ثقافة شعبية

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

التحصيل العلمي في محلة صبابيغ الآل اوائل القرن العشرين
 

رفعت مرهون الصفار
اتجه اهالي محلة صبابيغ الآل الى التجارة والصناعة والزراعة وظهر عدد لا بأس به من التجار والاقتصاديين والصناعيين واصحاب المزارع. واتجه قسم منهم الى الدراسة في المدارس الدينية في النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء ولم يدخلوا المدارس الرسمية العصرية (1) الا انه كانت لمجموعة متنورة من ابناء هذه المحلة نظرة سديدة وسعة تفكير الى افاق الارتشاف من مناهل العلم والمعرفة سواء كان ذلك في الكتاتيب ام المدارس الرسمية وكان في مقدمة هؤلاء جعفر ابو التمن، مهدي الخياط، علي البازركان واستطاعت هذه المجموعة بمساعدة العلامة السيد محمد سعيد الحبوبي ان تقنع الحاج سلمان ابو التمن والذي بدوره اقنع والده الحاج داود ابو التمن بتأسيس مدرسة لتعليم الاولاد. ومما شجع الحاج سلمان على تأسيس المدرسة الحادثة الاتية:- كان الحاج سلمان ابو التمن قد استورد سماورات بيضاء جميلة قد نفدت من الاسواق وان احد اصدقاء علي البازركان قد طلب منه سماورا من الحاج الا ان الحاج اعتذر لنفادها ولما علم الحاج بانها مرغوبة اوعز لكاتبه اليهودي ان يكتب برقية لطلب كمية اخرى منها فحرر الكاتب اليهودي البرقية ووقعها الحاج سلمان وذهب الكاتب اليهودي الى دائرة البريد ليبرقها. وبعد فترة شاهد علي البازركان سماورا من نفس النوع في احد المخازن، فعاتب الحاج سلمان على عدم بيعها له وذهب الى صاحب المخزن وسأله عن مصدرها فاخبره بانه اشتراها من احد تجار اليهود تاثر الحاج من خيانة كاتبه اليهودي الذي تآمر عليه مع احد اليهود لاستيراد هذا النوع من السماورات.
ان هذه الحادثة نبهت الحاج سلمان الى ضرورة اعداد شباب من المسلمين يتقنون اللغات الاجنبية وعلم الحساب لاتخاذهم كتاباً وكاتمي اسرار لتجارتهم ولا يكون ذلك الا ان طريق فتح المدارس ولذلك دعا الحاج داود ابو التمن بعض وجوه المحلة الى داره ومن جملتهم (السيد عبد الكريم السيد حيدر والسيد علي مهدي البغدادي والحاج عبد الغني كبه والحاج عبد الحسين الازري والحاج مهدي الخاصكي وعلي البازركان (2) والحاج حسين الشهربلي وعلي العينجي والعالم الديني الشيخ شكر الله والحاج سلمان ابو التمن وجعفر ابو التمن).
وقرروا تأسيس مدرسة واخذوا يجمعون التبرعات لتأسيسها والتي سميت (مكتب الترقي الجعفري العثماني) والتي ابدل اسمها الى (المدرسة الجعفرية) بعد احتلال الانكليز بغداد عام 1917.
لقد اسهم علي البازركان مساهمة فعالة في استحصال موافقة الوالي على فتح المدرسة بعد ذهابه مع جعفر ابو التمن حيث اعترض الوالي على الاسم الا ان علي البازركان اخبره بان سبب التسمية هي للحصول على موافقة رجال الدين بان المدرسة تعلم اولاد المسلمين القران والدروس الدينية اضافة الى الدروس العصرية عندها وافق الوالي على فتح المدرسة وافتتحت في 17 ذي القعدة 1326 الموافق 1908 وقد ارخ افتتاحها السيد علي مهدي البغدادي:
فتية شيدوا للعلم بيتا انهضتهم الى المعالي حمية
لم يرق مكتب سواه فارخ (راق للعدل مكتب الجعفرية)
واصبح الشيخ شكر الله مديراً وعلي البازركان معاوناً ورؤوف القطان مفتشاً وجعفر ابو التمن اميناً للصندوق الحقت بالمدرسة تدريسات ليلية لتعليم الاميين الحرفيين القراءة والكتابة وتدريس من يعرف القراءة والكتابة علم الحساب (مسك الدفاتر- البلانجو) واللغات الفرنسية والتركية وقد تواردت على الدراسات الليلية اعداد كبيرة من الحرفيين والباعة والتجار من مختلف الاعمار.
زار الامير فيصل المدرسة (قبل انتخابه ملكاً) في 8 تموز 1921 وقد اعدت المدرسة احتفالاً فخماً دعت اليه كثيراً من الرؤساء والزعماء والادباء والشعراء وعلية القوم منهم: (السيد نور الياسري، السيد علوان الياسري، السيد محمد الصدر، السيد محمد بحر العلوم، السيد عبد الكريم الحيدري، الشيخ عبد الواحد الحاج سكر، الشيخ سالم الخيون، جعفر العسكري، الشيخ محمد باقر الشبيبي، الشيخ احمد الداود، عبد المجيد الشاوي، المحامي ابراهيم ناجي، الشاعر عبد الحسين الازري، الشاعر جميل صدقي الزهاوي، الشيخ محمد مهدي البصير، الشيخ كاظم الدجيلي) وغيرهم.
القيت في الاحتفال كلمة الهيئة الادارية للمدرسة من قبل عضو الهيئة والمعلم فيها السيد رؤوف البحراني ثم القيت قصائد وكلمات عدة.. بعدها قام الشيخ محمد باقر الشبيبي واستأذن الامير على لسان الشيخ سالم الخيون للاكتتاب بالتبرع لصندوق المدرسة فتبرع الشيخ سالم بمائة ليرة ذهب والشيخ عبد الواحد بمائتي ليرة ثم توالت التبرعات حتى بلغت ثلاثة واربعين الف روبية مع خمسمائة ليرة ذهب، وعندما جاء دور الشاعر الزهاوي انشد البيت التالي:
لاخيل عندك تهديها ولامال فليسعد النطق ان لم يسعد الحال
ضج الحاضرون بعاصفة من التصفيق ثم انشد الزهاوي قصيدة عامرة.. بعدها قام جعفر العسكري فاعلن انه يتبرع بثلاثة الاف روبية عنه وعن الشاعر الزهاوي.. ثم نهض الشيخ احمد الداود قائلاً: ان هذا الحفل ضم وفوداً من جميع اهل العراق فهل توافقون على البيعة للأمير فيصل ملكاً على العراق؟). فتعالت الاصوات من كل جانب (نوافق.. نبايع) هنا وقف الامير فيصل والقى خطاباً سياسياً ثم وعد بانه سيقدم هدية متواضعة لصندوق المدرسة لا يفصح عنها الان وسجل اسمه ضمن الهيئة التعليمية معلماً فيها (3). ارسل الامير فيصل خمسة الاف روبية تبرعاً للمدرسة.
عندما زار الاقتصادي المصري (طلعت حرب باشا) العراق طلب من جعفر ابو التمن ان يزور المدرسة لما سمع عنها وعن تكوينها فاقيم له استقبال كبير بدأ من شارع مدحت باشا (العبخانه) ماراً بالقاطر خانه حتى المدرسة الجعفرية وقد زينت الحوانيت والدور على جانبي الطريق بالزينة والورود وفي باب المدرسة اصطف عشرون طالباً من طلاب المدرسة بملابسهم الموحدة يحملون الورود وقد كان لشقيقي الاكبر محمد مرهون شرف المساهمة في الاحتفال حيث القى قصيدة ترحيبية من نظم والدي (مرهون الصفار) واثناء الاحتفال وزعت الحلويات البغدادية فعلق طلعت باشا (بأنه كان من الافضل تقديم التمر العراقي بدلا من هذه الحلويات) وفي ختام الاحتفال اعلن عن تبرعه بمائة ليرة ذهب.
بعد تأسيس المدرسة الجعفرية واستقرار مناهج الدراسة فيها واقبال الدارسين عليها ضاقت صفوف المدرسة بالطلاب فقررت الهيئة الادارية للمدرسة فتح مدرسة اخرى تابعة لها مالياً وادارياً اقتصرت صفوفها اول الامر على شعب الصف الاول ثم بعدئذ الصف الثاني، بعدها تقرر فتح صفوف اخرى تمهيدية (صفوف الشعبة) وهي المتمثلة الان بـ ( الروضة والتمهيدي) حيث كان يقبل فيها الاطفال من سن الرابعة والخامسة قبل صعودهم الى الصف الاول سميت بـ (المدرسة الهاشمية) وبذلك فسح المجال في (المدرسة الجعفرية) الى فتح شعب للصفوف من الثالثة الى السادسة. ويجرنا الحديث عن المدرسة الجعفرية وتطورها الى ذكر كثير من الاساتذة المربين الرواد الذين نذروا انفسهم وكرسوا جهودهم لخدمة التعليم وبرز من الطليعة السيد كاظم شكارة الذي كان له الفضل الكبير والخدمات الجليلة في تطور المدرسة وارتقائها اذ كان اللولب المحرك لنشاطاتها وامين صندوقها المؤتمن والامر بالصرف.. ومع ان الدراسة في المدرسة كانت باجور زهيدة شبه مجانية الا انه اعطيت للسيد كاظم صلاحية اعفاء الطلاب من الاجور.. ومن خصوصية هذه المدرسة ان ابوابها كانت مفتوحة للجميع دون استثناء بمن فيهم اخواننا المسيحيون الذين شمل الاعفاء فقراءهم ولا يفوتني ان اذكر الجهود القيمة التي قدمها الاساتذة الرواد (الحاج كمال- علي البازركان- محمد رضا الفتال- الحاج حسن- كاظم افندي- عبد الستار الشيخلي- عبد الصاحب خضر- عبد القادر صبري الخطاط السامرائي- مهران صواجيان- عبد العزيز البغدادي- حسام الدين الهادي- احمد عزت محمد - ناجي يوسف- جول- يوسف كبه- الشيخ جواد تويج- الشيخ مصطفى الشيخلي- رؤوف الصفار الحاج محمود عبد الوهاب صادق الملائكة).
في عام 1920 تالفت هيئة من وجهاء المحلة منهم ال الكواز وال السعيد لتأسيس مدرسة اهلية ابتدائية باسم (المدرسة الحسينية) وقد افتتحت يوم 25-1338 الموافق 13 مايس 1920 والقى الشاعر محمد مهدي البصير قصيدة تربوية بهذه المناسبة مطلعها:
يا مطلع الازهرين العلم والادب ردي الينا رقي الشرق والعرب
وبعد مدة اندمجت هذه المدرسة مع ادارة المدارس الجعفرية.
اما الكتاتيب (الملالي) فقد كان هناك كتاب في جامع الحاج داود وكتاب في جامع المصلوب وكتاب ملا هجول وكتاب الملا غزال في جامع حادي باي وكتاب الملا عبد الامير وكتاب محمد علي الكرمنجي.
فضلاً عن هذه الكتاتيب فقد برزت اسماء فاضلات أسمهن اسهمن جليلاً في تعليم اطفال المحلة قراءة القران الكريم والكتابة ومن هذه السيدات الفاضلات:- (الحاجة ملة ملكة الصفار- الحاجة ملة شفيقة- الحاجة ملة سنية- الحاجة ملة حسينية- العلوية بيبية- الحاجة ملة امينة الحداد- الحاجة ملة شرائع الصفار).
في عام 1934 اسست الكنيسة الكلدانية مدرسة الطاهرة الابتدائية باشراف جبرائيل نعمو ويوسف عمانوئيل.
هوامش
1-كانت الحكومة العثمانية لا تعتبر الطائفة الشيعية جزءاً من الدولة فكان العداء يستحكم يومياً بعد يوم بينها وبين الدولة كما كان الشيعة انفسهم يحرمون المدارس ويعتبرونها مفسدة للدين والاخلاق.
2-يعتبر هذا الاجتماع العفوي اول مبايعة شعبية عامة لمناداة الامير فيصل ملكاً.
3-قد يتساءل سائل عن سبب درج اسم علي البازركان من ضمن اسماء اهالي المحلة وهو ليس من ابنائها. جاء في كتاب الوقائع الحقيقية للثورة العراقية للسيد علي البازركان ما يلي:
اعتدت قضاء صيف كل عام في قصر اقاربي (آل الاورفه لي) الذي يقع على نهر دجلة في الباب الشرقي من بغداد وهناك قصر اخر يجاور القصر الذي اسكنه في تلك المنطقة سكنه الحاج سلمان ابو التمن وبمناسبة قربه من سكناي اصبحت ازوره فتاسست صداقة متينة بيني وبينه الامر الذي جعلني اتردد على محل تجارة والد الحاج داود ابو التمن الذي توطدت صداقة متينة بيني وبينه هو الاخر حتى صرت أأتمنه على نقودي وكنت اقضي النهار عنده منذ الساعة الثامنة صباحاً حتى المساء.


في اساليب العمل الميداني
 

باسم عبد الحميد حمودي
كتب د. سعد الصويان كتاباً صغيراً في اصول الجمع الميداني لمواد الثقافة الشعبية تعرض فيه إلى المشكلات التي يجابهها جامع المادة الخاصة بالتراث الشعبي في القرى والدساكر وبين العشائر الرحالة ومنها الخوف المسبق من اسئلته حول طبيعة الحياة الخاصة بالمجتمع البدوي ومدى الريبة من تحركاته الشخصية داخل ذلك المجتمع الذي يبدو الباحث غريباً عنه، واشار الصويان إلا ان النقطة الاولى لدخول أي مجتمع او بنية هو فهم طبيعتها الاجتماعية وعدم التعامل مع انسانها باستعلاء او باسلوب المحقق بل هو "التأمين" المباشر لهوية المجتمع واشعاره ان الباحث لا يعدو ان يكون جزءاً منه وهو يؤدي وظيفة ثقافية لخدمة ذلك المجتمع.
وقد كتب الفولكلوري العراقي الكبير لطفي الخوري كتيباً في اصول الجمع الميداني تعرض فيه هو الآخر لاساليب العمل البحثي الذي يقضي اولاً باستدراج العينة المختارة للتعاون مع الباحث وضرورة جمع اكثر من رأي حول اية مسألة تتعلق بدورة الحياة (مثلاً) للوصول إلى قناعة واضحة حول تركيبة هذه الفكرة او تلك.
وقد كتب عثمان العكاك التونسي محاضرة حول التراث الشعبي العراقي في ستينيات القرن الماضي عدد فيها انواع الاسس المادية والمعنوية الخاصة بذلك التراث الثر ولكنه لم يستطع الدخول ببراعة إلى عالم الجمع الميداني لهذا التراث لانه ليس على تماس واضح او مباشر به.
ان اهم اساس لعملية الجمع الميداني للمادة الفولكلورية ان يكون الجامع - الباحث على دراية اولية بالمجتمع الذي يبحث فيه اصول العادات والتقاليد او الفنون الشعبية ومن المستحسن ان يكون من نفس مجتمع البحث او قريباً منه لكي يكسر الحاجز النفسي بينه وبين مجتمع البحث.
لقد تزياً هاكرتي وبيرتون وفيليبي وغيرهم بالزي البدوي ليكونوا قريبين من ذلك المجتمع واستطاعت الليدي دراور ان تدخل عالم المندائيين العراقيين الذي كان مغلقاً على آخرين بقدرتها الشخصية واجتماعيتها التي تتميز بالبساطة لتكتب كتابها المهم عنهم وتفسح المجال لدراسات اخرى.
ان العمل الميداني في أي مجال من مجالات الثقافة الشعبية يستلزم صبراً واحترافاً وقدرة على التضحية بالوقت وحل المشكلات والعقبات التي تظهر اثناء العمل بدرجة وخبرة للوصول إلى النتيجة المبتغاة وهي الوصول إلى نتائج مهمة تخدم العملية العلمية المبتغاة من الجمع التي ستخضع بدورها للتحليل والدرس.


كتب من الخارج .. تاريخ سياحي لمدينة البندقية
 

تأليف:بيتر منتزيل

مؤلف هذا الكتاب هو الصحافي الإنجليزي بيتر منتزيل. وهو هنا يقدم لمحة تاريخية مرفقة بالصور عن إحدى أجمل المدن في العالم إن لم تكن أجملها: مدينة البندقية بإيطاليا. فهذه المدينة التي أصبحت كلها متحفا في نظر اليونيسكو وجميع المؤسسات العالمية هي الأكثر جذبا على مدار العصور: من سياسيين، وكتاب روائيين، وشعراء، وفلاسفة، ورجال أعمال، وكبار القوم عموما. وقد تركت أثرا لا يمحى على العديد من الأدباء والفنانين الكبار وانعكس ذلك في أعمالهم. نذكر من بينهم غوته، وألفريد دوموسيه، وبيكاسو، وماكس أرنست، وعزرا باوند، وعشرات غيرهم.
ثم يردف المؤلف قائلا: ولكن البندقية التي تبدو الآن مدينة صغيرة من مدن إيطاليا كانت قوة عظمى في يوم من الأيام. وكانت مستقلة بذاتها وتستمد عظمتها وثروتها من سيطرتها على البحار وتجارتها مع الشرق خصوصا: أي مع لبنان، سوريا، فلسطين، الخ.
وكانت البندقية في البداية تابعة للإمبراطورية البيزنطية قبل أن تستقل بذاتها وتصبح قوة عظمى. والواقع أن سيطرتها على البحار من خلال أسطولها العسكري والتجاري القوي كانت قد أصبحت حقيقة مؤكدة مع مرور الزمن.
وفي القرن الثاني عشر كان تجار البندقية يمتلكون مكاتب تجارية في كل موانئ البحر الأبيض المتوسط تقريبا، وأصبحت البندقية منافسة لمدينة جنوة التي كانت تشكل أيضا جمهورية بحرية مستقلة بذاتها، هذا بالإضافة إلى مدينة بيزا.
ولكن هذه المدن الثلاث المزدهرة كانت محط أطماع الأباطرة الجرمانيين الذين يزعمون أنهم ورثة الأباطرة الرومانيين. ولكن بما أن البندقية كانت تابعة لبيزنطة، في الأقل اسميا، فإنها ظلت بمنأى عن الصراع الدائر بين المدن الإيطالية.
ثم يردف المؤلف قائلا: ولكن البندقية بعد تردد طويل حسمت أمرها وانضمت إلى الجامعة اللومباردية أو اتحاد المدن الإيطالية. ثم أتاحت لها دبلوماسيتها الذكية أن تصبح وسيطة بين الإمبراطور الجرماني وبابا روما.
وعندئذ تم توقيع معاهدة سلام بين الإمبراطور فريديريك الأول، والبابا أليكسندر الثالث، والجامعة اللومباردية في مدينة البندقية نفسها. وعندئذ أصبحت هذه المدينة المحاطة بالمياه من كل الجهات إحدى القوى العظمى في ذلك الزمان.
وبعد بضعة عقود من السنوات تحررت البندقية من وصاية بيزنطة وأصبحت جمهورية مستقلة بذاتها.

وعلى الرغم من أن رئيس البندقية أنريكو داندولو الذي حكم المدينة بين عامي 1192 ـ 1205 كان عجوزا وأعمى إلا أنه كان الشخصية الأهم في تاريخ البندقية. وقد أثر على المدينة أكثر من غيره وطبعها بطابعه.
ثم يردف المؤلف قائلا:حتى بداية القرن الخامس عشر الميلادي كانت جمهورية البندقية تستدير بأنظارها نحو البحر والموانئ المحيطة بالمتوسط الشرقي. وكانت الملاحة والتجارة هما الهمّ الوحيد لها.
وعن طريقهما جمعت ثروة طائلة وأصبحت قوة عظمى كما قلنا. وكانت تتاجر مع صيدا وطرابلس في لبنان ومع الإسكندرية في مصر ومع موانئ عديدة في سوريا وانطاكية، الخ.
ولكن بعد أن قويت البندقية أكثر وشعرت بأنها أصبحت دولة يحسب لها الحساب راحت تستدير بأنظارها نحو اليابسة: أي نحو الداخل الإيطالي المحيط بها. وراح حاكمها يفتح المناطق الإيطالية حتى جبال الألب ويضمها إلى جمهورية البندقية.
وقد كلفتها هذه الفتوحات غاليا. يضاف إلى ذلك أنها أثارت عليها غضب بقية الدول الأوروبية، ولكن الحظ تخلى عن حكام البندقية عندما احتل الأتراك القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية عام 1453. وقد انتظر المسيحيون طويلا وصول النجدات من البندقية ولكنها تأخرت أو فشلت في معاكسة حركة التاريخ.
فالعثمانيون كانوا قد أصبحوا قوة عظمى يحسب لها الحساب ولا أحد يتجرأ على تحديهم صراحة.
والواقع أن صعود الإمبراطورية العثمانية على مسرح التاريخ في حوض البحر الأبيض المتوسط وجه ضربة موجعة لمصالح البندقية.
فلم تعد هذه الدولة بقادرة على ممارسة التجارة مع موانئ الشرق بسهولة كما كانت تفعل سابقا.
وأصبح الأتراك يشكلون تهديدا مستمرا للبندقية وبقية القوى المسيحية في أوروبا. وعندئذ ابتدأت ثروات البندقية تقل تدريجيا وتنضب، وبالتالي فالعثمانيون لعبوا دورا كبيرا في تحجيم الأهمية التي كانت تتمتع بها جمهورية البندقية من قبل.
وفي أثناء النصف الثاني من القرن الخامس عشر راحت المكاتب التجارية والموانئ التي كانت البندقية تمتلكها في منطقة المتوسط الشرقي تسقط الواحدة بعد الأخرى في يد الأتراك. ثم يردف المؤلف قائلا:
عندئذ ابتدأت أهمية البندقية تنحدر وتضعف دون أن تفقد كل أوراقها دفعة واحدة. فالواقع أن تجارتها ظلت مزدهرة طيلة القرن السادس عشر، ولولا ذلك لما حصلت النهضة في إيطاليا.
ولكن لم تعد لها نفس القوة أو نفس الثروة والغنى، يضاف إلى ذلك أن اكتشاف العالم الجديد، أي أميركا، من قبل كريستوف كولومبوس عام 1492 ساهم في تحويل الخطوط التجارية عنها.
ثم ظهرت قوى أوروبية أخرى على مسرح التاريخ كالبرتغال وإسبانيا وسواهما. وكانت تمتلك أساطيل بحرية قوية وجيوشا ضخمة لا تستطيع أن تمتلكها مدينة واحدة كالبندقية. وبالتالي فقدت البندقية مكانتها كقوة عظمى داخل الجوقة الأوروبية.
والواقع أن إسبانيا حلت محل البندقية كقوة عظمى مسؤولة عن حماية المسيحيين في الشرق والغرب.
لا ريب في أن الأسطول التابع للبندقية لعب دورا مهما في دحر العثمانيين في معركة «ليبانت» الشهيرة عام 1571، ولكن فوائد النصر عادت إلى ملك إسبانيا فيليب الثاني الذي أصبح الملك المتوج على المسيحيين.
وفي عام 1866 قرر الناخبون الإيطاليون بالإجماع تقريبا الانضمام إلى مملكة إيطاليا، وقد صوت لصالح الانضمام حوالي السبعمئة ألف شخص، ولم يصوت ضده إلا تسعة وستون شخصا فقط!وهكذا انتهى استقلال مدينة البندقية إلى الأبد. انتهى تاريخ مجيد بأكمله، تاريخ يمتد على مدار ألف سنة!
وأصبحت البندقية إحدى مدن إيطاليا تماما كفلورنسا أو روما أو جنوة أو سواها. ونسي الناس أن البندقية كانت يوما ما دولة مستقلة بذاتها، دولة غنية جدا ومرهوبة الجانب، دولة تشكل قوة عظمى بالقياس إلى كل الدول المحيطة بحوض البحر الأبيض المتوسط.
ثم يختتم المؤلف كلامه قائلا: ولكن إذا كانت البندقية قد فقدت مكانتها كدولة مستقلة أو كقوة عظمى فإنها ربحت مكانتها كمدينة شبه مقدسة، مدينة يؤمها الزوار سنويا أكثر من أي مدينة أخرى في العالم.
فعشرات الملايين يزورونها سنويا وفي كل الفصول، وكل شخص في العالم يحلم بزيارة البندقية يوما ما والاستمتاع بجمالها والسير في شوارعها، عفوا في قنواتها لأنه لا توجد شوارع فيها. فالناس يتنقلون هناك من مكان إلى آخر عن طريق القوارب أو الزوارق. وأما المعالم الأثرية التي تجذب السياح فلا حصر لها ولا عد.
كل مدينة البندقية تعتبر متحفا أثريا يحتوي على أجمل الكنوز الفنية والمعمارية. كلها تسرّ الناظرين بمرآها.
وهكذا بإمكانك أن تنتقل من تحفة فنية أو أثرية إلى تحفة فنية أخرى.
ليس غريبا إذن إذا كانت قد ألهمت معظم الفنانين الذين رسموا فيها أجمل اللوحات، وليس غريبا أنها ألهمت العديد من الشعراء الذين كتبوا فيها أو عنها أعظم القصائد.
ويبدو أن رجال السياسة الفرنسيين والأوروبيين إذا ما أصيبوا بفشل سياسي أو همّ معين فإنهم يشدون الرحال إلى البندقية لكي ينسوا همومهم ومصائبهم في جنباتها.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة