|
حكاية حياة صائغ شعبي .. صالح عايش
ثائر صالح
تطورت حرفة صناعة الحلي الذهبية والفضية، أي الصياغة في بلاد الرافدين عبر آلاف السنين، وابتكر العراقيون القدماء الكثير من الإبتكارات في الكيمياء وعلم المواد قبل إعادة اكتشافها في أوروبا بقرون عديدة. فعلى سبيل المثال عثر المنقبون على أوانٍ نحاسية سومرية تعود إلى حوالي 2500 ق.م. مطلية بالفضة بطريقة تماثل طريقة الطلاء الألكتروليتي بالخلية الكهربائية. وعثروا في العام 1936 على أوانٍ خزفية يسميها العراقيون اليوم بستوكة، تعود للعصر الفرثي (248 ق.م. -224 م) بالقرب من بغداد، فيها اسطوانة نحاسية في وسطها قضيب من الحديد عزل باستعمال القار، وحسب فلهلم كونيغ مدير المتحف العراقي في بغداد آنئذ، يمكن لهذه الأواني توليد تيار كهربائي باستعمال سائل ألكتروليتي مثل الخل المصنوع من التمر، واشتهرت هذه اللقى باسم بطارية بغداد. لكن ما هو الغرض من انتاج الكهرباء قبل آلاف السنين؟ لم يعط علماء الآثار جواباً شافياً على ذلك، لكنهم يعتقدون بأنها لربما استعملت في طلاء المعادن أو للعلاج.
غير أن الصاغة المندائيين عرفوا قبل قرون عديدة خلية كهربائية استعملوها في عملية طلاء المعادن الرخيصة كالنحاس بالمعادن الثمينة (الفضة أوالذهب)، وهي تقنية عرفتها أوروبا لاحقاً في القرن التاسع عشر بعد اكتشاف التيار الكهربائي في 1799 على يد الإيطالي ألساندرو فولتا. وكان الصائغ صالح عايش (1880-1952)، أحد الصاغة المندائيين المعروفين يستعمل هذه التقنية التي قال أنه أخذها عن أبيه عايش الذي أخذها عن أبيه عوض بن فيض الله الصابري.
وكان جده عوض يعيش في الأهواز، غير أنه تركها وعبر شط العرب سباحة إلى البصرة هرباً من وباء الطاعون الذي حصد كل أولاده وعائلته، واستقر عوض في أبي الخصيب قرب البصرة حيث تزوج وأنجب ثلاثة أطفال هم عايش وعايشة وسيف، بعد أن تقدم به العمر كما يقال.
ويحكى أن عايش وأخاه سيف أخذا يعملان في البصرة، فشكاهما صائغ أرمني كان يهيمن على السوق هناك إلى الوالي العثماني على البصرة بحجة أنهما يفسدان الصنعة، فتناظروا أمام الوالي الذي أمرهم بإثبات قدراتهم في الصياغة. فما كان من عايش إلا وأمسك بصينية من الفضة جلبها معه، وخط فيها بقلم النقش وبدون استعمال فرجال دائرة تامة، ولم يرفع يده إلا بعد أن أكمل الدائرة وترك في الصينية ”القلاعة“، وهو خيط الفضة الذي تكون بالحفر ومن دون أن ينقطع. فسلم الأرمني بالهزيمة ونقل أعماله إلى بغداد.
وكان صالح يقوم بعملية الصياغة من ألفها إلى يائها، وكان يصنع القوالب بنفسه ويخلط السبيكة ويصهرها ويصبها في القالب قبل أن يقوم بصياغتها ونقشها وتطعيمها بالمينا وإجراء العمليات النهائية. كذلك كان يقوم بالطرق والسحب والتجميع، وهي مراحل مهمة في عملية الصياغة وغالباً ما كان ينجزها صاغة متخصصون بهذه الأعمال التي تسبق العملية الختامية. وكان يستعمل في عمله مواد لحام خاصة يقوم بتهيئتها بنفسه، ومن المعروف أن تصنيع واستخدام مواد اللحام هو علم مهم من العلوم الصناعية. والسبائك لا تتقبل أي مادة لحام بشكل اعتباطي، واختيار مادة اللحام الملائمة عملية معقدة ومهمة فقد يتسبب أدنى خطأ في فشل لحام القطع أو تشويه منظر الحلية. وكان يجمع بين العلم والفن، الصنعة المتقنة والقدرة الفنية الراقية، إذ كان ينقش على المعدن أي تخطيط يوضع أمامه بمنتهى الدقة والجمال (وقد اشتهر حسني زهرون ملا خضر بنقش الصور الشخصية على الفضة وطلائها بالمينا لتصبح كالصورة الفوتوغرافية). وتخصص صالح كذلك في صناعة الصواني، وكانت له عدة خاصة يعمل بها. ويقال أنه كان يصلح الصواني التي يصيبها العوج بضربة واحدة أو ضربتين من مطرقة خشبية خاصة يستعملها لهذا الغرض، وبالمجان.
رفض صالح عايش الإنخراط في الجيش العثماني أثناء الحرب العالمية الأولى، وعبر شط العرب إلى عبدان (وقد احتل رضا خان بهلوي الأهواز لاحقاً واعتقل أميرها الشيخ خزعل الكعبي بمكيدة وقتله فيما بعد في طهران) وعمل بالصياغة هناك، وتتلمذ على يديه بعض الصاغة من مندائيي الأهواز، كما أمضى سنوات أخرى في العمل هناك لاحقاً. وحكى لي ابنه الصيدلي مهدي العايش أنه زار عبدان مع صديق له في ستينيات القرن الماضي، وجالا في سوق الصياغ وتوقفا عند أحد الدكاكين. وعندما رأى الصائغ أنه يفهم في أمور الصياغة سأله من أين أنت. وبعد الجواب صاح الصائغ أنت ابن استاذي، لابد من أن تتغدوا اليوم عندي، فاعتذروا. بدأ صالح بعد انتهاء الحرب وعودته يبيع مصوغاته إلى القوات البريطانية وأخذ يكثر من السفر إلى المدن التي أصبحت مقراً لتلك القوات مثل البصرة.
اختارت الحكومة العراقية صالح عايش سوية مع ستة صاغة مندائيين آخرين هم عباس عمارة (وهو أبو الشاعرة لميعة عباس عمارة) وأسمر زهرون وجاني سهر (أبو الشهيد سميع جاني أحد قادة الحركة العمالية العراقية وقد أغتاله البعثيون في انقلاب شباط 1963) ونوري خنجر وسبع فياض وشوكت غالب لتمثيل العراق في معرض نيويورك العالمي التخصصي في 1939 قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية، وسافر الجميع إلى إيطاليا المحطة الأولى حيث طلبوا سمة الدخول للولايات المتحدة الأمريكية في السفارة هناك، غير أن طلبات أربعة منهم رفضت، فلم يصل الولايات المتحدة من السبعة سوى عباس عمارة وسبع فياض ونوري خنجر. بقي أسمر زهرون وشوكت غالب في إيطاليا (وتوفي غالب فيها قبل سنتين عن عمر مديد)، وسرعان ما زج بأسمر في المعتقلات بعد اندلاع الحرب، وقد نجا من الموت بإعجوبة بعد أن أثبت أنه ليس يهودياً ومع ذلك لم يتحرر من المعتقل إلا بعد احتلال إيطاليا من قبل الحلفاء. وحكى لي أسمر زهرون (1913-1999) ذات مرة أنه كان يستعمل أسم برونو هناك (وهو ما يقابل أسمر باللغة الإيطالية). درس أسمر الفنون والنحت في فرنسا وإيطاليا وعمل وجال في أوروبا قبل أن يعود إلى العراق في بداية السبعينيات ليتعين مديراً في وزارة الثقافة والإعلام وينشئ قسماً جديداً لتدريس فنون الصياغة والنقش على المعادن الثمينة. أما صالح فأبحر إلى بيروت حيث عمل فيها لفترة، ثم إلى دمشق فأمضى فيها سنتين للعمل في الصياغة قبل أن يعود إلى العراق. وكان صالح يجيد إلى جانب العربية والمندائية الآرامية اللغات الإنكليزية والفارسية وتعلم بعض البولونية من الجنود البولونيين في السوق.
وتتوارث العائلة مخطوطة دينية هي ”نياني“ (أي الأغاني، وفيها نصوص الطقوس الدينية الأساسية مثل الرشاما أي الوضوء والبراخا أي الصلاة) كتبها عايش أبو صالح في 1299 هجرية (1879 م)، وكتب فيها عايش وابنه صالح بخطيهما الجميلين عن أحوال العائلة وبعض الوصفات الطبية والمعلومات المهمة باللغة العامية العراقية. نجد فيها ”وأنا يا عايش جيت لأبي الخصيب وكتبت عليها ونعلا “ولعنة” على من يسرقها وما يباريها ويقرا بيها ويترحّم لمن كتبها آمين ثم آمين يا رب العالمين والسلام خير ختام“.
وبقيت لنا مفكرة من عام 1929، كتب فيها صالح أحداث ذلك العام وبعض أحداث العامين التاليين، وقد كتبها بخط جميل وواضح يحسد عليه وباللغة العامية (إذ لم يدرس العربية). وتشير سطورها إلى صعوبة المعيشة وإلى علاقاته بأقاربه وعائلته وبأصدقائه الذين يعمل معهم، وكذلك أرخ بعض الأحداث، فيذكر مثلاً خلال وجوده في بغداد: ”هذا اليوم طاحت طيارة على جسر مود ومات بيها واحد هولندي“. وهو جسر الأحرار اليوم وكان يسمى باسم مود القائد البريطاني الذي احتل العراق في الحرب العالمية الأولى.
أتقن صالح استعمال المينا السوداء (المحرك) التي قال أن جده عوض قد جلب أسرارها معه من الأهواز، وقد أشار الناقد والفنان موسى الخميسي في مقالة له عن الفنان أسمر زهرون منشورة على موقع اتحاد الجمعيات المندائية على الإنترنت، ”أن ملا خضر جد أسمر هو الذي جلب أسرار صناعة المينا السوداء من مدينة وان في أرمينيا... اما المينا الملونة فقد ادخلها اب الفنان اسمر المرحوم هرمز الملا خضر بعد ان جلبها مع الفرن الحراري من فرنسا بمساعدة صديقه الاب انستاس الكرملي في عشرينيات القرن الماضي“. والمينا السوداء هي خليط فيه قليل من الفضة وكمية معتدلة من النحاس والرصاص وكثير من الكبريت بنسب خاصة، يصهر فوق الفضة المنقوشة ثم تصقل الحلية بعد ابترادها.
كان صالح كثير الترحال بهدف طلب الرزق الذي حصل عليه بصعوبة رغم جودة عمله، كادحاً شأنه شأن سائر الفنانين الصاغة قبل أن يزاوج بعضهم بين فن الصياغة وتجارة المصوغات منذ خمسينيات القرن العشرين بعد الخروج الجماعي لليهود من العراق، حيث كانوا يسيطرون على سوق الذهب في العراق. علي سبيل المثال سافر صالح للعمل في بغداد في 1928، ثم عمل في كركوك من تشرين الأول 1928 لغاية نيسان 1929 عاد بعدها إلى بغداد، وفي تموز عاد إلى عائلته في مدينة العمارة الجنوبية ليقضي العيد الكبير معهم، ثم ذهب في آب إلى البصرة وعبر في أيلول إلى عبدان فقضى خريف 1929 وعامي 1930 و1931 في العمل هناك. وكان صائغاً معروفاً، صنع مثلاً أثناء إقامته القصيرة في بغداد سنة 1929 سيفاً مفضضاً لحساب البلاط الملكي خلال أقل من ثلاثة أسابيع حسبما ورد في مفكرته، وصنع الكثير من علب السكائر أو الثقاب أو ما يسمى بـ (قوطية تتحرك)، وهي تراكيب معقدة مشغولة بطرق فنية ذكية. |