|
(ليلى والقرد) لسعد هادي ..
البنيات التشكيلية في السرد الروائي
كاظم الجماسي
بعد مجموعتين قصصيتين مفترقتين بتواصف التجربة الفنية وكذا بفارق زمني عمره اربعة عشر عاماً ما بين مجموعة (طبيعة صامتة) 1990، والاسلاف في مكان ما 2004 تأتي رواية سعد هادي (ليلى والقرد) لتشكل حلقة لها اهميتها في سلسلة منجزات عراقية على صعيد الرواية تنهض مؤخراً بنفس جديد يحمل اشتراطات ابداعية وتاريخية افرزتها التجربة السياسية ومن ثم الاجتماعية العراقية المريرة من مثل (موت الاب) لاحمد خلف و(صخب ونساء وكاتب مغمور) لعلي بدر، و (نود) لاحمد سعداوي، و(غايب) لبتول الخضيري وغيرهم، ثم تأتي (ليلى والقرد) ايضاً لتضيف آليات سردية جديدة في اسلوب سعد هادي ولتضفي ايضاً ابعاد اجمالية اخرى الى مجمل تجربته الابداعية .
في (ليلى والقرد) نوضع منذ البدء في اشكالية الانفصال عن المكان المؤدي حتماً وبالضرورة الى الانفصال عن الزمان ومن ثم الانفصال الوجودي المتجسد في حالة الاغتراب فالشخصية الساردة تبدأ رحلة الرواية متزامنة مع رحلة الراوي لدراسة الرسم في ايطاليا فنجد أنفسنا بغتة في حافلة متجهة الى اسطنبول تحمل نماذج بشرية متعددة المستويات والثقافات ونلتقي أول مرة مع (موسى) الشخصية المحورية في الرواية تلك الشخصية التي تتضح قسماتها كلما مضيئاً قدما في تقليب صفحات الأحداث لتبدو دائماً بهية متسول أو صعلوك متجولاً حاملاً (كيس اسراره) دائماً على كتفه مدوناً فيه معادلات وارقام ووجهات نظر في الحضارة والشرق والغرب والانثى والوجود والتاريخ وكل شيء ويضعنا السارد في ايهام اساسي يكمن في كوننا جميعاً نعرف (موسى) وهو يعرفنا وهذا لا يشمل ابناء جلدته من العراقيين فحسب بل حتى الطليان والأتراك والمغاربة.
وذلك يحيلنا الى اعتبار شخصية (موسى) معادلاً روائياً كشخصية الراوي العليم مضافاً اليها سمة نشترك فيها واياه في كونه معلوماً لدينا ايضاً فيسمى بذلك راوياً عليماً ومعلوماً.
تنبئنا الأحداث عن (فوزية) رمز الانثى المستلبة تحت ضغط معيشي هائل لا يطاق في بلد تنهكه عضات غيلان العسف ومردة الجوع لتهرب أو تباع كرقيق ابيض- غير مختارة في الأحوال جميعها وهي على الرغم من ذلك كله تظل في خانة الاتهام كونها صاحبة الخطيئة الأولى والمحرك الدائم للغواية.
(... وضحكنا قد تكون فوزية بلا عمر وقد يكون عمرها بضعة قرون قد تكون فكرة اخترعها خيالي وقد تكون شبحاً ولد الآن ولكن لم يكن أمامي سوى ان اتبعها وهي تمضي حاملة حقيبتها المحشوة برؤوس الرجال). ص29.
ولا تمهلنا الأحداث وقتاً مناسباً لإنضاج صورة انثى واقعية حية يمكن لها ان تنشأ وتنمو وتعيش فيما بعد في وجداننا اذ اننا وفي خضم الأحداث نظل نتلقى شذرات من أشعة يبثها الراوي مشتتة متفرقة فبعد الوصف المبتسر لشخصية (فوزية)، نمر سراعاً بـ (المومسات) و(ماري) العجوز ثم (فريدة) عشيقة (موسى) تليها وقفة مناسبة امام شخصية (فاطمة بن عمار) ولكن في الجميع ما بين (النتف) من شخصيات الموما اليهن يمكن استخلاص صورة حواء المدنسة بفعل الاسلبة التاريخية- الاجتماعية للأنثى ووجهها الذي نكون معنيين به هو (ترى هل بامكاني ان اصف جمالها؟ فأتحدث عن عينيها السوداوين الكبيرتين المقتطعتين من ليل عميق بلا بداية ولا نهاية او أتحدث عن بشرتها الشهية او عن انفها الدقيق الشبيه بقطعة نقية من البلور او شفتيها المترعتين بسائل قرمزي يجمع اللذة والبراءة والقسوة والحزن ...) ص111 وما تلبث فاطمة بنت عمار ان تفارقنا من دون ان تترك اثراً دالاً عليها سوى قطعة منها تصنع مع قطع اخرى (كولاج) صورة او فكرة الانثى مترشحة عن وقائع السرد قطعة اثر اخرى وفقاً لمقتضياته ليصل بنا اخيراً الى الطفلة (ليلى) المريضة والتي سيكون لها شأن في الخاتمة .
يمتاز الوصف في (ليلى والقرد) بكونه تشكيلاً حقيقياً بالكلمات، فهو لا ينقل الينا واقعاً صلداً قائماً بمعزل عن عيني الرائي بل ينقل لنا ما تراه عيونه هو وهي وبالتالي تمسك بفرشاة رسام تنمح مشتملات الواقع الوانها وخطواتها الخاصة بمنظور تشكيلي ميتا واقعي : (بدا الطريق امامنا مثل رقائق متصلة من الطين الاصطناعي متعرجاً مع مساحات وخطوط ورقائق من الوان اخرى ..) ص10 .
واذا ما تبينا ان الراوي في رحلة مبتغاه تعلم فن الرسم فان من المنطقي التوقع ان السرد في (ليلى والقرد) سيتكون من تفاعلات عديدة لبنيات تشكيلية توزعت آليلات السرد في الوصف وتنامي الحدث ورسم الشخصية وادارة دفة الحوار والمزج بين الحلمية – الكابوسية والتذكر وصلادة الواقع وخشونته وغيرها مما يدعم بعضه البعض في تشكيل يبدو فيه وسطه متشظياً لا يقومه قائم او رابط فيما هو في العمق منه متضامن في الدلالة ناسجاً من خيوط السرد – آلياته – قماشة متناغمة مع ذاتها لبانوراوما حياة الشخصية المحورية (موسى) التي يصوغ تفاصيلها الراوي مقدماً إياها بوصفها انموذجاً لجيل هجين بائس متوحد مغترب مهزوم من الداخل اولاً بفعل هزائم تاريخية ومكابدات ومحن شديدة البأس والوطأة عانى منها واستنزفته كرامته وكبرياءه وإنسانيته (هكذا تنهار احلامنا يا موسى ثم تتمزق تحت حوافر الخيول ولا نعرف من اين اتت ولا الى اين تمضي، احلام يشبه كل حلم منها ورقة مجعدة مبللة بالدموع على مائدة فوقها كؤوس فارغة وبقايا طعام) ص78 .
انه ضحية استلاب مضاعف تدعمه قوة ظلامية غاشمة اناخت ردحاً طويلاً من الزمن على انفاسه غير انه وبالرغم من ضخامة فاجعته تلك ظل جيلاً متمردا رافضاً للقياد منتمياً لرؤاه واحلامه.. ) (.. ثم جاءت ثورة العشرين لتوقظني من حلمي خلعت عمامتي وانخرطت مع الجموع لماذا ؟ لانني اكتشفت فجأة ما ابحث عنه وضعت في بحر من العمائم والطرابيش والكوفيات وانخرطت بكل حواسي وغرائزي وعواطفي الى ان فشلت الثورة وتحول ما بعدها الى كابوس طويل .. ) ص49.
ان اقتطاع لحظة تاريخية – كثورة العشرين – ووضعها كمفصل في تاريخ شخصي بغية انضاج صورة جيل (موسى) وهو ما يتكرر لاحقاً ان فعل ذلك وبهذه الطريقة الانسيابية يعد تقدماً في آليات السرد يحسب للكاتب فهنا ونؤكد مرة اخرى على التشكيل – نستخلص فكرتين جمعتا في كولاج مصغر، الاولى ان لشعب ثورة العشرين قدرة التمرد وعدم الرضوخ كما هي لجيل موسى المتمرد، والفكرة الاخرى الفشل الذي تلاه كابوس طويل تاريخياً واجتماعياً كما اصيب جيل (موسى) بالضياع والعدمية غير ان ما ظل يؤكده (موسى) هو كتابة ذلك التاريخ بالتفصيل وهو ما يجعله يشعر بتحقيق كينونته الانطولوجية بالضبط .. (صمت فجأة وسألني وهو يحدق في الاوراق امامي: هل كتبت كل شيء؟ قلت: نعم، - اكتب ايضاً انني عملت في تلك الايام معلما ودلالاً وكاتباً للعرائض ونادلاً في مقهى يرتاده القوادون واللوطيون والسكارى لا تعتبرني بذيئاً اريد ان اروي كل شيء أريد ان أعلقه مثل تميمة في رقبة التاريخ اكتب فقط: انت الشاهد الوحيد اكتب واشرب اكمل كأسك الان هل بقي شيئ فيه ؟ ..) ص49.
يقر المقام الاخير بـموسى في طنجة فحيح الشرق مقترناً بلدونة الغرب متجسداً في مدينة تشبه الى حد بعيد (انثى مكتملة الانوثة)، يقضي فيها موسى نهارات طويلة من السأم والاحساس البالغ باللاجدوى يظهر ويختفي باقنعة متعددة يتبادلها مع الزمن هارباً منه لائذاً دائماً في دهاليز روحه الجريحة فلا الخدر المستحصل من معاقرة الخمر ولا التنقل واللائب والدائب في المكان ولا اللذة الحسية المستحصلة من مفاتن النساء كلها اقنعة زائفة .
لا تمنحه العزاء الكافي لان يحقق السكينه الروحية والطمأنينة العقلية.
انه قدر تغلي باحثة عن خلاص ساعية لتحقيقه مستعينة باللغة صاحبة السطوة الكلية في الخلق (.. قلت لنفسي: ان بأمكاني انا ايضا ان اصنع عالمي بلغة يعود اصلها الى لغة فريدة معجونة بالالم والمرارة وعذابات السنين التي ذهبت الى الماضي ماضي الكلمات بلا عودة ولكن هل الزمان وحده قد مر ام ان اللغة قد امتطته واقتادته الى الظلمات ؟ ..) .
ان دفاتر موسى هي معينه وموضع أسراره يستمد منها ما ينير له الدرب جزئياً فيما يرفدها موسى بخطط ومشاريع لا احد يعرف حيثياتها او غاياتها يحتفظ بها بعيداً ودائماً عن اعين الفضوليين مودعاً اياها تنهداته وشجونه ونزيف اغترابه وفي لحظة قررتها الدفاتر ليعلن للجميع انه سيرحل الى الشمال ويختفي بعد ذلك مباشرة فيحتار في امره الراوي ويظل يبحث بدأب عنه فلا يعثر على اثر له مما يثقل على نفسه لا سيما انه اعتاد على الاستماع الى هذيانه وهرطقاته وغدا بالنسبة له زاهده الروحي الذي لا يمكنه الاستغناء عنه .. فيبلغ السأم منه مبلغه ويقول في نوبة هذيان (.. اتخيل ان بمقدوري اخراج دماغي لخمس دقائق هي الوقت المعقول الذي لا تموت فيه كل خلاياه فاعتصره باصابعي حتى تسيل من مساماته الاخيلة المريضة ومخلفات الكحول والنيكوتين والعادة السرية والمضاجعات العابرة والضغائن والهرطقات والاحقاد والاكاذيب والنزوات ثم اعتصره مرات ومرات حتى يقيء كل ما يختزنه واغسله بالصابون والمطهرات وانشفه جيداً واعيده نقياً الى رأسي ثم اعيد لصق جمجمتي بالغراء) ص79.
يقترن حادث اختفاء موسى باختفاء الطفلة (ليلى) ولا احد يعلم لم اصطحبها معه وذات مساء وبعد ان يخون الراوي صديقه (موسى) بممارسة الجنس مع عشيقته (فريدة) يكتشفان ان مفتاح الشقة العلوية مفقود وحين يقتربان من بابها المغلق يسمعان صوت نحيب واستغاثة تكتشف (فريدة) انه صوت الطفلة (ليلى) فيكسران الباب ويدخلان الى ظلام دامس يخلصان الطفلة ليلى ويرتبان المكان ويتصلان بالشرطة لتأتي وتحمل جثة (موسى) خارجاً فيما تركت بعض الخدوش والكدمات على جسد (ليلى) .
ويقول موسى في رسالة لم يرسلها الى الراوي : (ليلى هي السر الاخطر في مشروعي – جملة اعتراضية : لانفذ ما في رأسي واحقق حلمي الابدي، الاشياء الاخرى اما كلمات او ماء او تراب لن اكون امام ليلى كالذئب الذي يفترس بل سأكون كالقرد الذي يلعب، دوري سيكون طريفاً وسأخفي وجهي خلف قناع لم يكلفها ذلك سوى بضع قطرات من الدم ولحظات وجيزة من الخوف هي أملي – هل الطفولة الا الأمل؟
ستكون هي انثاي الحقيقية ومبدأ الوجود الاول ومن برعم أنوثتها سأصنع مثال الجمال الابدي.) ص125- 126.
ان بحثاً عن خلاص ما ينبغي له ان يعي سلفاً ان الكوارث الدموية المتخلفة عن المعضلة الكبرى- معضلة الوجود يستلزم الخلاص منها ايضاً اسالة دم من اجل جدارة الحصول عليه وموسى هنا يجمع ما يبين في رسالته تلك ثلاث رزم من جرائد قديمة وأكياس من الطين والرمل من شواطئ طنجة وقنان من ماء سواحل الاطلسي ليقيم تمثالاً مكوناً من اللغة والتراب والماء ثم ليبث فيه الحياة فيعمده بدم بكارة طفولة مؤنثة كما يحصل على (بجماليون) خاصة به، فيتم له المراد ويتحقق الخلاص في مثال الجمال الابدي ويقول موسى (واذا كنت سأؤلف تمثالاً من طين وورق وماء فاين سأرفع عقيرتي منادياً الاعمى دليلي في محنتي في صرخة تتردد في ازقة المدن التي بادت ويعيدها الصدى الى اسماع الاندلسيات المرحات: يابن سيده .. خذ بيدي اقتطفني كالثمرة ساعدني في بلوغ اربي، انقذني وان كنت لا تصغي الي ولا تريد ذلك فسأذكرك بقول لك تصف به سيدك: واراني كيف املك الحقيقة ومن أي مكان اسلك متان الطريقة فاطعت واضعت واجبت كل ما اردت فاعلقت واقلعت.) ص133.
ان طالب الرسم الذي ابتدأ الرحلة مقترناً بـ(موسى) قفل عائداً بجثة (موسى) معلناً عن موت جيل مني بهزيمة فادحة محقته واحالته مسخاً اشوه وبددت احلامه واذرتها في انحاء الارض جميعاً.
لقد منحتنا (ليلى اولقرد) متعة غوص مفيدة وجميلة في تلافيف وعي جيل باكمله فضلاً عن تبديدها كلوحة عريضة من كولاجات متعددة بلا نهايات او اطر قسرية وينبغي لنا ايضأ الاشادة بلغتها السلسة الطيعة الموحية الى حد ما غير اننا ايضاً يجدر بنا ان نشير الى خلل واضح الى رمز الشخصيات باستثناء شخصية (موسى) اذ باتت كل الشخصيات الاخرى مجرد ظلالٍ واهنة ولم يتم تبنيها كيما تنشأ وتنمو كما هو مفترض في جنس ادبي كالرواية .
(ليلى والقرد) رواية- سعد هادي
منشورات نينوى / 2005
(143) ص من القطع المتوسط
|