1957 ظهر نفر في تنظيمات الفرع الكردي للحزب الشيوعي، وقد قام هؤلاء بمحاولات  مستميتة في سبيل اقناع قيادة الحزب بالموافقة على حل الفرع الكردي وانضمام منظماته إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني الموحد على نسق المحاولة السابقة، وقد وقف الحزب بشدة ضد هذا الاتجاه ورد عليه بكراس بعنوان (رد على افكار قومية بورجوازية تصفوية)، وقد اندثرت الفكرة فيما بعد ولم تنبعث مجدداً الا في اوائل التسعينيات من القرن الماضي ولو بصورة اخرى وفشلت من جديد، وربما كان تأسيس الحزب الشيوعي الكردستاني بمبادرة من الحزب الشيوعي العراقي نفسه جاء في بعض جوانبه كمحاولة لوضع حد لهذه التيارات في المستقبل.

بعد تأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني الموحد كان خسرو توفيق إلى جانب المرحومين نوري شاوه يس ومحمد كريم فتح الله (ابو سامان) يقودون منظمة بهدينان للحزب، وكان مقرها في الموصل، وفي الربع الاول من العام 1959 انتقل خسرو توفيق إلى بغداد، وفي أواخر النصف الاول من العام 1959 وعند اشتداد الازمة بين الحزب الشيوعي وعبد الكريم قاسم على موضوع تجميد الحياة الحزبية وكانت قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني الموحد تقف عمليا إلى جانب الحزب الشيوعي، جرت تحولات في قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني الموحد، قيل انه كان للمرحوم عبد الكريم قاسم يد فيها، فأبعد المرحوم حمزة عبد الله والمحسوبون على تياره من امثال صالح الحيدري وخسرو توفيق ونزاد احمد عزيز والآخرين من قيادة الحزب، وصفت القيادة لجناح المرحوم ابراهيم احمد وجلال الطالباني وعلي عبد الله ونوري شاويس وعمر دبابه وحلمي علي شريف وغيرهم، الذي كان قبل توحد الحزب.

عند هذه التطورات لم يلجأ أي من انصار حمزة عبد الله المبعدين إلى القيام بأي عمل انشقاقي ضد قيادة البارزاني ومن في معيته، كما لم يقوموا بأي حرب كلامية ضدها وظلوا كعناصر كردية  قومية ديمقراطية مستقلة يحتفظون بعلاقات طيبة مع الحزب وقيادته وينظرون باحترام كبير إلى البارزاني الذي كانوا يعرفون موقعه الحقيقي في الحركة الكردية خير معرفة. وبالنسبة للمرحوم خسرو توفيق فقد دخل قيادة الشبيبة الديمقراطية العراقي بوصفه شخصية كردية مستقلة. وفي احد اجتماعات قيادة الاتحاد لدراسة موضوع ارسال  وفد شبابي عرافي في مناسبة معينة اظنها، ان لم تخني الذاكرة، كانت إلى الجزائر للحؤول مع شبيبة آخرين من بلدان مختلفة دون تفجير نووي كانت فرنسا تنوي القيام به في الصحراء الجزائرية، وكان الاجتماع في فندق الامباسادور (السفير حالياً) داهمت سلطات الامن المجتمعين والقت  القبض على كلهم او بعضهم وكان احدهم خسرو توفيق الذي أرسل فيما بعد إلى سجن الرمادي ولم يطلق سراحه الا في العام 1965 او 1966 على ما اتذكر.

بعد انقلاب شباط الفاشي نقل خسرو توفيق إلى اكثر من واحد من مراكز التعذيب البعثية، وفي معتقل قصر النهاية الرهيب حيث اكثر الجلادين وحشية واشد انواع التعذيب ضراوة تعرض خسرو توفيق إلى ما لم يتعرض له الا القليلون. اتذكر ان اذاعة صوت الشعب العراقي، اذاعة الحزب الشيوعي العراقي، التي كانت تتلقى، لا ادري عن طريق من، بعض انباء ما كان يجري في تلكم المسالخ البشرية، كانت تذيع اخبار ما يتعرض له خسرو توفيق من عذاب اليم من جملتها صب الماء المغلي عل بطنه وان امعاءه كانت تبدو للمشاهد. لقد حدثني المناضل الصامد البطل خسرو عن بعض ما عاناه واني لآسف شديد الأسف لانني لم ادون في حينه تلك النماذج التي حدثني عنها وصمد خلالها صمود الرجال ولم يبح بأي  سر يضمره قلبه، فكان أميناً على اسرار رفاقه وزملائه واصدقائه الطيبين.

اتيح لي ان التقي بخسرو في الموقف العام بعدما انتقل من الموصل إلى بغداد وكانوا يريدون ان يورطوه في تهم تتعلق باحداث الموصل وسحق المؤامرة الاثيمة التي حاكها اعداء ثورة الرابع عشر من تموز، وبقيناً معاً لفترة من الوقت، ثم نقلت إلى سجن الرمادي ومكثت هناك اشهراً وعندما عدت إلى الموقف العام لم اجد خسرو حيث كان عند تسفيري إلى الرمادي.

وكان لقائي به مجدداً وهو مدير عام التخطيط في وزارة شؤون الشمال بعد اتفاقية آذار وانا عامل في مديرية انحصار التبغ صباحاً ومحرر في القسم الكردي من التآخي "برايه تي" مساء.

كان خسرو آنذاك يعمل بكل همة ونشاط من اجل تطبيق اتفاقية آذار، وكان قد عاد إلى عمله الذي يقوم به في وزارة التخطيط عندما كان وزيرها المرحوم طلعت الشيباني ولكنه كان قد صار في هذه المرة مديراً عاماً.

وعند استئناف القتال في كردستان عام 1974 التحق خسرو، شان شقيقه دارا والعديد من رفاقهما، بالثورة، وظل في كردستان لحين انتكاسة الثورة، حيث عاد إلى بغداد واخذ يعمل في مجال الاعمال الحرة، غير انه ظل مناضلاً عنيداً في صفوف الحركة الوطنية الكردية في اطار ما كانت الظروف تتيسر له.. ومنذ انتفاضة آذار 1991 تحرر قسم كبير من كردستان وتولت الحركة الكردية ادارة ذلك القسم، كان كاكه خسرو على صلات وثيقة بالمناضل مسعود البارازاني وكان محط احترام جميع اجنحة الحركة الكردية، وظل كذلك إلى ان انتقل إلى مثواه الاخير مأسوفاً عليه من جميع من عرفوه مناضلاً صلباً.

كان خسرو توفيق مثقفاً دؤوباً على المطالعة والمتابعة وعلى اطلاع واسع حول التطورات السياسية التي تحدث في العالم وفي المنطقة، محللاً دقيقاً للاحداث وعلى قدر  كبير من العمق السياسي، وذا صلات دائمة مع خيرة المثقفين التقدميين العراقيين، يزورهم ويحضر مجالسهم، وقد حافظ على نقائه وطهره السياسي بكل  دقة وامانة ولم تلطخ شرفه الوطني يوماً ما صلة بأي من الجهات المعادية للشعب والوطن.

أصيب مؤخراً، بمرض في الكبد لم يمهله طويلا، واظن انه كان لوفاة حفيدته الصغيرة التي توفيت قبل حوالي العام وتسببت له في آلام بالغة القسوة، اثر كبير في اصابته بذلك المرض القاتل.

تغمده الله برضوان والهم اهله واصدقاءه وشعبه الصبر، وطابت ذكراه العطرة، وانا لله وانا اليه راجعون.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة