|
ثمن الديمقراطية
الإطاحة بسوهارتو ازاحت الضغوطات
عن الراديكالية الإندونيسية
كتابة: جون اگلوينبي
ترجمة: غادة محسن
عن: الغارديان
بنظرة عبر موشور العناوين تظهر اندونيسيا بوضوح كدولة غير مستقرة ممزقة اربا بالإسلاميين الرادكاليين المتطرفين. فقد شهدت اربعة تفجيرات ارهابية كبيرة خلال ثلاث سنوات نفذها متمردون تم تجنيدهم محليا - اولها كان في عام 2002 بتفجير ناد ليلي في بالي وفي عام 2003 تفجير فندق ماريوت في جاكارتا وفي عام 2004 تم تفجير السفارة الاسترالية في جاكارتا وآخرها التفجير الثاني في بالي - مما يدلل ليس فقط على عدم كفاءة القوات الأمنية بل كذلك وجود خلل كبير في المجتمع. والمشكلة الاخرى هي رفض السلطات السيطرة على المجاميع الاسلامية التقليدية التي ضربت وارعبت عددا يتجاوز اكثر من دزينيتين من الكنائس واغلقتها خلال السنتين الأخيرتين وهاجمت مرارا مواقع بنايات طائفة الأحمدية التي مقرها الهند على اساس إدعاءات بالانحراف, وكذلك قرار مجلس العلماء الوطني بمنع التعددية ومبادىء الليبرالية.
فاكبر دولة اسلامية في عدد نفوسها لديها مشاكلها دون شك, ومخيمات الراديكالية قد تجذرت في العديد من مجاميع الجزر المنتشرة هنا وهناك خلال السبع سنوات المنصرمة واستمر المتمردون في اشعال فتيل وتأجيج الصراع الطائفي في جزر سولاويسي ومولوكاس الشرقية.
تمكنت الشبكة الارهابية المسماة الجماعة الاسلامية، وهي شبكة ترتبط بالقاعدة وتريد تغيير اغلب جنوب شرق اسيا الى حكم خلافي، من مد جذور عميقة في البلاد وتقوم بعض العناصر القيادية مثل ازهري حسين - الماليزي الجنسية المتهم بتدبير الهجمات الثلاث الأخيرة من التفجيرات الأربع - بتشكيل منظماتهم ببرنامج عمل اكثر راديكاليةً. ويطلق على ازهري (وحدة قتال) ويعتقد انه يريد ان يـُصعد من حدة الصراع، وعلى غرار منظمي تفجيرات لندن, يستخدم ازهري مجندين جددا غير معروفين من قبل السلطات ولديهم الرغبة في جعل انفسهم شهداء.
يقوم ازهري ومؤيدوه بالاستفادة من مصادر المجاميع المتطرفة الأخرى مثل جماعة كومباك التي مقرها سولايسي وحركة المجاهدين الاندونيسيين التي قائدها ابو بكر باشير وما يسمى بالقائد السابق لشبكة الجماعة الاسلامية وكذلك دار الاسلام وهي شبكة عمرها (55) عاما وافرزت اغلب المجاميع الفرعية الجديدة وبضمنها شبكة الجماعة الاسلامية.
وخوفا من اعتبارهم رهائن للغرب من قبل اغلبية البلاد المسلمة فقد تراجع الرؤساء الأربعة الأواخر ما امكنهم عن ملاحقة هذه المجاميع الراديكالية وبهذا فقد سمحوا لها بالتوسع. وتدفع الحكومة وشعبها الآن الثمن اذ عليهم ان يخضعوا لفترات طويلة من عدم الاستقرار وعليهم منع هجمات الارهابيين بقوات الأمن والمخابرات التي كانت وحتى وقت قريب بعيدة عن ان تـُعد قوات من الدرجة الاولى.
وبعد قول كل ذلك فلابد من وضع الراديكالية في اطار ورغم تأثيرها فان اعداد الحركات قليلة ولاتزيد بسرعة، ورغم الاعتداء العالمي على الاسلام - سواء في العراق ام فلسطين ام أي مكان آخر - فان الأغلبية الكبرى من (190) مليون مسلم اندونيسي يبقون معتدلين. فقد وصل الاسلام الى اندونيسيا نتيجة التجارة وليس بالفتح الاسلامي وعلى هذا فليس فقط ان الاسلام يفتقد الى البعض من ميزاته الشائعة في الاماكن الأخرى ولكن ايضا قد اضعفته التقاليد الثقافية التي كانت سائدة قبل وصول الاسلام. ويصبح هذا واضحا في السياسات المحلية فالأحزاب الاسلامية تنجح وتستمر فقط لكونها تناصر حكومة نظيفة جيدة الادارة وتبتعد عن المطالبة بدولة اسلامية.
وليس بالامكان تجاهل التاريخ فقد ولد الاسلام المتطرف خلال حقبة الاستعمار ولكنه قـُمع بشدة خلال فترة 32 عاما من الحكم الدكتاتوري للرئيس سوهارتو المدعوم من الغرب، وعندما انهار نظامه في عام 1998 كان ذلك قد ازاح الضغوطات وتنفست الراديكالية الأوكسجين الذي كانت ممنوعة عنه.
التطور الكبير الآخر في اندونيسيا منذ عام 1998 هو تحولها الى الديمقراطية المزدهرة وانتخب الأندونيسيون رئيسهم لأول مرة هذا العام وتبدو غير واردة العودة الى التسلط، فالاحترام الجديد للقانون والأنظمة يعني ان اندونيسيا لا ترغب في ان تكون مثل ماليزيا او سنغافورة - او الولايات المتحدة - وتقوم بحجز المتمردين والارهابيين لفترة غير محددة ودون تهم.
ان التفجيرات في بالي هي نتيجة جزئية لهذا الانفتاح ولايشك احد بانه سيكون هناك المزيد من الهجمات ورغم ان الأغلبية الكبرى من الشعب تشجب ذلك فيبدو ان هناك قبولاً بان منح الجميع صوتا هو جزء من ثمن التحول الى الديمقراطية. لقد اظهرت اندونيسيا للعالم كيف يمكن لدولة اسلامية في اغلبيتها ان تحتضن الديمقراطية ولكنها تظهر ايضا في الوقت نفسه ان التحول يكلف كثيرا.
|