اراء وافكار

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

الدستور العراقي و قانون الأحوال الشخصية (2-2)

(هذا المقال جزء من سلسلة دراسات وأفكار من شاركوا معهد الدراسات الاستراتيجية في الندوات والنقاشات حول مسودة الدستور قبل الاستفتاء، وبعد إقرار الدستور من أجل استكماله بتشريعات ولوائح تعزز التوازن السياسي وتكفل الحريات، والحقوق المدنية وحقوق المرأة والأسرة، والمجتمع المدني.
ومما يسرنا أن مبادرتنا هذه تتكاتف مع مبادرات رديفة مثل نداء "عهد العراق"، الذي تنصب جهوده على حماية جانب أساسي من الحريات المدنية والسياسية مما تدعو إليه قطاعات واسعة من الرأي العام).

معهد الدراسات الاستراتيجية
حملة تعديل الدستور

د. رشيد الخيُّون

ماخالف الشريعة
خالف قانون 188 لعام 1959، حسب معارضيه، الشريعة الإسلامية ظاهراً في المادة الثامنة، الخاصة بتوحيد سن الزواج، والمادة الثالثة عشرة، الخاصة بتقييد تعدد الزوجات، والمادة الرابعة والسبعين، الخاصة بمساواة الذكور والإناث بالإرث.
لقد قرر القانون سن الزواج بثمانية عشرة سنة للجنسين، وترك مجالاً للقاضي يحدد فيه سن البلوغ بأقل من ثماني عشرة، أي بين 15 و16 سنة، وأن يكون الزواج بموافقة ولي الأمر. وبطبيعة الحال يخضع لهذا القانون اليهود أيضاً الذين جعلوا، حسب فقههم، سن الزواج 13 سنة للذكر، و12 سنة للأنثى. بينما قرره المذهب الحنفي للذكر 18 سنة وللأنثى 17 سنة. والمذهب الشافعي والحنبلي: 15 سنة لكل منهما. والمذهب المالكي: 17 سنة.
لكن الفجوة الكبرى حول سن الزواج الأدنى للفتاة تظهر ما بين التشريع الحكومي والفقه الجعفري، الذي حدده بتسع سنوات. وأكثر من هذا أن العديد من فقهاء الشيعة المعاصرين أجازوا الخطبة والعقد حتى في سن الطفولة، فما عدا الممارسة الزوجية المباشرة تجوز، بما دون التسع سنوات، بقية الاستمتاعات: اللمس، والضم، والتفخيذ، فلا بأس بها، وهذا بطبيعة الحال لا يحدث إلا بعقد وخطبة. أثبتت هذا التشريع رسائل الفقهاء الكبار، بداية من المرجع محمد كاظم اليزدي (ت1919)، وأبي الحسن الموسوي الأصفهاني (ت1945) وانتهاء بآيات الله العظام: السيد محسن الحكيم (ت1970)، والسيد روح الله الخميني (ت1989)، والسيد أبي القاسم الخوئي (ت1992)، والسيد علي السيستاني (لا يذكر مفردة الرضيعة"(1). والغرابة أننا لا نجد مثل هذا الحكم أو الرأي الفقهي عند الأولين، السابقين على زمن اليزدي، من أعلام الفقه الشيعي مثل: أبي جعفر الطوسي (ت460هـ)، ونجم الدين المحقق الحلي(ت676هـ)، والشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي (ت1104هـ) وسواهم. وكذلك لا نجده عند معاصرين، هم أقل مقلدين من السابقين، مثل: آية الله محمد باقر الصدر (قتل 1980)، وآية الله محمد حسين فضل الله وآخرين.
كما خالفت المادة الثالثة عشرة، حسب معارضي القانون، إباحة الشريعة لتعدد الزوجات، وأن التقييد فيها إلا بالكفاءة، التي تختلف شروطها من مذهب إلى آخر، وفي مقدمتها الكفاءة المالية والجسدية. إلا أن القانون العراقي 188 جاء أقل من المادة 18 من القانون التونسي، التي تمنع الزواج من أكثر من واحدة منعاً باتاً، وأقل من القانون المغربي الذي قيده لسبب عدم العدل "فمنعت المادة الثالثة عشرة الزواج بأكثر من واحدة إلا بأذن القاضي، ويشترط لإعطاء الأذن أن يكون للزوج كفاية مالية"(2).
غير أن مَنْ يدقق في النص القرآني الخاص بتقييد تعدد الزوجات يجده مانعاً، بل أقرب إلى التحريم منه إلى الإباحة. ومع ذلك أغفل المشرعون النصوص التي شددت على الزواج بواحدة. جاء في الآية "فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدةً"(3). ثم يأتي التشديد القاطع في الآية: "ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم"(4). ويضاف إلى ذلك، للزواج بأكثر من واحدة شرطه الظرفي في النص القرآني وهو الاقتران بمعاملة الأيتام "وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع"(5). والسؤال، هل تزوج رجل في العصور التي لحقت نزول الآية المذكورة لأجل اليتامى؟ لا أظن ذلك. وقد عد الشيخ محمد عبدة تعدد الزوجات، حسب الآيتين: الخوف وعدم الاستطاعة، هو أقرب إلى التحريم: "فمن تأمل الآيتين علم إباحة تعدد الزوجات، في الإسلام أمر مضيق فيه أشد التضييق، كأنه ضرورة من الضرورات، التي تباح لمحتاجها بشرط الثقة بإقامة العدل والأمن من الجور. وإذا تأمل المتأمل مع هذا التضييق ما يترتب على التعدد في هذا الزمان من المفاسد جزم بأنه لايمكن لأحد أن يربي أمة فشا فيها تعدد الزوجات"(6).
أما المادة الرابعة والسبعون فكانت أكثر المواد تعرضاً للجدل والمعارضة، وسبباً للهجوم، وهي الخاصة بالمساوة بين الإناث والذكور في الإرث. قال القاضي خروفة حول هذه المادة: "راعت اللجنة أيضاً الانسجام بين أحكام القانون المدني في الوصية وبين ما ورد في هذه اللائحة من أحكام. هذا ولما كان الاختلاف في أحكام الميراث- وهو من أسباب كسب الملكية-قد أوجد نتيجة اختلاف المذاهب، والتفاوت في انتقال حقوق الوارثين التي يقضي توحيد قواعدها مما حمل هذا الاختلاف بعض ذوي العلاقة على التحايل على القوانين، وإنشاء مجتمع مستقر في حقوقه وواجباته من أهداف الثورة، فقد اقتضى توحيد أحكام الميراث وجعلها منسجمة مع أحكام الانتقال في الأراضي الأميرية، التي شرعت منذ مدة طويلة، وتقبلها الناس، واستقرت المعاملات عليه. ولهذا ارتؤى أن تؤخذ هذه القواعد المنصوص عليها في القانون أساسا للميراث في العقار والمنقول، ذلك لأنها لا تختلف كثيراً مع الأحكام الشرعية"(7). وحسب عبد اللطيف الشواف أحد المكلفين بصياغة الدستور الدائم، الذي لم يُنجز: "جلب عبد الكريم القانون المدني، واطلع على القسم الخاص بانتقال حقوق التصرف في الأراضي الأميرية المفوضة بالطابو، وبما تنطوي عليه من البساطة ومن المنطقية وسهولة الفهم، واقترح وطلب إضافة المواد- كما وضعها السنهوري في القانون المدني إلى قانون الأحوال الشخصية، لتطبق على المواريث كلها، وبذلك نكون قد أكملنا نقص عدم وجود قسم للميراث في المشروع، علاوة على توحيد أحكام المذهبين السُنَّي والجعفري في هذه المسألة الهامة من مسائل الحياة"(8). وأضاف الشواف أن عبد الكريم رفض التحذيرات من استغلال هذا النص واعتبار الحكومة ضد الشريعة الإسلامية "مستنداً إلى رأي أبداه رئيس مجلس السيادة اللواء نجيب الربيعي، بأن الإرث، وتحديده قد جاء في القرآن بصيغة الوصية"(9). جاء في الآية "يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين"(النساء 11).
التعديل والإلغاء
أتى البعثيون وعدلوا قانون 188 لعام 1959 بقانون رقم 11 لسنة 1963، وعلى وجه الخصوص المادة الخاصة بالإرث، ليكون "للذكر مثل حظ الأنثيين". لكن المرجعية الدينية استمرت في مطالبتها بإلغاء القانون كلية، وأن وجود مثل هذا القانون يعطي القاضي سلطة الفقيه، ويسد باب الاجتهاد في الأحكام. وحسب السيد محمد بحر العلوم، أنه جاء مخالفاً: للدستور الموقت للجمهورية العراقية، فقد وقع عليه اثنان من مجلس السيادة، بينما لا تتحقق شخصية رئيس الجمهورية إلا بالأعضاء الثلاثة، (كان محمد مهدي كبة قد قدم استقالته) وأن هذا القانون فيه تحديد لطبيعة القضاء، بينما القضاء لا يحدد بقانون، وإنما بالشرع، وباب الاجتهاد مفتوح فيه. ووجده معارضاً في مواده للكثير من آراء المذاهب الإسلامية، مثل اعتبار الزواج والطلاق بشهود، بينما الحنفية لا تشترط الشهادة في الطلاق والشيعة لا تشترط الشهادة في الزواج وما إلى ذلك(10).
وحتى نهاية عقد الثمانينيات، من القرن المنصرم، تعرض القانون إلى أكثر من عشرة تعديلات حكومية، خصت التفريق بين الأزواج، وجعلته على أساس الموقف السياسي والامني. جاء في القرار (1708) لمجلس قيادة الثورة في 17-12-1981: إعطاء الحق للزوجة، التي صدر حكم قضائي بإدانة زوجها بجريمة خيانة الوطن أن تطلب التفريق". وأتاح قرار (1529) في 31-12-1985للزوجة التفريق من زوجها إذا تخلف أو هرب من الخدمة العسكرية. و"جواز لوالد الغائب خارج العراق طلب التفريق بين ولده الغائب وزوجته بسبب الزنا" وغيرها من قرارات لمجلس قيادة الثـورة(11). وأن الدستور الموقت 1968 وضع مادة صريحة لطمأنة المؤسسة الدينية ضد القانون (188)، ومادته الرابعة والسبعين، جاء فيها "الإرث حق تحكمه الشريعة الإسلامية" (المادة السابعة عشرة فقرة ب).
ظل قانون الأحوال الشخصية منذ صدوره (1959)، وحتى وفاة آية الله السيد محسن الحكيم (1970)، رغم تعديلاته التي اخفت إيجابياته بالنسبة لحقوق للنساء، محل جدل مع الدولة، فالمرجعية الدينية لا تكتفي بأقل من الإلغاء. جاء في رسالة الحكيم إلى قيادة انقلاب شباط 1963: "إرجاع الأمور إلى العهد الذي كانت عليه سيرة المسلمين منذ أيام الخلافة الإسلامية، وان موقفنا هذا هو نفس الموقف الذي وقفناه منذ صدور القانون حتى يومنا هذا، وإلى أن يتم رفعه"(12). والأمر كما يتضح من رسالة الحكيم، وقد سبق للمرجع محمد حسين كاشف الغطاء أن أعطى رأيه في المادة (1801) من المجلة العثمانية التي قيدت القضاء بشخص وزمان ومكان محددين. قال: "إن القضاء والحاكمية عند الإمامية منصب إلهي لا دخل له بالسلطان، ولا بغيره، ينصبه العدل وجامعية الشرائط، ويعزله زوال بعض الصفات الركنية من العقل والعدالة والاجتهاد، فلا يتقيد بزمان ولا مكان، بل له الحكم في كل مكان وكل زمان"(13). كان جوهر الخلاف هو حول مكانة الفقيه أو المرجع، فالكائن بالنجف يحكم لأهل الناصرية مثلاً، وحيث يمتد المذهب، أما القانون فحدد المرجعية بسلطة القانون ورأي القاضي، رغم أن القانون أخذ مواده من مختلف المذاهب، ومن لوائح الأحوال الشخصية في البلدان الإسلامية الأخرى، وأن الدستور الموقت 1958 أقر الإسلام ديناً للدولة.
وعلى خلفية الخلاف بين الدولة والمرجعية الدينية، بشخص آية الله محسن الحكيم، سعى نجله السيد عبد العزيز الحكيم، إثناء رئاسته لمجلس الحكم لشهر كانون الأول (ديسمبر) 2003، إلى إلغاء القانون، بالقرار المرقم (137)، إلا أنه واجه معارضة نسوية وليبرالية عربية وكردية داخل المجلس وخارجه، حتى ألغي قرار الإلغاء بعد تصويت الأكثرية في مجلس الحكم ضده. بعدها أتت المناسبة ليزال القانون 188 لسنة 1959 بالمادة (39) من مسودة الدستور الدائم، وهي عودة إلى ما قبل تأسيس الدولة العراقية، وتعدد الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية. كان من موجبات إصدار القانون الملغى ضمنياً في المادة المذكورة، قبل إقرار حقوق النساء ومجاراة العصر والمدنية، هو محاولة تأسيس هوية عراقية، بجمع الأحكام المشتتة بين المذاهب الفقهية، فوجود أكثر من حكم في الأحوال الشخصية إشارة بائنة إلى عزلة العراقيين عن بعضهم البعض.
إضافة إلى المواد المتعلقة في ربط الدولة بالشريعة والدين يأتي التحرر من قانون الأحوال الشخصية موجهاً ضد جمهور النساء، و ضد استقرار الأسرة العراقية، و ضد المساواة بين العراقيين في الأحكام الشرعية، وعدم تركهم لاجتهادات الفقهاء، ولتكريس الأحكام التي لم تعد مسايرة للتطور الزمني، وآفاق العلم، وممارسة الحرية والديمقراطية السياسية. بمعنى أن إلغاء قانون الأحوال الشخصية ممارسة جاءت مفارقة لمواد الدستور الأخرى التي أكدت وحدة العراق وتوجهه الليبرالي. فالزواج بسن التاسعة للفتاة، واستحالة تحمل أعباء وهموم العائلة والأمومة والصلات الزوجية، لم يعد مقبولاً حتى في المناطق الريفية، كذلك فان مشاركة المرأة في العمل، وبروزها في العديد من الأحيان مصدراً وحيداً لإعالة أسرتها قبل الزواج أو بعده، تتنافى مع قسمتها من الميراث، حسب الشرع الديني.
ختاماً، إذا كانت العلة في الإصرار على إلغاء قانون (188) لعام 1959 هو تناقضه مع الشريعة الإسلامية، فالأسئلة تطرح نفسها: هل كان قانون العقوبات البغدادي، والذي لم تحتج المرجعيات الدينية ضده، مجارياً لأحكام الشريعة في حكم السرقة مثلاً؟ وهل كان تعدد الزوجات مجارياً للقطع القرآني في الآية:"ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم"(14 )"؟ تبدو المادة (39) من مسودة الدستور مخالفة لمرونة التشريع الديني، وما يلتزم وما لا يلتزم به من نصوص. خلا ذلك أنها وضعت المشرعين أمام تناقض صريح بين شكل الحكم الديمقراطي والليبرالي والتعددي، والمواد التي أقرت وحدة العراق والعراقيين وبين تشتتهم إلى مذاهب في أحوالهم الشخصية.

هوامش ومصادر
1- راجع اليزدي، كتاب العروة الوثقى، بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ج2ص484. الأصفهاني، وسيلة النجاة، قم: مطبعة مهراسوار، 3ص145. الخميني، تحرير الوسيلة، طهران: منشورات مكتبة اعتماد، 2ص219. الحكيم، مستمسك العروة الوثقى، بيروت: ج14ص 78-80. الخوئي، المباني في شرح العروة الوثقى، جمع ولده محمد تقي، قم: شركة التوحيد للنشر 1998، ج32ص26. السيستاني، منهاج الصالحين، الكويت: مؤسسة محمد رفيع حين معرفي 1996 ج3ص10. ). والرأي المقتبس عند المراجع كافة من النص التالي للسيد اليزيدي: "لا يجوز وطء الزوجة قبل إكمال تسع سنين، حرة كانت أو أَمة، دواماً كان النكاح أو متعة، بل لايجوز وطء المملوكة والمحللة كذلك. واما الاستمتاع بما عدا الوطء من النظر واللمس بشهوة، والضم والتفخيذ فجائز في الجميع ولو في الرضيعة".
2 - المصدر نفسه 1ص27.
3 - النساء، آية 3.
4 - النساء، آية 129.
5 - النساء، آية30.
6 - خروفة، شرح قانون ا لأحوال الشخصية، 1ص119، تفسير المنار، ج4 ص349. والغريب أن القاضي علاء الدين خروفة تصرف بما لايليق بمنزل القاضي، فتراه يدافع عن القانون بحماسة منقطعة النظير، وعن تعدد الزوجات، والمساواة بالأرث عندما اصدر الجزء الأول من كتابه "شرح قانون الأحوال الشخصية" في عهد عبد الكريم قاسم، بينما تراه يجعل تلك المادتين سوءة من سوءات القانون، وبيطري على انقلاب 14 رمضان وتعديل قادتها للقانون. راجع كتابه (الجزء الأول ص28، و119-124)، والجزء الثاني ص6-9)، ويأتي في الجزء الذي كتبه في الزمن البعثي بقصص خارجة عن نزاهة القاضي وهو حرم امرأة من النفقة لأنها متهمة بالشيوعية، وأتى بمقالة كتبتها طريق الشعب السرية ضده بسبب هذه القضية، عندما كان قاضياً بالبصرة، راجع 2ص 258.
7- المصدر نفسه 1ص28.
8 - الشواف، عبد الكريم قاسم وعراقيون آخرون، بيروت: الوراق للنشر 2004، ص84.
9- المصدر نفسه، ص85.
10 - محمد بحر العلوم، أضواء على قانون الأحوال الشخصية، النجف: مطبعة النعمان، 1963، 14-37.
11 - راجع قانون الأحوال الشخصية وتعديلاته، رقم 188 لسنة 1959، الطبعة الخامسة 1989.
12 - بحر العلوم، أضواء على قانون الأحوال الشخصية، ص10.
13 - المصدر نفسه، ص30.
14 - النساء، آية 129.


العقدة العراقية .. زمن السلطة وتاريخ البديل الشرعي (2-2)

ميثم الجنابي

إن العقدة التي تواجهها الأمم هي النتيجة المتراكمة من كيفية حلها لإشكاليات وجودها الكبرى. وعلى كيفية حلها تتوقف إمكانية تكاملها العقلاني الثقافي أو انحلالها السياسي. وفيما بين هذين الاتجاهين تتوقف دراما المأساة والأمل، أو ما تطلق عليه لغة الشعر والوجدان عبارة المصير والقدر. بمعنى ما تصير إليه وما هو قدرها بموازين التاريخ والبدائل. وهي الحالة التي يقف أمامها العراق في ظروفه الحالية من اجل تقرير آفاق المصير فيه، أي البدائل المحتملة. وهي بدائل لا تخرج في نهاية المطاف عما فيه. فحياة الأمم في نهاية المطاف هي عملية غير متناهية من التراكم، تتوقف كيفية ارتقائها أو انحطاطها على نوعيته. فالارتقاء يؤدي بالضرورة إلى تكامل الأمة والانحطاط إلى خرابها الذاتي. وذلك لان الارتقاء هو تاريخ ووعي ذاتي، بينما الانحطاط هو زمن وتكرار للخطيئة والأخطاء. وهي الحالة التي ميزت تاريخ العراق الحديث. بمعنى الوقوف عند حد في مجرى ارتقائه الحديث ليتحول إلى مجرد اجترار للزمن. وهو الحد الفاصل الذي صنعته ذهنية الانقلاب والمغامرة السياسية بدءاً من الرابع عشر من تموز 1958. بحيث جعلت من تاريخ العراق زمن الانقلاب الدائم وانعدام الاستقرار ومن ثم فقدان التراكم. وبالتالي لم يعد تاريخه أكثر من زمن الدوران في إنتاج وإعادة إنتاج الخلل الداخلي ومن ثم توتير وتوسيع مدى عقده الداخلية. مما أدى في نهاية المطاف إلى فقدانه لتاريخ البدائل، بوصفها القوة الضرورية لفكرة الاحتمال والتجريب الاجتماعي، أي القوة الوحيدة القادرة على إرساء أسس وقواعد العقلانية السياسية. من هنا يبدو تاريخ العراق الحديث على خلفية ما جرى في عقوده الأربعة الأخيرة، وما يجري حاليا بعد سقوط التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية كما لو انه استعادة فجة لزمن السلطة وليس لتاريخ البدائل.
إننا نجد أنفسنا أمام حالة يبدو فيها العراق والعراقيون واقفين أمام جلجامش الروح والعقل والجسد القابع في أعماقهم، أي أمام إشكالية التحرر من الزمن السيئ والفارغ عبر بناء تراكم عقلاني حر يذلل إشكالية المأساة والأمل الدائمين فيهما. وليس المقصود من وراء ذلك ضرورة القضاء على هذه الثنائية الخالدة في الوجود الإنساني بقدر ما هو تذليل طابعها المتكرر بوصفها أسلوبا لاجترار الزمن الميت. بعبارة أخرى، إن المهمة الكبرى التي يقف أمامها العراق حاليا تقوم في كيفية حل إشكالية المأساة والأمل في تاريخه بالشكل الذي يجعل من مأساة الأمل طريقا لبلوغ حالة الإفناء العقلاني لزمن الضياع والضباع، والجهل والتجهيل، والأغراء والإغواء، والتشريد والقتل، والمطاردة والمعاقبة، والفساد والإفساد. بمعنى البحث عن أسلوب يهدف إلى استعادة الحياة الأبدية بوصفها حياة العقل والروح والجسد المتناغمة بمعايير الحق والشرعية لكي لا تسرقها من جديد أفعى القوى السياسية المتخلفة.
إن العراق والعراقيين لم يحصلوا بعد على إكسير الحياة الأبدية، أي لم يرتقوا بعد إلى مصاف إدراك قيم الروح والعقل والجسد المتناغمة بمعايير الحق والشرعية. وهو أمر جلي في عدم تكامل الدولة والمجتمع بمعايير الشرعية والثقافة العقلانية وقواعد المجتمع المدني، وعدم تكامل النخبة السياسية بمعايير الرؤية الاجتماعية والوطنية. وهو عجز متراكم في مجرى انتهاك مقومات الشرعية والعقلانية والفكرة الليبرالية، الذي وجد شكله التام في سيادة وسيطرة واستحكام "منظومة" التوتاليتارية والاستبداد. وهي الحالة التي جعلت وسوف تجعل لفترة ليست قصيرة بحث العراق عن مخرج من مأزق وجوده التاريخي المعاصر مسيرة متشنجة في عاصفة رملية. لكنها في الواقع ليست غير عاصفة البحث المتشنجة في أعماق العراق والعراقيين عن بديل قادر على نفي زمن الماضي بتاريخ المعاصرة والمستقبل. وهو الأمر الذي جعل ويجعل من هذا البحث عن البدائل عاصفة فكرية وسياسية واجتماعية ووطنية وقومية لا تهدأ ما لم يحسم العراق والعراقيون عقدة جلجامش القابعة في أعمق أعماقهم.
إن عقدة جلجامش العراقية لا تقوم في طرح الأسئلة والإجابة عليها والبقاء عند هذا الحد، بل في تضييعهم للإجابات الكبرى القائمة في قدر وأقدار تضحياتهم الهائلة. فكما ترك جلجامش إكسير الحياة لتلتهمه أفعى تجدد قوتها القادرة على بث سمومها القاتلة، كذلك تكمن عقدة جلجامش العراقية الحالية في إمكانية تضييعهم لإكسير الحياة الديمقراطية والشرعية. وهو تضييع لم يحدث للمرة الأولى. فقد كانت أفعى الدكتاتورية الصدامية الصيغة البائدة لهذه الدعة والتراخي اللذين استتبعا جهود العراق المضنية التي قام بها بدءاً من عشرينيات القرن العشرين وانتهاء بانقلاب الرابع عشر من تموز.
فقد شكل انقلاب الرابع عشر من تموز عاد 1958 البداية الأولى لزمن الضياع التاريخي للدولة، لأنه وضع "أسس" الانتهاك الفوضوي لفكرة الشرعية وتقاليد النشاط السياسي الشرعي وفكرة الحرية. وما ترتب عليه من تخريب هائل لفكرة الدولة والمجتمع المدني والثقافة الحرة. وشكل بهذا المعنى الضياع التاريخي الأول، وما بعده كان استمرارا أوسع وأعمق واشمل لزمن الضياع. وفي هذا الضياع كانت ولا تزال تكمن ما يمكن دعوته بالعقدة العراقية، أو ما ادعوه مجازا بجلجامش المأساة والأمل. وهي عقدة لها التاريخ العريق والخاص، أما خصوصيتها الحالية فتقوم في كونها جزءاً من زمن الضياع وليس من تاريخ الدولة وتأسيس ديناميكيتها العقلانية في النمو المستديم والتكامل الاجتماعي والوطني والقومي.
فمن المعلوم، إن إحدى الصفات المميزة للأمم الكبرى تقوم في كمون مرجعياتها المتسامية في العقل والوجدان. وهو كمون عادة ما يواجه التحديات الكبرى مع كل انعطاف هائل في حياتها من خلال استثارة الوحدة الحية للذاكرة والخيال. وهي استثارة عادة ما تتبلور في صور ونماذج متنوعة تخدم في نهاية المطاف تأصيل إرادتها في التحدي ومواجهة الصعاب. لكنها ستدرك لاحقا بأنها لا تواجه في الواقع غير ذاتها. وهي الحالة التي يواجهها العراق في ظروف الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية، بوصفها الصيغة الجديدة لتاريخ المأساة والأمل. فهي مأساة من وجهة نظر المواجهة والتحدي، وذلك لأنها إشارة إلى انه في بداية تحرره وبناء وجوده المدني، مع انه واضع أسس البداية المدنية للبشرية. كما أن المستقبل يبدو بالنسبة له مجرد رجوع لماضيه. وهي مفارقة لا يذللها سوى تأصيل قيم الحرية في نظام شرعي ديمقراطي اجتماعي من اجل ألا تتحول معاناة العراق المأساوية إلى مجرد لعبة أطفال مبدأها اللهو وغايتها الهدم. وإذا كانت هذه العملية ضرورية للأطفال من اجل النمو بمعايير الذاكرة والخيال، فإن قيمتها تقوم في كونها لحظة عابرة في النمو. أما بالنسبة للعراق فان تحرره الفعلي يفترض أن تكون مأساته الحديثة لحظة عابرة في نموه المعاصر، من اجل ألا يكون تكرارها دليلا على طفولته الأبدية. ولكي لا يكرر في ذاته عقدة جلجامش الأبدية، أي عقدة الذنب والاستعداد للتضحية.
إن العراق بحاجة إلى جلجامش بوصفه فكرة الخيال والإرادة، لكنه ليس بحاجة إلى عقدة جلجامش الأبدية. انه بحاجة إلى أن يكون بحثه عن حياة أبدية واقعا معقولا ومقبولا بمعايير المعاصرة. لكي يكون قادرا على تحويل زمن المأساة إلى تاريخ الأمل. انه ليس بحاجة إلى أن يظل محكوما بعقدة الذنب والاستعداد للتضحية والبكاء والرثاء، كما فعل مع الحسين فيما مضى وكما يمكن أن يفعل اليوم بتسليم المستقبل، أي الحياة الأبدية، لأفعى القوى الهمجية من طائفية وعرقية وسلفية ومتملقة، أي لكل هؤلاء المؤقتين الجدد، الذين لا همّ يشغلهم غير هموم البطن والفرج والشهرة والجاه والموت البطيء!
العراق والعراقيون ليسوا بحاجة لان يسلموا تاريخ تضحياتهم المدونة لقوى تسرقها وتعيد صياغتها على قدر ما في حجمها من طائفية وعرقية وسلفية كما فعل العابرون القدماء عندما دونوا مآثر جلجامش في "كتاب مقدس" لأنبيائهم؟ ولمَ ينبغي أن يكون دم العراقيين حبرا يدوّن به الغرباء مآثرهم الكاذبة؟ والى متى ينبغي أن تكون ضحايا العراق المؤلمة أضحية الأفراح الوقحة للعابرين الجدد؟ وهي الأسئلة التي لا يعطي لها معنى الأبدية سوى الجهل والمراوحة في المكان والتاريخ والعجز عن تجاوز نقاط الخلل الجوهرية، وهي في العراق جلية للغاية يمكن حصرها في كل من الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي الاجتماعي والمجتمع المدني وثقافته العقلانية الحرة. ففيها فقط تكمن أساليب وقدرة حل العقدة العراقية وتحويل زمن الضياع إلى جزء من تاريخ البدائل العقلانية والإنسانية.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة