|
صدر عن دار (المدى ):
(صــداقـــــــة)
..
شخصيات على حافة الجنون
الكتاب:(صداقة)
الكاتب: توماس برنهارد
الناشر:(دار المدى)
المترجم: سمير جريس.
عوامل كثيرة بالتأكيد، هي التي كفلت لروايات توماس برنهارد هذا التقبل السحري في كل أرجاء العالم الغربي. ولعل أبرز ما في هذه العوامل أن القارئ وجد فيها صدى ما وإن يكن بمفردات الكاتب عن مكونات عالمه هو، وعن ظروف انسحاقه وضياعه. ففي عالم الكاتب الالماني برنهارد يتمثل البطل في جماعة الناس القلقين، الغائبين فعلا عن أمكنتهم الحقيقية، المواجهين لمصير لا يرحم، وهو الانسحاق حتى العدم. ذلك ان برنهارد يحرص على قول مأزقه الانساني، من دون أن يقدم حلولا(روائية) سعيدة على غرار نهايات بعض الروايات. توماس برنهارد لا يخدع قارئه، ولا يدعه ينخدع بالأوهام، وفي قلب الشغف بروايته(صداقة) مع ابن شقيق فيتغنشتاين كما جاء في العنوان سوف يرى القارئ نفسه في مرآة عالم هذا الكاتب الالماني، روحاً قلقة حزينة، كالناس المهمشين على امتداد هذا العالم.
عذوبة ودفء
في(صداقة) كاستهلال وتعريف للقارئ بعالم الرواية، يتحدث توماس برنهارد عن علاقته بباول فيتغنشتاين. ابن شقيق الفيلسوف المشهور لودفيغ فيتغنشتاين، وكانت أواصر الصداقة قد جمعت بينهما عام 1967، عندما كان الكاتب يعالج في مصحة لأمراض الرئة، بينما كان باول نزيلا على بعد خطوات منه في مستشفى الامراض العقلية. كان باول في مطلع حياته من الاثرياء، فهو سليل عائلة من أغنى عائلات النمسا، غير انه بعثر نقوده على أصدقائه وعلى الفقراء لينتهي معدما وحيدا لا تربطه صداقة سوى بالمؤلف. في هذا الكتاب، الذي يعتبره أشهر نقاد ألمانيا مارسيل رايش رانيتسكي من أكثر ما كتب برنهارد عذوبة ودفئا إنسانيا. وهو يصف في(صداقة) وبنفس سردي لا ينقطع السنوات الأخيرة من عمر صديقه، التي تعكس ايضا جزءا من السيرة الذاتية لتوماس برنهارد، وتأملاته حول الحياة والموت، والأدب والفن، والعقل والجنون.
نشر برنهارد أول أعماله الأدبية عام 1957، وكان ديوان شعر بعنوان:(على الارض وفي الجحيم). قصائد هذه المجموعة تغلب عليها نبرة اليأس الناجمة عن عدم الايمان، وعن معاناة البشر في العالم. في عام 1963 تحول برنهارد الى النثر، ونشر أولى رواياته(صقيع( وفيها كما في مجموعته القصصية اللاحقة(تصحيح) يعرض لأزمة الانسان الفرد، فنانا كان أو عالما، الانسان الذي لا يرى في الحياة إلا ما ينذره بفناء الكون كله. أما الوسيلة الفنية التي يستخدمها لإيصال فكرته، فهي(المونولوغ) الطويل على لسان البطل، ولا يني يكرر فيه أفكاره.
الموت والجنون
شخصيات برنهارد القصصية بالغة الحساسية، تحيا على حافة الجنون، ولا تأمل من الآخرين سوى التفهم والقبول. ولعل مصحة(الفناء الحجري) للأمراض العقلية التي قبع فيها صديق الكاتب لأعوام طويلة، تشكل في تداعياتها. المرهقة على نفسه وكتابته مثالا جيدا على الخلط في مفهوم الزمن الذي اعتمده برنهارد كنسق كتابي، فالزمن عند الكاتب ليس مجرد انهيار أو تداع في أحد أبعاد الوجود، بل هو خلخلة عميقة في الوجود برمته، يتناولها الكاتب في أبعاد ثلاثة منها انعدام التسلسل التاريخي الذي بوسعه تنظيم إيقاع الحدث، في تعمد الكاتب خلط المواقيت بما هي هلوسات في عقل المريض لا تستقر على زمن محدد. فنرى الى القفزات الهشة أو الوحشية عبر الزمن الى الامام أو الى الوراء في الذاكرة المشوشة والمريضة. ثم في القفز خارج الزمن، فنرى ايضا استحضارا لرؤى غريبة تصدر عن مصدور ومختل عقليا، يؤلف أزمنة وأمكنة غير حقيقتين ولا ينام إلا بفعل الاقراص المنومة وتبدو الحياة الفعلية أمرا ميؤوسا منه، بالنسبة له.
ما فعله المترجم سمير جريس مع رواية(صداقة) لبرنهارد، هو مغامرة لغوية مشرقة وفذة، ضربت في غياهب عالم الكاتب الصعب بجهد ونضج، حتى وضع بين يدي القارئ العربي رواية خاصة جدا، من عالمها المعقد وتراكيبها الفنية واللغوية، وشخصياتها المتطلبة على صعيد السرد.
برنهارد المولود في هولندا، والذي قضى طفولته عند جده في الريف النمساوي، أجبره السل الرئوي الذي أصيب به عام 1949 ولم يفارقه حتى وفاته عن ثمانية وخمسين عاما، ثم إقامته الدائمة نسبيا في المستشفيات والمصحات على مؤاخذة الموت وجعله صديقه الدائم كما ونهايته مهيمنة أبدا على أفكاره وبالتالي على كتابته التي حفلت بهشاشة الوجود الانساني وعبثية ذلك الوجود:(عندما تفكر بالموت يبدو كل شيء مدعاة للضحك). في ما يخص باول ابن شقيق الفيلسوف فيتغنشتاين والذي هو موضوع رواية(صداقة) وكان نزيل أحد المصحات العقلية اللصيقة للمستشفى التي يرقد فيها برنهارد، لم يجد في صداقته أي تخوف، بل الرواية تظهر رباطا قويا بين الاثنين إثر سنوات قضياها معا حتى فرقهما الموت، واجتازا فيها كل الامراض والشهوات الممكنة، وما ينبثق عن تلك الافكار والشهوات من أفكار كانت متناً حميماً ودافئاً لسرد يهز الدواخل الحساسة، التي ترى في وحدة الكاتب الفظيعة، ملاءمة لطبيعتها وقدراتها.
|