المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

قراءة في مذكرات مختلفة 2-4

قاسم عبد الامير عجام
هكذا إذن، ان طفولة سعيدة آمنة، في وطن جميل مترع بالحب إذ أثمرت نفوراً من التعصب وتمسكاً بالتسامح فانها هيأت وجداناً متفتحاً لاستقبال الزاد المعرفي والتعامل مع الواقع وحقائقه دون عقد او مواقف مسبقة، وهيأت مهاداً مناسباً لروح البحث العلمي ونشوء باحث لاتأخذه في الحق لومة لائم... وما ذلك الرد على (المصباح) الا ممارسة مبكرة لقول الحقيقة والرد على مايراه انحرافاً.
وانك لتحس بان تلك الروح تنمو مع نموه العمري.
فاذ يتيح له موقع والده الاداري الاطلاع على العلاقات الزراعية، ورموزها فانه يرصد ملامحها دونما تأثر بمكانة والده فيسجل على النظام الاقطاعي:
-قسوة الجندرمة على الفلاحين.
-تخويل الملاكين سلطات الادارة، بل وتزويدهم بافراد من الجندرمة يمارسون قسوتهم خدمة لمصالح الملاك.
-عدم تدخل الحكومة بتقسيم الحاصل وانما تتركه للملاكين ووكلائهم بما في ذلك تخمين حصة الحكومة ذاتها.
-عدم استطاعة الفلاح الاتصال بالسلطات الا عن طريق الملاك!ص112.
وإذ تتيح له تربيته المتفتحة تلك حرية التنقل في ربوع مدينته وضواحيها وآثارها التاريخية متنقلاً بين آثار بابل وآثار كيش فلتغرس فيه حب البحث التاريخي، الى جانب التعلق بالوطن نفسه وتعميق جذوره في تاريخه.
وهكذا رأيناه يتذوق طبيعة بلدته/وطنه ويقبل على الحياة محباً لها محباً لاكتشاف حقائقها متحمساً لتجديدها في الوطن مستمداً من تاريخه العريق العزم والحماس للتقدم، وصلاً للحاضر بالماضي، وهو ماحكم كل خطاه اللاحقة فيما بعد.
ان نفوره من قسوة الجندرمة وسيطرة الملاكين وتذوقه المعالم الطبيعية اولى الملامح التي تكاملت مع غيرها مما سنقف عنده لتشير الى رقة احمد سوسة وحبه للجمال ودفء الحياة الهادئة.(1)
وهكذا يكون متوقعاً او منسجماً مع هذا التكون ان يجد في استشهاد أبناء الحلة في ثورة العشرين وبسالة صمودهم بوجه القوات الانكليزية الغازية دفاعاً عن ذلك الامان والهدوء اللذين ينعم بهما وأسرته (فكانت أخبار النصر تقابل بسرور عظيم وفرح عميق. وكم كان سرورنا حين جيء بالاسرى الانكليز وكلهم في سن الشباب فاحتجزوا في بلدة الكفل وعني بهم أحسن عناية، وقد زاد انتصار الثورة في اضرام الحماس وانطلاق النفوس في سبيل تحقيق الاماني الوطنية) ص118
3-التحصيل العلمي والخدمة الوطنية:-
ماذكرناه عوامل أساسية لان يربط بين التحصيل العلمي وبين الخدمة الوطنية وان يقبل على الدراسة بحماس، واننا نستطيع تلمس ذلك الحماس عبر شوطه الحياتي كله، ونلمسه ابتداء من خلال كلماته التي ألقاها في اجتماعات الجمعية العراقية بالجامعة الاميركية عامي 1924 و 1925 ومشاركاته في المباراة الخطابية التي اقامتها الجامعة (ص138-152) غير أنه ليس حماساً عاطفياً مجرداً وانما هو حماس لاغتراف العلم والحث عليه وربطه بالمهام الوطنية إذ يقول (ماأشد حاجتنا الى التجدد فيها (في اقتصاديات البلاد) وماأشد حاجتنا الى ثورة صناعية تذهب باسباب التخلف نبني عليها معامل تديرها شركات وطنية يعضدها روح وطني واخلاص قومي)ص142.
ويلاحظ ان احمد سوسة في تلك الخطب قد استثمر صيغ النداء موجهاً كلامه للمستمعين، وصيغ الاستفهام وأفعال الامر تعبيراً عن ذلك الحماس وسعياً لاشراك المتلقي في الخطاب وتعميقاً لما فيه من دعوة... فضلاً عن استثماره لابيات شعرية تناسب المقام. ناهيك عن انه سعى لاشباع موضوعاتها نقاشاً وتقليباً للفكرة كخطبته عن التضحية... إذ نجد في خطبه تلك استشهاداً بوقائع تاريخية او شخصيات او عرضاً لملاحظات واقعية مما يشير الى متابعته الثقافية ووصله المحلي بالعالمي.. وفي كل تلك الخطب والتحرك الجامعي، ينال التحصيل العلمي وربطه بخدمة الوطن اهتماماً فائقاً.
هذا الذي أسمينها حماساً معرفياً وتلمسنا بداياته في بدء دراسته في جامعة بيروت الامريكية، كان القاعدة التي استند اليها سعيه وتحصيله الجامعي في اميركا، وكان من تجلياته استثماره للدورات الصيفية اختصاراً للزمن وتنقله بين اكثر من جامعة امريكية، إذ درس في سبع جامعات امريكية حصل منها على ثلاث شهادات علمية.. فهو دكتور في الهندسة المدنية متخصصاً بالري وماجستير ثم دكتور بالقانون الدولي مختصاً بالانظمة الدولية الخاصة بالانهر المشتركة بين الدول.
ويعزز مانذهب اليه من وعي الرجل لارتباط التحصيل العلمي بالمهام الوطنية اختياره لتخصصه، فقد اختار التخصص بالري لمعرفته باهميته لبلد زراعي كالعراق، ولارتباط حضاراته الكبرى بالزراعة والري، وإذ اختار تخصصه في القانون الدولي ونظم العلاقات الدولية المتعلقة بالانهار، فلأن انهار العراق الكبرى ذات منابع خارجية في تركيا وايران وتمر فيهما وفي سوريا.
ويعززه أيضاً تأكيده على ان دراساته تلك مجرد وسيلة لتحقيق هدف هو المساهمة (مع العاملين في اصلاح شؤوننا واعلاء شأن عراقنا الحبيب) ص189.
4-يقظته العقلية: لعل ابرز معالم هذه اليقظه عدم انبهار احمد سوسه بالمجتمع الامريكي بالرغم من الفارق بين محيطه المحلي وبين ذلك المجتمع المتمدن.
بل ان رؤيته النقدية للعديد من ملامح هذا المجتمع تؤكد رسوخ المعيار العلمي في نظره الى الظواهر مع بقاء مرجعية الهدف... فهذه مدينة الغرب كما يقول:
(رأيت فيها غروراً جنسياً (ويقصد عنصرياً) يعزل فيها الابيض عن الاسود والغربي من الشرقي وماكنت عرفت في وطني غير المساواة) ص189 (رأيت ناطحات السحاب وسواد الجو يعمي الابصار. رأيت الناس تركض ومراميها التمويل. رأيت القوي يستعبد الضعيف. رأيت غاصباً ومغتصباً ظالماً ومظلوماً، غنياً يتباهى بمنتوج مدنيته الحديثة وفقيراً يتضور جوعاً ومااكثر مشاكل المدنية الحديثة القائمة على المادة)ص189. ولاشك في ان النجاة من الانبهار بذلك المجتع، في تلك الفترة خاصة، مقياس دقيق كما نزعم لقوة الشخصية ووضوح الرؤية.
ولعل هذه القوة هي التي تفسر لنا معالجته لعلاقته مع المرأة في ذلك المجتمع، وهي المعالجة التي اجتمع فيها تطلعه الثقافي ومرجعياته الاخلاقية التي اكتسبها في وطنه... ولذا كان يحسم في الوقت المناسب ويضحي في الوقت المناسب ليبقى الوطن حاضراً في الوجدان والاختيار، وهو مارأيناه في الفقرة (7) من الباب الثالث المخصص لدراسته في امريكا والتي عنونها بمغامرات غرامية (ص ص191-215).
5-منجزه المعرفي
ولقد تجلت قوة الشخصية اكثر ماتجلت في شخص احمد سوسه من خلال منجزه المعرفي باحثاً ومناقشاً.. ومن هنا ندخل في الجانب المعرفي من شخصيته، ولا تزال مذكراته دليلنا ومرجعنا غير ان استنادنا اليها لايمنعنا من استحضار شخصية الباحث الذي عرفناه لنقول ان حماسه وقوة شخصيته قاداه الى التفوق الدراسي وقاده هذا الى النجاح العلمي فنياً وادارياً، واغتنى نجاحه هذا مستنداً الى حس بالمسؤولية الوطنية، بالجهد البحثي وماأثمره من اكتشافات وتوصلات.
وكل اولئك جعلت النهج المعرفي وروح البحث العلمي بعضاً من سجايا احمد سوسه الثقافية والشخصية أيضاً، حتى اذا جلس وهو في شيخوخته يستعرض شوطه الحياتي ويستحضر منه محطاته البارزة، حضر معه الخزين المعرفي الذي صار له فتدفق بأسلوب البحث العلمي وطرائقه فتداخل مع الذكريات وسرد السيرة الشخصية، بل وغلب عليها في أغلب متن هذه المذكرات.
وبهذا نحن الان على التخوم الواقعة بين سمات الباحث كاتب المذكرات وسمات المذكرات المعرفية وهو محور دراستنا الثاني.
واولى سمات الباحث احمد سوسه وأبرزها انه مضى الى البحث العلمي في المجالات التي درسها انطلاقا من محفز شخصي مما جعل بحثه او منجزه المعرفي يعبر عن الذات والموضوع معاً، انه في منجزه المعرفي يحقق ذاته صعداً في كل بابٍ بحث فيه انطلاقاً من مكونات شخصيته.
فهو ينص في هذه السيرة على ان ثلاث قضايا خطيرة شغلته في صباه وفتوته، وقد أثمرت كل منها عن منجزله عما كان لها من أثر في بناء شخصيته الثقافية وهي حسبما يوردها:
هامش:
1-تحدثت ابنته الدكتورة عالية احمد سوسه في الجلسة الاولى للحلقة الدراسية الخاصة به قبل تقديم هذا البحث فتوقفت عند رقته وصور مما رأته فيه اباً ورب اسرة.


سعفه كلام .. دندنة في (مسطر البنائين)

سلمان داود محمد
ياأنت
كم من
ساحة للشهداء- يلزمني في الوصول الى بابك المعظم-...
كم من بتولات وزرقاوات يمام وعرائس
يطلبن المراد من عصفورك الذهبي
رأفة بالسايلوت-... لكن ألسنة المشاعل ترطن بالحقول...
كم من زوارق خذلتها في (شارع النهر)
ومامن غريق سواي في بحر القصيدة..
لأني بلا أنت
الشمسية تنضح صيفاً ورصاصات
ومعطفي المطري يبحث عن غيوم..
لا هارون لي في (شارع الرشيد)
ولا فجر لحياتي في (مسطر البنائين).
أعزل مثل حداثق منزلية في خارطة المهندس
أهدر مهجة الياسمين على شذاك
أغني الجدران
واكتب الهواء
لعل القلب يفقد الذاكرة ويغفو...
من اجل خطاك
نذرت أعوامي للتراب
فما زالت (أم قصر) تعد البواخر فطوراً للشواطئ
و (بابا كركر) يهتف بالضائعين:- من هنا بغداد
ما زلت الولد البكر عند اصطفاف الناس مع البلد
والفرات الأوسط للعطشانين في نينوى
صرت للبصرة أربيلاً
وللديوانية زاخو
وللعالم درساً في الاقحوان
أحرض كربلاءاتي على السرور
أنثر سمسم الأعظمية لحمائم النجف المبجل
وارسم ابتهالك بالحناء على كنيسة...،
فيا بوصلتي في العثور علي
ومشكاة على ضريح الكهرباء تتلو المصابيح
مازلت أعانق ظلك في خريف المواقد
لكي تعتاش على التماعي سلالات من الفراشات
ومازالت سبابة الشوك على زناد السفرجل
لكي تاخذ السواقي بيد الفخاخ الى أوزاتك
أوزاتك التي ستسبح سهواً في الجحيم
الجحيم الذي لن يكف عن ملازمتي
حتى تكف السماء عن المروحيات
وتتوب الدروب عن كتل مقنفذة...
لابأس على فضائك من انفلونزا طيور الـ(
King Black)
فلا تنشغلي بشأن كهذا
بل حدقي في المرآة فقط
سترين الحل ودموعي
أزرار في قميصك.....


(ليلى والقرد) لسعد هادي .. البنيات التشكيلية في السرد الروائي

كاظم الجماسي

بعد مجموعتين قصصيتين مفترقتين بتواصف التجربة الفنية وكذا بفارق زمني عمره اربعة عشر عاماً ما بين مجموعة (طبيعة صامتة) 1990، والاسلاف في مكان ما 2004 تأتي رواية سعد هادي (ليلى والقرد) لتشكل حلقة لها اهميتها في سلسلة منجزات عراقية على صعيد الرواية تنهض مؤخراً بنفس جديد يحمل اشتراطات ابداعية وتاريخية افرزتها التجربة السياسية ومن ثم الاجتماعية العراقية المريرة من مثل (موت الاب) لاحمد خلف و(صخب ونساء وكاتب مغمور) لعلي بدر، و (نود) لاحمد سعداوي، و(غايب) لبتول الخضيري وغيرهم، ثم تأتي (ليلى والقرد) ايضاً لتضيف آليات سردية جديدة في اسلوب سعد هادي ولتضفي ايضاً ابعاد اجمالية اخرى الى مجمل تجربته الابداعية .
في (ليلى والقرد) نوضع منذ البدء في اشكالية الانفصال عن المكان المؤدي حتماً وبالضرورة الى الانفصال عن الزمان ومن ثم الانفصال الوجودي المتجسد في حالة الاغتراب فالشخصية الساردة تبدأ رحلة الرواية متزامنة مع رحلة الراوي لدراسة الرسم في ايطاليا فنجد أنفسنا بغتة في حافلة متجهة الى اسطنبول تحمل نماذج بشرية متعددة المستويات والثقافات ونلتقي أول مرة مع (موسى) الشخصية المحورية في الرواية تلك الشخصية التي تتضح قسماتها كلما مضيئاً قدما في تقليب صفحات الأحداث لتبدو دائماً بهية متسول أو صعلوك متجولاً حاملاً (كيس اسراره) دائماً على كتفه مدوناً فيه معادلات وارقام ووجهات نظر في الحضارة والشرق والغرب والانثى والوجود والتاريخ وكل شيء ويضعنا السارد في ايهام اساسي يكمن في كوننا جميعاً نعرف (موسى) وهو يعرفنا وهذا لا يشمل ابناء جلدته من العراقيين فحسب بل حتى الطليان والأتراك والمغاربة.
وذلك يحيلنا الى اعتبار شخصية (موسى) معادلاً روائياً كشخصية الراوي العليم مضافاً اليها سمة نشترك فيها واياه في كونه معلوماً لدينا ايضاً فيسمى بذلك راوياً عليماً ومعلوماً.
تنبئنا الأحداث عن (فوزية) رمز الانثى المستلبة تحت ضغط معيشي هائل لا يطاق في بلد تنهكه عضات غيلان العسف ومردة الجوع لتهرب أو تباع كرقيق ابيض- غير مختارة في الأحوال جميعها وهي على الرغم من ذلك كله تظل في خانة الاتهام كونها صاحبة الخطيئة الأولى والمحرك الدائم للغواية.
(... وضحكنا قد تكون فوزية بلا عمر وقد يكون عمرها بضعة قرون قد تكون فكرة اخترعها خيالي وقد تكون شبحاً ولد الآن ولكن لم يكن أمامي سوى ان اتبعها وهي تمضي حاملة حقيبتها المحشوة برؤوس الرجال). ص29.
ولا تمهلنا الأحداث وقتاً مناسباً لإنضاج صورة انثى واقعية حية يمكن لها ان تنشأ وتنمو وتعيش فيما بعد في وجداننا اذ اننا وفي خضم الأحداث نظل نتلقى شذرات من أشعة يبثها الراوي مشتتة متفرقة فبعد الوصف المبتسر لشخصية (فوزية)، نمر سراعاً بـ (المومسات) و(ماري) العجوز ثم (فريدة) عشيقة (موسى) تليها وقفة مناسبة امام شخصية (فاطمة بن عمار) ولكن في الجميع ما بين (النتف) من شخصيات الموما اليهن يمكن استخلاص صورة حواء المدنسة بفعل الاسلبة التاريخية- الاجتماعية للأنثى ووجهها الذي نكون معنيين به هو (ترى هل بامكاني ان اصف جمالها؟ فأتحدث عن عينيها السوداوين الكبيرتين المقتطعتين من ليل عميق بلا بداية ولا نهاية او أتحدث عن بشرتها الشهية او عن انفها الدقيق الشبيه بقطعة نقية من البلور او شفتيها المترعتين بسائل قرمزي يجمع اللذة والبراءة والقسوة والحزن ...) ص111 وما تلبث فاطمة بنت عمار ان تفارقنا من دون ان تترك اثراً دالاً عليها سوى قطعة منها تصنع مع قطع اخرى (كولاج) صورة او فكرة الانثى مترشحة عن وقائع السرد قطعة اثر اخرى وفقاً لمقتضياته ليصل بنا اخيراً الى الطفلة (ليلى) المريضة والتي سيكون لها شأن في الخاتمة .
يمتاز الوصف في (ليلى والقرد) بكونه تشكيلاً حقيقياً بالكلمات، فهو لا ينقل الينا واقعاً صلداً قائماً بمعزل عن عيني الرائي بل ينقل لنا ما تراه عيونه هو وهي وبالتالي تمسك بفرشاة رسام تنمح مشتملات الواقع الوانها وخطواتها الخاصة بمنظور تشكيلي ميتا واقعي : (بدا الطريق امامنا مثل رقائق متصلة من الطين الاصطناعي متعرجاً مع مساحات وخطوط ورقائق من الوان اخرى ..) ص10 .
واذا ما تبينا ان الراوي في رحلة مبتغاه تعلم فن الرسم فان من المنطقي التوقع ان السرد في (ليلى والقرد) سيتكون من تفاعلات عديدة لبنيات تشكيلية توزعت آليلات السرد في الوصف وتنامي الحدث ورسم الشخصية وادارة دفة الحوار والمزج بين الحلمية
الكابوسية والتذكر وصلادة الواقع وخشونته وغيرها مما يدعم بعضه البعض في تشكيل يبدو فيه وسطه متشظياً لا يقومه قائم او رابط فيما هو في العمق منه متضامن في الدلالة ناسجاً من خيوط السرد آلياته قماشة متناغمة مع ذاتها لبانوراوما حياة الشخصية المحورية (موسى) التي يصوغ تفاصيلها الراوي مقدماً إياها بوصفها انموذجاً لجيل هجين بائس متوحد مغترب مهزوم من الداخل اولاً بفعل هزائم تاريخية ومكابدات ومحن شديدة البأس والوطأة عانى منها واستنزفته كرامته وكبرياءه وإنسانيته (هكذا تنهار احلامنا يا موسى ثم تتمزق تحت حوافر الخيول ولا نعرف من اين اتت ولا الى اين تمضي، احلام يشبه كل حلم منها ورقة مجعدة مبللة بالدموع على مائدة فوقها كؤوس فارغة وبقايا طعام) ص78 .
انه ضحية استلاب مضاعف تدعمه قوة ظلامية غاشمة اناخت ردحاً طويلاً من الزمن على انفاسه غير انه وبالرغم من ضخامة فاجعته تلك ظل جيلاً متمردا رافضاً للقياد منتمياً لرؤاه واحلامه.. ) (.. ثم جاءت ثورة العشرين لتوقظني من حلمي خلعت عمامتي وانخرطت مع الجموع لماذا ؟ لانني اكتشفت فجأة ما ابحث عنه وضعت في بحر من العمائم والطرابيش والكوفيات وانخرطت بكل حواسي وغرائزي وعواطفي الى ان فشلت الثورة وتحول ما بعدها الى كابوس طويل .. ) ص49.
ان اقتطاع لحظة تاريخية
كثورة العشرين ووضعها كمفصل في تاريخ شخصي بغية انضاج صورة جيل (موسى) وهو ما يتكرر لاحقاً ان فعل ذلك وبهذه الطريقة الانسيابية يعد تقدماً في آليات السرد يحسب للكاتب فهنا ونؤكد مرة اخرى على التشكيل نستخلص فكرتين جمعتا في كولاج مصغر، الاولى ان لشعب ثورة العشرين قدرة التمرد وعدم الرضوخ كما هي لجيل موسى المتمرد، والفكرة الاخرى الفشل الذي تلاه كابوس طويل تاريخياً واجتماعياً كما اصيب جيل (موسى) بالضياع والعدمية غير ان ما ظل يؤكده (موسى) هو كتابة ذلك التاريخ بالتفصيل وهو ما يجعله يشعر بتحقيق كينونته الانطولوجية بالضبط .. (صمت فجأة وسألني وهو يحدق في الاوراق امامي: هل كتبت كل شيء؟ قلت: نعم، - اكتب ايضاً انني عملت في تلك الايام معلما ودلالاً وكاتباً للعرائض ونادلاً في مقهى يرتاده القوادون واللوطيون والسكارى لا تعتبرني بذيئاً اريد ان اروي كل شيء أريد ان أعلقه مثل تميمة في رقبة التاريخ اكتب فقط: انت الشاهد الوحيد اكتب واشرب اكمل كأسك الان هل بقي شيئ فيه ؟ ..) ص49.
يقر المقام الاخير بـموسى في طنجة فحيح الشرق مقترناً بلدونة الغرب متجسداً في مدينة تشبه الى حد بعيد (انثى مكتملة الانوثة)، يقضي فيها موسى نهارات طويلة من السأم والاحساس البالغ باللاجدوى يظهر ويختفي باقنعة متعددة يتبادلها مع الزمن هارباً منه لائذاً دائماً في دهاليز روحه الجريحة فلا الخدر المستحصل من معاقرة الخمر ولا التنقل واللائب والدائب في المكان ولا اللذة الحسية المستحصلة من مفاتن النساء كلها اقنعة زائفة .
لا تمنحه العزاء الكافي لان يحقق السكينه الروحية والطمأنينة العقلية.
انه قدر تغلي باحثة عن خلاص ساعية لتحقيقه مستعينة باللغة صاحبة السطوة الكلية في الخلق (.. قلت لنفسي: ان بأمكاني انا ايضا ان اصنع عالمي بلغة يعود اصلها الى لغة فريدة معجونة بالالم والمرارة وعذابات السنين التي ذهبت الى الماضي ماضي الكلمات بلا عودة ولكن هل الزمان وحده قد مر ام ان اللغة قد امتطته واقتادته الى الظلمات ؟ ..) .
ان دفاتر موسى هي معينه وموضع أسراره يستمد منها ما ينير له الدرب جزئياً فيما يرفدها موسى بخطط ومشاريع لا احد يعرف حيثياتها او غاياتها يحتفظ بها بعيداً ودائماً عن اعين الفضوليين مودعاً اياها تنهداته وشجونه ونزيف اغترابه وفي لحظة قررتها الدفاتر ليعلن للجميع انه سيرحل الى الشمال ويختفي بعد ذلك مباشرة فيحتار في امره الراوي ويظل يبحث بدأب عنه فلا يعثر على اثر له مما يثقل على نفسه لا سيما انه اعتاد على الاستماع الى هذيانه وهرطقاته وغدا بالنسبة له زاهده الروحي الذي لا يمكنه الاستغناء عنه .. فيبلغ السأم منه مبلغه ويقول في نوبة هذيان (.. اتخيل ان بمقدوري اخراج دماغي لخمس دقائق هي الوقت المعقول الذي لا تموت فيه كل خلاياه فاعتصره باصابعي حتى تسيل من مساماته الاخيلة المريضة ومخلفات الكحول والنيكوتين والعادة السرية والمضاجعات العابرة والضغائن والهرطقات والاحقاد والاكاذيب والنزوات ثم اعتصره مرات ومرات حتى يقيء كل ما يختزنه واغسله بالصابون والمطهرات وانشفه جيداً واعيده نقياً الى رأسي ثم اعيد لصق جمجمتي بالغراء) ص79.
يقترن حادث اختفاء موسى باختفاء الطفلة (ليلى) ولا احد يعلم لم اصطحبها معه وذات مساء وبعد ان يخون الراوي صديقه (موسى) بممارسة الجنس مع عشيقته (فريدة) يكتشفان ان مفتاح الشقة العلوية مفقود وحين يقتربان من بابها المغلق يسمعان صوت نحيب واستغاثة تكتشف (فريدة) انه صوت الطفلة (ليلى) فيكسران الباب ويدخلان الى ظلام دامس يخلصان الطفلة ليلى ويرتبان المكان ويتصلان بالشرطة لتأتي وتحمل جثة (موسى) خارجاً فيما تركت بعض الخدوش والكدمات على جسد (ليلى) .
ويقول موسى في رسالة لم يرسلها الى الراوي : (ليلى هي السر الاخطر في مشروعي
جملة اعتراضية : لانفذ ما في رأسي واحقق حلمي الابدي، الاشياء الاخرى اما كلمات او ماء او تراب لن اكون امام ليلى كالذئب الذي يفترس بل سأكون كالقرد الذي يلعب، دوري سيكون طريفاً وسأخفي وجهي خلف قناع لم يكلفها ذلك سوى بضع قطرات من الدم ولحظات وجيزة من الخوف هي أملي هل الطفولة الا الأمل؟
ستكون هي انثاي الحقيقية ومبدأ الوجود الاول ومن برعم أنوثتها سأصنع مثال الجمال الابدي.) ص125- 126.
ان بحثاً عن خلاص ما ينبغي له ان يعي سلفاً ان الكوارث الدموية المتخلفة عن المعضلة الكبرى- معضلة الوجود يستلزم الخلاص منها ايضاً اسالة دم من اجل جدارة الحصول عليه وموسى هنا يجمع ما يبين في رسالته تلك ثلاث رزم من جرائد قديمة وأكياس من الطين والرمل من شواطئ طنجة وقنان من ماء سواحل الاطلسي ليقيم تمثالاً مكوناً من اللغة والتراب والماء ثم ليبث فيه الحياة فيعمده بدم بكارة طفولة مؤنثة كما يحصل على (بجماليون) خاصة به، فيتم له المراد ويتحقق الخلاص في مثال الجمال الابدي ويقول موسى (واذا كنت سأؤلف تمثالاً من طين وورق وماء فاين سأرفع عقيرتي منادياً الاعمى دليلي في محنتي في صرخة تتردد في ازقة المدن التي بادت ويعيدها الصدى الى اسماع الاندلسيات المرحات: يابن سيده .. خذ بيدي اقتطفني كالثمرة ساعدني في بلوغ اربي، انقذني وان كنت لا تصغي الي ولا تريد ذلك فسأذكرك بقول لك تصف به سيدك: واراني كيف املك الحقيقة ومن أي مكان اسلك متان الطريقة فاطعت واضعت واجبت كل ما اردت فاعلقت واقلعت.) ص133.
ان طالب الرسم الذي ابتدأ الرحلة مقترناً بـ(موسى) قفل عائداً بجثة (موسى) معلناً عن موت جيل مني بهزيمة فادحة محقته واحالته مسخاً اشوه وبددت احلامه واذرتها في انحاء الارض جميعاً.
لقد منحتنا (ليلى اولقرد) متعة غوص مفيدة وجميلة في تلافيف وعي جيل باكمله فضلاً عن تبديدها كلوحة عريضة من كولاجات متعددة بلا نهايات او اطر قسرية وينبغي لنا ايضأ الاشادة بلغتها السلسة الطيعة الموحية الى حد ما غير اننا ايضاً يجدر بنا ان نشير الى خلل واضح الى رمز الشخصيات باستثناء شخصية (موسى) اذ باتت كل الشخصيات الاخرى مجرد ظلالٍ واهنة ولم يتم تبنيها كيما تنشأ وتنمو كما هو مفترض في جنس ادبي كالرواية .
(ليلى والقرد) رواية- سعد هادي
منشورات نينوى / 2005
(143) ص من القطع المتوسط

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة