تحقيقات

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

محاميات يتحدثن عن مهنتهن: محرومات من المجال الجزائي... ويفضلن المحاكم المدنية

تحقيق وتصوير : مفيد الصافي

كانت غرفة المحامين في محكمة جنايات مدينة الصدر مكتظة بالمحامين والمحاميات كعادتها كل يوم يزيد من الزحام هنا بعض المراجعين الذين يتسللون من ممرات المحكمة ليستفسروا عن دعاويهم في داخل الغرفة التي وضع فيها جهاز استنساخ يستعمله احد الموظفين، بعض المحاميات في الجهة البعيدة من الغرفة شغلن المنضدة ورحن يتحدثن في شؤون كثيرة، الغريب في الامر ان الكثير منهن امتنعن من التحدث عن مشاكل مهنتهن وكنا نتصور ان شخصية المحامية تختلف كثيرا عن ذلك، بعضهن تحدثن بصراحة والبعض الاخر تكلم من دون أسماء او صور ولكن اكثرهن فضلن عدم البوح باي شيء.

مهنة محفوفة بالمخاطر
قالت المحامية رسمية الكعبي: (لقد مارست مهنة المحاماة منذ عام 1994 ان مجال عمل المرأة في مهنة المحاماة مجال محفوف بالمتاعب، فالنظرة الاجتماعية لهذه المهنة تنحاز الى الرجل، هنالك بعض القضاة من يمارس التمييز ضد المرأة، ويفضل ان يكون المحامي رجلا الحقيقة هنالك من القضاة من يوافق على تمشية دعوى لفلان من الناس، ولايوافق على تمشية دعوى تترافع فيها امرأة يتحجج القاضي بحجج غير مقنعة ويطلب مستمسكات لا مبرر لها في الدعوى لمجرد ان المحامية امرأة.
كانت مهنة المحاماة في زمن النظام السابق قد أخذت تتراجع فلا سيادة للقانون في المجال القضائي يتسم القضاء بعدم النزاهة، الرشوة المحسوبية احيانا يأتي بعض الموكلين ويقول أريد محامياً قوياً، وكأن المسألة حلبة صراع في القضاء وكانها مسألة جسدية وليست فكرية.. وقد يتقدم اليه محام فيوافق عليه وعندما تتقدم اليه محامية وخاصة عندما يراها صغيرة في السن فأنها كثيراً ماتتهم بالضعف او قلة الخبرة.
بداية العمل
وتضيف: عندما تخرجت لم امارس مهنة المحاماة فقد اكملت دراستي العليا وبعد سنتين بدأت أمارس مهنة المحاماة، كنت امارس عملا اداريا في احدى دوائر الدولة، وبعد ان تركت هذا العمل كان لدي تراكم ثقافي قانوني سهل لي اداء مهمتي اضافة الى اني لم اكن من النوع المتردد، فانا احب هذه المهنة واعشق دراسة القانون منذ صغري نحن عندما نتخرج في كلية القانون لايوجد تخصص في مهنة المحاماة، فتستطيع المرأة ان تدخل المجال الجزائي كما تستطيع ان تدخل المجال المدني، فان المجال الجزائي في زمن الدكتاتور ملوث، ولم يكن يتصف بالنزاهة او المشروعية فكان البعض منا من المحاميات تتحرج من الولوج الى هذا المجال، لا ضعفا او عدم مقدرة ولكن لعدم نظافة هذا الحقل علماً ان بعضاً من الزميلات دخلن هذا المجال واثبتن الجدارة.
لطبيعة النظام السابق كانت مهنتنا تتخذ صورة ليست جميلة كان المواطن وقتها لا يبحث عن خبرة قانونية وانما يبحث في المجال الجزائي من يخلص له الجاني من يد العدالة بأي اسلوب وبأية طريقة، لا يفكر في القانون وانما يفكر كيف يستطيع هذا المحامي ان يخرج الجاني من قفص الاتهام، سواء بالرشوة او اي اسلوب اخر.
ذكريات محامية
وعن ذكرياتها في بداية عملها قالت: (في الحقيقة لا تخلو مهنتنا من اشياء جميلة اتذكر مرة عندما كنت اقف امام احد القضاة ابرزت له مستمسكا تبدو عليه بعض اثار القدم فرفضه لقدمه، فطلبت منه ان يطعن به قانونياً بعدها جاءت احدى زميلاتي وحدث معها نفس ماحدث لي فقد احتج عليها في مسألة ما وهو يعلم انها صديقتي وكانت هذه الزميلة هادئة في تعاملها مع القضاء على عكس ما انا عليه في بعض الاحيان من الشدة وردود الافعال السريعة المهم انها اجابته بنفس طريقة اجابتي فقال القاضي لها وهو ينظراً الي لقد تغيرت وانا اعلم السبب!
الرصيد الالهي
واضافت المحامية: في الشارع نواجه بوابل من الاسئلة والاستشارات القانونية التي لا حصر لها من قبل المواطنين، ولكن في العمل الجدي يحجم المواطنون عن توكيلنا هنالك صنف اخر من الموكلين عندما تنجز له عملا يثني عليك ويباركك وحينما تطالبه بالاتعاب فأن مؤخر الاتعاب يكون في الرصيد الالهي والحمد لله، وحدث هذا مرات كثيرة والاتفاق على الاتعاب كتابياً يعد من المتاعب.
في الحقيقة نحن المحاميات نحتاج الى دعم من النقابة، ونحتاج الى تأكيد موقف المحامين والمحاميات في مؤسسات الدولة ودوائرها، خاصة نحن نمثل القضاء فيجب ان نعامل على هذا الاساس لاننا نساعد القضاء في تطبيق القانون ومجريات العدالة.
لقد أثبتت المرأة العراقية حضورها في المجال القانوني وخاصة في مهنة المحاماة بالرغم من المشاكل والمعوقات التي تعانيها.
المحامية سعاد عباس اللامي قالت: (ان مهنة المحاماة مهنة راقية، هدفها خدمة المجتمع والعدالة ولكنها في مجتمعنا تواجه مشاكل جمة بعد ان كثر المحامون بسبب فتح كليات قانون عديدة مما دفع خريجي القانون الى البحث عن اعمال لا علاقة لها بالقانون، ولعدم وجود تعيينات في الوقت الحاضر يتجه الكثير منهم خاصة الخريجين الجدد الى ممارسة المهنة لفترة قصيرة لحين التعيينات مما اضر بمهنتنا كثيراً.
نظرة المجتمع
اما عن نظرة المجتمع الى المحامية فقالت: (ينظر الينا بكل احترام وتقدير وهذا امر الاحظه أنا شخصياً ان معظم المحاميات لا يعملن في المجال الجزائي لان ذلك يتطلب الذهاب الى مراكز الشرطة ومواقف الحجز، وهنالك تحصل متاعب كثيرة نحن في غنى عنها، ان 95% من المحاميات يعملن في القضايا المدنية والشرعية ومن يعملن في المجال الجزائي هن على عدد الاصابع.
عادة تكون المرأة المحامية مفضلة في المجال الشرعي اي في المحاكم المدنية فالموكلات يصعب عليهن ان يسردن تفاصيل حياتهن امام محام رجل لهذا تصلح المرأة المحامية اكثر في هذه الامور ولقد اثبتت المحامية جدارتها في هذا المجال ربما لانها اكثر التزاما وتمنح الموكل ثقة وطمائنينة اكثر، فلا تلف او تدور في القضية اما عن تعامل القضاة مع المحاميات فلم تجد تمييزاً يذكر واذا كان موجوداً فهو تمييز ايجابي كما قالت.
وعن سبب اختيارها مهنة المحاماة قالت: (في البداية كان المعدل هو الذي دفعني الى كلية القانون ولكن بعد ان تعرفت على هذه المهنة احببتها اكثر لان مهنة المحاماة تجعلنا نتحرك اكثر فنحن اليوم في هذا المحكمة وفي اليوم التالي في محكمة اخرى.
القضاة والمحاميات
واكملت المحامية قائلة: انا اعمل منذ ثلاثة عشر عاماً، واذكر اول يوم عملت فيه كان لدي نوع من الرهبة لاتتفق مع ايجابية عمل المحامي نحن مازلنا نتعلم كل يوم وليس عيبا ان تسأل محاميا اكثر خبرة عن موضوع ما كما ان الكثير من القضاة يساعدوننا، اذكر منهم قاضي بغداد الاول السيد الحسني ولكن بعض القضاة قد يميتون معاملة محام دون اخر، وهذا ما نواجهه احيانا، ولربما سوف يتغير هذا الوضع مع الزمن لقد دخلت وجبة جديدة من القضاة الشباب بعد ان احيل قسم كبير من القضاة السابقين بسبب انتماءاتهم الى حزب البعث السابق على التقاعد.
مراكز الشرطة
المحامية ندى حميد اللامي قالت عن مهنة المحامية: (قد ينظر المواطنون الى المحامية بوصفها امرأة ليس الا لهذا لن تجد كثيراً من المحاميات يعملن في الدعاوى الجزائية فكيف للمحامية ان تذهب الى مراكز الشرطة؟ هنالك قلة من المحاميات اللواتي لديهن الكفاءة لاختراق هذا المجال الصعب ويجب ان لاننسى اننا مجتمع شرقي محافظ ان الاحتكاك او التعامل مع المساجين ومراكز الشرطة امر يصعب على الكثيرات ممارسته لهذا تجد ان اغلب اعمالنا انحصرت في معاملات الزواج والطلاق وان المحامية تتفهم الموكلات اكثر من المحامي.
وعن اسباب احجام المحاميات عن الدعاوى الجزائية قالت: اذا ذهبت الى مركز الشرطة وقلت للضابط اريد ان أقرأ الدعوى فسيقول انتظري لا لشيء الا لجعل الموقف صعباً عليناً والبعض منهم ينظر الينا نظرة متعالية ان المحامية لاتستطيع ان تؤدي دورها كاملاً لانها محكومة بالتقاليد والاعراف وصعوبات العمل مع دوائر مثل هذا النوع..
اجور النقل
المحامية نوال محمد قالت: من المشاكل المهمة التي تعانيها المحامية هي انها عندما تتخرج في كلية القانون تكافح كثيراً بعد ذلك حتى تشق طريقها ويكون امامها مجالان: اما العمل تحت اشراف محام قد يحاول استغلالها ولايعطيها الاجر الذي تستحقه واما الجلوس فترة طويلة من دون عمل بانتظار ان يدق الزبائن عليك الباب ويمكن ان اقول لك ان بعض المحاميات الجديدات مازلن يأخذن اجور النقل من آبائهن برغم انه مضى عليهن اكثر من عام على تخرجهن! لذا عليك ان تنتظر حتى تكسب زبائن ومعارف اكثر ولربما تبقى عدة اشهر من دون عمل وانت اذا انجزت مهمة موكل ربما قد يرسل لك احد اقاربه في قضية ما وهكذا...
وتضيف: اقترح على نقابة المحامين ان تخصص مبلغاً معيناً من المال الى المحامين الجدد لمدة سنة حتى يستطيع كل منهم ان يثبت قدميه في مهنته وهذا ما معمول به في كثير من الكليات اذ يخصص للطالب بعض المال يعينه على اكمال دراسته.
ليس جميع المحاميات من تستطيع ان تفتح مكتبا لها.
بعض المحاميات آباؤهن من المحامين اصلا فتستطيع ان تعمل في مكتب والدها او قريبها.
انا اعمل في مهنة المحاماة منذ خمس سنوات، وبالنسبة لي عانيت كثيراً في السنة الاولى حتى قررت ان اترك هذه المهنة واعمل في قطاع التدريس ولكني مع هذا لم احصل على عمل ولهذا اضطررت الى البقاء في مهنتي و شيئاً فشيئاً اخذ عملي يتحسن ان مهنة المحاماة تريد صبراً ومجهوداً اكثر في بداية العمل لهذا فان المحامية تحتاج الى دعم اهلها وذويها حتى تستطيع ان تقف على قدميها.
حاولت ان ادخل مجال العمل الجزائي في السنة الثالثة ولكني تخليت عن المحاولة، واذا حصلت على دعوى جزائية فانا احولها الى زميل اخر، اكثر الدعاوى التي نعمل بها دعاوى شرعية القسامات الشرعية، حجج الزواج، النفقة بانواعها، زيادتها او نقصانها، تصديق الطلاق الخلعي وهكذا.
اقول للمحامية الجديدة ان عليها ان تصبر لان مهنة المحاماة طريقها صعب وشاق والصبر مفتاح الفرج كما يقولون.
حلقة من المحاميات
أربع محاميات كن يجلسن معاً فتبرعت احداهن لتجيب على اسئلتنا قالت المحامية (س-ع) ان المحاماة تعني مركزا اجتماعياً جيداً داخل المجتمع، اكثرنا لا تتجاوز خبرتها في المحاماة الخمس سنوات.
ربما تشعر المحامية في اول مرافعة لها بشيء من الخوف بسبب الوقوف امام منصة القضاء والانتقال من مجتمع محدود، قد لا تجد فيه مواجهة او تحد الى مجتمع اكبر عليها ان تتحداه، ومواجهة الخصوم في الدعاوى اضافة الى المسؤولية التي تلقى على كاهل المحامية من قبل الموكل لانه عادة يريد الفوز في قضيته مهما كانت الظروف.
متاعب المهنة
وقالت: (ان متاعب المهنة تبدأ من ضيق البناية في هذه المحكمة والازدحام فيها، وجهل المراجعين بالاجراءات القانونية وعدم معرفة اهمية عمل المحاماة وكذلك الروتين بسبب كثرة التعقيدات في الاجراءات القانونية).
اما المحاميتان (أ-د) و (أ-ك) فكانت لهما اراء مختلفة قالتا: (ان اغلب المحاميات هن من دون عمل لاننا لا نتعامل مع كتاب العرائض الذين يعملون خارج بناية المحكمة وهم الذين يسطيرون على حركة الزبائن الى المحامين اننا نعاني هنا من بطالة مقنعة ومن تعمل هنا سيقتصر نشاطها على تعقيب المعاملات وعقود الزواج وهي اجراءات يمكن ان يقوم بها اي موظف، وهنالك فساد اداري والموظفون هنا جشعون الى ابعد الحدود كما ان هنالك بعض المحامين من يسيطر على العمل بحكم علاقاته الكثيرة وحسب المعارف وهؤلاء المحامون تمشي داعاواهم التي يترافعون فيها بكل يسر اما الاخرون فليس كذلك، لقد صدمنا عندما واجهنا الواقع الحقيقي لمهنة المحاماة).


خبز العباد من أرض السواد

كامل القره غولي

احد الضباط الانكليز وقف على سدة الكوت أيام افتتاحها وهو يشاهد تدفق المياه في شط الغراف فقال: (ستزود هذه الحقول معامل الجعة في انكلترا بالحبوب لسنين طويلة).
ترى مابال هذه الاراضي الشاسعة اليوم قد غطتها الاملاح ويشوبها البؤس والخراب؟ لو قدر لولاة العباسيين يقظة كهفية هل يتعرفون على وادي كانوا قد أفنوا اعمارهم بين بساتين وتزاحم حقوله واتصال صياح الديكة من البصرة حتى الموصل ويتنافس المتنافسون للحصول على أمرية في بقعة من أرض السواد، هل يصدقون عندما يلاحظون آجام القصب والدبال والطرطيع؟
ان مجرد مراجعة بسيطة لانتاج العراق من الحبوب والمحاصيل الاخرى في مرحلة قريبة هي عقد الحصار التسعيني نهاية القرن الفائت برغم التدهور والبؤس في دوائر الدولة والزراعية منها خصوصا وتذبذب الوضع المائي وعدم تيسر متطلبات العملية الزراعية، الا اننا نجد ان البلد استطاع ان يسد جزءا كبيراً من حاجات مواطنيه مع تصدير قسم اخر ولو بشكل شحيح حيث استعمل النظام البائد القبضة الحازمة في الزام الفلاحين على مسؤولية انتاج كميات مقررة وحسب المساحات التي بحوزتهم من الاراضي المروية. الان وبعد سقوط ذلك النظام وتعاقب ثلاث حكومات افردت للنشاط الزراعي حصة من الايرادات والتمويل المتاح، فان ما جرى في الواقع هو خراب شامل باستثناء انتاج المنطقة الكردية في حين نجد ان محاصل دول الجوار وغيرها غزت اسواقنا، اية معادلة هذه وكيف يمكن لوادي الرافدين والسهل الرسوبي والتضاريس المتنوعة بين جبل وتل والسهل وواد وبين بحر وبحيرة وهور وبين هضاب وبواد، اي كل هذه البيئة المتنوعة التي بالمنطق يجب ان تتنوع انتاجيتها وتتشكل نوعيات محاصيلها بأختلاف الاراضي والمناخات فلا نجد غير نتيجة بائسة مع توفر المياه والتربة والانسان والتخصيص المالي وتهيؤ استحضارات اساسية مطلوبة ومتوفرة اولها نيات نظيفة وطنية وتخطيط سليم واخلاص في الاداء مجرد ومتخصص وامين وكفوء ومبدع يلتحق بذلك الالية والبذور والاسمدة والمبيدات مع نظام ري عملي يعتمد الارواء والبزل كحالة مترابطة ومتناسبة وارشاد زراعي وهيئات وقاية ورقابة ومكافحة وحجر زراعي متمكن لكل ما يدخل البلد، لكن المتتبع يرى ان الاسمدة وان جلبت ففي غير مواعيدها وكذا الحال مع بعض الفقرات حيث يشهد البلد نقصاً حاداً في استحضارات ومتطلبات النهضة الزراعية المنشودة.
هل يعرف القائمون على النشاط الزراعي والسياسيون والاداريون والمتابعون كم انفق العراق على ادامة هذا القطاع الحيوي وكم يجب ان ينفق؟ وكم هو خطير وملح هذا الانفاق المرتبط بالامن الغذائي الذي يجب ان يتقدم على الامن العسكري فهو اساسه المتين وقاعدته القوية؟ واذا كان الاكيد ان الانفاق على القطاع المذكور اقل من المطلوب بسبب تعاقب الحروب العسكرية والسياسية وتوجيه الايرادات لخدمتها ولأغراض اخرى ولكن لايمكن ان يكون التردي الى هذا الحد كيف يصدق عاقل ان العراقي ابن ارض الرافدين تنتظم مائدته البائسة بمفردات الحصة التموينية المستوردة البائسة هي ايضا مع البطاطة الكويتية والخيار الاردني والبيض الايراني والخبز الاسترالي والرز الامريكي واللحم الارجنتيني والهندي؟ الا يستحي احد من دجلة والفرات وروافدهما وفروعهما حيث تتدافع ملايين الامتار المكعبة من المياه سنويا لتذهب الى الجوانب المالحة والمبازل الطافحة لتزيد تغدق التربة الى الخليج؟ اين غابات النخيل الممتدة على سجادة الشرق الاوسط الخضراء؟ اين حقول السمسم والقطن؟ اين مزارع الرقي والبطيخ؟ اين تلك الفيافي الوارفة من الحنطة والشعير؟ وقطعان المواشي ترنو اليها عيون تجار دول الجوار ويتحسر على مذاق لحمها كل مجرب؟ اين التمن العنبر الشتال والخضراوي وذلك العطر الاخاذ يفوح من حقوله الشاسعة على مد البصر من الكفل حتى الرميثة ومن سوق الشيوخ حتى الكحلاء؟ متى تعود بواخر الخليج لتمخر عباب البحار محملة بالتمور بانواعها لتصل الهند والصين واندونيسيا، ماذا يقول اي مسؤول في الدولة وخاصة الزراعيين عندما يشاهد معامل النسيج التي يديمها الصوف والقطن العراقي وهي متوقفة عن العمل لعدم وجود الخيوط او لغلاء ثمنها في دول المنشأ المجاورة؟! ترى ماذا يجري إذن؟ ان اي متابع للاحداث وخاصة بعد سقوط دولة البوابة الشرقية ومجئ دولة العراق المسالم يلحظ ان المسالة هذه كانت بترك الحدود مفتوحة على مصاريعها لدخول بضاعة الارهاب السياسي والاقتصادي حيث انتشرت في مدن العراق اشكال من البشر المبرمج والبضاعة الفاسدة والكاسدة ومن كل نوع ردئ وغير منتج ومحمل بالاضرار. (المشروبات والمعلبات والاجهزة الكهربائية والسيارات الخردة والمستهلكة في الخليج وغيره ليصار الى ترميمها واعادة تصديرها لسوق العراق، لماذا لا نرى المكائن الزراعية الحارثات والحاصدات والباذرات والاسمدة والمبيدات والبذور ومكائن التصنيع واليات انهاض الاعمار ومتطلبات الاستثمار؟ لماذا لم نرها تغزو الاسواق شأنها شأن بضائع فسدت وفسد سوقها لدى الاخرين فتهيأ او مهيأ اصلا قبل الاحتلال لجلبها الى سوق العراق الجائع، ومن كان وراء ذلك؟ الحرمان والحصار العولمي المنفذ من قبل نظام عفن اوجدته دول متنفذة ومصالح شركات عالمية لا تعرف غير مفاهيم الربحية بينما ماتت لديها كل المناعة الانسانية بحيث غزت بعملائها حتى المنظمات الانسانية والدولية لتنشر فيها الفساد بكل انواعه.
هل ان حاجة العراق الاساسية الخارج من ثلاث حروب عسكرية مدمرة وصراعات سياسية ودولية سود وخراب شامل هو الموبايل والستلايت والمكيفات برغم شحة انتاج الطاقة الكهربائية؟ وهل العراقيون لايعوزهم غير ذلك فهم متبطرون فالطرق معبدة والمعامل تتظاهر مداخنها لتزدحم في سماء البلد او وضعت لها المكثفات والمنشآت عامرة والجميع نيام رغدا تحت لحاف الحرية المستوردة بعلب الليبرالية الغربية البراقة شكلا والمتعفنة في جوهرها كما لمسنا ذلك الا يجدر بالمسؤولين بجلب المولدات العملاقة والمكائن السترايتيجة الانتاج وتعمير البنى التحتية وتطوير الشركات والمصانع الوطنية ذات المنتجات المعروفة بنوعيتها وسد نواقصها دون بيعها بأسم الخصخصة وبدون دراسة جدوى شاملة وتحديد مصلحة البلد أولا بدل الاستيراد المفتوح الذي ينتج بطالة وخراباً صناعياً وزراعياً على ماهو موجود أصلا، لكن بدلا من معالجة هذا الانهيار الكبير في اقتصادات البلد المتنوعة فقد جرى تعميقها بأشكال واساليب خطيرة اخطرها الفساد الاداري وتسليم المسؤوليات لمن هم دون حمل الامانة وتقدير قيمة المسؤوليات الوطنية وحقوقها الادارية والادبية.. لمصلحة من يجري تعميق ذلك بدل محاصرته واجتثاثه، ومن؟ واين هو من يقوم بالواجب الوطني ويخطو الخطوه الاولى على طريق الاصلاح المطلوب؟.
انه مجرد سؤال.. من للعراق واهل العراق.. ومن للغير؟ سؤال كبير والايام كواشف والتاريخ لا يرحم احدا ولكن يحضرني هاجس مؤلم لاسأل انا (ان هذه الكثرة من الاحزاب والعناوين التي نقرأها في قوائم المرشحين للنيابة عن أهل البلد؟) اين برامجها؟ ماذا قدمت لأجل الوطن وماذا حققت للعراق الجريح؟ لقد قال المرحوم عبد الكريم قاسم باني جمهورية العراق وقبل خمس واربعين سنة بصدد القضية الفلسطينية بأن (الحمل لا يحمله الا أهله) وها نحن اليوم نعيش ذات المحنة فأين اهلنا من محنتنا؟ هل نتيه في عناوين احزاب وافدة وتمويلها من خارج الحدود ام ننتظم في تيار وطني عراقي ديمقراطي يترفع عن الشوفينة وشرورها ويبتعد عن الطائفية وتناحرها ويجعل خدمة العراق هدفه ووحدة الوطن غايته وشعب العراق من زاخو الى الخليج ومن مندلي الى الحدود الغربية كتلة واحدة عندها ستزدهر الزراعة والصناعة وسترحل البطالة والبؤس وينعم الجميع بأرض السواد.
وعندما تعاد معامل انتاج الالات والمكائن الزراعية الوطنية ومعامل الاسمدة وصناعة المبيدات والنايلون والانابيب المطلوبة للزراعة، ان هذه المبادئ يجب ان تؤسس لها متطلباتها الاساسية وهي خلق مجال تعاوني زراعي موجه وفق تخطيط علمي يوازيه في انشاء قطاع خاص واع وممول وبمستوى الاداء المطلوب مع تحشيد الارادات لاحياء المزارع الحكومية او التي تشرف عليها الدولة وتشجيع الاستثمار المحلي والخارجي بموجب عقود وشروط دقيقة لتهيئة ظرف انتاج المحاصل الستراتيجية والمحاصيل الصناعية كمزارع البنجر السكري وقصب السكر لتعضيد معامل السكر وتنمية مزارع القطن وعباد الشمس والسمسم من اجل معامل الزيوت النباتية وما يتصل بها من صناعات محلية غذائية ونسيجية وتوسيع مساحات زراعة الحبوب بانواعها للاستهلاك البشري والعلفي وتنشيط حقول تسمين العجول والاسماك والدواجن اننا ننتظر الزراعيين الذين لهم تجارب غزيرة وناجحة في هذا الباب لتنشيط القطاع الزراعي ويجب تفعيلها لما يرتبط ذلك من تصنيع وتشغيل وتصدير يصب اخيراً في سلة خبز الشعب ورصيد مستقبله.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة