|
ثقافة الاستهلاك ـ الماضي والحاضر
مكي محمد ردام
لكل مجتمع أسلوب خاص وسمات متعددة يتصف أو ينفرد بها في سلوكه الاستهلاكي اليومي أو التاريخي، هذا الأسلوب وطريقة الاستهلاك للسلع والمواد الاستهلاكية أو المعمرة تختلف بين مجتمع وآخر وهي مستمدة من طبيعة الواقع المادي والاقتصادي لهذا المجتمع أو ذاك زائداً ما استمده من تراثه القديم من مفاهيم ومضامين لم تتمكن الحضارة من تجاوزها،
ومازال تأثيرها ومفعولها سارياً، معاصراً في السلوك الاقتصادي، اليومي، التلقائي، العضوي فلكل من مجتمعي اسكتلندا وايرلندا، مثلاً لهما سمات معينة تتجلى في التدبير تميزهما عن مجتمعات الغرب الأخرى، كذلك الانجليز لهم طريقة خاصة في نظامهم الاستهلاكي حتى وان لم يقرها المصنفون ـ classify cators ـ بالطريقة الانجليزية في الاستهلاك، ولكن يذكر البعض ان لهم ميلاً تراثياً للادخار ما يطبع طابعه على حساب الاستهلاك.
وقبل ان نقارن بين اسلوبين في الاستهلاك أو الانفاق بسبب العلاقة بين المفهومين في نظامين مختلفين الرأسمالي والاشتراكي نذكر ان أسلوب استهلاك مجتمع ما ينطوي أيضاً على تباين في أسلوب فرد لآخر والمجتمع نفسه (خاصة المجتمع الغربي) قديماً وحديثاً، لان الباحثين يشيرون في المعنى إلى الاتجاه العام لغالبية مجتمع معين.
وارتسمت في المجتمعات التي طبقت الاشتراكية نهجاً وأسلوباً جديداً في انتاج الخيرات المادية وتقديم الخدمات، بحيث ظهرت ثقافة اجتماعية في الاستهلاك تتناسب تماماً مع طبيعة النظام الاجتماعي الاقتصادي القائم على عدالة أوسع من نظيره النظام الرأسمالي في توزيع أجزاء من الناتج الاجمالي للمجتمع، كان كفيلاً بالمساهمة الفاعلة في القضاء على البطالة إلى جانب عوامل أخرى تتوفر من طبيعة وجوهر النظام وفيما حقق النظام الاشتراكي في حينها، وفي أواسط الستينيات من القرن الماضي توازناً انسانياً لائقاً نسبياً. فقد انفلت المجتمع الرأسمالي الغربي خاصة في أمريكا ـ محدثاً شرخاً وخللاً اجتماعياً كبيراً خلال هذه الفترة بسبب من عزوف قطاعات واسعة من المجتمع وخاصة الشباب في الجامعات والمدارس الاعدادية عن تلقائية الاستهلاك والانفاق التجاري اليومي، وامتد هذا العزوف ليشمل الحاجات والسلع الغذائية الضرورية، وتطرف البعض لالتقاط سلع الاستهلاك من أكداس قمامة المناطق الغنية وظهرت جماعات كبيرة وواسعة تتخذ من الجامعات والكليات والمدارس وبعض الساحات العامة مقرات شبه دائمة في شرح ابعاد نظرية العزوف عن الاستهلاك والدعوة لها وتبنى مثقفون كبار في فرنسا وايطاليا وأمريكا الفرد اللا منتمي للمجتمع الرأسمالي، وأصيب الاقتصاد الأمريكي والغربي على السواء بنكسة خطرة كان الكساد والبطالة من نتائجها المباشرة مما زاد من تفاقم التفكك الاجتماعي والاسري للمجتمع الرأسمالي حتى بات الآلاف من الشباب والمراهقين من كلا الجنسين يهجرون بيوتهم وعوائلهم متخذين من أماكن تجمعاتهم مسكناً لهم مكتفين بالقليل مما يلزمهم وبالمجان.. وبدت وكأن أوروبا والغرب وكأنهما على اعتاب انفلات أو انقلاب اجتماعي ـ اقتصادي خطير غير متوقع.
وكشف النظام الرأسمالي الغربي مرة أخرى عن موقفه الزائف من الحرية الفردية بتدخل واسع للشرطة والأمن في اختراق جموع المعسكرين المتمردين على نظام وأسلوب الاستهلاك الرأسمالي، بعد ان عجزت وسائل اعلامه منظروه الصمود بوجده الموجة الجديدة كما سميت آنذاك والتي وصلت حد الامتناع عن قص وحلاقة الشعر، وارتبطت بظهور فرق وجماعات البيتلز والهيبيس (الخنافس) وحين حاول هؤلاء تنظيم أنفسهم مع بعض من اساتذة الجامعة والمثقفين والكتاب، دب الخوف والرعب في قلوب اركان كبار العرش الرأسمالي متعدد الجنسية بضرورة حتمية المواجهة الأكثر قسوة وهي الوجه الحقيقي للرأسمالية، فأدخل موضوع المخدرات وسيلة لخلط الأوراق، كمبرر للقسوة وخلق فجوة بين الاباء والابناء مكنت السلطات من النفوذ والاختراق ومن ثم القضاء على تلك الموجة التي ولدت في رحم المجتمع الرأسمالي الحديث وكشف زيف شعار الحرية الفردية في أبسط اشكال ممارستها.
وإذا كان لثقافة الاستهلاك هذا القدر من الأهمية والخطورة فلابد لنا من أن نتعرف على بعض ما نتصف به في هذا الجانب من حياتنا. فقد توارث العراقيون من مفاهيم ومآثر بالسلوك الاستهلاكي والاقتصادي المعتدل، بعضه مستمدة من الثقافة الإسلامية التي تقول "ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط" وكثيرة هي الآيات والاحاديث التي ضربت لتكون مثلاً جيداً، وبعضها مستمدة من شدة ضغط الواقع القاسي الذي كان سائداً حين علم الاخوة السبعة تقسام زبيبة واحدة، وكيف أصبحت القصة مأثوراً شعبياً متوارثاً، يستذكر في ترصيع الاحاديث في السراء والضراء.
ما السبيل لثقافة استهلاكية متوازنة؟
واليوم يندفع الكثير منا إلى تخزين النفط استقبالاً لموسم الشتاء مما أدى إلى ارتفاع سعر عبوة البرميل الفارغة المستعملة (من 10 ـ 35) ألف دينار في ظرف أسبوعين فقط، اما ارتفاع سعر مادة النفط فالجميع يعلم أي هاجس يدفع المواطن لهذا السلوك غير المتوازن مع التوقعات غير المنظورة، ومع دخله الخاص ومع الفترة التي يحاول أن يؤمن لها، أي منذ ما يقارب الأربعة أشهر، وتتداخل أسباب وعوامل عديدة لهذا التصرف في استهلاك هذه المادة أو غيرها منها تسرب القلق وتمكنه من نفسية المواطن وتعدد مراكز التخصص في اتخاذ قرار الحل، وتعدد الوسطاء المنتفعين لبقاء المشكلة من دون حل فيدفع المبلغ مضطراً، متذمراً بعبارات مشمئزة من الاستغلال من مصدره لاعناً وشاتماً هذا الأسلوب وهذه الطريقة البعيدة عن مبادئ التكافل الاجتماعي الذي اشترطته برامج الأحزاب السياسية والدينية دون استثناء ـ حين أقدمت على العمل السياسي الجماعي الديمقراطي، فان شدة وقع هذه الظاهرة على كاهل الأغلبية غير القادرة على التخزين بدفع هذا المبلغ تدعونا إلى التساؤل: ماذا يحدث لو تكافلنا مرة واحدة على طريقة العزوف الأمريكية في أوسط الستينيات؟ حين عزفوا عن مجتمعهم الاستهلاكي ولقنوا دهاقنة الرأسمال درساً ما زال يرن في آذانهم.
وصورة مشرقة من التنوع الثقافي
وتتنوع ثقافة العراقيين كذلك بشأن الاستهلاك، حيث تميزت بها مجتمعات مناطق معينة دون أخرى، فإذا كان أهل الموصل يمتازون بالتدبير وحسن التصرف الاقتصادي في موازنة معيشية دقيقة محسوبة وفرت لحياتهم منفعة اقتصادية مكنتهم من تبوؤ موقع اقتصادي، مالي، اجتماعي، بين مجاوريهم وانعكس كذلك على المظاهر الخارجية لنعمة مردود التصرف الاستهلاكي، وكذلك بالشكل البطيء غير المنظور إلى تكون الرأسمال الفردي الخاص مقارنة مع مدن عراقية قديمة أخرى.
أما سلوك البغداديين الاستهلاكي فقد اتسم بالنزوع لتحقيق الرغبة الآنية السريعة والميل الواضح إلى الزهو والتباهي في عملية الاستهلاك والتسوق اليومي حتى على حساب الحاجات الضرورية متوسطة وبعيدة المدى فكان ان انفردوا بعبارة تصفهم باسم مدينتهم بغداد ـ فصار الناس يشيرون إلى الشخص الذي يعطي أكثر مما يأخذ بأنه ـ يتبغدد ـ وهذا ربما يكون احد الأسباب التي أدت إلى تقلص عدد البغداديين الذين يتمتعون بنفوذ رأسمالي كبير.
مما تقدم يتضع ان مفهوم ثقافة الاستهلاك يكون مقياساً لوعي المجتمع حين يدقق المواطنون في برامج القوى والكتل والقوائم السياسية والدينية بقصد معرفة واستخلاص مواقفه من مفردات الواقع المادي الملموس ذات التماس مع واقع حال جميع العراقيين ومصيرهم والجدية في اقامة القاعدة المادية الأساسية للبناء التحتاني بجميع مرافق وقطاعات الاقتصاد الوطني ـ انتاجية كانت أم مالية، نقدية أم خدمية بجميع مرافقها من التعليم والصحة والنقل، دون الانشغال والتشاغل بالخيارات الروحية التي هي من شأن صاحب الشأن وحده، دون غيره.
|