|
التحصيل
العلمي في محلة صبابيغ الآل اوائل القرن العشرين
رفعت
مرهون الصفار
اتجه اهالي محلة صبابيغ الآل الى التجارة والصناعة
والزراعة وظهر عدد لا بأس به من التجار والاقتصاديين
والصناعيين واصحاب المزارع. واتجه قسم منهم الى الدراسة في
المدارس الدينية في النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء ولم
يدخلوا المدارس الرسمية العصرية (1) الا انه كانت لمجموعة
متنورة من ابناء هذه المحلة نظرة سديدة وسعة تفكير الى
افاق الارتشاف من مناهل العلم والمعرفة سواء كان ذلك في
الكتاتيب ام المدارس الرسمية وكان في مقدمة هؤلاء جعفر ابو
التمن، مهدي الخياط، علي البازركان واستطاعت هذه المجموعة
بمساعدة العلامة السيد محمد سعيد الحبوبي ان تقنع الحاج
سلمان ابو التمن والذي بدوره اقنع والده الحاج داود ابو
التمن بتأسيس مدرسة لتعليم الاولاد. ومما شجع الحاج سلمان
على تأسيس المدرسة الحادثة الاتية:- كان الحاج سلمان ابو
التمن قد استورد سماورات بيضاء جميلة قد نفدت من الاسواق
وان احد اصدقاء علي البازركان قد طلب منه سماورا من الحاج
الا ان الحاج اعتذر لنفادها ولما علم الحاج بانها مرغوبة
اوعز لكاتبه اليهودي ان يكتب برقية لطلب كمية اخرى منها
فحرر الكاتب اليهودي البرقية ووقعها الحاج سلمان وذهب
الكاتب اليهودي الى دائرة البريد ليبرقها. وبعد فترة شاهد
علي البازركان سماورا من نفس النوع في احد المخازن، فعاتب
الحاج سلمان على عدم بيعها له وذهب الى صاحب المخزن وسأله
عن مصدرها فاخبره بانه اشتراها من احد تجار اليهود تاثر
الحاج من خيانة كاتبه اليهودي الذي تآمر عليه مع احد
اليهود لاستيراد هذا النوع من السماورات.
ان هذه الحادثة نبهت الحاج سلمان الى ضرورة اعداد شباب من
المسلمين يتقنون اللغات الاجنبية وعلم الحساب لاتخاذهم
كتاباً وكاتمي اسرار لتجارتهم ولا يكون ذلك الا ان طريق
فتح المدارس ولذلك دعا الحاج داود ابو التمن بعض وجوه
المحلة الى داره ومن جملتهم (السيد عبد الكريم السيد حيدر
والسيد علي مهدي البغدادي والحاج عبد الغني كبه والحاج عبد
الحسين الازري والحاج مهدي الخاصكي وعلي البازركان (2)
والحاج حسين الشهربلي وعلي العينجي والعالم الديني الشيخ
شكر الله والحاج سلمان ابو التمن وجعفر ابو التمن).
وقرروا تأسيس مدرسة واخذوا يجمعون التبرعات لتأسيسها والتي
سميت (مكتب الترقي الجعفري العثماني) والتي ابدل اسمها الى
(المدرسة الجعفرية) بعد احتلال الانكليز بغداد عام 1917.
لقد اسهم علي البازركان مساهمة فعالة في استحصال موافقة
الوالي على فتح المدرسة بعد ذهابه مع جعفر ابو التمن حيث
اعترض الوالي على الاسم الا ان علي البازركان اخبره بان
سبب التسمية هي للحصول على موافقة رجال الدين بان المدرسة
تعلم اولاد المسلمين القران والدروس الدينية اضافة الى
الدروس العصرية عندها وافق الوالي على فتح المدرسة وافتتحت
في 17 ذي القعدة 1326 الموافق 1908 وقد ارخ افتتاحها السيد
علي مهدي البغدادي:
فتية شيدوا للعلم بيتا انهضتهم الى المعالي حمية
لم يرق مكتب سواه فارخ (راق للعدل مكتب الجعفرية)
واصبح الشيخ شكر الله مديراً وعلي البازركان معاوناً ورؤوف
القطان مفتشاً وجعفر ابو التمن اميناً للصندوق الحقت
بالمدرسة تدريسات ليلية لتعليم الاميين الحرفيين القراءة
والكتابة وتدريس من يعرف القراءة والكتابة علم الحساب (مسك
الدفاتر- البلانجو) واللغات الفرنسية والتركية وقد تواردت
على الدراسات الليلية اعداد كبيرة من الحرفيين والباعة
والتجار من مختلف الاعمار.
زار الامير فيصل المدرسة (قبل انتخابه ملكاً) في 8 تموز
1921 وقد اعدت المدرسة احتفالاً فخماً دعت اليه كثيراً من
الرؤساء والزعماء والادباء والشعراء وعلية القوم منهم: (السيد
نور الياسري، السيد علوان الياسري، السيد محمد الصدر،
السيد محمد بحر العلوم، السيد عبد الكريم الحيدري، الشيخ
عبد الواحد الحاج سكر، الشيخ سالم الخيون، جعفر العسكري،
الشيخ محمد باقر الشبيبي، الشيخ احمد الداود، عبد المجيد
الشاوي، المحامي ابراهيم ناجي، الشاعر عبد الحسين الازري،
الشاعر جميل صدقي الزهاوي، الشيخ محمد مهدي البصير، الشيخ
كاظم الدجيلي) وغيرهم.
القيت في الاحتفال كلمة الهيئة الادارية للمدرسة من قبل
عضو الهيئة والمعلم فيها السيد رؤوف البحراني ثم القيت
قصائد وكلمات عدة.. بعدها قام الشيخ محمد باقر الشبيبي
واستأذن الامير على لسان الشيخ سالم الخيون للاكتتاب
بالتبرع لصندوق المدرسة فتبرع الشيخ سالم بمائة ليرة ذهب
والشيخ عبد الواحد بمائتي ليرة ثم توالت التبرعات حتى بلغت
ثلاثة واربعين الف روبية مع خمسمائة ليرة ذهب، وعندما جاء
دور الشاعر الزهاوي انشد البيت التالي:
لاخيل عندك تهديها ولامال فليسعد النطق ان لم يسعد الحال
ضج الحاضرون بعاصفة من التصفيق ثم انشد الزهاوي قصيدة
عامرة.. بعدها قام جعفر العسكري فاعلن انه يتبرع بثلاثة
الاف روبية عنه وعن الشاعر الزهاوي.. ثم نهض الشيخ احمد
الداود قائلاً: ان هذا الحفل ضم وفوداً من جميع اهل العراق
فهل توافقون على البيعة للأمير فيصل ملكاً على العراق؟).
فتعالت الاصوات من كل جانب (نوافق.. نبايع) هنا وقف الامير
فيصل والقى خطاباً سياسياً ثم وعد بانه سيقدم هدية متواضعة
لصندوق المدرسة لا يفصح عنها الان وسجل اسمه ضمن الهيئة
التعليمية معلماً فيها (3). ارسل الامير فيصل خمسة الاف
روبية تبرعاً للمدرسة.
عندما زار الاقتصادي المصري (طلعت حرب باشا) العراق طلب من
جعفر ابو التمن ان يزور المدرسة لما سمع عنها وعن تكوينها
فاقيم له استقبال كبير بدأ من شارع مدحت باشا (العبخانه)
ماراً بالقاطر خانه حتى المدرسة الجعفرية وقد زينت
الحوانيت والدور على جانبي الطريق بالزينة والورود وفي باب
المدرسة اصطف عشرون طالباً من طلاب المدرسة بملابسهم
الموحدة يحملون الورود وقد كان لشقيقي الاكبر محمد مرهون
شرف المساهمة في الاحتفال حيث القى قصيدة ترحيبية من نظم
والدي (مرهون الصفار) واثناء الاحتفال وزعت الحلويات
البغدادية فعلق طلعت باشا (بأنه كان من الافضل تقديم التمر
العراقي بدلا من هذه الحلويات) وفي ختام الاحتفال اعلن عن
تبرعه بمائة ليرة ذهب.
بعد تأسيس المدرسة الجعفرية واستقرار مناهج الدراسة فيها
واقبال الدارسين عليها ضاقت صفوف المدرسة بالطلاب فقررت
الهيئة الادارية للمدرسة فتح مدرسة اخرى تابعة لها مالياً
وادارياً اقتصرت صفوفها اول الامر على شعب الصف الاول ثم
بعدئذ الصف الثاني، بعدها تقرر فتح صفوف اخرى تمهيدية (صفوف
الشعبة) وهي المتمثلة الان بـ ( الروضة والتمهيدي) حيث كان
يقبل فيها الاطفال من سن الرابعة والخامسة قبل صعودهم الى
الصف الاول سميت بـ (المدرسة الهاشمية) وبذلك فسح المجال
في (المدرسة الجعفرية) الى فتح شعب للصفوف من الثالثة الى
السادسة. ويجرنا الحديث عن المدرسة الجعفرية وتطورها الى
ذكر كثير من الاساتذة المربين الرواد الذين نذروا انفسهم
وكرسوا جهودهم لخدمة التعليم وبرز من الطليعة السيد كاظم
شكارة الذي كان له الفضل الكبير والخدمات الجليلة في تطور
المدرسة وارتقائها اذ كان اللولب المحرك لنشاطاتها وامين
صندوقها المؤتمن والامر بالصرف.. ومع ان الدراسة في
المدرسة كانت باجور زهيدة شبه مجانية الا انه اعطيت للسيد
كاظم صلاحية اعفاء الطلاب من الاجور.. ومن خصوصية هذه
المدرسة ان ابوابها كانت مفتوحة للجميع دون استثناء بمن
فيهم اخواننا المسيحيون الذين شمل الاعفاء فقراءهم ولا
يفوتني ان اذكر الجهود القيمة التي قدمها الاساتذة الرواد
(الحاج كمال- علي البازركان- محمد رضا الفتال- الحاج حسن-
كاظم افندي- عبد الستار الشيخلي- عبد الصاحب خضر- عبد
القادر صبري الخطاط السامرائي- مهران صواجيان- عبد العزيز
البغدادي- حسام الدين الهادي- احمد عزت محمد - ناجي يوسف-
جول- يوسف كبه- الشيخ جواد تويج- الشيخ مصطفى الشيخلي-
رؤوف الصفار الحاج محمود عبد الوهاب صادق الملائكة).
في عام 1920 تالفت هيئة من وجهاء المحلة منهم ال الكواز
وال السعيد لتأسيس مدرسة اهلية ابتدائية باسم (المدرسة
الحسينية) وقد افتتحت يوم 25-1338 الموافق 13 مايس 1920
والقى الشاعر محمد مهدي البصير قصيدة تربوية بهذه المناسبة
مطلعها:
يا مطلع الازهرين العلم والادب ردي الينا رقي الشرق والعرب
وبعد مدة اندمجت هذه المدرسة مع ادارة المدارس الجعفرية.
اما الكتاتيب (الملالي) فقد كان هناك كتاب في جامع الحاج
داود وكتاب في جامع المصلوب وكتاب ملا هجول وكتاب الملا
غزال في جامع حادي باي وكتاب الملا عبد الامير وكتاب محمد
علي الكرمنجي.
فضلاً عن هذه الكتاتيب فقد برزت اسماء فاضلات أسمهن اسهمن
جليلاً في تعليم اطفال المحلة قراءة القران الكريم
والكتابة ومن هذه السيدات الفاضلات:- (الحاجة ملة ملكة
الصفار- الحاجة ملة شفيقة- الحاجة ملة سنية- الحاجة ملة
حسينية- العلوية بيبية- الحاجة ملة امينة الحداد- الحاجة
ملة شرائع الصفار).
في عام 1934 اسست الكنيسة الكلدانية مدرسة الطاهرة
الابتدائية باشراف جبرائيل نعمو ويوسف عمانوئيل.
هوامش
1-كانت الحكومة العثمانية لا تعتبر الطائفة الشيعية جزءاً
من الدولة فكان العداء يستحكم يومياً بعد يوم بينها وبين
الدولة كما كان الشيعة انفسهم يحرمون المدارس ويعتبرونها
مفسدة للدين والاخلاق.
2-يعتبر هذا الاجتماع العفوي اول مبايعة شعبية عامة
لمناداة الامير فيصل ملكاً.
3-قد يتساءل سائل عن سبب درج اسم علي البازركان من ضمن
اسماء اهالي المحلة وهو ليس من ابنائها. جاء في كتاب
الوقائع الحقيقية للثورة العراقية للسيد علي البازركان ما
يلي:
اعتدت قضاء صيف كل عام في قصر اقاربي (آل الاورفه لي) الذي
يقع على نهر دجلة في الباب الشرقي من بغداد وهناك قصر اخر
يجاور القصر الذي اسكنه في تلك المنطقة سكنه الحاج سلمان
ابو التمن وبمناسبة قربه من سكناي اصبحت ازوره فتاسست
صداقة متينة بيني وبينه الامر الذي جعلني اتردد على محل
تجارة والد الحاج داود ابو التمن الذي توطدت صداقة متينة
بيني وبينه هو الاخر حتى صرت أأتمنه على نقودي وكنت اقضي
النهار عنده منذ الساعة الثامنة صباحاً حتى المساء.
|