|
بمناسبة رحيل "شاعر الحنين"
.. بغياب فلليني توارى العصر الذهبي للسينما
ترجمة: عباس عباس
في 31 تشرين الأول من العام 1993 رحل عنا الشاعر والرسام والسينمائي فدريكو فلليني.. مبدع (الحياة الحلوة) الفيلم الذي أرسى أسس الفللينية.. ذلك الأسلوب الفريد الذي رسخته الاعمال الأخرى لهذا الفنان الكبير. وبهذه المناسبة نشرت مجلة (بروميير) الفرنسية مقالا عنه للكاتب الدوتاسون، وهنا مقتطفات وافية منه:
فلليني.. واحد من الذين لا يمكن للعالم ان يستغني عنهم، طالما استمرت حاجة هذا العالم للفن.. "لا يمكن العيش في هذه الدنيا دون فلليني".. هذه العبارة العاطفية تعكس عقلية ملايين المعجبين بالمايسترو الايطالي، حين تابعوا، وهم جزعون، اخبار مرضه حين أقام في المستشفى ودخل في غيبوبة طويلة.. وينبغي القول ان هذا المحقق العظيم، الذي عشق السيرك منذ طفولته المبكرة، نجح في "تسلية" الايطاليين حتى النهاية، في فترة من اشد الفترات كآبة في تاريخ ايطاليا المعاصر (فضائح سياسية، أزمة اقتصادية، انحطاط فن السينما..)، لذا فقد أصبح من سريره في المشفى شيئاً أشبه بالمنارة.. مع تصريحاته الجريئة، وماثرة (هروبه) العاطفي من مشفى فيرار إلى مشفى روما من أجل لقاء حميمي، لبضع ساعات، مع زوجته جولييتا ماسينا، المريضة هي الأخرى بمرض لا شفاء منه.
في أيامه الأخيرة فكر فلليني، في ان يستدعي فريقا صغيراً لصنع فيلم (صور الظل على شاشة)، وهو ليس فيلماً اعلانياً، حول ظروف الحياة في المستشفيات الإيطالية، فكرته الرئيسة (لا تسقط ابدا صريع المرض في هذا البلد العجيب...!" كان يفكر دائماً في صنع فيلم عن المرض وعن معايشة الموت عن قرب. بعد فلم "ثمانية ونصف" كتب مع صديقيه اينيو فلايانو وتوليو بنيلي، سيناريو رائعاً عن هذا الموضوع عنوانه "رحلة ماستورنا" حول عازف كمان يدخل في غيبوبة بعد سقوطه في طائرة، يذهب في رحلة خيالية إلى العالم الآخر.
"احب الاستيقاظ في الليل" يكتب فدريكو الشاب، عام 1941 في مقالة موجزة منشورة في "مارك اوريليو" المجلة الأسبوعية الساخرة التي كان يتمرن فيها كصحفي ورسام كاريكتير (حينما افتح عيوني محدقاً في ظلمة الغرفة أحس بالفخر الصبياني والاضطراب، الشعور ذاته الذي أحسه حينما انتظر ارتفاع ستارة المسرح.. وانطفاء اضواء صالة السينما، وانبثاق ضوء الشاشة عن المشهد الذي طالما اشعرني بالانفعال. لماذا أحب إلى هذا الحد، الاستيقاظ في الليل؟ قبل بضع سنين كنت ربما سأقول لكم بأني، كنت أحب هذا، لأنه آنذاك كانت هناك عارضة أفلام أسفل سريري، لذا كنت اتوجه إلى سريري وأنا مسرور، لأني كنت اعرف بأني سأرى أشياء عجيبة في ظلام غرفتي.. قبل أن انام كنت أزور (صالتي)، كان هناك مشهد فائق الوصف، ممتع، لانه كان مرئياً في الظلام ومن خلال عيوني المغلقة، كنت اتابع نشوء بقعة حمراء كانت تكبر بصمت، ومنها كانت تنبجس دوائر صغيرة خضر لا تحصى، تتسع في الفضاء، وبعض من ورود تحيطها منزلقة كما الأفعى، وهكذا حتى تختفي هذه النقاط الخضر، ومن ثم تأخذ ألوان جديدة اخاذة بالظهور.. والآن وفي كل مرة أتوجه فيها للنوم، انتظر ان يبدأ مثل هذا المشهد، وحتى لو لم يظهر سأظل انتظره إذ لابد من ان يعود".
فعالية الصورة
في خاتمة مقاله (الليلي) الذي كتبه فلليني وهو في العشرين من عمره نجد عبارة يمكن ان تكون مفتاحاً لفهم ابداع هذا الحالم الساحر حيث يقول "بالنسبة لي، الآن، فان كل هذا ينتهي على نحو حزين جداً، إذ انه أورثني حنيناً لا متناهياً للاشياء، القديمة". هذا النص المجهول حدد بشكل نموذجي، سمات الفللينية، المخيلة الفياضة، النظرة الثاقبة لرسام الوجوه، روح الفكاهة التي لا تقاوم، والحنين المؤلم للماضي، وأخيرا سحر وفعالية الصورة التي لا تضاهى، هذا الخليط المذهل هو الذي صير فدريكو فلليني فنانا متفرداً، هزلياً على غرار معلمه شارلي شابلن، إذ ان مبدع (لاسترادا) و"كلاون"، و"مجانين الميوزيك ـ هول"، وهذا أوك أفلامه التي حققها مع (البرتولاتوادا) اعترف ـ دائماً ـ بفضل شابلن. والنقد ـ حسب رأينا ـ لم يلتفت، بما فيه الكفاية، إلى هذه القرابة.
"كل مشهد في فلم من أفلام فلليني ـ يقول فرانسوا تريفو ـ يبنى مثل نمرة في الميوزيك هول أو في سيرك، هناك عنصر واحد، شخصية واحدة، ثم الموسيقى لكن مع آلة موسيقية واحدة... شيئاً فشيئاً تدخل إلى المشهد تبدأ أشياء تظهر امام الكاميرا (أغطية أو حجب، شرائط ملتفة، أشياء غريبة تؤلف ما يشبه الستارة) ثم أكثر فأكثر عدد من الشخصيات وعدد من الآلات الموسيقية، وحين يصل المشهد إلى الذروة يتم الانتقال إلى المشهد التالي".
لوحظ ان تفضيل فلليني أبراز الاغطية والحجب (وكل الأشياء الغريبة التي تكون جزءاً من المشهد) وحركة الكاميرا المتطرفة، كل هذا.. يقود إلى التذكير باسلوب سينمائي باروكي كبير آخر هو ماكس أوفيل.
هناك عظمة فللينية، مثلما كانت هناك، في الموسيقى، عظمة روسينية ـ نسبة إلى روسيني ـ .. وبين معلمي الحركة هذين ـ فلليني وروسيني ـ صفات مشتركة ليست بالقليلة. وفلليني لم يكتف باختيار فنان موسيقي لأفلامه، وهو الأكثر روسينية بين موسيقى عصرنا، نينو روتا أو باقتباس (حلاق اشبيلية) في فيلم (ثمانية ونصف) و(قداس احتفالي صغير) في فيلم (وابحرت السفينة).. بل انه أيضاً استعار من سلفه (روسيني) الحيوية الايقاعية وروح الفكاهة وبهجة الحان الجوقة الساحرة. على هذا، فان موقع فلليني.. ربما يكون بين شابلن وروسيني.
علامة الجنون
حيوية فلليني الإبداعية نجدها، أيضاً، في الشخصيات التي خلقها، إذ ان لهذه الشخصيات حضوراً، وكانه مادي، على الشاشة بحيث يترك لدى المشاهد انطباعاً بأنه يمكن الشعور حتى برائحة هذه الشخصيات.
ويكفي التذكير بثالوث فلم "لاسترادا (الطريق)" (زامبانو وجيلسومينا والمجنون) ولاسراكينا في "ثمانية ونصف" والعم المجنون في (اما ركورد) والمومسات في "ثمانية ونصف" و"ليالي كابيريا" وانيتا، المرأة المغوية والصعبة المنال في "الحياة الحلوة".
تم الحديث كثيراً عن المخيلة الفللينية.. عن الجانب التزييني (الباروكي) والحلمي في اعماله عن ابداعاته السينمائية، لكن لم يتم التوقف ـ بما فيه الكفاية ـ عند صفاته الأخرى بكونه حاذقاً لعصره ورسام وجوه فذا. إذ، من مدن ايطاليا (في أفلام "لاسترادا"، "فيتوليني"، "اماركورد") الى عاصمتها (الحياة الحلوة)، "روما فليني"، "جنجر وفريد") ومن أحلام المراهقة إلى تمرد الشباب (الصحفي في "الحياة الحلوة")، السينمائي في "ثمانية ونصف"، (كازانوفا) فان فلليني هو المخرج الايطالي الذي روى بافضل ما يكون عن المجتمع الايطالي في هذا العصر، أحلام هذا المجتمع (سنوات المعجزة الاقتصادية في "الحياة الحلوة")، انحطاطه ("بروفة الاوركسترا"، "جنجر وفريد"، "لافوس ويللا لونا") التخلف الثقافي ("اماركورد"،"ثمانية ونصف") الانحراف النسوي السائد ("مدينة النساء") سوقية المجتمع الإعلامي في عهد بيرليسكوني.
حينما يقال ان فلليني جسد طفولتنا، لا يجب أن ننسى ان شاعر الحنين وساحر عالم السينما هذا هو الأفضل مع روسلليني وروزني وريزي ومونتشيللي وآخرين، من بين الذين عبروا عن سيرة بلادهم.
كان دخول فلليني إلى عالم السينما مع علامة الجنون (فلم "مجانين الميوزيك هول") وتركه له مع علامة القمر (فلم "لافوس ديللا لونا") وبين هاتين العلامتين فان سفينة السينما الايطالية.. ابحرت، مثل (اكلوريا ان) (اسم السفينة) التي حملت بقايا رماد مغنية الاوبرا الشهيرة ("وابحرت السفينة") ومع غياب فلليني توارى العصر الذهبي للسينما، وكيف يمكن للحياة ان تستمر من دون مخيلة وفكاهة واحلام يقظة مبدع "الحياة الحلوة".
|