|
من الضفة الأخرى :
ريف سويسرا يحتضن متحــــف (باول كلي)
ترجمة واعداد/ حسين جاسم
بقلم: آلآن ريدنج
عن: صحيفة هيرالد تربيون
في أرض مطلة على جبال الألب حيث يحيط الريف بالعاصمة السويسرية، تم تأسيس ذلك المتحف الذي يبدو شكله كتلالٍ منحدرة تم تصميمها بعد تفكير متأنٍ وتأملات هادئة طويلة، وهكذا كان الحال، إذ ان كلا من الحالة النفسية والنظرة الخاصة التي يتمتع بها المهندس المعماري (رينزو بيانو) قد جعلتاه يبحث عن تصميم مثير وجذاب عندما استثمر مبلغ (86) مليون دولار لبناء المتحف الذي يسمى بـ(مركز باول كلي للمناظر الطبيعية).
النتائج كانت مدهشة ومتحفظة بالوقت نفسه، إذ ان الارتفاعات الثلاثة للمركز (التلال) تم صبها وصياغتها من الفولاذ الصلب المصقول الذي يعكس صورة السماء، بينما اختفت جوانبه المنحدرة تحت الأرض الخضراء. وهكذا فان المبادئ الثلاثة، التي تميز بها مركز (كلي) وهي: العمل التجريدي المنسجم وإسلوب البناء ثم المظهر الخارجي، هي التي قدمته بهذا الشكل الفريد من نوعه، والقدر قد لعب دوره هنا إذ ان مساحة الـ(90) مترا القريبة من المركز ما هي إلا مرقد قد دفن فيه (كلي). مركز (كلي) يمثل نموذجاً مثالياً للمتحف الذي بناه (بيانو) فعندما خطط لبناء المتحف لاحظ انه قد أعطى موقع المتحف والغرض من بنائه أهمية كبيرة بحيث كان لهذين السببين الأثر الأكبر في التحكم بتصميم المتحف. وإن هذين السببين يشرحان كيفية حدوث التفاوت في أساليب البناء المعمارية التي بني على أساسها مركز (بومبيدو) في باريس ومجمع (مينيل) في ولاية هيوستن الأمريكية.
ولد الفنان (باول كلي) في مدينة بيرن في العام 1879 وتوفي هناك في العام 1940 وكان الأبن المدلل لدى عائلته. وكما فعل الفنان (البرتو جاكوميتي)والفنانة (جين تنجيلي) عندما غادرا أهلهما ووطنهما وتحملا المصاعب ليصنعا لهما اسماً مشهوراً يتردد في أرجاء العالم، كذلك فعل (كلي) وسار على النهج نفسه متجهاً في نهاية العقد الثاني من عمره نحو مدينة ميونخ التي درس فيها الفن، وهناك كان يكسب قوته من خلال عمله كموسيقي وفي العام 1906 تزوج من (ليلى ستومف) وفي عام 1920 دعي إلى التدريس في مدرسة (بوهاوس) للتصاميم في مدينة (ويمار) وأصبح فيما بعد مدرساً في مدرسة (ديزاو). ثم أصبح استاذاً في أكاديمية (دوزلدورف) للفن الراقي في العام 1930، لكنه طرد من منصبه لثلاث سنوات تلت عندما حكم النازيون، حيث عاد إلى مدينة بيرن مجدداً. ان والدة (كلي) كانت سويسرية الأصل أما والده فكان ألمانياً وطبقاً لمواثيق قانون الجنسية السويسري فأن (كلي) يتبع جنسية والده، وهكذا أصبح (كلي) ألمانياً. وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية أسرع إلى تقديم طلب للحصول على الجنسية السويسرية لكنه مات قبل ان يتمكن من الحصول عليها.
لقد أصبح هو وزوجته وأبنه (فيليكس) اللذان كانا يحملان الجنسية الألمانية، محور الحديث عن كيفية جعل مركز (باول كلي) مركزاً دولياً يضم 4000 عمل فني 40% منها من نتاجات كلي الخاصة. في العام 1946 وضعت السلطات الألمانية يدها على ممتلكات (كلي) وعقاراته واعتبرتها تعويضات تقدم من أجل الحرب، فقامت زوجته ببيع تركتها من الاعمال الفنية الأربعة آلاف إلى ثلاثة من زملائها السويسريين الذين أسسوا، بعد وفاتها في السنة نفسها، جمعية (كلي) التي تطورت فيما بعد لتصبح مؤسسة (كلي) للاعمال الفنية. وفي العام 1949، بعد ان انتهت فترة إيداع (فيليكس) في احد السجون السوفيتية، عاد مجدداً إلى مدينة بيرن ليطالب بميراث أبيه ويستعيد ما تبقى منه والذي لم يتجاوز أكثر من 1450 عملاً فنياً. وبعد وفاة (فيليكس) في العام 1990 انتقل 650 عملا فنيا إلى أرملته (ليفيا) و800 عمل فني آخر إلى إبنه. (اليكساندر) من زواجه الأول.
ان التلال الثلاثة ارتبطت مع بعضها بمتنزه اسماه (بيانو) متنزه شارع المتحف. ومن خلال نوافذ غرف المتحف بامكانك ان ترى العشب وهو يزحف ناحية السطوح المنحدرة. ان تلك الأرضية البيضاء من خشب البلوط التي غطت الطوابق والسلالم الخشبية قربت التصميم من الطبيعة.
ويقول (بيانو) تعليقاً على التصميم: (ان الهدف من تصميمه بهذه الطريقة لإشاعة جو من الهدوء والصمت). انها الحالة النفسية التي ميزت أعمال (كلي) الفنية لقد عبر (كلي) في لوحاته عما سمي فيما بعد بـ(الرسومات التربيعية) التي تتضمن عدة اشكال منها المربعات والمثلثات وأشباه الدوائر التي تمثل شكل الشمس ملونة بالوان مأخوذة من طبيعة شمال أفريقيا. التحق (كلي) بزميله (واسيلي كاندينسكي) في العام 1920 في مدرسة (بوهاوس). وبدأ بنهج جديد من الرسم فأضاف خطوطاً أخذت اشكالاً استعارية، أو رسم خطوطاً تمثل اشكالاً هندسية رسمها على أرضية ملونة. وفي العام 1939 عرضت لوحة (لا يأتي نهار بلا خطوط مطلقاً) تحمل في طياتها 200 خط مرسوم وملون بالألوان المائية عرضت في مدرسة (بوهاوس) وقد ترك (كلي) 10000 عمل فني إضافة إلى 4000 صفحة من مجلد تحليلي في الرسم. ان المركز الفني الجديد عرض، إضافة إلى الاعمال الفنية لـ(كلي)، التجربة الحياتية القاسية التي مرّ بها هذا الفنان المبدع وقد تضمنت حفلات موسيقية قدمتها مجموعة (باول كلي) بشكل تجديدي وعروض مسرحية أخرى زينتها اشكال موحية باعمال (كلي) الفنية.
|