اراء وافكار

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

نظرة مقارنة في دستور (1925) ودستور (2005)

عبد الغني الدلي(وزير سابق)

في هذه المقالة الوجيزة احاول لفت الانتباه، ونحن على اعتاب مرحلة دستورية جديدة، الى جملة من الامور التي يتوجب على المشرعين والرأي العام الالتفات اليها، وذلك من خلال التدقيق في بعض جوانب دستور 1925، مقارنة بالوضع الحالي، وبخاصة ما يتعلق باحكام الشريعة، وتمثيل شتى الجماعات على اختلاف القومية والمذهب، او تمثيل الاقليات وحدود صلاحيات المحكمة الدستورية، وما الى ذلك.
وتأتي هذه المبادرة في سياق الرغبة في الافادة من تجارب الماضي، ودعماً للرغائب المعلنة في تحسين الدستور الحالي، واستكماله بلوائح قانونية لم تشرع بعد، وذلك حفاظاً على التوازن، والحقوق والحريات من الزلل او الخلل.
صدر هذا الدستور في 21 آذار (مارس) 1925، بعد مصادقة المجلس التأسيسي عليه ونص في مادته الثانية على ان "العراق دولة ذات سيادة مستقلة حرّة، مُلكها لا يتجزأ.. وحكومته ملكية وراثية وشكلها نيابي".
وقد الغي هذا الدستور يوم 14 تموز (يوليو) 1958 وحلّت محله منذ ذلك الحين دساتير مؤقتة متتالية، وضعت السلطة في يد ديكتاتوريات عسكرية، او حزبية او فردية، ويجري العمل الآن على التخلص منها وازالة آثارها بوضع دستور ديمقراطي جديد.
لديّ بعض ملاحظات حول طبيعة دستور 1925 الديمقراطية طالما اهملها المعلقون، أود طرحها لعلّها تكون مفيدة في هذه المرحلة من اعادة التأسيس. وهي تدور حول مسألتين:
اولًا: كيف جاء دستور 1925 للوجود.؟
ثانيا: ما هي المبادئ الديمقراطية التي تضمنها ذلك الدستور، وما هي المبادئ التي اهملها.؟
اولاً: كيف جاء دستور 1925 للوجود:
دخلت القوات البريطانية العراق بعد نشوب الحرب العالمية الاولى وتمكنت من دحر القوات العثمانية واقامة حكم عسكري بريطاني مباشر، ولكنه ما لبث ان واجه مقاومة وطنية تبلورت في ثورة 1920 التي كلفت الحكومة البريطانية خسائر باهظة في الارواح والاموال حتى سيطرت عليها. ولكن تك الثورة وضعت البريطانيين امام خيارين لا ثالث لهما، كما قال نائب الحاكم العام العقيد ويلسن ـ الاول هو استمرار الحكم العسكري وقمع كل حركة مناوئة بالقوة، والثاني هو الانسحاب الكامل من العراق وترك البلاد وشأنها. واقترح ويلسن تزويده بالقوات الكافية لتحقيق الخيار الاول، الذي كان هو خياره وخيار (المدرسة الهندية ـ البريطانية) التي كان يمثلها.. ولكن وزارة الخارجية البريطانية اجابته "ان هناك حلاً آخر هو التعاون مع العراقيين على انشاء حكم وطني يضمن مصالح الطرفين.. وكان هذا هو رأي مدرسة (وايتهول) في السياسة العربية، وعلى اثره اعفى العقيد ويلسن من منصبه، وعيّن السر برسي كوكس حاكماً عاماً للعراق وبدأ العمل بهذه السياسة وكان ساعده الايمن المس بل في بغداد والمستر كورنواليس وزملاؤه في "المكتب العربي" بالقاهرة المرتبط مباشرة بـ"الوايتهول" في لندن.
ومن الجانب الآخر طالب عدد كبير من قادة الثورة العراقية من مختلف الفئات بتأسيس حكومة عراقية وطنية يرأسها ملك عربي من ابناء الملك حسين شريف مكة. وكان الملك فيصل بن الحسين قد اضطر للتخلي عن عرشه في سورية بعد هجوم فرنسي على دمشق، واختار منفاه في ايطاليا، فقامت الجهات البريطانية بالاتصال به وتم الاتفاق على ترشيحه ملكاً على العراق. وانعقد مؤتمر خاص في القاهرة لهذه الغاية اتخذت على اثره الخطوات اللازمة لذلك وكان اولها اجراء استفتاء عام في العراق عام 1921 تمت الموافقة بموجبه على تتويج فيصل ملكاً على العراق.. ووضع دستور للمملكة الجديدة.. فتقدمت وزارة المستعمرات البريطانية بمقترحات لهذا الدستور ساعد في اعدادها السر بونهام كارتر المستشار القانوني للادارة البريطانية في بغداد والذي كان قاضياً بارزاً في حكومة السودان قبل ذلك. الا ان الملك فيصل والساسة العراقيين اصروا على ان يقوم او يشارك قانونيون وسياسيون وطنيون في وضع الدستور. وتم الاتفاق على تأليف لجنة من العراقيين والبريطانيين تقوم بوضع الصيغة النهائية للدستور. وضمت اللجنة من العراقيين السادة ناجي السويدي ورؤوف الجادرجي وساسون حسقيل ويوسف غنيمية، الى جانب السر بونهام كارتر ومندو بريطاني آخر. ويلاحظ ان الاثنين الاولين من العراقيين كانا من خريجي كلية الحقوق في اسطنبول، وان ساسون حسقيل كان قد درس العلوم السياسية في فيينا، ويوسف غنيمة من ابناء الطائفة المسيحية كان من المثقفين البارزين في بغداد. لقد كان طابع هذه اللجنة فنياً عرضت مقترحاتها على لجنة ضمت قانونيين آخرين ورجال سياسة وممثلي عشائر عراقيين. وبعد مناقشات وتعديلات تقدمت بمقترحاتها الى "المجلس التأسيسي" الذي تم انتخابه على اسس كانت مطبقة في العهد العثماني. وقد ناقش "المجلس التأسيسي" تلك المقترحات وصادق على الدستور في 20 آذار (مارس) 1925 كما مرّ ذكره.
يلاحظ هنا ان رئيس الدولة وشكلها قد تقرر ان يكون ملكياً باتفاق العراقيين والدولة المحتلة (بريطانيا) وتأيد باستفتاء عام. في حين تقرر شكل الدولة "جمهورية" بموجب قرارات مجلس الحكم المؤقت المعين من قبل سلطة الاحتلال ولم يجر عليه استفتاء، وان الدستور قد تم وضعه من قبل لجنة فنية عراقية ـ بريطانية، وليس من قبل هيئة سياسية كما هو حاصل الآن. وان مناقشته والمصادقة عليه تمت من قبل مجلس تأسيسي منتخب وليس بالاستفتاء العام والذي عرّض وسيعرّض البلاد لخلافات حادة.
ان القاء نظرة عامة على دستو 1925 تظهر اولاً ان صياغته كانت صياغة قانونية متوازنة، وثانياً انه يحمل روحاً ديمقراطية حرّة تضمن حقوق الافراد وحريتهم وتراعي حاجات الفئات المختلفة التي يتألف منها المجتمع العراقي وتؤمن قيام سلطة مركزية تتطلبها وحدة البلاد وظروف الدولة الناشئة آنذاك المقيدة في ذات الوقت بسلطة البرلمان وسلطة قضائية مستقلة.. اما قانون (الادارة الانتقالي) فقد اعتبر ان الحكومة مؤلفة من مجلس الرئاسة والوزراء والهيئة القضائية.. مشتركة، الامر الذي سبب خلافات في ادارة الدولة.
2 ـ المبادئ الديمقراطية التي تضمنها دستور 1925 وعلاقتها بالجدل الدائر الآن حول الدستور الجديد (مع الاعتراف ببعض النواقص في دستور 1925 سيأتي ذكرها، والاخطاء التي وقعت في تطبيقه والتي لا يتسع المجال لبحثها هنا):
أ ـ الدين: نصت المادة 13 من دستور 1925 على ان "الاسلام دين الدولة وحرية القيام بشعائره المألوفة في العراق على اختلاف مذاهبه محترمة لا تُمس. وتضمن لجميع سكان البلاد حرية الاعتقاد التامة".
ولا يوجد في هذا النص ما يشير الى علاقة الدين بتشريع القوانين نفياً او ايجاباً. ومن الناحية العملية ظلت الاحكام القانونية تستمد من احكام الشريعة الاسلامية سواء في الاحوال الشخصية او العلاقات العائلية او في الحقوق المدنية، حيث ظلت "مجلة الاحكام العدلية" المقننة في عهد الخلافة العثمانية هي المطبقة في العراق حتى عام 1936 ـ 1937، وفي ذلك الحين استعانت الحكومة العراقية بالخبير القانوني المصري الدكتور عبد الرزاق السنهوري الذي وضع القانون المدني العراقي الذي حلّ محل "مجلة الاحكام العدلية" مستنداً الى الفقه الاسلامي بجميع مذاهبه ثم الى التشريعات الحديثة كلما دعت الضرورة، واصبح هذا القانون نموذجاً اخذت به دول عربية اخرى.
ب ـ اللغة: نصت المادة (17) على ان "العربية هي اللغة الرسمية سوى ما ينص عليه بقانون خاص". واشارت المادة (16) قبل ذلك الى "حق الطوائف المختلفة في تأسيس المدارس لتعليم افرادها بلغاتها الخاصة والاحتفاظ بهاعلى ان يكون ذلك موافقاً للمناهج العامة التي تعيّن قانوناً". وصدر فيما بعد قانون اللغات المحلية عام 1936 الذي أقر التعليم باللغة الكردية في المناطق الكردية.
جـ ـ حقوق الانسان تناولتها المواد التالية:
المادة (6): لا فرق بين العراقيين في الحقوق امام القانون وان اختلفوا في القومية والدين واللغة.
المادة (7): الحرية الشخصية مصونة لجميع سكان العراق ولا يجوز القبض على احدهم او توقيفه او معاقبته او اجباره على تبديل مسكنه... اما التعذيب ونفي العراقيين الى خارج المملكة العراقية فممنوع بتاتاً.
المادة (8): المساكن مصونة من التعرض ولا يجوز دخولها او التحري فيها إلاّ في الاحوال والطرق التي يعينها القانون.
المادة (9): لا يمنع احد من مراجعة المحاكم.
المادة (10): حقوق التملك مصونة، اما السخرة المجانية والمصادرة العامة للأموال المنقولة وغير المنقولة فممنوعة بتاتاً.
المادة (11): لا تفرض ضريبة إلاّ بمقتضى قانون.
المادة (12): للعراقيين حرية ابداء الرأي والنشر والاجتماع وتأليف الجمعيات والانضمام اليها ضمن حدود القانون.
ويلاحظ ان هذه المبادئ قد خرقت او عطلت في ظل الحكومات الدكتاتورية منذ تموز (يوليو) 1958 وخاصة في عهد صدام (1968
– 2003).
د ـ الفصل بين السلطات:
لقد اخذ دستور 1925 بمبدأ فصل السلطات التنفيذية، والتشريعية والقضائية في حين أقر بعض التداخل في ممارستها حسب مقتضيات الظروف العملية اتي تحيط بالاعمال الحكومية اليومية. وفي الواقع ان مبدأ فصل السلطات اساسي في النظام الديمقراطي ولكنه لم يطبق صورة مطلقة في أي بلد ديمقراطي وادخلت عليه كثير من الاستثناءات.
لقد تناول دستور 1925 السلطة التنفيذية في الباب الثاني الذي يبحث في حقوق الملك، وفي الباب الرابع الذي يحدد اعمال الوزارة وصلاحيات الوزراء ومسؤولياتهم.
وخصص الباب الثالث للسلطة التشريعية، والباب الخامس للسلطة القضائية الذي ورد في المادة الحادية والسبعين منه: "ان المحاكم مصونة من التدخل في شؤونها". وجاء في المادة الثانية والستين تأكيداً لاستقلال القضاء، حيث نصت: "ان الحكام لا يزالون إلاّ في الاحوال المصرحة في القانون المخصوص المبينة في شروط اهليتهم ونصبهم ودرجاتهم وكيفية عزلهم".
حقوق الملك:
لا شك ان دستور 1925 اعطى رئيساً للملك ومنحه حقوقاً واسعة ومع ذلك فانها ظلت مقيدة بسلطة البرلمان التشريعية واعمال الوزارة الادارية.
نصت المادة (19): "ان سيادة المملكة العراقية الدستورية للأمة وهي وديعة الشعب للملك فيصل بن الحسين، ثم لورثته من بعده". وعليه ان يقسم امام مجلس النواب والاعيان يمين المحافظة على احكام القانون الاساسي، ولا يحق للملك ان يتولى عرشاً خارج العراق إلاّ بعد موافقة مجلس الأمة، والملك مصون وغير مسؤول.
ولعلّ المادة (26) من الباب الثاني هي أهم وأوضح المواد في تحديد حقوق الملك، فقد جاء فيها ان الملك هو رأس الدولة الأعلى وهو الذي يصدّق القوانين ويأمر بنشرها ويراقب تنفيذها، وبأمره توضع الانظمة لأجل تطبيق احكام القوانين، وهو الذي يصدر الاوامر باجراء الانتخاب العام امام مجلس النواب وباجتماع مجلس الأمة، وهو يفتتح هذا المجلس ويؤجله ويفضه وفقاً لأحكام هذا القانون.
ولعلّ الأهم في هذه المادة هو ما جاء في فقرتها الثالثة التي اعطت الملك حق اصدار المراسيم التي لها قوة القانون اثناء عطلة المجلس لاتخاذ تدابير مستعجلة لحفظ النظام والأمن العام او لدفع خطر عام او لصرف مبالغ لم يؤذن بصرفها في الميزانية او بقانون خاص او للقيام بواجبات المعاهدات، وهو خرق واضح لمبدأ فصل السلطات، ولكن الدستور قيد هذا الحق، اولاً بموافقة هيئة الوزراء، وثانياً ان لا يكون مخالفاً لأحكام هذا القانون الاساسي، ثالثاً ان يتم عرض المراسيم الصادرة عن مجلس الأمة في اول اجتماع، فان لم يصدق مجلس الأمة على هذه المراسيم فعلى الحكومة ان تعلن انتهاء حكمها، وتعتبر ملغاة من تاريخ الاعلان، ويجب ان تكون هذه المراسيم موقعاً عليها بتواقيع كافة الوزراء.
المهم في هذا المجال ان هذه المادة تعطي الملك حق التشريع في الظروف المبينة ولكن لا علاقة لها باقالة الوزراء لأن الفقرة (ه) من المادة (26) تنص على ان الملك يختار رئيس الوزراء وعلى ترشيح الرئيس يعين الوزراء ويقبل استقالتهم من مناصبهم، ولا يتطلب ذلك صدور مرسوم، كما ذكر أحد الاخوان الباحثين في هذا المجال.
السلطة التشريعية:
نصت المادة الثامنة والعشرون من الباب الثالث: "ان السلطة التشريعية منوطة بمجلس الأمة مع الملك"، ومجلس الأمة يتألف من مجلسي الاعيان والنواب، وللسلطة التشريعية حق وضع القوانين وتعديلها مع مراعاة احكام هذا القانَون.
يتألف مجلس الاعيان من عدد لا يتجاوز العشرين شخصاً "وقد يزيد هذا العدد فيما بعد مراعاة لزيادة (السكان) يعينهم الملك ممن نالوا ثقة الجمهور، واعتماده بأعمالهم وممن لهم ماض مجيد في خدمة الدولة والوطن". ويتألف مجلس النواب بالانتخاب وتعين طريقة انتخاب النواب بقانون خاص تراعى فيه اصول التصويت السري، ووجوب تمثيل الأقليات غير الاسلامية. وتجدر الاشارة في هذا الخصوص الى ان اعرافاً دستورية قد استقرت وجرى العمل بها في تطبيق هذه المادة، فقد خصصت مقاعد محددة للموسويين والمسيحيين في مجلس النواب بغض النظر عن عددهم في المناطق التي يتواجدون فيها، وعند اختيار اعضاء مجلس الاعيان يختار الملك عادة عضواً من المسيحيين وآخر من الموسويين. وكان يراعى في انتخاب رؤساء مجلس الاعيان والنواب تمثيل الفئات المختلفة من السنة والشيعة والاكراد والعرب. ففي حالة مجلس النواب كان الرئيس عادة شيعياً وله نائب كردي ونائب عربي سني. وكان رئيس مجلس الاعيان احياناً من السنة واحياناً من الشيعة وله نائب من الاكراد او من الشيعة او من السنة حسب ما يقتضيه الحال.

مآخذ على دستور 1925:
أ ـ ادارة الاقاليم او الادارة المحلية:
تناول الباب السابع من الدستور هذا الامر واشار الى ضرورة اصدار قوانين لادارة المناطق وتنظيم الشؤون البلدية. ولكن صدور هذه القوانين تأخر حتى الاربعينات ولذلك كانت مشاركة المواطنين في الادارة المحلية محدودة، وهذا الامر من المآخذ على دستور 1925 وتطبيقاته.

2 ـ المحكمة الدستورية:

لا يوجد نص في دستور 1925 على تأسيس محكمة دستورية كما هو موجود خاصة في الدول الفيدرالية، لأن الدولة كانت دولة موحدة وليست فيدرالية، ولكن المادة (18) من الدستور نصت على تأليف "محكمة عليا" لمحاكمة الوزراء واعضاء مجلس الأمة المتهمين بجرائم سياسية او بجرائم تتعلق بوظائفهم العامة، ولمحاكمة حكام التمييز عن الجرائم الناشئة من وظائفهم، وللبت بالامور المتعلقة بتفسير القوانين وموافقتها للقانون الاساسي.    
ولكن هذه المحكمة لم تؤسس بصورة دائمة وانما تجتمع كلما اقتضى الامر بارادة ملكية تصدر بموافقة مجلس الوزراء. وقد تؤلف هذه المحكمة في عدة مناسبات للنظر في تفسير احكام الدستور، ليس غير، ولا يوجد في النصوص ما يخوّل هذه المحكمة حق النظر في شكاوى المواطنين من التمييز وعدم المساواة، او من تجاوزت الحكومة على حقوقهم، وهو امر طالما سبب التذمر بين المواطنين واضعف الثقة بالحكومة، هذا الى جوانب عوامل اخرى ما أدى الى اطاحة النظام الملكي في احداث يوم 14 تموز (يوليو) 1958 الدامية.


جدلية أمريكية حول أنسحاب قواتها من العراق

صلاح التكمه جي
مدير شبكة المرصد العراقي

نقاش وجدال محتدم يدور رحاه بين أقطاب السياسة الأمريكية حول جدولة انسحاب القوات الأمريكية من العراق، جدلية تحولت الى دعاية انتخابية واختبار للقوة كما تسميها جريدة الواشنطن بوست بين الحزبين الرئيسين في أمريكا، الديمقراطي والجمهوري ، فالحزب الديمقراطي بغالبية رموزه جعلوا من مطالبتهم (عودة القوات الامريكية للوطن وفي أحضان ذويهم)، شعاراً عاطفياً يستقطب الناخب الامريكي للمرشح الديمقراطي، والحزب الجمهوري جعلوا من شعار ضرورة محاربة القوات الأمريكية للإرهاب خارج الوطن، ضرورة للأمن القومي للفرد الأمريكي، وعليه فمن الأهمية بقاء القوات الأمريكية في العراق ومحاربتها للإرهاب هناك، عوضا من محاربته في نيويورك وواشنطن.
فجريدة الواشنطن بوست عكست مجموعة من الآراء والخطط للأعضاء الديمقراطيين في مجلس الشيوخ حول ضرورة انسحاب القوات الأمريكية من العراق والتي من أهمها:
1-الخطة الأولى كانت لعضو مجلس الشيوخ توم داشيل القاها أثناء محاضرة له في جامعة الشمالية الغربية، حيث اقترح داشيل أن يسحب 80000 الف جندي امريكي من 150000 الف جندي أمريكي وذلك مباشرة بعد الانتخابات التشريعية في منتصف كانون الاول، وستحل قوات الجيش العراقي والقوات الاحتياطية محل القوات الامريكية بشكل تدريجي وفي نهاية كانون الاول 2007 يجب أن تنسحب 70000الف من القوات الامريكية المتبقية في العراق.
2-الخطة الثانية كانت ل جون كيري (عضو مجلس الشيوخ لمنطقة داكوتا الجنوبية) والتي ألقاها في محاضرة له في جامعة جورج تاون، إذ اقترح سحب 20000 من القوات الامريكية مباشرة بعد أنتخابات كانون الاول، وتخرج بقية القوات تدريجياً حتى نهاية 2006. وكلا الرجلين يسيران على خطى عضو المجلس الامريكي ويسكونسن روس الذي أقترح جدول مواعيد مماثل علما أن هذا الرجل هو الوحيد الذي رفض استخدام القوة في العراق في عام 2003.
هذه الهلوسة الانتخابية سرت حتى على أعضاء ديمقراطيين كانت لهم مواقف قريبة من الحزب الجمهوري في أهمية بقاء القوات الأمريكية في العراق ومحاربة الإرهاب خارج ظهراني الشعب الامريكي، ومن أهم هؤلاء الأعضاء السيناتورة كلينتون التي طالبت بجدول زمني محدد لعودة القوات الامريكية للوطن وكذلك بعض الاعضاء الاخرين أمثال السيناتور ايفان الذي طالب بدراسة متأنية بشأن نفقات وزارة الدفاع في العراق، أما السيناتور السابق جون أدوارنز فهو يعتقد أن الحرب كانت خطأ منذ البداية وهو يطالب بجدول محدد وقوي لتدريب القوات العراقية وهو يقول أن الولايات المتحدة لاتستطيع البقاء في العراق بشكل دائم ولهذا يجب وضع جدول زمني محدد لسحب القوات الامريكية، ولكن بعض الاعضاء الديمقراطيين مازالوا يعتقدون أنه من المهم أن لا تعطى أية أشارة للارهابيين بأنهم أنتصرو وأن قواتنا عادت للوطن بفعل عملياتهم الارهابية،ومن هؤلاء حاكم نيو مكسيكو، بيل ريشاردسون وكذلك جورج ستيفنس اللذان عارضا وضع جدول زمني لأنسحاب القوات الامريكية لأن هذا يعطي شعور للمنظمات الأرهابية بالنصر ويجب أن لانعطي لهم فرصة خروجنا من العراق بيدهم، وأنما يجب أن تكون ضمن خطة مدروسة بشكل صحيح.
مقابل هذا الضغط الديمقراطي ظهرت اراء تطالب بعدم انسحاب القوات الامريكية من العراق والتي من أهمها المحاضرة التي ألقاها هنري كسينجر في بروكسل امام مجموعة من كبار العسكريين والدبلوماسيين و بدعوة من قائد قوات الحلفاء في أوروبا الجنرال جيمس جونس، وقد اعتبر هنري كسينجر أن أي انسحاب عسكري أميركي مبكر من العراق سيكون بمثابة دعم مباشر للمتمردين ورسالة خاطئة إلى العالم الإسلامي ربما تتسبب بزعزعة الأوضاع في مجمل الشرق الأوسط، بل طالب اكثر من هذا حين دعا الولايات المتحدة الى اقتسام إدارة الشأن العراقي مع شريكاتها الدول الأوروبية وفي شكل اكثر فاعلية ووضوحا، ووضع كسينجر خطة استراتيجية أمريكية للوضع في العراق تتكون من أربع نقاط رئيسية هي: منع أي طائفة ما من الهيمنة على الطوائف او المجموعات الأخرى أولاً، ثانيا منع أي حكومة ذات غالبية شيعية من التحول الى حكومة دينية، وثالثا منح هامش أكبر من السيادة للمناطق، ورابعا و أخيرا التصدي للإرهاب بكل الوسائل. بموازاة هذا الرأي، طالب كولن باول أيضا بعدم انسحاب القوات الأمريكية من العراق.
في زحمة هذا الجدل السياسي بين أقطاب السياسة الامريكية حول سحب القوات الامريكية، ظهر بشكل مفاجئ تقرير وزارة الدفاع باعادة أنتشار92 الف جندي من القوات الامريكية والذي وزعته وكالة الأسوشيتد برس، وكان هذا التقرير بمثابة الهشيم في النار، إذ زاد من جدل انسحاب القوات الامريكية في العراق مما اضطر وزير الدفاع الامريكي رونالد رامسفيلد أن ينفي اي سحب للقوات الامريكية من العراق واعتبر ان التقرير الذي وزعته وكالة الأسوشيتد برس مبني على معلومات خاطئة، بل صرح الى قناة العالم (إننا سنرفع عدد الجنود الأمريكيين من 138 الفاً إلى نحو 160 ألفا في فترة إجراء الانتخابات في كانون الأول المقبل. ثم سنعيد تخفيض عدد الجنود إلى نحو 138 ألفا. في ذلك الحين سنعيد النظر في نتائج الانتخابات وفي الوضع الأمني والتطور الذي تكون القوات العراقية قد أحرزته. وكما قال الرئيس بوش، سيكون الانسحاب وفق برنامج مرهون بتوافر الظروف. حينذاك سنحكم على الوضع ونرى ما هو مستوى عدد القوات الذي يرتاح له القادة الميدانيون. فإذا ارتأوا أن العدد يجب أن يبقى كما هو فسيبقى. وإذا ارتأوا أنه يمكن أن يخفض فسيتم تخفيضه. إن هدفنا هو تخفيض عدد جنود قوات التحالف في العراق والاستمرار في نقل المسؤولية إلى قوات الأمن العراقية التي أصبح عددها 210 آلاف عنصر).
أمام هذه الجدلية بين قطبي السياسة الامريكية ( الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري)، يتضح أن عملية جدولة أنسحاب القوات الامريكية اصبحت خاضعة لعدة أمور أهمها:
1- أن عملية جدولة أنسحاب القوات الامريكية تحولت الى أجندة انتخابية بين اركان الحزبين الرئيسين في الادارة الامريكية وهذا بلاشك سيكون له تأثيرات على الوضع الامني العراقي الأمر الذي يجب ان تنتبه إليه القوى السياسية المتصدية لأدارة العملية السياسية في العراق.
2- ان عملية جدولة انسحاب القوات المتعددة الجنسيات والقوات الامريكية بالذات، اصبحت خاضعة لمعادلات دولية معقدة والتي من أهمها حرب الارهاب الكونية، ولهذا فإن الاجندة التي باتت تحكم جدولة انسحاب تلك القوات لها أهداف تتعلق في استقرار النظام العالمي وهذا ماعبر عنه بشكل واضح هنري كسينجر في محاضرته في بروكسل والذي طالب أن تكون شراكة أوربية امريكية في الأشراف على الوضع العراقي.
3- أن ما يؤسف له ان الخطط التي تتحدث عن جدولة أنسحاب القوات الأمريكية من العراق يتم التنظير لها في الجامعات الامريكية مثل جامعة جورج تاون وغيرها، وكان من المفروض ان توضع تلك الاستراتيجيات ضمن دراسات عراقية تناقش من قبل أخصائيين عسكريين وأمنيين عراقيين وفي جامعات عراقية،ويحب أن تضع هناك خطط استراتيجية مدروسة حول كيفية جدولة انسحاب القوات الامريكية من العراق.
ان العراق أمام عملية معقدة أصبحت تشكل هاجساً عند المتصدين السياسين العراقيين، ونشير هنا إلى تصريحات الرئيس جلال الطالباني في ايطاليا التي عبر فيها عن قلقه من أي انسحاب مفاجئ من العراق، ولهذا يجب أن ينظر لهذا الجدل بشأن عملية انسحاب القوات الامريكية بجدية من قبل مختلف شرائح المجتمع العراقي ويجب ان لا تتحول تلك القضية الى عملية دعائية بين القوى السياسية العراقية المتنازعة بحجة محاربة الاحتلال أو محاربة الارهاب.
بلاشك ان تجربة القوات الامريكية والمتحالفة معها في العراق هي تجربة تستحق الدراسة والتمعن وسيكون لها تداعيات أمنية وعسكرية في التخطيط الاستراتيجي، وستشكل تلك التجربة، حالة أثراء وفهم عسكري متطور في بناء أي قوات عراقية محترفة في عراقنا الحبيب.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة