المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

صدر عن دار (المدى ):  (صــداقـــــــة) .. شخصيات على حافة الجنون

الكتاب:(صداقة)
الكاتب: توماس برنهارد
الناشر:(دار المدى)

المترجم: سمير جريس.
عوامل كثيرة بالتأكيد، هي التي كفلت لروايات توماس برنهارد هذا التقبل السحري في كل أرجاء العالم الغربي. ولعل أبرز ما في هذه العوامل أن القارئ وجد فيها صدى ما وإن يكن بمفردات الكاتب عن مكونات عالمه هو، وعن ظروف انسحاقه وضياعه. ففي عالم الكاتب الالماني برنهارد يتمثل البطل في جماعة الناس القلقين، الغائبين فعلا عن أمكنتهم الحقيقية، المواجهين لمصير لا يرحم، وهو الانسحاق حتى العدم. ذلك ان برنهارد يحرص على قول مأزقه الانساني، من دون أن يقدم حلولا(روائية)
سعيدة على غرار نهايات بعض الروايات. توماس برنهارد لا يخدع قارئه، ولا يدعه ينخدع بالأوهام، وفي قلب الشغف بروايته(صداقة) مع ابن شقيق فيتغنشتاين كما جاء في العنوان سوف يرى القارئ نفسه في مرآة عالم هذا الكاتب الالماني، روحاً قلقة حزينة، كالناس المهمشين على امتداد هذا العالم.

عذوبة ودفء

في(صداقة) كاستهلال وتعريف للقارئ بعالم الرواية، يتحدث توماس برنهارد عن علاقته بباول فيتغنشتاين. ابن شقيق الفيلسوف المشهور لودفيغ فيتغنشتاين، وكانت أواصر الصداقة قد جمعت بينهما عام 1967، عندما كان الكاتب يعالج في مصحة لأمراض الرئة، بينما كان باول نزيلا على بعد خطوات منه في مستشفى الامراض العقلية. كان باول في مطلع حياته من الاثرياء، فهو سليل عائلة من أغنى عائلات النمسا، غير انه بعثر نقوده على أصدقائه وعلى الفقراء لينتهي معدما وحيدا لا تربطه صداقة سوى بالمؤلف. في هذا الكتاب، الذي يعتبره أشهر نقاد ألمانيا مارسيل رايش رانيتسكي من أكثر ما كتب برنهارد عذوبة ودفئا إنسانيا. وهو يصف في(صداقة) وبنفس سردي لا ينقطع السنوات الأخيرة من عمر صديقه، التي تعكس ايضا جزءا من السيرة الذاتية لتوماس برنهارد، وتأملاته حول الحياة والموت، والأدب والفن، والعقل والجنون.
نشر برنهارد أول أعماله الأدبية عام 1957، وكان ديوان شعر بعنوان:(على الارض وفي الجحيم). قصائد هذه المجموعة تغلب عليها نبرة اليأس الناجمة عن عدم الايمان، وعن معاناة البشر في العالم. في عام 1963 تحول برنهارد الى النثر، ونشر أولى رواياته(صقيع
( وفيها كما في مجموعته القصصية اللاحقة(تصحيح) يعرض لأزمة الانسان الفرد، فنانا كان أو عالما، الانسان الذي لا يرى في الحياة إلا ما ينذره بفناء الكون كله. أما الوسيلة الفنية التي يستخدمها لإيصال فكرته، فهي(المونولوغ) الطويل على لسان البطل، ولا يني يكرر فيه أفكاره.

الموت والجنون
شخصيات برنهارد القصصية بالغة الحساسية، تحيا على حافة الجنون، ولا تأمل من الآخرين سوى التفهم والقبول. ولعل مصحة(الفناء الحجري) للأمراض العقلية التي قبع فيها صديق الكاتب لأعوام طويلة، تشكل في تداعياتها. المرهقة على نفسه وكتابته مثالا جيدا على الخلط في مفهوم الزمن الذي اعتمده برنهارد كنسق كتابي، فالزمن عند الكاتب ليس مجرد انهيار أو تداع في أحد أبعاد الوجود، بل هو خلخلة عميقة في الوجود برمته، يتناولها الكاتب في أبعاد ثلاثة منها انعدام التسلسل التاريخي الذي بوسعه تنظيم إيقاع الحدث، في تعمد الكاتب خلط المواقيت بما هي هلوسات في عقل المريض لا تستقر على زمن محدد. فنرى الى القفزات الهشة أو الوحشية عبر الزمن الى الامام أو الى الوراء في الذاكرة المشوشة والمريضة. ثم في القفز خارج الزمن، فنرى ايضا استحضارا لرؤى غريبة تصدر عن مصدور ومختل عقليا، يؤلف أزمنة وأمكنة غير حقيقتين ولا ينام إلا بفعل الاقراص المنومة وتبدو الحياة الفعلية أمرا ميؤوسا منه، بالنسبة له.
ما فعله المترجم سمير جريس مع رواية(صداقة) لبرنهارد، هو مغامرة لغوية مشرقة وفذة، ضربت في غياهب عالم الكاتب الصعب بجهد ونضج، حتى وضع بين يدي القارئ العربي رواية خاصة جدا، من عالمها المعقد وتراكيبها الفنية واللغوية، وشخصياتها المتطلبة على صعيد السرد.
برنهارد المولود في هولندا، والذي قضى طفولته عند جده في الريف النمساوي، أجبره السل الرئوي الذي أصيب به عام 1949 ولم يفارقه حتى وفاته عن ثمانية وخمسين عاما، ثم إقامته الدائمة نسبيا في المستشفيات والمصحات على مؤاخذة الموت وجعله صديقه الدائم كما ونهايته مهيمنة أبدا على أفكاره وبالتالي على كتابته التي حفلت بهشاشة الوجود الانساني وعبثية ذلك الوجود:(عندما تفكر بالموت يبدو كل شيء مدعاة للضحك).
في ما يخص باول ابن شقيق الفيلسوف فيتغنشتاين والذي هو موضوع رواية(صداقة) وكان نزيل أحد المصحات العقلية اللصيقة للمستشفى التي يرقد فيها برنهارد، لم يجد في صداقته أي تخوف، بل الرواية تظهر رباطا قويا بين الاثنين إثر سنوات قضياها معا حتى فرقهما الموت، واجتازا فيها كل الامراض والشهوات الممكنة، وما ينبثق عن تلك الافكار والشهوات من أفكار كانت متناً حميماً ودافئاً لسرد يهز الدواخل الحساسة، التي ترى في وحدة الكاتب الفظيعة، ملاءمة لطبيعتها وقدراتها.


