|
محاميات يتحدثن عن مهنتهن:
محرومات من المجال الجزائي... ويفضلن المحاكم المدنية
تحقيق وتصوير : مفيد الصافيكانت غرفة المحامين في محكمة جنايات مدينة الصدر مكتظة بالمحامين والمحاميات كعادتها كل يوم يزيد من الزحام هنا بعض المراجعين الذين يتسللون من ممرات المحكمة ليستفسروا عن دعاويهم في داخل الغرفة التي وضع فيها جهاز استنساخ يستعمله احد الموظفين، بعض المحاميات في الجهة البعيدة من الغرفة شغلن المنضدة ورحن يتحدثن في شؤون كثيرة، الغريب في الامر ان الكثير منهن امتنعن من التحدث عن مشاكل مهنتهن وكنا نتصور ان شخصية المحامية تختلف كثيرا عن ذلك، بعضهن تحدثن بصراحة والبعض الاخر تكلم من دون أسماء او صور ولكن اكثرهن فضلن عدم البوح باي شيء.
مهنة محفوفة بالمخاطر
قالت المحامية رسمية الكعبي: (لقد مارست مهنة المحاماة منذ عام 1994 ان مجال عمل المرأة في مهنة المحاماة مجال محفوف بالمتاعب، فالنظرة الاجتماعية لهذه المهنة تنحاز الى الرجل، هنالك بعض القضاة من يمارس التمييز ضد المرأة، ويفضل ان يكون المحامي رجلا الحقيقة هنالك من القضاة من يوافق على تمشية دعوى لفلان من الناس، ولايوافق على تمشية دعوى تترافع فيها امرأة يتحجج القاضي بحجج غير مقنعة ويطلب مستمسكات لا مبرر لها في الدعوى لمجرد ان المحامية امرأة.
كانت مهنة المحاماة في زمن النظام السابق قد أخذت تتراجع فلا سيادة للقانون في المجال القضائي يتسم القضاء بعدم النزاهة، الرشوة المحسوبية احيانا يأتي بعض الموكلين ويقول أريد محامياً قوياً، وكأن المسألة حلبة صراع في القضاء وكانها مسألة جسدية وليست فكرية.. وقد يتقدم اليه محام فيوافق عليه وعندما تتقدم اليه محامية وخاصة عندما يراها صغيرة في السن فأنها كثيراً ماتتهم بالضعف او قلة الخبرة.
بداية العمل
وتضيف: عندما تخرجت لم امارس مهنة المحاماة فقد اكملت دراستي العليا وبعد سنتين بدأت أمارس مهنة المحاماة، كنت امارس عملا اداريا في احدى دوائر الدولة، وبعد ان تركت هذا العمل كان لدي تراكم ثقافي قانوني سهل لي اداء مهمتي اضافة الى اني لم اكن من النوع المتردد، فانا احب هذه المهنة واعشق دراسة القانون منذ صغري نحن عندما نتخرج في كلية القانون لايوجد تخصص في مهنة المحاماة، فتستطيع المرأة ان تدخل المجال الجزائي كما تستطيع ان تدخل المجال المدني، فان المجال الجزائي في زمن الدكتاتور ملوث، ولم يكن يتصف بالنزاهة او المشروعية فكان البعض منا من المحاميات تتحرج من الولوج الى هذا المجال، لا ضعفا او عدم مقدرة ولكن لعدم نظافة هذا الحقل علماً ان بعضاً من الزميلات دخلن هذا المجال واثبتن الجدارة.
لطبيعة النظام السابق كانت مهنتنا تتخذ صورة ليست جميلة كان المواطن وقتها لا يبحث عن خبرة قانونية وانما يبحث في المجال الجزائي من يخلص له الجاني من يد العدالة بأي اسلوب وبأية طريقة، لا يفكر في القانون وانما يفكر كيف يستطيع هذا المحامي ان يخرج الجاني من قفص الاتهام، سواء بالرشوة او اي اسلوب اخر.
ذكريات محامية
وعن ذكرياتها في بداية عملها قالت: (في الحقيقة لا تخلو مهنتنا من اشياء جميلة اتذكر مرة عندما كنت اقف امام احد القضاة ابرزت له مستمسكا تبدو عليه بعض اثار القدم فرفضه لقدمه، فطلبت منه ان يطعن به قانونياً بعدها جاءت احدى زميلاتي وحدث معها نفس ماحدث لي فقد احتج عليها في مسألة ما وهو يعلم انها صديقتي وكانت هذه الزميلة هادئة في تعاملها مع القضاء على عكس ما انا عليه في بعض الاحيان من الشدة وردود الافعال السريعة المهم انها اجابته بنفس طريقة اجابتي فقال القاضي لها وهو ينظراً الي لقد تغيرت وانا اعلم السبب!
الرصيد الالهي
واضافت المحامية: في الشارع نواجه بوابل من الاسئلة والاستشارات القانونية التي لا حصر لها من قبل المواطنين، ولكن في العمل الجدي يحجم المواطنون عن توكيلنا هنالك صنف اخر من الموكلين عندما تنجز له عملا يثني عليك ويباركك وحينما تطالبه بالاتعاب فأن مؤخر الاتعاب يكون في الرصيد الالهي والحمد لله، وحدث هذا مرات كثيرة والاتفاق على الاتعاب كتابياً يعد من المتاعب.
في الحقيقة نحن المحاميات نحتاج الى دعم من النقابة، ونحتاج الى تأكيد موقف المحامين والمحاميات في مؤسسات الدولة ودوائرها، خاصة نحن نمثل القضاء فيجب ان نعامل على هذا الاساس لاننا نساعد القضاء في تطبيق القانون ومجريات العدالة.
لقد أثبتت المرأة العراقية حضورها في المجال القانوني وخاصة في مهنة المحاماة بالرغم من المشاكل والمعوقات التي تعانيها.
المحامية سعاد عباس اللامي قالت: (ان مهنة المحاماة مهنة راقية، هدفها خدمة المجتمع والعدالة ولكنها في مجتمعنا تواجه مشاكل جمة بعد ان كثر المحامون بسبب فتح كليات قانون عديدة مما دفع خريجي القانون الى البحث عن اعمال لا علاقة لها بالقانون، ولعدم وجود تعيينات في الوقت الحاضر يتجه الكثير منهم خاصة الخريجين الجدد الى ممارسة المهنة لفترة قصيرة لحين التعيينات مما اضر بمهنتنا كثيراً.
نظرة المجتمع
اما عن نظرة المجتمع الى المحامية فقالت: (ينظر الينا بكل احترام وتقدير وهذا امر الاحظه أنا شخصياً ان معظم المحاميات لا يعملن في المجال الجزائي لان ذلك يتطلب الذهاب الى مراكز الشرطة ومواقف الحجز، وهنالك تحصل متاعب كثيرة نحن في غنى عنها، ان 95% من المحاميات يعملن في القضايا المدنية والشرعية ومن يعملن في المجال الجزائي هن على عدد الاصابع.
عادة تكون المرأة المحامية مفضلة في المجال الشرعي اي في المحاكم المدنية فالموكلات يصعب عليهن ان يسردن تفاصيل حياتهن امام محام رجل لهذا تصلح المرأة المحامية اكثر في هذه الامور ولقد اثبتت المحامية جدارتها في هذا المجال ربما لانها اكثر التزاما وتمنح الموكل ثقة وطمائنينة اكثر، فلا تلف او تدور في القضية اما عن تعامل القضاة مع المحاميات فلم تجد تمييزاً يذكر واذا كان موجوداً فهو تمييز ايجابي كما قالت.
وعن سبب اختيارها مهنة المحاماة قالت: (في البداية كان المعدل هو الذي دفعني الى كلية القانون ولكن بعد ان تعرفت على هذه المهنة احببتها اكثر لان مهنة المحاماة تجعلنا نتحرك اكثر فنحن اليوم في هذا المحكمة وفي اليوم التالي في محكمة اخرى.
القضاة والمحاميات
واكملت المحامية قائلة: انا اعمل منذ ثلاثة عشر عاماً، واذكر اول يوم عملت فيه كان لدي نوع من الرهبة لاتتفق مع ايجابية عمل المحامي نحن مازلنا نتعلم كل يوم وليس عيبا ان تسأل محاميا اكثر خبرة عن موضوع ما كما ان الكثير من القضاة يساعدوننا، اذكر منهم قاضي بغداد الاول السيد الحسني ولكن بعض القضاة قد يميتون معاملة محام دون اخر، وهذا ما نواجهه احيانا، ولربما سوف يتغير هذا الوضع مع الزمن لقد دخلت وجبة جديدة من القضاة الشباب بعد ان احيل قسم كبير من القضاة السابقين بسبب انتماءاتهم الى حزب البعث السابق على التقاعد.
مراكز الشرطة
المحامية ندى حميد اللامي قالت عن مهنة المحامية: (قد ينظر المواطنون الى المحامية بوصفها امرأة ليس الا لهذا لن تجد كثيراً من المحاميات يعملن في الدعاوى الجزائية فكيف للمحامية ان تذهب الى مراكز الشرطة؟ هنالك قلة من المحاميات اللواتي لديهن الكفاءة لاختراق هذا المجال الصعب ويجب ان لاننسى اننا مجتمع شرقي محافظ ان الاحتكاك او التعامل مع المساجين ومراكز الشرطة امر يصعب على الكثيرات ممارسته لهذا تجد ان اغلب اعمالنا انحصرت في معاملات الزواج والطلاق وان المحامية تتفهم الموكلات اكثر من المحامي.
وعن اسباب احجام المحاميات عن الدعاوى الجزائية قالت: اذا ذهبت الى مركز الشرطة وقلت للضابط اريد ان أقرأ الدعوى فسيقول انتظري لا لشيء الا لجعل الموقف صعباً عليناً والبعض منهم ينظر الينا نظرة متعالية ان المحامية لاتستطيع ان تؤدي دورها كاملاً لانها محكومة بالتقاليد والاعراف وصعوبات العمل مع دوائر مثل هذا النوع..
اجور النقل
المحامية نوال محمد قالت: من المشاكل المهمة التي تعانيها المحامية هي انها عندما تتخرج في كلية القانون تكافح كثيراً بعد ذلك حتى تشق طريقها ويكون امامها مجالان: اما العمل تحت اشراف محام قد يحاول استغلالها ولايعطيها الاجر الذي تستحقه واما الجلوس فترة طويلة من دون عمل بانتظار ان يدق الزبائن عليك الباب ويمكن ان اقول لك ان بعض المحاميات الجديدات مازلن يأخذن اجور النقل من آبائهن برغم انه مضى عليهن اكثر من عام على تخرجهن! لذا عليك ان تنتظر حتى تكسب زبائن ومعارف اكثر ولربما تبقى عدة اشهر من دون عمل وانت اذا انجزت مهمة موكل ربما قد يرسل لك احد اقاربه في قضية ما وهكذا...
وتضيف: اقترح على نقابة المحامين ان تخصص مبلغاً معيناً من المال الى المحامين الجدد لمدة سنة حتى يستطيع كل منهم ان يثبت قدميه في مهنته وهذا ما معمول به في كثير من الكليات اذ يخصص للطالب بعض المال يعينه على اكمال دراسته.
ليس جميع المحاميات من تستطيع ان تفتح مكتبا لها.
بعض المحاميات آباؤهن من المحامين اصلا فتستطيع ان تعمل في مكتب والدها او قريبها.
انا اعمل في مهنة المحاماة منذ خمس سنوات، وبالنسبة لي عانيت كثيراً في السنة الاولى حتى قررت ان اترك هذه المهنة واعمل في قطاع التدريس ولكني مع هذا لم احصل على عمل ولهذا اضطررت الى البقاء في مهنتي و شيئاً فشيئاً اخذ عملي يتحسن ان مهنة المحاماة تريد صبراً ومجهوداً اكثر في بداية العمل لهذا فان المحامية تحتاج الى دعم اهلها وذويها حتى تستطيع ان تقف على قدميها.
حاولت ان ادخل مجال العمل الجزائي في السنة الثالثة ولكني تخليت عن المحاولة، واذا حصلت على دعوى جزائية فانا احولها الى زميل اخر، اكثر الدعاوى التي نعمل بها دعاوى شرعية القسامات الشرعية، حجج الزواج، النفقة بانواعها، زيادتها او نقصانها، تصديق الطلاق الخلعي وهكذا.
اقول للمحامية الجديدة ان عليها ان تصبر لان مهنة المحاماة طريقها صعب وشاق والصبر مفتاح الفرج كما يقولون.
حلقة من المحاميات
أربع محاميات كن يجلسن معاً فتبرعت احداهن لتجيب على اسئلتنا قالت المحامية (س-ع) ان المحاماة تعني مركزا اجتماعياً جيداً داخل المجتمع، اكثرنا لا تتجاوز خبرتها في المحاماة الخمس سنوات.
ربما تشعر المحامية في اول مرافعة لها بشيء من الخوف بسبب الوقوف امام منصة القضاء والانتقال من مجتمع محدود، قد لا تجد فيه مواجهة او تحد الى مجتمع اكبر عليها ان تتحداه، ومواجهة الخصوم في الدعاوى اضافة الى المسؤولية التي تلقى على كاهل المحامية من قبل الموكل لانه عادة يريد الفوز في قضيته مهما كانت الظروف.
متاعب المهنة
وقالت: (ان متاعب المهنة تبدأ من ضيق البناية في هذه المحكمة والازدحام فيها، وجهل المراجعين بالاجراءات القانونية وعدم معرفة اهمية عمل المحاماة وكذلك الروتين بسبب كثرة التعقيدات في الاجراءات القانونية).
اما المحاميتان (أ-د) و (أ-ك) فكانت لهما اراء مختلفة قالتا: (ان اغلب المحاميات هن من دون عمل لاننا لا نتعامل مع كتاب العرائض الذين يعملون خارج بناية المحكمة وهم الذين يسطيرون على حركة الزبائن الى المحامين اننا نعاني هنا من بطالة مقنعة ومن تعمل هنا سيقتصر نشاطها على تعقيب المعاملات وعقود الزواج وهي اجراءات يمكن ان يقوم بها اي موظف، وهنالك فساد اداري والموظفون هنا جشعون الى ابعد الحدود كما ان هنالك بعض المحامين من يسيطر على العمل بحكم علاقاته الكثيرة وحسب المعارف وهؤلاء المحامون تمشي داعاواهم التي يترافعون فيها بكل يسر اما الاخرون فليس كذلك، لقد صدمنا عندما واجهنا الواقع الحقيقي لمهنة المحاماة).
|