|
عذابــــــات يقظــــــــة في ذاكرة امــــــرأة عراقيـــــــة
..
قصة السيدة (فهيمة صكر هاني) التي أعدموا ولدها البكر
وما زالت تبحث عن الثلاثة الآخرين
بغداد/ طاهرة داخل
تفتح صفحة النصف الآخر، نافذة لذاكرة المرأة العراقية المناضلة كي تكتب تاريخ وقفتها المشهودة والنادرة في تاريخ النضال السياسي للشعب العراقي بكل تياراته السياسية والفكرية التي قارعت حكم الطاغية وقدمت المرأة العراقية على مذبح حريتها ثمناً باهظاً شهيدة وسجينة ومنفية، نساء من طراز خاص تحدين إرهاب الدولة وصرخن عالياً بـ(يعيش العراق) وهن متوجهات إلى ساحة الاعدام أو حبل المشنقة، وتحملن كل عسف وألم زنزانات النظام المقبور. امراة عراقية أخفت زوجها وأبنها واخاها وحبيبها بل وجارها، عن أعين فئران الزيتوني البؤساء هذه المرأة مطلوب منها ان تكتب هذا التاريخ الحقيق للمرأة العراقية لا تاريخ اتحاد النساء وحفلات نادي الصيد! النصف الآخر تفتح هذه النافذة، لذكريات عن عراقية استشهدت اعداماً بالرصاص وقبل ذلك حملت السلاح دفاعاً عن عراق ديمقراطي.
خلف السدة الشرقية.. كان بيتها وما زال وكان عرس أحد احفادها من ابنها البكر (علي)..
أخذت ابتنها العلبة المعدنية التي كانت تستخدمها الصبايا بديلاً عن الدف وراحت تغني.
وبدلاً من ان يسود الفرح.. ساد مع إيقاع صوتها شجن عتيق. أخذ يفوح مع انفاسها وهي تقول: "آه.. يا خويه"..
كانت اغنيتها عن الأخوان، وغدر الزمان نهضت فهيمة صكر.. الأم. التي يوازنها الحزن ويشدها الأمل إلى ان تحيا نهاراً آخر.. لم تتكئ على احدى الجالسات.. ورفضت الأيادي التي امتدت لتساعدها على النهوض، واخذت ترقص.. وتلوح بيدها.. مثل مشاحيف تشق سكون الهور في الليل بهدوء.. كي لا تفزع الذكريات وتغطس بعيداً عن عينيها ولو للحظات.. لكن واثقة.. انها عادت في تلك الرقصة إلى أيام صباها.. القصب وطيور الماء ورائحة الهور... تعابيرها الجنوبية، تبوح بألم دفين، وعيناها المغمضتان، غائبتان في سفر جنوبي بعيد.. حيث (الهور)، وحيث ولدها البكر، الذي اشترك في انتفاضة الأهوار واسقط طائرة هناك.
كانت ترقص بتوازن عجيب.. حسدها عليه الحاضرون.. وكلما ينتهي مقطع الاغنية كانت تردد بهدوء (علي.. يمة) نهضت معها لأشاركها الرقص وباشارة منها لإحدى الشابات صارت تغني (والله ومحتاجك يا خي) وسرعا ما صرنا مجموعة نؤدي الدبكة الجنوبية انسحبت فهيمة بعد عدة خطوات.. وصار وجهها الجميل يلتهب احمراراً وقلبها يخفق أخذت مكانها وأكملنا نحن الخطوات.. عندها شعرت إنني أفستد عليها طقوس فرحها الحزين.
لم أقترب منها وكنت أعلم ان حديثاً وليلاً طويلاً سيجمعنا..
تفرق الجيران والأحبة وبقينا نتسامر لما تبقى من الليل، وكنت اعرف نوع الحديث الذي تحبه، وتسترسل فيه.
ولم أتعجب لمقدرتها على تحمل الاحزان التي لا تعد ولا تحصى. فهي قوية وربما كنت أظنها كذلك.. ما زحتها قائلة: "بالله عليك: ما الذي أفزعك ليلة أمس، كنت أتصور أنك تهربين من الموت وتركضين نحو الحديقة، وخلفك ابنتك تحمل المصحف، وتريد اللحاق بك لأنها اعتقدت ان مساً من الجن قد لحق بك؟" فأجابتني بين جد ومزاح: " فلانة.. لا تتكشمرين ويايه، البارحة متت إلا شوية". ولأني مسكت الخيط واردتها ان تكمل باقي القصة التي رفضت ان تحكيها لنا ليلة أمس مازحتها بما لا تحبه.. "هل رأيت ملك الموت أم ماذا؟" فأجابت: "فال الله ولا فالج" ـ "آني ما أخاف من الموت بس أريد أشوفن ولدي الثلاثة" سعدون ومهدي وكريم" "البارحة رأيتهم في الـ(طيف) ويطلبون مني الذهاب معهم".
جوابها صعق الفرح الذي كنت أمازحها به، فسألتها بجد هذه المرة:
ـ ألم تنسين بعد كل هذه السنين. الأمل مطلوب ولكن وكل الحروب انتهت وسقط (اصديم).. ولا خبر منهم. رغم ان أخاهم الأكبر وجه عدة نداءات بالصحف للاستفسار عنهم (الله جبير) وأكبر من الظالم. والصبر حلو. تعكر مزاجها.. واضطربت تعابيرها فهي لا تحب الحديث عن الصبر.. لكثرة ما تجرعت من عتمة لونه. فاستدركتني قائلة:
يا (فلانة).. أنت تعرفين ان ابني الاكبر (علي) مرض ثم توفي بسبب التعذيب وترك لي ثلاثة أيتام. وقلت لا يهم، على الأقل من (ريحة أبوهم البطل ) (وآني طلعت من حقه). وحين شارك في الانتفاضة المسلحة بالهور مع عزيز الحاج. وقبض عليه هناك وحكم عليه بالاعدام. عندها لم أترك باع إلا وطرقته. ذهبت إلى لجنة حقوق الإنسان. ونظمت مسيرة مع النسوة. واشتركت مع نساء أخريات في لقاءات عديدة مع المنظومة الاشتراكية ومسؤولين من جمهورية الجزائر الديمقراطية واليمن الديمقراطية الشعبية.
واتصلت بجماعة (محامين بلا حدود) داخل السفارات وكان مع أبني ستة شباب عبد الله شهواز زنكنة، وعقيل حبيشي من أهل الناصرية، وابو سلام الساعدي والباقي نسيت أسماءهم. وقد أطلق سراحهم بعد (معاناة).
وأتذكر بالتظاهرات كانت الشرطة تطرد النسوة بالعصي وكنت أصمد (أنا والدة عبد الله شهواز) ونتجابه معهم في بعض الأحيان)
يعني (يا فلانة) بالنتيجة سويت اللي عليّ لأبني (علي) ولكن أولادي الثلاثة لم استطع أعمل أي شيء لهم بسبب (الكبر) واجرام البعثية. الذين أخذوا أولادي الثلاثة في (1982). سعدون وعمره 17 سنة وكان طالباً في اعدادية التمريض المهني.
اخبروني باعدامه وقالوا لأخيه "تعال أخذ جلبك.. عدمناه" ومع ذلك لم يسلمونا الجثة.. واكتفوا بورقة لا أصدقها ما حييت. (ومهدي وكريم).. لم أعرف عنهما شيئاً بحثت عن الثلاثة في كل مكان ورغم بقي السنين لم تكن تهمني المسافات بين المحافظات.. التي رحت أبحث في سجونها أيضاً... وصارت اسماء الثلاثة تأكل وتشرب معي، بل صرت احادثهم كلما شعرت بالحنين إليهم، وكنت أرتاح كثيراً حين أتحدث معهم. حتى أن الناس اعتقدوا إنني جننت.
كانت الفواتح التي تقام على أرواح الشهداء في حرب إيران متنفساً لي.. كنت أبكي على راحتي.. (والضيم ضيمي، والفاتحة فاتحتي).
وحين يراودني اليأس صرت أعارك البعثيين اينما أراهم، واشتم الحكومة.. وأخفيت بعض الشباب من المطلوبين عن عيونهم.
إلا ان كل ذلك لم يطفئ النار المستعرة في قلبي.. وصار الانتظار، تسليتي، وصارت (حجارة الدرب) لعبة تحيي الأمل في روحي.. كنت أجمع عدة حصواة، وأرمي واحدة في الطريق وأرتكن عند جدار أو عند باب احد الدور، واستمع الكلام المارة وأصغي بجوارحي وكأنهم سيخبرونني بـ(المخفي)..
صارت الحجارة (حجارة الفريق) سلوتي والفرج الوحيد وحين أصغي لأحد المارة وهو يقول:
" ان شاء الله تفرج، قابل تبقه هيجي" كنت أفرح.. وأدخل الدار وكلي نشاط وأرغب في الكلام مع الصغار والكبار واريد ان أتناول الطعام.. وأشعر بطعمه، بعد أن صار الأكل بالنسبة لي بلا طعم، ولا نكهة... وحتى الماء.. صرت أختنق به.
أما اليوم الذي أمسكوا فيه (اصديم) ورأيته مثل (الكنفذ) الميت. عنده اشواك، لاجن ما تنفع اشواكه) ادهشتني مقارنتها. فسألتها:
ـ ماذا فعلت في ذلك اليوم.. حين رأيت (طاغوت وكابوس العراق مثل القنفذ الميت؟!)..
ـ (خالة اتمرضت).. وانسحبت من صدرها حسرة طويلة فعرفت على الفور ماذا تريد أن تقول.
ـ ها! أم عزيز أحجي..
ـ (ولج يمه).. علي وسعدون وكريم ومهدي (راحو جوه التراب) بس المصيبة المجرم الذي اكل شبابهم وشباب الآلاف مثلهم، يخافون عليه (الأمريكان... ويدارون حتى سنونه، ومحاوطينه محاوط. وأخاف يهربونه ويكولون عليه مات!).
ـ اجبتها انا هذه المرة وبمزاج متعكر
ـ "فهيمة، فال الله ولا فالج"
بعد عدة نداءات كانت تعنون (مناشدة الضمير الإنساني) للبحث عن أولاد فهيمة الثلاثة، من قبل أخيهم الأكبر عبد العزيز حسين أبو يحيى.
اتصل بهم احد الأشخاص. بعد ان عثر على وثيقة في ملف صادرة من مديرية أمن محافظة بغداد. تثبت اعدام أخوته مع مجموعة من شموع العراق التي بذلت ارواحها الغالية من أجل أن ترى اليوم الذي رأيناه نحن يوم سقوط الطاغية (اصديم) بلغة فهيمة صكر
|