مقاهٍ ومراكز

علي بدر

يندر أن تقرأ طويلا لأحد الكتاب المصريين من الجيل السابق لجيلنا، لا سيما المقالات الصحفية أو الأعمدة الصحفية، أو الزوايا والأبواب والنوافذ وما لا أدري أيضا دون أن يذكر أنه التقى يوما نجيب محفوظ، أو العم محفوظ وغالبا في المقهى، حيث كان يتجمع الأدباء هناك، أو يتحلقون حول طاولته. فالمقهى عادة هو المكان الذي يلتقي به الأدباء من جيل إلى جيل، وتنقلات محفوظ بين المقاهي كثيرة، بدءا من تردده بشكل مبكر نسبيا على مقهى الغورية بفضل صديقه سيد شامة ومرورا بمقهى زقاق المدق الواقع بالقرب من الأزهر، ومقهى الصاغة في حي الجواهرية، حيث تنتصب المنارة التاريخية للصالح نجم الدين أيوب، ومقهى عرابي المطلة على شارع الغويش في الستينيات حيث رسم محفوظ روايته الكرنك، وانتهاء بالمقهى الشهير "ريش".
ويمكننا أن نلاحظ بأن السطحية والتبسيط، وفي الغالب ثقل الدم، هي السمة المشتركة لأغلب هذه الكتابات التي يؤديها الأدباء المصريون دون استثناء تقريبا، فشخصية محفوظ الاجتماعية والثقافية وعلاقته بالمقاهي هي مادة صحفية من النوع الممتاز، بشرط أن تخضع هذه المادة للفن، أو للمعلومة الجديدة في الأقل، أو للطرافة، أو لخفة الدم بالتعبير المصري الدارج، غير إننا نلاحظ أن الأمر لا يتعدى أن يسأل العم محفوظ عن صحة الكاتب (صاحب المقالة) أو عن حدث ما في حياته، أو عن مشكلة سقط بها صاحب المقال، والمراد في هذا الأمر هو أن الرجل (العم محفوظ) بسيط وطيب وأخواني وخلاني ومحبوب ومعبود، وأن الكاتب (صاحب المقالة) مهم وموجود ومقدر من قبل العم محفوظ، وهي مادة صحفية تتطلبها السرعة وخفة اليد وراحة البال وملء الفراغ.
لكن المقهى شيء آخر وموضوع الكاتب موضوع آخر. المقهى بدءا من ولادته في الجزيرة العربية حسب رأي الجزيري، وحسب تأكيد جورج دو لامير ثم انتقاله إلى اسطنبول حينما كانت متربول الثقافة الإسلامية، وانتهاء بتحوله إلى أوربا والعالم، لعب دورا مهما في صياغة ما نطلق عليه اليوم بالثقافة العالمية الحديثة، أو بمعنى آخر ما نطلق عليه اليوم بـ (الحداثة)، فمقاهي مثل: مقهى بركوب، مقهى زوبي، مقهى فولتير، مقهى تورنو، مقهى فلور كانت دائماً أمكنة تاريخية للموضات الفنية والصراعات الأدبية، وإن ولادة الصحف يعود انتشارها إلى انتشار المقاهي في باريس، ولا تختلف الثقافة العربية أو الصينية أو اليابانية عن هذا الأمر، فالثقافة المعاصرة في العالم اللاغربي من وجهة نظري، هي ثقافة مترجمة، هنالك مركز واحد وهوامش تقلد، ووجود الثقافة واستقرارها يخضع إلى لباقة التقليد وحرفيته في العالم العربي، وبعض الثقافات في العالم، بينما حاورت بعض الثقافات هذا المركز ودمرت صنميته، مثل الثقافات في أمريكا اللاتينية وبعض الثقافات الأفريقية والآسيوية.
كما إن الثقافات في العالم العربي لم تكن كلها خاضعة إلى التقليد المباشر، أو الأخذ المباشر من المركز الغربي، إنما خضعت للمركز الثقافي المصري، إن جاز لي التعبير، فمصر كانت تترجم وتقلد وتصدر للثقافات العربية الأخرى، أي إننا كنا نقلد نسخة مقلدة على الأغلب بشكل مشوه من المركز الغربي، وهكذا تعرفنا على الوجودية وعلى اللسانيات وعلى المذاهب الأدبية، وعلى البلزاكيات، والفولتيريات، والرومانتيكيات والماسونيات والخ...ولكن علينا أن نسجل مسألة مهمة، هي أن مصر لم تعد اليوم متربول الثقافة العربية التي تصدر، وتُقلَّد بلباقة من قبل المثقفين في العواصم العربية الأخرى، فاللغات الأوربية أصبحت متاحة، في حين كانت مخصصة لأسباب تاريخية على المصريين، الدراما التلفزيونية التي ألهمت أجيالنا السابقة حطمتها الخفة والروح البازارية والحلاوة الإغوائية للشاميين، المجلات والصحف المهمة لم تعد في القاهرة، بل إن هذه الصحافة المحلية وتمسك المصريين بإشاعتها لم تعد تهم أحدا في بيروت أو بغداد أو الرباط، دور النشر المهمة لم تعد في القاهرة على الإطلاق، وأكثر الروائيين المصريين شهرة هذه الأيام يتمنى أن تطبع أعماله وتوزع من قبل دور نشر عربية اكتسحت سوق النشر العربي باحترافيتها وفنيتها.
ماذا تبقى؟
أهم التيارات الثقافية الحديثة ولدت خارج مصر، البنيوية والتفكيكية والنقد الثقافي وما بعد الكولنيالية كلها ولدت في الرباط وبيروت والرياض وبغداد..وغيرها من العواصم العربية، الجزيرة العربية لم تعد جزيرة، والرباط لم تعد مستعمرة، ودمشق لم تعد قرية، المصريون وحدهم الذين يظنون بأن لا ثقافة خارج ثقافتهم بالرغم من إن أحدا من الأدباء العرب لم يعد يتأثر هذه الأيام بالقادم السطحي والخفيف من مصر...وأقول "السطحي والخفيف" وأنا أعنيها، بل وأجادل بأن أي كتاب الآن مهما تسلح بجهازه الاصطلاحي ومنهجيته لا يضارع البراعة العلمية التي أوجدتها الثقافة المغاربية والتي ولدت على خلاف الثقافة المشارقية بشكل مؤسسي أي داخل الجامعات. كما إن الثورات الإبستمولوجية في الثقافة العربية الحديثة، والمراجعات الحقيقية للموروث والتي أثرت على الأجيال العربية (خارج مصر) كانت مع الجابري وأركون والحبابي والعروي، ولم تكن مع أي كاتب من الكتّاب المصريين..الإنتاج الثقافي لم يعد حكرا على المشارقة بسنوبيتهم وتعاليهم المعروف: العراقيون واللبنانيون والسوريون، بل جاءتهم موجة من الخليج، صحف مجلات تيارات ورواية وشعر، تتجاوز بكثير ما أنتجه المتعالون والمغالون.
ماذا تبقى؟..الرواية..لا أظن أن أحدا من الروائيين الشباب المعاصرين لكتابته نسابة أو قرابة من نصوص الرواية المصرية، لا أنا، ولا حسن داود، ولا عبدة خال، ولا ربيع جابر، ولا وجدي الأهدل ولا أي واحد آخر، ولكن لو سألت أي كاتب مصري عن أي كاتب عربي خارج مصر، لقال لك: "مين ده؟".


نوبل هارولد بينتر .. ضد الحرب الأمريكية في العراق

شاكر نوري

لماذا منحت الأكاديمية السويدية جائزة نوبل للآداب إلى البريطاني هارولد بينتر(75 عاما) هذا العام ؟ يطرح هذا السؤال في الوقت الذي يسري فيه نوع من الحمى نحو هذه الجائزة، بل وتزداد هذه الحمى كلما يقترب موعد توزيع هذه الجائزة الرفيعة ونحن بصدد جائزة الأدب فقط لأننا كعرب كما يبدو لا نهتم بجوائز الفيزياء والكيمياء والاقتصاد وغيرها . في هذا الموسم بالذات، تصل حمى نوبل إلى أعلى درجاتها الحرارية ، وتنطلق التكهنات مصحوبة بتحليلات ضبابية : منهم من يتحدث عن أسرار الكواليس ، ومنهم من يتحدث عن الدوافع السياسية ، ومنهم من يتحدث عن نظرية المؤامرة، إلا أن منح هارولد بينتر الجائزة هذا العام قطع الطريق كما يبدو على جميع هذه التكهنات .
الثقافة العربية وضعت نفسها في قلب هذه الجائزة منذ أن منح نجيب محفوظ هذه الجائزة لكن التفسيرات لم تكن جميعها بريئة ، فقد عزا البعض الى ان الروائي المصري الشهير اعترف بإسرائيل وبثقافة السلام ، متناسين بذلك عبقريته الروائية وأصالته في تجسيد المجتمع المصري بكل غلياناته الروحية والنفسية والاجتماعية . وفي هذا العام زادت التكهنات حول بعض الأسماء العربية التي لها بريق الشهرة والسطوة أمثال أدونيس وآسيا جبار ومحمود درويش. إن ما يلف النظر الى هذه المسألة أن البعض يسعى إلى جعل الثقافة العربية قارة معزولة لوحدها ومتفوقة وخارقة وتستحق كل جوائز العالم . اليابانيون لا يفكرون مثلنا على سبيل المثال وأدبهم زاخر بالعباقرة . ولعل من المفارقات الدرامية أن جميع الذين لم يفكروا بجائزة نوبل هم الذين حازوا عليها : باسترناك برودسكي وسارتر الذي رفضها وآخرون غيرهم ؟
يخيل لي أن جائزة نوبل هذا العام جاءت لتقول لا للحرب الأمريكية في العراق لأن الفائز بها ، هارولد بينتر ، وقف بصريح العبارة ضد هذه الحرب وفضح بوش وبلير المتحالف معه ، ووصفهما بألذع الأوصاف ـــ معظم الكتاب والأدباء في العالم العربي لم يعبروا عن رأيهم بغزو العراق بل انخرط بعضهم وعلى الخصوص بعض العراقيين منهم في حملة التضليل والدعاية للحرب الأمريكية ـــ وهذا ما يفسر أن الأكاديمية السويدية لم تتأثر بموقف النظام الغربي الرسمي ــ الذي أشعل فتيل الحرب ضد ملايين المتظاهرين من الشعبين الأمريكي والبريطاني وشعوب أخرى ممن وقفت ضد الحرب ــ . أكاديمية نوبل كانت صريحة في تقييمها لمكانة هارولد بينتر " إنه أفضل من يمثل المسرح في بريطانيا ما بعد الحرب لأنه " يكشف في مسرحياته المتاهات الكامنة وراء ثرثرة الحياة اليومية ويقتحم مواطن الظلم الخفية " ... أين مواطن الظلم الخفية ؟
يجدها بينتر في ما يحصل في فلسطين والعراق وأفغانستان وبقاع أخرى من العالم .
لقد انتقد هارولد بينتر نفاق اللغة والمواقف، والسكوت على عدم العدل الذي يلف الكون: "إننا نقصف بالقنابل دولة كالعراق لم نتأكد من وجود أسلحة الدمار الشامل عندها ونسكت عن أخرى كإسرائيل نعرف أن لديها القنابل النووية بالعشرات والمئات " .
هذا الكلام يصدر عن كاتب بريطاني متحدر من أصول يهودية، وينتقد إسرائيل وأميركا وبريطانيا بهذا الوضوح الذي لا لبس فيه لأنه كاتب يحترم نفسه، وجمهوره، وضميره.
ويقول : "إنني أخجل من بريطانيتي" . ... (فالعمل من أجل العدالة والإنصاف والمساواة لم يعد كما كان، ونحن بدأنا نفقد الاحترام للإنسانية، وبدأ يغيب عنا الإحساس العميق بالعدل" . .. " الحرب المخطط لها لضرب العراق هي في الحقيقة مخطط لعملية قتل مع سبق الإصرار لألوف المدنيين الذين يدعون بأنهم سيشنون الحرب من أجلهم") .
وأكثر من ذلك، فقد ذهب إلى وصف الولايات المتحدة الأمريكية من على دار المسرح القومي البريطاني بلندن بأنها دولة 'نازية' وان بلير 'سفاح' و'مجرم حرب' في مناسبة إطلاق ديوان شعر ضم قصائده التي نظمها تعبيرا عن معارضته للحرب الأمريكية على العراق . ومضى إلى أن (الولايات المتحدة قد تجاوزت حدود العقل)، معتبراً أنها شبيهة بـ(ألمانيا النازية)، قائلا (ألمانيا النازية أرادت سيطرة كاملة على أوروبا وكادت أن تحقق ذلك. والولايات المتحدة تريد سيطرة كاملة على العالم وهي على وشك أن تعزز ذلك). وألقى بينتر باللوم على (ملايين الأميركيين المضللين تماماً) لأنهم لا يقومون بالتمرد على (رئيس انتخب بصورة غير قانونية ـ أو بكلمات أخرى مزيف). وتساءل (أي معارضة تمت في الولايات المتحدة)لسجن قاعدة (خليج غوانتانامو) حيث (يُعامل 700 معتقل كالحيوانات)، معتبراً إنهم في (معسكر اعتقال نازي). وقال أن بلير يرى نفسه مثالاً للموقف الأخلاقي السليم، لكن بينتر يعتبر رئيس وزراء بلاده مجرد (قاتل جماعي في الواقع) و(ساذج تعرض للتضليل) .
وقال هارولد بنتر :" إن الحرب على العراق لا تستند الى مبررات، ومن الخطأ الكامل أن تقف بريطانيا مع واشنطن في هذه الحرب غير العادلة" .
وتحدث عن أسلحة الدمار الشامل، وقال: إن الدولة الوحيدة التي لديها السلاح النووي في منطقة الشرق الأوسط هي إسرائيل. وانتقد هارولد بينتر المساندة الغربية لإسرائيل في الوقت الذي تعد فيه بريطانيا والولايات المتحدة للهجوم على العراق بسبب ما يقال عن أسلحة الدمار الشامل. وقال بينتر:" إن الحرب ضد الإرهاب لا يمكن الفوز بها بأسلوب الاستفزاز والهجوم على حضارات أخرى في العالم " . وأكد أن الحرب ضد الإرهاب يمكن كسبها بالمعلومات والحصول عليها ومحاولة معرفة الأسباب التي تقف وراء استخدام العنف والعمليات الإرهابية. وعبَّر عن نقده البالغ لحملة واشنطن ضد الإرهاب وأنها ستكلف المجتمع الدولي الكثير من الأعباء والفوضى على المدى البعيد.
وقال :" إن الهجوم على العراق سيحقق الاضطراب في منطقة الشرق الأوسط، وسيفتح الباب أمام المزيد من العمليات الإرهابية في المنطقة والعالم" .
وأشار إلى أن العالم أخطأ في فرض عقوبات على العراق لأن الذي دفع الثمن هم الأطفال والضعفاء من النساء والشيوخ.ولم تجلب الحرب على العراق غير الخراب والدمار والخيام . وتساءل عن سبب إقدام الولايات المتحدة وهي الدولة المتحضرة على هذا الخيار "الهيمنة الكاملة على العالم".. كما تساءل عن التفويض الأخلاقي الذي يمتلكه الغرب منحصرا في(بريطانيا والولايات المتحدة (لإصدار أحكام انتهاك مبادئ الأمم المتحدة وخارج نطاق القانون الدولي وعمن فوضهما هذا النفوذ وذلك السلطان.." وقال " إن الممارسات والانتهاكات الإسرائيلية لقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي تفوق بمراحل تلك التي أقدم عليها العراق وعلى الرغم من ذلك كان رد الفعل أكثر انفعالا في حالة العراق" . وأضاف أن الأمريكيين يمرون بوقت عصيب في العراق مشيرا إلى أن كل ما تم الترويج له من مفاهيم) الحرية والديمقراطية (لم تسفر سوى عن الموت والدمار والفوضى) إلى جانب مقاومة شرسة من الشعب العراقي.
هكذا يمثل هارولد بينتر قيمة سياسية إضافة إلى كونه قيمة أدبية ، فهو صرح وطني لبلاده . المواطن هارولد بينتر ، وقف في الهايد بارك في 15 من فبراير أمام مليون ونصف مليون من المتظاهرين ضد الحرب الأمريكية في العراق ، وهي أكبر تظاهرة لم يشهد لها مثيل، وقال بالحرف الواحد " إنني معجب بالموقف الفرنسي وكذلك الألماني، فلأول مرة ، ومنذ زمن طويل ، هناك من يقف في مواجهة الولايات المتحدة " ... بل قال عن توني بلير " هذا " الخادم المقيت للنظام الأمريكي المجرم " ... إنه يصلي من أجل السلام ويتهيأ للمشاركة في قتل آلاف الأبرياء في العراق " .. وفي مقابلة في الفايننشيل تايمز 15 فبراير 2003 قال " أخشى لو التقيت بتوني بلير وجها لوجه أن أبصق في عينيه " . وقد كتب بينتر قصيدة ضد الحرب بعنوان " ليبارك الله أمريكا .. ولترق لها الديمقراطية " . لم يتمكن بوب سيلفر ، مدير نيويورك رفيو بوكس ، من نشره القصيدة مخاطبا إياه ، متأسف يا هارولد لا أستطيع نشر هذه القصيدة . زمن رديء . حرب قذرة . " حتى المثقفين الليبراليين الأمريكيين يتملكهم الخوف . وذلك بسبب العنوان ـــ عنف اللغة ــ . ويضيف هارولد " هذه القصائد تعبر عن غضبي الشخصي وقرفي . في مسرحياتي ، لا أشعر بهذا القرف من شخصياتي ، حتى لو كنت ناقدا إزاءهم . بل أتعاطف معهم ، وأستطيع أن أجعلهم يتحدثون . إنني أحبهم ، لأنهم يضحكونني ، حتى ولو أن معظمهم فظيع . من خلال كتابتي حولهم ، إنني أكتب عن نفسي . ولا أدعي بأني خارج نطاقهم " . هارولد بينتر يدين اولئك الذين يستخدمون العبارات المسيحية والقيم الديمقراطية وهم جاهزون لتدمير بلد بكامله باسم الحرية . وأفظع ما هو موجود أن نسمع اولئك يدعون بالمبادئ الأخلاقية في الوقت الذي هم فيه يفتقرون إلى الأخلاق .
على أية حال ، لهارولد بينتر تاريخ طويل في ميدان احترام حرية الإنسان منذ سنوات السبعينيات ، فقد صدمه الانقلاب الذي أطاح بسلفادور اليندي في عام 1973 . وفي الثمانينيات ، انتقد الرئيس الأمريكي رونالد ريغان ومارغريت تاتشر ، رئيسة الوزراء البريطانية آنذاك . وناصر كوسوفو 1999 ، وأدان الاحتلال الأمريكي لأفغانستان 2001 ، والحرب في العراق 2003 . علامات مضيئة في تاريخ رجل مسرحي يرقى إلى مستوى المفكرين الكبار .

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة