|
الترجمة الكاملة لكتاب (العلمانية ):
تُعنى العلمانية بحرية الضمير وتكفل حرية التعبير لجميع الملل- الجزء الاخير
ما العلمانية؟ أول ما يتبادر الى الذهن انها فصل الدين عن الدولة، وثمة من يعرّفها بالإلحاد، أو اللادين. وفي المنطقة العربية الاسلامية تسود الشائعات حولها، فهي مشروع ماسوني استعماري ومؤامرة ضد الدين ، لكن العلمانية بالمعنى الواسع للكلمة تعني ان الدولة لا تمنح امتيازاً لأية ملة من الملل، وهي تكفل حرية التعبير لهذه الملل، كما ان الدولة العلمانية لا تعرض على مواطنيها اية وجهة نظر خاصة بها.
بهذا المعنى تعنى العلمانية بحرية الضمير وليس بتقييده أو فرض وجهة نظر واحدة على الشعب، سواء كانت ديناً أو مبدأ أو عقيدة سياسية.هذا الكتاب الذي تقدمه (المدى) باسم (العلمانية) يبسط الحقيقة بشأن العلمانية ويذكرنا بوجود علمانيات وليس علمانية واحدة، ولا يعدو النموذج الفرنسي منها غير تجربة ارتبطت بملامسة التاريخ الفرنسي نفسه، كما ان المؤلف (غي هارشير) يعدّ الدولة السوفيتية السابقة إنها غير علمانية لانها تفرض عقيدة سياسية واحدة على السكان ، بهذا المعنى فالكتاب يضعنا امام امكانية البحث عن نموذجنا الخاص للعلمانية .
الفصل بين الحقّ والخير هذا هو السبب الذي يدعو إلى اعتبار التفكير في الأسس الفلسفيّة للنموذج العلمانيّ ضرورة لا محيص عنها اليوم. لقد انقضى أكثر من ثلاثين عاماً على نشر الفيلسوف الأميركي جون رولز Rawls لكتابه "نظريّة في العدالة" الذي حاز سريعاً شهرة واسعة: ما يثير الاهتمام في مؤلَّف رولز، هو قبل كلّ شيء عزمٌ على تحديد مبادئ العدالة التي ينبغي أن تكون قاعدة لمجتمعاتنا التعدّديّة بصرف النظر عن أيّ تصوّر للخير. فإذا كان على التعدّديّة أن تُقبل كأمر مرتبط جوهريّاً بحريّة الضمير، فالعدالة، الصالحة للجميع، لا يسعها اتّباع تصوّر خاصّ: إذ إنّ فكرة الحقّ هذه ستعتبر بالضرورة عندئذ شرعيّة لدى مناصريها، ولاشرعيّة في نظر الآخرين الذين لن يستطيعوا "إسقاطها" من رؤاهم الخاصة بالنسبة للحياة الصالحة، وسيعيشونها كشيء مفروض عليهم من الخارج- ضمن وضع تبعيّة. هذه النظريّة في فصل الحقّ عن الخير هي في أصل تصوّر رولز: فهي التي تشكّل قاعدة فكرتيّ الـ "الوضع الأصليّ" و"قناع الجهل"، الرئيسيّتين في كتابه "نظريّة في العدالة". لقد أراد رولز في الواقع أن يجدد الروابط مع التراث الفلسفي للعقد الاجتماعيّ، ذاك التراث الذي كان قد هُجر وعلاه غبار الإهمال: فالمبادئ الشرعيّة التي يتمّ على أساسها تنظيم مجتمع وتحديد قواعد الخير العامّ التي ينبغي أن تحكمه يجب أن تعتمد على رضى وقبول الشعب بأجمعه (laos) لا فئة منه. ولكن كيف السبيل إلى إيجاد هذه المبادئ إذا كان لدى كلّ فرد - وهذا أمر مشروع - ميلٌ إلى جرّ النار إلى قرصه وإلى تعريف العدالة انطلاقاً من نظرته الخاصّة الشاملة للخير؟ من أجل الوصول إلى إجماع، ينبغي أن نتصرف وكأنّنا نجهل ما هو تصوّرنا للحياة الصالحة. بعبارة أخرى، ينبغي ألاّ نكترث لذلك. لقد تأثّر رولز آنذاك بنظريّات اللعبة: فخلال اللعبة، نتصرف و"كأنّنا" قد نسينا عناصر معيّنة في الحياة "الجديّة"، نتصرف كشركاء وخصوم- بإيجاز، نلعب أدواراً قد حدّدتها القواعد سلفاً. يفترض إتقان اللعب مقدرتَنا على البقاء على مسافة ممّا نحن عليه، أي على مسافة من القيم والالتزامات التي نحن "غرقى" في لجّتها قبل كلّ شيء. إنّ مرجع نظريّة اللعبة game theory إذن أقلُّ تفاهة بكثير مما يبدو للوهلة الأولى: فنحن ندرك، في مستهلّ القرن الحادي والعشرين هذا، كم هي مكلفة، في مصطلحات الحريّة والعلمانيّة وحقوق الإنسان، أوهامُ وخيالاتُ التماهي الكلّي للفرد مع طائفته ومع إيمانه؛ لقد كان سارتر يسمّي ذلك "روح الجِدّ". إنّها تلك العقليّة التي تجعل سخرية سلمان رشدي ومسافته، ونقده- باختصار "لعبته"- بغيضة لا تحتمل. مصدر آخر لنظريّة رولز يشكّله الإجراء: فهذا المفهوم الأخير يفرض علينا ضمناً احترام بعض القواعد وأشكال الإرغام في سبيل الوصول إلى نتيجة (كي نحصل عليها لا يمكننا فعل كلّ شيء أو قول كلّ شيء - في الإجراءات الجنائيّة، على سبيل المثال، تحمي القواعد المشبوه وتسهّل إحقاق الحقيقة). يشكّل الوضع الأصليّ لرولز فرضيّةً أو خيالاً- "لعبةً" إذا شئنا، أو إجراءً متبنّى بحريّة- نقرّر بموجبه ألاّ نعبأ بتصوّرات الخير التي تفصلنا عن بعضنا البعض بطريقة مشروعة، ولكنّها تمنعنا، بتعدّديتها ذاتها، من الوصول إلى تصوّر مشترك للعدالة يكون أكثر من تسوية، أي أكثر من "حلف مقدّس" لتصوّرات الخير. إذا أردنا أن تكون مبادئ العدالة موضع قبول وموافقة مبدئيّة لا تسوية من هذا الطراز، يتعيّن علينا، في هذا الوضع "الأصليّ" (نقطة البدء التي اخترنا الانطلاق منها، "اللعبة" التي قرّرنا أن نلعبها)، أن نضع تصوّراتنا للخير خلف قناع من الجهل. بدون الدخول في تفاصيل كتاب "نظريّة في العدالة" ذاك الذي أعاد رولز مذ ذاك النظرَ في العديد من نقاطه، يمكننا القول إن فصل الحقّ عن الخير الذي يشكّل فيه المحور هو النظير الفلسفيّ للعلمانيّة. باستطاعتنا بالطبع أن نرى فيه أساسَ فصل الكنيسة عن الدولة- باختصار، أساسَ تصوّرٍ "فرنسيّ" و"أميركيّ" للعلمانيّة-، ولكن ليس من الضروريّ الذهاب إلى هذا المدى: فدولة تحدّد مبادئها في العمل وطريقة معاملة مواطنيها (أي العدالة) بدون الرجوع إلى تصوّر دينيّ أو روحيّ خاصّ أو ذي امتياز قد تكون وافية بالمطلوب تماماً. بتعبير آخر، إنّ فصل الحقّ عن الخير يشكّل بصورة لا تقبل الجدل شرطاً ضروريّاً للعلمانيّة بالمعنى الواسع للكلمة (وهو بالتأكيد يحظى بنفس التوافق مع تصوّر أكثر صرامة في فصل الدولة عن الكنائس، ولكنه لا يستوجبه). هل يُعتبر هذا الشرط لذلك كافياً؟ يتّضح أن لا، وأن هذا "النقص" يشكّل واحداً من الدوافع الأساسيّة للتعديلات الهامّة التي أُدخلت على نظريّة رولز على مدى السنوات الثلاثين الأخيرة هذه. إنّ فصل الحقّ عن الخير متضمَّن صراحةً في مصطلحات سلبيّة: فقناع الجهل يشكّل استعارة تجعل فكرة "لا يكترث لـ...." ملموسةً، تلك الفكرة التي تعتبر جوهريّة للغاية بالنسبة لمفهوم حياد الدولة والخدمات العامّة (بل وحتّى المجتمع، بحسب أشكال تقدّم الكفاح ضدّ التمييز). ولكن هذا الفصل لا يقول شيئاً بشأن رباط الولاء "القويّ" الذي ينبغي أن يُلزِم المواطنين بتلك الدولة العادلة. إذا كانوا لا يستطيعون أن يقيموا وزناً لتصوّراتهم الخاصّة للخير في تحديد العدالة، فمن أين سيستمدّون الأسباب المحفّزة لالتزامهم المواطنيّ و"الجمهوريّ"؟ حول هذه النقطة بخاصّة قام الفلاسفة التطييفيّون والجمهوريّون بمعارضة مقاربة رولز. فقد اقترح مايكل ساندل Sandel، على سبيل المثال، فكرة "جمهوريّة الخير العامّ" كردّ على فكرة "الجمهوريّة الإجرائيّة". وتشير المصطلحات بوضوح إلى البديل: سواء أكان دولة تتولّد مبادئها بمقتضى إجراء كذاك المتعلّق بالوضع الأصلي وبقناع الجهل، أم دولة تستمدّ مبادئها من رجوع المواطنين إلى خير عام يشكّل نوعاً من "تنقيةِ" التصوّرات الفرديّة للخير. إن العلاقة بين الخير الفرديّ والخير العامّ منوطة في الحقيقة، في نظر التطييفيّين، بالتقاليد الجماعيّة: فهم يشدّدون على تبعيّة - ودَيْن- التصوّرات الفرديّة بالنسبة للموارد الثقافيّة المشتركة التي تُعرَّف بالضرورة تبعاً لها. ندرك إذن كيف يمكن للـ "الخير العامّ" في رأي التطييفيّين أن يكون محطّ التزامٍ مواطنيّ قويّ، ضمن إطار قيمٍ وولاءاتٍ يكوّن بُعدها الملموس والتاريخيّ جوهرَها نفسه. ولكن ما نربحه في مصطلحات الولاء والأخلاق والالتزام، قد نخسره في مصطلحات العلمانيّة: فمزيّة الإجراء الرولزي، تتمثّل في كونه ينبذ أسس دولة مواطنيّة، لا تحدَّد مبادئ العدالة فيها وفقاً لتصوّر خاصّ للخير، سواء كان ملموساً أم تاريخيّاً. يستند رولز في الأساس على كانط: الأمر يتعلّق بتحديد مبادئ عدالة أخلاقيّة بصورة رئيسيّة- "أخلاق علمانيّة"، في علم مصطلحاتنا الفرنسيّ- ستسمح لأفراد يختلفون في طرائق تفكيرهم بالنسبة للمعنى النهائي للحياة (ولكثير من الأشياء الأخرى) بالتجمّع ضمن "طائفة من المواطنين". ولكن كسب القوّة المحفّزة لا يمكن أن يعوّض خسارة الانتماء العام، لا يعوّض، بوجيز العبارة، خسارة العلمانيّة. إنّه البديل الذي واجهه رولز وسعى إلى تجاوزه في مؤلّفاته التالية، ومنها كتاب الليبراليّة السياسيّة Political Liberalism، الصادر في العام 1993، وكذلك في العديد من الإيضاحات اللاحقة. لقد فهم رولز إذن الرسالة التطييفيّة، ولكنّه ردّ عليها بطريقته، محافظاً على أهمّ مكتسبات كتابه نظريّة العدالة. وقد حاول أن يقبض على ناصية مشكلة الحافز والالتزام المواطنيّين، تلك المشكلة التي كانت في صلب الدحض التطييفيّ-الجمهوريّ. كانت نظريّة رولز في العدالة تسبح إن جاز القول في الفضاء: ما أن "نُسيت" الالتزامات والولاءات المرتبطة بالتصوّرات الخاصّة للخير، حتى قَبِل الأفراد، المتمتّعون بحسّ العدالة، المبادئ "العلمانيّة" في تنظيم المجتمع وقرّروا التمسّك بها لأنّهم كانوا ملتزمين بها مسبقاً. الولاء هنا متعلّق بـ "قواعد اللعبة" و بـ "التعهّد" بعدم تغييرها خلال الشوط، إذا لاحظنا أنّ النتائج لا تخدم مصالحنا. لكنّ هذا الولاء الإجرائيّ مفصولٌ إن جاز التعبير عن الالتزامات الأشدّ "حرارة"، وذلك بالضبط لتحاشي هيمنة هذا أو ذاك من تلك الولاءات "الحارّة" على مجموع الشعب laos الذي كان رولز، في العام 1971، قد قرّر ألاّ يحسب له حساباً في تحديد مبادئ العدالة التي ينبغي أن تجمع تحت مظلّتها سائر المواطنين. ولكن ما هي إذن الوسائل المحفِّزة التي سيؤمن الفرد انطلاقاً منها بمبادئ العدالة والتضحيات الحتميّة التي تنطوي عليها؟ هنا يُظهِر حلُّ رولز كلَّ نفعه وأهميته. ليس من الوارد بالنسبة إليه العودة إلى دمج الحقّ والخير، لسبب واضح وهو أنّ الحقّ ينبغي أن يكون "واحداً" (هو عينه بالنسبة للجميع)، بينما ثمّة تصوّراتٌ "عدّةٌ" للخير في أي مجتمع تعدّديّ. ولكن لا يمكن أن نكتفي كذلك بالحجج المبيّنة في كتاب نظرية العدالة، لأن ذلك سيثير عندئذ مشكلةَ الحافز والالتزام. نجد هنا ثانية، في هذه المشكلة الفلسفيّة التي لقي الفيلسوف الأميركي نفسه في مواجهتها، البديل الهدّام الذي مزّق لردح طويل من الزمن أنصار الأخلاق العلمانيّة، وما زال يفعل حتى اليوم. أليس من الممكن في الحقيقة أن نفهم ما جاء في الطبعة الأولى للنظريّة الرولزيّة كرجع صدى- دون أن يعي المؤلف ذلك بالتأكيد- لرسالة فيرّي للمدرّسين؟ كان وزير التعليم الرسميّ يتكلّم بتعابير الحياد وعدم التدخل: تخيّلوا الآباء الماثلين في صفّكم وتجنّبوا التطرّق إلى أي موضوع تتخيّلون أنّه قد يصدمهم. تظاهروا وكأنّه ليس لديكم أفكارٌ حول الدين، ولا تصوّرٌ مثار جدال للمعنى النهائيّ للحياة، باختصار، ادّعوا "الجهل" بجميع تلك الموضوعات التي تفرّق المواطنين بعمق. ألسنا هنا، وقبل الرسالة، أمام النظريّة الرولزيّة لقناع الجهل؟ وعندما ردّ بويسون قائلاً إنّه يجب على العكس الاختيار بين المدرسة العقلانيّة والمدرسة الكهنوتيّة، وإنّّه ليس هناك، في رأي هذا البروتستانتيّ الليبراليّ وصاحب الفكر الحرّ، تسويةٌ بين الاثنتين أو موقفٌ وسط، ألا نرى، ليس ربّما في نوايا بويسون، ولكن في التأثيرات المحتملة لاقتراح مفسّر بصورة دغمائيّة، ألا نرى الخطر "التطييفيّ" يلوح؟ ألا يكمن الخطر هنا في حزم العلمانيّة في رزمة واحدة مع تقليد خاصّ يُزعم أنّه شامل، كالإلحاد والاشتراكيّة والفوضويّة، أو، بالعكس، كـ "الحلف المقدّس" للمذاهب؟ أظنّ أنّ رولز يرسم لنا في كتابه منظوراً للخروج من "فخّ فيرّي/ بويسّون"، لا يخلو مع ذلك من تشابه مع اقتراحات بينيا- رويث، التي تركّز بصورة أكثر مباشرةً على الحالة الفرنسيّة. ولكن ما النهج الذي يتّبعه؟
الإجماع بالتقاطع والعلمانيّة
في كتاب الليبراليّة السياسيّة والمقالات التي تلته، يقترح رولز بخاصّة فكرة "الإجماع بالتقاطع" (overlapping consensus). إنّه يعرّف نظريّته بأنّها "سياسيّة محضة"، أي أنّها، في رأيه، لا ترتبط بقضايا أخلاقيّة، أو دينيّة، أو ميتافيزيقيّة سيدعوها مذ ذاك تصوّرات شاملة للخيرcomprehensive conceptions of the good. يشدّد رولز هنا على جانب مختلف لتصوّرات الخير: إنّها في الوقت نفسه أكثر خصوصيّة من تصوّر العدالة (المفروض أنّه صالح للجميع)، وأشدّ عمقاً، وأكثر شموليّة، وأقوى "تحفيزاً" من حيث أنّها تتعلّق بالالتزامات الوجوديّة والقيم الأساسيّة للحياة، لا بـ "الشأن العامّ"، الأكثر بعداً وتجريداً (على الأقلّ في المجتمعات المعاصرة، بخلاف "الحرارة" المميّزة للمواجهة في الديموقراطية المباشرة في اليونان وفي "حريّة الأقدمين" التي عرّفها-وانتقدها- بنجامان كونستان). إن كون تصوّرات الخير خاصّة يعني فقط أنّها ليست مشتركة بين الجميع، وأنّه يراد، في المجتمعات المعاصرة، تبنّي مبادئ عدالة صالحة للجميع. لا تفترض هذه الحالة مطلقاً أنّ مثل تلك التصوّرات هي أقلّ "أهميّة". على العكس، فمن قلبها، يقول رولز، منتهجاً في ذلك- إلى حدّ ما- المنطق التطييفيّ، تبزغ الحوافز والالتزامات القويّة. لقد استندت الحجّة الرئيسيّة لليبراليّين (ورولز هو فيلسوف الليبراليّة السياسيّة بامتياز) دوماً إلى التأكيد على وجوب الحذر من الطوائف، وبخاصّة الدينيّة منها (ولكنّ الأديان العلمانيّة الخاصة بالشيوعيّة أو بالأمّة ليست أقلَّ إثارة للمشاكل)، لأنّها حاولت دائماً أن "تسحب"، إن صحّ القول، الولاءَ الواجبَ نحو دولة الحقّ باتّجاه التزامات أكثر حرارة وأقلّ "ليبراليّة" وتسامحاً بما لا يقاس. وقد كتب بنجامين باربر حول هذا الموضوع كتاباً هامّاً3 بيّن فيه أنّه يجري، في قلب العالم المعاصر، تعزيزٌ مرتبطٌ بالعولمة للطوائف المتشدّدة التي ستعمل حتماً على إضعاف الدول، وهي الأمكنة الوحيدة، حتى الوقت الحاضر، لإقامة نظام ديموقراطيّ وإرساء احترام شامل وذي طابع رسميّ لحقوق الإنسان ولترسيخ العلمانيّة، بمعناها الواسع على الأقلّ. ثمّة، بالطبع، فرط اعتداد أوغرور بالقوة hubris يقود الدولة، ولقد قادها بالأمس، إلى ممارسة أبشع أشكال التطرّف الديكتاتوريّة، بل الشموليّة؛ ولكن يبقى السلاح الوحيد، برأي باربر، الممكن إشهاره في وجه الدولة الشموليّة والطوائف المتشدّدة هو دولة الحقوق الديموقراطيّة. ندرك إذن، بعد اطلاعنا على النزعات العالميّة التي ستصوغ دون أدنى شكّ بداية القرن الحادي والعشرين، إلى أيّ حدّ كانت نظريّة العدالة تعكس هاجس الليبراليّة السياسيّة: وذلك في ارتيابها بالطوائف وبرغبة تلك الطوائف الدفينة في (إعادة) استعمار حيّز عامّ كانت قد فقدته في سياق عملية علمنةِ ودنيوةِ الدول والمجتمعات. وعلى هذا فالعلمانيّة بحاجة إلى وجود "تصوّرات إجماليّة للخير" يعتنقها الأفراد (بل وخصوصاً الطوائف التي تشكّل دولاً مصغّرة كذلك)، وعليها في الوقت نفسه البقاء على حذر منها. إذ لا غنى لها عن وسائلها المحفّزة، ولكنّ قوة الروابط التي تخلقها قد "تُفرِغ" الولاء الواجب تجاه الدولة من جميع المواطنين. ولا يتعلّق الأمر بعلاقة "عموديّة" بين الأفراد وتجسيد مبادئ العدالة من وجهة النظر المثاليّة فحسب، بل قد يتعلّق الأمر خصوصاً بعلاقة "أفقيّة" بين مواطنين. إذ يُفترض بهؤلاء الأخيرين اعتبار بعضهم البعض- وهذا تعريف المواطنة نفسه- أحراراً ومتساوين، في ما يتعلّق على الأقلّ بقدرتهم على تحديد قواعد الحياة المشتركة، باختصار تحديد نظام الدولة polis. والحال أنّه إذا ذهب ولاؤهم الأساسيّ لجماعات خاصّة ذات التزامات أكثر "تحفيزاً" لأنها أكثر قرباً، ومباشرةً وأشد قابليةً للإحساس والإدراك المباشرين، فلن يتمكنّوا إلاّ بشقّ النفس من الإقرار بما يتعدّى هذه الارتباطات بأنهم أحرار ومتساوون وقادرون على بناء عالم غير محدد بولاءات خاصّة ستفرض بالضرورة عن طريق القوّة على أولئك الذين قد لا يقبلون بها. لقد تكلّمت في ما سلف عن "صدمة العلمنة": هذا التعبير يعني الطلبَ من الأفراد، عندما يتوجّب عليهم الاختيارُ بين التزاماتهم الطائفيّة والعدالة المواطنيّة للشعب laos أن يعملوا على تغليب الخيار الثاني حتماً. ولكن، عندما تكون الطوائف، كما هي حال المشكلة التي تشغلنا، مرتكزةً على اعتقاد دينيّ قويّ، فإنّ خضوع شريعة الله لقانون البشر يبدو، على الأقلّ للوهلة الأولى، محالاً وصادماً. مع ذلك، فالذي اكتشفه رولز بعد كتابه "نظريّة في العدالة" والانتقادات المبرّرة جزئيّاً التي تعرّض لها، أنّ العدالة بحاجة إلى تصوّرات للخير كي "تستعير" منها مصادر الولاء الخاصّة بها. ليس من الوارد بالتأكيد استمرار علاقة "طوباويّة" بين الولاء الواجب تجاه الجماعات المحدودة وذاك الواجبِ تجاه الجماعة العلمانيّة، التي تتّسع افتراضيّاً على غرار حقوق الإنسان، لتشمل الإنسانيّة جمعاء. غير أنّ رولز يدرك، في المرحلة الثانية من بحثه، أنّه لا يكفي "اقتطاع" نظريّة العدالة من تصوّرات الخير لتوطيد مجتمع "علمانيّ". إنّ الولاء الإجرائي واهٍ للغاية، وهو يقرّ بهذا. ولكنّ الولاءات الطوائفيّة تنزع إلى الاستقلال الذاتيّ، بالإضافة إلى أنها محصورة غالباً بفئة معينة. فالآلهة تغار. يقترح رولز إذن مفهوم "الإجماع عن طريق التقاطع" للتخلّص ممّا يؤول به الأمر إلى ما يشبه المأزق. إنّ مبادئ العدالة تحدَّد دوماً بمعزل عن تصوّرات الخير، وإلاّ لسادت التبعيّة والخضوع لإرادة الغير. وعندما يحدث هذا، فالأفراد مدعوون، إن جاز التعبير، إلى "الرجوع" إلى ارتباطاتهم الخاصّة، بُغية العثور فيها على الوسائل المحفِّزة التي ستضفي - إذا كان كلّ شيء على ما يرام- على التزامهم تجاه العدالة وعلى ولائهم المواطني محتوىً "قويّاً". ومن المفترض أن يجد كلُّ شخص وسط طائفته دوافعَ تتيح له اعتناق مبادئ العدالة. هناك إذن إجماع بين الأفراد- ما داموا يعتنقون المبادئ "العلمانيّة" نفسها-، ولكن أسباب هذا الإجماع ستكون بالضرورة متنوّعة في مجتمع تعدّدي. سوف يكون ثمّة "تقاطعٌ" للالتزامات التي سوف تلتقي في تبنّي مبادئ العدالة اعتباراً من أوضاع محفِّزة مختلفة. تعود نظريّة الـ overlapping consensus هذه، في حقيقة الأمر، إلى الطلب من المواطنين العثور في تقاليدهم على وسائل ليبراليّة سيتمكنون انطلاقاً منها من تبنّي القيم العلمانيّة "بقوّة". سبق أن أشرت إلى هذا بشكل سريع في ما تَقدَّم: إنّ الملحد مدعوٌّ إلى تأويل خير ما في تراث الفكر الحرّ والإنسانويّة من دون الله، استناداً على سبيل المثال إلى التسامح المتشكّك لمونتاني، أو إلى مرجع آخر مناسب؛ والمسيحيّ مدعوّ إلى الرجوع إلى شموليّة الرسالة الإلهيّة، إلى البرّ والإحسان، وإلى "أعطوا ما لقيصر لقيصر...". وبوسعنا أن نفكّر بالطريقة نفسها بالنسبة لليهودي والمسلم والبوذيّ... تحمل مثل هذه النظرية في رأيي الكثير من الثراء والكثير من الإشكال في آن، إذ يمكننا ملاحظة أنّها لا تنظر قَبْليّاً إلى العلمانيّة كمفهوم "غربيّ"، أو مستند حتماً، وهذا أنكى، إلى التقليد المسيحيّ. إنّ رهان رولز - الذي أفسره من خلال منظور لم يكن ربّما ليقرّ بأنه له- يقوم على الرغبة في إنتاج هذا التقاطع مع الاعتراف بالخطر المزدوج الكامن في خضوعٍ للطوائف (وبالتالي في إعادة استعمار للمجال العامّ) وفي علاقةٍ مع العدالة لن تكون سوى علاقة نظريّة لأنّها "واهية" للغاية وإجرائيّة. إن رهان تحرير التقاليد الدينيّة هو في لبّ السجال المعاصر بين ما يدعوه صامويل هنتنغتون "الحضارات": فإمّا أن تتواجه في معارك مميتة يذيقنا الإرهاب الإسلامي اليوم عيّنة شديدة المرارة منها، أو ستكون قادرة على تخطّي "الحوار" التقليديّ الذي يشيد به عدد من المؤسّسات العالميّة "الحسنة النوايا" والمعنيّة نوعاً ما، للوصول إلى بحث مسألة تحرير التقاليد. هل الإجماع عن طريق التقاطع أمرٌ ممكن؟ إنه يرشد في جميع الأحوال إلى واحد من الطرق الوحيدة السالكة والواعدة (وإن كان طريقاً محفوفاً بالمخاطر) نحو علمانيّة في مستوى رهانات العصر. فالعلمانيّة لن تجتنب السير الشاقّ بين رمضاء التزامات عصبية ضيّقة ونار عدالة مواطنيّة مجرّدة.
__________
(العلمانية) كتاب من تأليف غي هارشير وترجمة رشا الصباغ وتدقيق الدكتور جمال شحيّد ،من منشورات دار المدى والمؤسسة العربية للتحديث الفكري |