المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

قراءة في مذكرات مختلفة

قاسم عبد الامير عجام



احدث تحول عم احمد سوسة الى الاسلام صدمة في أسرته واشاعت فيها حزناً تركا في نفسه دهشة واحساساً بوقوع كارثة لا يدركها مما اثار فيه تساؤلات راح يسعى للاجابة عليها بالاقبال على دراسة الاديان وتاريخها منذ دخوله الجامعة الأمريكية حتى انتقاله الى جامعات أمريكا إذ تفرغ (صيفية كاملة في دورة لدراسة تاريخ الاديان وعلم اللاهوت على أشهر استاذ في جامعة شيكاغو) وقد اثمر ذلك التتبع عن :
أ. 1- بحث موجز عنوانه (دراسة مقارنة بين الاسلام والمسيحية) ورد في المذكرات (ملحق رقم 1) وكان أول بحث وضعه في الاديان خارج دراسته المتخصصة (الهندسة).
أ. 2- وقاده بحثه المستمر في الموضوع الى ترسيخ اعتقاده بان الاسلام (يجمع بين الديانات السماوية) فاختاره (عن عقيده وايمان ومعرفة) ص30 وصولاً الى اعتناقه الدين الاسلامي رسمياً في 27 تشرين أول 1936 .
أ.3- اصدار كتابه (في طريقي الى الاسلام) بجزأيه .
أ.4- ثم مضى به البحث صعوداً الى كتابه الضخم (العرب واليهود في التاريخ) (الموجز والمفصل).
ولشدة تأثير هذا الكتاب وأهميته في موضوعه، حاولت الصهيونية شراء عدد كبير من نسخة لا تلافها! ص30
أ. 5- دراساته المبكرة عن القضية الفلسطينية والصهيونية المنشورة في المذكرات كملاحق (ملحق 2 وملحق 3).
ب. مشروع ري سدة الهندية
كان هو الحدث الثاني الذي اثر في حياة احمد سوسة، وهو يروي لنا تفاصيل ذلك في سيرته ابتداء من الدواعي الفنية للتفكير بهذا المشروع حتى افتتاحه رسمياً في 12/12/1913 وحضوره الحفل، ثم متابعته، وهو يمتطي فرسه، أولى دفقات الماء عبر السدة في شط الحلة حتى وصول الماء مدينة الحلة وكيف كانت فرحة الناس به بعد ان كانوا مهددين بعطش قاتل.
نقول كان لهذا اليوم والمشروع اثرهما العميق في نفس الفتى، تبلور بان يتمنى ان يكون مهندساً مثل ويلكوكس"- المصمم والمشرف على تنفيذ المشروع- كي يقوم بمثل ما قام به. وإذ تحققت امنيته فصار مهندساً بل، ومختصاً بالري، فانها تحققت بشكل أكثر تفصيلاً حين اصبح "مديراً لمنطقة ري الفرات المسؤول الأول عن إدارة مشروع سدة الهندية) ص33. غير ان الحدث وآثاره قد اسفرت عن اهتمامه (احمد سوسة) البالغ بدراسات الري والتوجه نحو بحث موضوعاتها وتصاميمها فأنجز الدراسات التي اشرنا في مقدمة هذه الدراسة بما فيها كتابه عن سدة الهندية نفسها الذي اشرنا اليه، وكان باللغة الانكليزية، والى هذا الكتاب نفسه يحيل القارئ في كتابه (تطور الري في العراق) حين يتحدث عن سدة الهندية ضمن حديثه عن مشروعات ري الفرات.
ان ارتباط هذا التوجه نحو دراسات الري وقضاياه وتاريخ فيضاناته بفتوة الباحث ومتطلبات مدينته.. موطن صباه ونشأته، اضفى على دراساته تلك من صبر الباحث ورغبته في الدرس عمقاً وشمولاً، وفتحت بدورها الباب واسعاً على مقومات الحقيقة التاريخية التي ترى ان الري والزراعة أساس الحضارات العظيمة.
ج. ثالث تلك المؤثرات / القضايا هي ولعه ومعايشته للآثار التاريخية القريبة من الحلة وهي آثار بابل وكيش.
ولم تتمثل تلك المعايشة بزياراته المستمرة لتلك المواقع الآثارية فقط وانما كانت جدران البيوت في الحلة مبنية من آجر مقالع من بنايات بابل الضخمة وهي تحمل اسماء ملوكها، فضلاً عن لقائه باوائل المنقبين في تلك المواقع.
بذلك كان الحس التاريخي بحضارة وادي الرافدين ينمو معه ويتحول الى مكون من مكوناته المعرفية حتى كتابه الضخم (تاريخ حضارة وادي الرافدين في ضوء مشاريع الري الزراعية والمكتشفات الآثارية والمصادر التاريخية) / دار الحرية - 1983 فضلاً عن دراساته الاخرى.
- حضارة وادي الرافدين بين الساميين والسومريين.
- تطور الحضارة العربية عبر العصور.
ويلاحظ ان ربط الحضارة بالزراعة والري في دراساته التاريخية لايعبر حقيقة موضوعية فحسب وانما يستجيب لمكون آخر من مكونات شخصية احمد سوسة هو ولعه بالري والزراعة ودراساته في مجالاتها المختلفة كما رأينا في المكون الثاني.
ثانياً. السمات المعرفية في المذكرات
لم نعدد تلك الثمار المعرفية لمكونات شخصية احمد سوسة كجزء من صورته فحسب وأنما، وكما اشرنا، هي تخوم بين صورته وصورة مذكراته.. سيرته هذه كنص مكتوب. إذ ترددت موجاتها واصداء مضامينها عبر هذه السيرة باكثر من صيغة كما نرى فيما يلي:
أ. الدراسات وكتابات الرأي الواردة في المذكرات...
وهي عديدة وتمثل ابرز السمات المعرفية للمذكرات.. ومن ابرزها تلك الدراسات:
1- تاريخ يهود العراق القديم /ص ص 79- 103.
2- دراسة مقارنة بين الاسلام والمسيحية / ملحق 1 ص- ص 219- 244.
3- فلسطين بين العرب والصهاينة /ملحق 2 ص ص 243- 247.
4- القضية الصهيونية والروح العربية/ ملحق 3 ص ص 249 - 258.
5- كلماته وخطبه التي القاها في ندوات ومؤتمرات الجمعية العراقية لطلبة الجامعة الأمريكية في بيروت .
ففي دراسته (تاريخ يهود العراق القديم) يتعائق اهتمامه بالاديان باهتماماته التاريخية عبر قراءة متأنية للوقائع التاريخية والآثار. ولعل العنوانات التالية تشير الى ذلك:
- اقدم وجود لليهود في شمالي العراق.
- اليهود في الاسر في آشور.
- امارة حدياب في آشور.
- بقايا يهود كردستان العراق وتهجيرهم الى إسرائيل.
- اليهود في الاسر في بابل.
- هجرة اليهود العرب من جزيرة العرب الى الفرات الأوسط.
- اليهودية في جزيرة العرب .
- عروبة يهود الجزيرة العربية.
- صلة يهود جزيرة العرب بفلسطين.
- تهجير يهود العراق.
وتشير الى نزعته في اشباع الموضوع الذي يدرسه والإلمام بجوانبه وهو ما سنقف عنده ثانية في السمات المعرفية الأخرى.
ب- التعريف الوافي بالمكان والزمان:
ويتخذ في المذكرات أكثر من شكل:
ب. 1- السرد التاريخي لاصل الواقعة موضوع البحث. وابرز تطبيق لذلك عرضه لتاريخ أسرته، إذ كان يستطيع ايجازه بعدة سطور لكنه طاف بنا من الجزيرة العربية حيث القبائل العربية المتهودة ومنها قبيلته (آل سواسة) في اليمن الى هجرتها الى الشام وتونس وبلاد الرافدين فمر على المدن التي اقامتها تلك القبيلة والنشاطات التي مارستها وصولاً الى استقرار اسرته في الحلة والصقلاوية بالعراق مروراً ببغداد. بعد ان كان قد وقف عند شيء من تاريخ اليمن وقبائلها وامر الخليفة عمر بن الخطاب بتهجير القبائل المتهودة وتعويضهم عن أراضيهم. والعلاقات الزراعية السائدة في المناطق التي هجرت اليها. ووقف عند حقيقة المعتقد الديني للقبائل العربية المتهودة معتقداً انه نوع من التحزب أكثر منه عقيدة دينية. فكان ذلك طوافاً في التاريخ والجغرافية.. وكانت دراسته تاريخية - جغرافية أكثر منها توثيقاً لأصل الأسرة وانها ملمح بارز من ملامح روح البحث في المذكرات (ص ص 52 -70).

 


فوزي كريم في أمسية دمشقية حــديـث عــن عــلاقـة الـشــعـر بـالمـوسـيـقــا وقصائد تحاور الذات الحزينة


ابراهيم حاج عبدي

دمشق

للشاعر العراقي فوزي كريم فهمه الخاص للشعر وللأمسيات الشعرية، فهو يبتعد، في أمسياته، عن الأجواء الاحتفالية، وعن الأضواء والرسميات، ليختار ركنا هادئا يستوعب عددا قليلا من الجمهور ليتسنى لهذا العدد الإصغاء بعمق وتأمل إلى أشعاره، بدلا من الوقوف على منبر رسمي في صالة فخمة تستوعب أعداداً كبيرة غير أن هذه الأعداد تؤدي واجبها احتفاء بشاعر ما، بدلا من الإصغاء للشعر، وهكذا فعل فوزي كريم، المقيم في لندن منذ حوالي الثلاثين عاما، في أمسيته الأخيرة بدمشق، إذ آثر أن يكون المكان هو المرسم الصغير للفنانة التشكيلية العراقية نوال السعدون، في حارة القيمرية بدمشق القديمة، حيث أنشد وسط اللوحات وأضواء الشموع، باقة من قصائده الجديدة، بعد حديث تمهيدي عن علاقة الشعر بالموسيقا.
حضر الأمسية عدد من العراقيين المقيمين في دمشق مثل الكاتب العراقي أحمد هاشم الذي قدّم الشاعر للجمهور القليل، وكان لافتا حضور الفنان التشكيلي العراقي جبر علوان، والفنان التشكيلي يوسف الناصر، كذلك حضر عدد من السوريين مثل الشاعر السوري طه خليل، وعلي جازو، والفنان التشكيلي عبد الكريم مجدل بيك وسواهم من السوريين والعراقيين الذين أصغوا إلى كلمات الشاعر بصمت، ثم دخلوا في نقاش معه بعد ان انتهى الشاعر من إلقاء قصائده.
استهل كريم أمسيته بالحديث عن علاقة الموسيقا بالشعر، وأشار إلى ان معظم البحوث التاريخية واللغوية أكدت "أسبقية الموسيقا على الكلام"، وأضاف كريم بان "الثقافة الغربية أولت الموسيقا الجدية الكلاسيكية اهتماما كبيرا، في حين ان التراث الثقافي العربي عني بالجانب الموسيقي وعلاقته بالإنسان والفنون الأخرى بطريقة نظرية رائعة جدا، وربما يعتبر التراث العربي في الطليعة فيما يتعلق بالاهتمام بالموسيقا عبر نصوص نظرية قدمها ابن سينا والفارابي وإخوان الصفا والغزالي" على سبيل الأمثلة.
ولاحظ كريم انه وبالمقارنة مع ما كان في الماضي، تبدو الآن حالة المثقف العربي فقيرة جدا بهذا الشأن، وأعرب عن استغرابه من تجاهل المثقف العربي للموسيقا الجدية، فهناك دائما حائل يحول بين المثقف أو الشاعر وبين اعتبار الموسيقى مصدرا معرفيا شأنها شان الفنون الأخرى. وقلل كريم من أهمية الحجج التي يتم التذرع بها في هذا المجال كأن يقال "ليس لدينا تربية موسيقية" لان الموسيقى "الكلاسيكية الجدية" فن غربي، وليس هذا عذر دقيق لان هناك فنونا أخرى عديدة كالمسرح والرواية والتشكيل تعتبر فنونا غربية بيد أن المثقف العربي استوعبها، غير انه بقي بعيدا عن الخوض في الحقل الموسيقي.
وأشار كريم إلى ان الموسيقا الشرقية تختزن بعض نماذج الموسيقا الجدية لكن ذلك نادر مثل فن المقام العراقي الذي لم يتم تطويره، معتبرا أن الفنان العراقي يوسف عمر هو واحد من أهم المعنيين بالمقام العراقي، وأضاف أن هناك الكثير من عناصر الموسيقا الشعبية يمكن ان تشكل جذرا للموسيقا الجدية، ولكن عدم الاهتمام هو الذي قضى على هذه الجذور.
واختتم كريم كلامه بالحديث عن العلاقة بين الموسيقا والشعر في التراث الشعري العربي، فهذه الموسيقا، بحسب رأيه، لا تقتصر على الأوزان، أي بحور الشعر، بل ثمة موسيقا داخلية أخرى، وأورد أمثلة عن البحر الخفيف للشعراء: المتنبي وأبو نواس وابن الرومي، موضحا بان البحر، في القصائد التي اختارها كريم كأمثلة، هو عبارة عن ضابط إيقاع، في حين يعتمد اللحن الموسيقي الأساسي على طبيعة الشاعر، فرغم ان البحر واحد، وهو البحر الخفيف، لكن اللحن الموسيقي أو الطاقة الموسيقية تختلف تماما حيث نسمع ضرب الطبول العنيفة لدى المتنبي، بينما نسمع همسات العذوبة والهدوء لدى أبى نواس وابن الرومي.
بعد ذلك قرأ فوزي كريم بعضا من أشعاره التي كتبها في الآونة الأخيرة، وهي اتسمت بنبرة وجدانية هادئة تهجر الخطابة والنبر العالي لتستبطن الروح، وتحاور الذات الهشة في المنفى الأوربي البعيد. فوزي كريم شاعر ينتمي إلى زمن الحروب والمآسي والمنافي البعيدة، كحال كل مجايليه، وقد بدا في قصائده الأخيرة أكثر عزلة وانطواء على الذات التي تحلم وتتوق إلى الفرح والحياة المشتهاة غير ان الواقع الأليم يحول دون ذلك فلا يبقى للشاعر، والحال كذلك، سوى القصيدة يلوذ بها من المحن والأوجاع والخيبات الكثيرة.


حينما غمرني ضباب طهران الأبيض

علي بدر

لا أتحدث عن رحلة النبي دانيال الشاقة، ولا عن مغامرة لصيد كبير، إنما عن رحلة إلى طهران، إلى كلاسيكية الأدب الفارسي، إلى خان شاه نامة العظيم دون أن أعرف شعراء كثرا يقرؤون في مقهى صغير أشعار جامي، أو حافظ، أو الشيرازي، ولا كتابات ملا صدرة أو عبد الكريم سروش.
من مطار أتاتورك حملتني الطائرة ومرقت بي في ليل إيران البهيم، فجر جديد على جبال البورز المتعرجة، على مت دامافاند الملوكي وقد غمرنا ضباب طهران الأبيض، سائق التاكسي الذي أقلني إلى الفندق طلب بقشيشا عاليا وبالدولار، ظنني مليونيرا أو تاجرا، رفعت يدي أمامه إلى الأعلى وقلت له أطلق النار، وفي فندق آزادي كل شيء لا معقول وسريالي وساخر مثل حاجي بابا الأصفهاني التي ابتدعتها عقلية جيمس موير الساخرة، تأخذ مفتاح حجرة ليست حجرتك، والحمال يأخذ حقائبك إلى شقة ليست شقتك، وموظفة الاستعلامات بالرغم من جمالها التاريخي الساحر فإنها بلحظة أضاعت جوازي، الشاعرة الإيرانية معصومة آصفي لحقت بي وقبلتني رغم وجود رجل دين في الصالة، وأخذتني إلى مطعم دربند التاريخي لتناول الكباب الإيراني على أنغام الموسيقى الساحرة، النساء يدخن السجائر ويطرحن الإيشاربات عن رؤوسهن، والشادور أصبح أكثر تجسيما على الأجساد من الشادور القديم، أدهشتني الشوارع الفسيحة الرائعة، المتنزهات الفخمة ذات الظل البارد وعطر مئات أشجار السرو المغروسة منذ القاجاريين، المنازل بأفنيتها الكبيرة وزجاج نوافذها الملون، سوق كارافانسيراي بممراته، وصفوفه المقببة المنخفضة، مسجد الشاه ومدراسيه، وفي المساء سرنا على طريق كالوس الجبلي بقممه المغطاة بالجليد، بتنا في منتجع كلارادشت الجميل، سبحنا في العيون الساخنة لمنتجع رمسر الساحلي، زرنا المناطق الأثرية لماسولة القديمة، تجولنا في الأسواق الشعبية على امتداد بحر قزوين، زرنا البرسبوليس ونقش رستم، ثم وقفنا أمام قبر حافظ، أمام القبة التي ترتفع إلى الأعلى كرمز للروح الصاعدة نحو السماء وتحدثنا عن الشعر الفارسي الذي تأثر بالشعر العربي.
"تأثير اللغة العربية على اللغة الفارسية مثل تأثير اللغة الرومانية على اللغة اللاتينية، الرومي، الخيام، سعدي، حافظ، ناصر خسرو، العطار، و جامي كلهم تأثروا بالقرآن و الشعر الجاهلي و الأموي و العباسي، سعدي انتحل قصائد المتنبي، وفردوسي رغم عنصريته لم يستطع أن يستغني عن المفردات العربية في شاهنامته" قالت معصومة آصفي ذلك وهي تتعلق بذراعي وتحاول أن تضبط إيشاربها الذي انزلق عن رأسها، شعراء آخرون كانوا في حديثها: ميرزاده عشقي الذي قتله بهلوي، عارف القزويني و فرخي يزدي الذي تم تخييط فمه بسبب قصائده المحرضة ضد الشاه، الشاعر والأمير القاجاري ايرج ميرزا الذي مزج الغزل و الحب المجازي بقدح أبناء زمانه من سياسيين وغيرهم، بروين اعتصام و قصائدها العاطفية ذات الصبغة الإنسانية و المشحونة بالنصائح و الحكايات.
مشينا معا في الأسواق والشوارع وفي الساحات الواسعة، التقطنا صورا أمام دكاكين الحلاقين، أمام باعة التوابل والمكسرات، أمام محلات المجبراتية، أمام المكتبات الكبيرة، أمام محلات العطارة والبقاليات، أمام المطاعم التي تقدم البيبسي كولا والساندويشات. الوجوه هنا تذكرني بالشخصيات التقليدية من تجار البازارات في قصص صادق هدايتي، الروائي الذي انتحر في شقته في باريس في الثلاثينيات..وجوه تذكرني بشخصيات برزك علوي وروايته عيونها، تذكرني بشخصيات محمود دولت آبادي والذي يعد نجيب محفوظ الأدب الفارسي، بفروغ فرخ زاد التي تشبه غادة السمان من نواح كثيرة، بشخصيات رضا برهاني والمسرحي سعيد سلطانبور الذي أعدمه الخميني...أمام واجهة المكتبة التي توقفنا أمامها كانت الكتب الأجنبية المترجمة للفارسية تتصدر الواجهة: بروست، توماس مان، مكسيم غوركي، نجيب محفوظ، غادة السمان، طه حسين، توفيق الحكيم، غسان كنفاني، البياتي، محمود درويش، عبد الرحمن منيف، نازك الملائكة، محمد مفتاح الفيتوري، سميح القاسم، قال لنا كاتب شاب أن الرقابة شديدة ولم تسمح بطبع روايات مهمة مثل يولسيز لجويس ومدام بوفاري لفلوبير وغيرها.
سرنا أنا ومعصومة آصفي وكاتب شاب حتى وصلنا محطة القطار، جلسنا في مطعم لغياب المقاهي، ثم انحدرنا صوب منتزه أجامشيد الكبير وجلسنا تحت الظل الثقيل والصامت، كانت النسائم الباردة تخفق على وجوهنا، وحديثنا انعطف شيئا فشيئا نحو الشعر:
تحدثت لي معصومة آصفي عن علي أسفندياري الذي دمر أسطورة الشعر الكلاسيكي، عن نيما الشاعر الكئيب الذي قال هذا دلوك في يدي وأنا بئركم ألوح بالماء من بعيد، تحدثت لي عن برويز ناتل خانلري ومحمد حسين شهريار وفريدون توللي..تحدثت لي عن بهجت تبريزي الذي صرخ: "سلاماً يا حيدر بابا" والتي كتبها باللغة التركية, عن أحمد شاملو الذي كتب قصيدة النثر الإيرانية، أدهشتني وهي تتحدث دون انقطاع عن قصائد شاملو الميتافيزيقية، عن شاملو الذي كان يرتعش من خوفه من العوالم المجهولة. كنت أشعر ببدن شاملو وهو يقشعر، شاملو الذي بكى الهواء المضبب بالحزن ونتف الحبال الفضية في مسبحة الجواهر، شاملو مزيج من ريلكة وبرودسكي فالشعر حادثة, حادثة مسببها الزمان والمكان. ولكن شكلها يتحقق في اللغة...كان يسمي قصيدة النثر بالشعر الأبيض, شعر لا يريد أن يظهر على شاكلة الشعر، قصيدة النثر هي رقص لا يحتاج إلى إيقاع، موسيقى حسية, شعر أبيض، فكر متمرد، كما كتبته فروغ فرّخزاد، كما كتبته وهي تبحث عما خفي فيها, عن البحرٌ الذي لا يمكنها أن تخفيه في هذا الطوفان المخيف.. مهدي إخوان شاعر اليأس والجو الكئيب, والأبواب الموصدة, والرؤوس في الياقات, والأيدي المخفية, حيث الأشجار هياكل من بلور مرصوف, والأرض ميتة القلب, والسماء واطئ سقفها, ومن ثم سُهراب سبهري السريالي الذي مزج شعره بالعرفان والدروشة, سبهري الذي خشي أن تأتوا على رؤوس أصابعكم، كي لا تتفطر آنية وحدته الخزفية الرقيقة...جلسنا طويلا ونحن نحدق بالوجوه والأشجار والشوارع، جلسنا طويلا ونحن ننظر إلى الطيور البيض وهي تحلق في السماء المكشوفة، جلسنا طويلا ونحن نتذكر الشعراء الذين قتلتهم الأيدي الخشنة والوجوه المتصلبة في ليل طهران البهيم.


القاص فاروق السامر ... (كائن سرديّ ... في الجانب الآخر من المدينة)

 

خالد خضير

ضمن منهاجه الثقافي المتواصل احتفى اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين فرع البصرة بالقاص فاروق السامر الذي فاز بجائزة القصة القصيرة التي اقامها الملتقي الثقافي الأول الذي جرى مؤخراً..
وقد قدمه، في الجلسة، القاص محمد خضير بكلمة تجسدت فيها مهارته في التكنيك اللغويّ الرفيع، فوصف المحتفى به: بانه (كائن سرديّ مولود في الجانب الآخر من المدينة) ولد عام 1947، في منطقة الخندق، ونشأ مع كائناته المهمشة : فيصل السامر، محمد الجزائري، محمد راضي عبد الله، ابراهيم الجزائري (واغفل القاص محمد خضير ذكر سهيل سامي نادر الذي ولد ايضاً في منطقة الخندق واسماعيل فتاح الترك حسب معلوماتنا) (لقد ترك فرسان الخندق علامات في منتهى الرقة قبل اختفائهم في الاعماق الارضية أو شرودهم في جهات الدنيا) (يمتلك فاروق السامر كلمة السر لحصد جوائز السرد)، لقد خرج أول مرة عام 1968 حينما ظهرت اولى قصصه في صحيفة الشعب، وتتالت تلك القصص كما انجز روايتين. وتجسد تلك الأعمال اسلوب القاص في التحليل المستفيض لحيوات عاشت في منطقة الخندق، كما كتب نصوصاً مسرحية فأثرت الكتابة للمسرح في كتابة القصة .. يعمد الى تشريح اعماق شخوصه وتغوص قصصه مثل سكين في جسد النص.
وتناول القاص محمد خضير القصة الفائزة (خمار دزديمونة) بانها بنيت من ثلاثة محاور هي: الزمن والجمال والحرب، فكانت نصاً يتحول من الواقع الى الرؤيا منغمراً في تحولات زمنية وتداعيات الحروب وأهوالها، برؤية تشكيلية استمدها من الرسامين الذين عايشهم في محلة الخندق.
ثم قرا القاص فاروق السامر قصته التي تناولها الحضور بدءاً من المقدم القاص محمد خضير فوصفها بانها ذات بناء دائري ورؤى زائفة (تخيلات)، الا انها لم تزل تستعير تقاليد السرد العراقي.
وتحدث المحامي عزيز الساعدي عن تداخل الأزمنة وثنائية الغياب والحضور للبطل واقتراح مقاربة سايكولوجية للقصة، اعقبه القاص قصي الخفاجي الذي أكد الحاح القاص على العوق الجسدي في كل قصصه عن الحرب، بينما تناول القاص محمود عبد الوهاب تكنيك التقطيع، وطبيعة الشخصيات الحساسة (رسامين)، وهي ادانة غير مباشرة للحرب، اعقبه الكاتب جاسم العايف عن اجناسية نمط كهذا يجمع بين السرد القصصي والحوار المسرحي والتقطيع السينمائي.
بينما اعتبر الناقد جميل الشبيبي قصة (خمار دزديمونة) ضرباً جديداً من السرد في تجربة فاروق السامر ذاته، حينما نوع في زوايا النظر واثث الامكنة وكشف اغوار الشخصيات، واعتبر القصة نموذجاً رفيعاً لقصص الحرب، وقد اشار الى تنوع اسلوبيته منذ المقطع الثاني فالثالث حيث كان اقرب الى كسر حدود اجناسية القصة القصيرة مستفيداً من الحوار المسرحي الذي اتصف بالعمق الفلسفي، وأكد ان كسر الاجناسية هذا حدث في القصة القصيرة العراقية على يد القصاصين: محمد خضير و محمود جنداري ولطفية الدليمي (واغفل الناقد جهد القاص المعتقل الان لدى قوات الاحتلال محسن الخفاجي)، واوضح ان فاروق السامر استفاد من مصادر عديدة منها الرسم مثلاً مما وسع من الحدود التعبيرية للقصة القصيرة، ليصل في النهاية الى الاستنتاج ان (خمار دزديمونة.. قصة مختلفة تماماً).
وقد كان آخر المتحدثين القاص المحتفى به فاروق السامر الذي اعتبر قصته (محاولة لانقاذ القصة القصيرة العراقية من المأزق الذي تجد نفسها فيه خلال العقود الثلاثة الأخيرة) والخروج باتجاه الرواية الذي عده (تحولاً طبيعياً للقاص بعد اختمار تجربته) .
واشار الى استخدامه تكنيكات ثلاثة: السرد القصصي والحوار المسرحي والمشهد السينمائي، وشرح مفهوم (الواقعية التركيبية) هي بالكشف ولم اجزاء الواقع في محور لام وجامع، وقال (لقد حاولت، من خلال الحوار تمزيق القشرة المتكلسة للقصة القصيرة).
وأكد (ان الكاتب حرّ في معالجاته التقنية، فقد حاولت جعل الحوار العنصر الطاغي في الكتابة القصصية).

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة