|
مهرجان
دمشق المسرحي الثالث عشر:
تكريم بالجملة.. عروض مكثفة ومستعادة.. وفوضى في التنظيم
ابراهيم حاج عبدي
دمشق
في طقس دمشقي بارد، ووسط
سخونة الأحداث السياسية في المنطقة، يأتي انعقاد الدورة
الثالثة عشرة لمهرجان دمشق المسرحي، الذي يقام مرة كل
سنتين، ليكون انعكاسا لجو مضطرب ومتذبذب، فمفردات من قبيل
"الاعتذار، التعديل، التبديل، التأجيل، الإلغاء..." تبدو
مألوفة في مهرجان أسس في نهاية الستينيات، وانقطع سنوات،
نتيجة ظروف سياسية مختلفة، ليستأنف رحلته، قبل سنتين،
بصورة مرتبكة، تعمها الفوضى على نحو يصعب ترتيبه في مقال
صحفي، مثلما هي الحال في الدورة الأخيرة التي كرمت عددا
كبيرا من المسرحيين كان للمصريين فيها النصيب الأوفر،
الأمر الذي تم تأويله سياسيا، وهو ما لم ينفه مدير
المهرجان جهاد الزغبي الذي قال ان تكريم المصريين "جاء
بمثابة خطوة ديبلوماسية لتحسين العلاقة بين دمشق والقاهرة"
إثر فتور شابها على خلفية التباين في المواقف من الحرب
الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، واستشهد الزغبي، هنا،
بكلام المسرحي الفلسطيني توفيق فياض الذي قال ان "المهرجان
فعل ما لم يستطع فعله وزراء الإعلام العرب".!
إن تكريم حوالي أربعين مسرحيا (بينهم عشرة مصريين، وتسعة
سوريين) افقد التكريم المهابة، والقيمة الرمزية التي
يحملها، فقد ضاق بهم مسرح دار الأوبرا، على اتساعه، رغم
عدم حضور العديد من المكرمين مثل محمود درويش، وسميح
القاسم، وروجيه عساف، ويعقوب الشدراوي، ورجاء بن عمار،
وقاسم محمد، ومحمود ياسين وكان يمكن تفسير ذلك سياسيا غير
أن غياب محمد صبحي المعروف بمواقفه المؤيدة لـ "ثقافة
المقاومة" أضعف هذا التأويل. ومثلما أن التكريم كان
بالجملة فان كم العروض بدا كبيرا أيضا، إذ يشارك في هذا
المهرجان أكثر من خمسين عرضا مسرحيا، ونصف هذا العدد هو
عروض سورية، بينما النصف الآخر عروض عربية وأجنبية. يقول
هشام كفارنة مدير المسرح القومي ورئيس لجنة المشاهدة
لاختيار عروض المهرجان، "إن اللجنة شاهدت عروضا عديدة
مرسلة على أقراص مدمجة، وقد وافقت على حوالي ثلاثين عرضا"،
لكنه فوجئ بان عدد العروض قد ارتفع إلى أكثر من خمسين. هذا
الكم الكبير من العروض أدى إلى تغيير برنامج العروض أكثر
من مرة، فليس غريبا أن تذهب لمشاهدة مسرحية تونسية لتجد
أمامك مسرحية عراقية! كما أن هذا الكم جعل من المستحيل
مناقشة جميع المسرحيات في الندوة التي تلي يوم العرض، إذ
يتساءل كفارنة "كيف يمكن مناقشة خمسة عروض دفعة واحدة!"،
ناهيك عن أن جمهور المهرجان وقع في الحيرة وراح يخمن،
اعتمادا على أسماء صناع هذه المسرحية أو تلك، مستوى العروض
كي يشاهد المسرحية الجديرة بالمشاهدة طالما أن حضور جميع
العروض بدا أمرا متعذرا. وينتقد كفارنة طريقة إدارة
المهرجان في استقبال وإقامة الضيوف، فبعضهم حظي بإقامة
"فايف ستارز"، وآخرون أقاموا في فنادق هبط عدد نجومها،
مشيرا إلى أن "التغييرات المتتالية التي طرأت على برنامج
العروض بدت مبنية على أسباب غير منطقية كأن تقول إحدى
الفرق بان "هذا التوقيت لا يناسبني"، أو أن ممثلا من
الفرقة مضطر للمغادرة، وآخر يقول بان لديه التزامات في
بلده ولا يتمكن من الحضور إلا في توقيت يناسبه..."، وأضاف
كفارنة بأن "كثافة العروض أرهقت الفنيين والإداريين
والطواقم الفنية في المسارح الخمسة التي تشهد العروض".
يرد جهاد الزغبي مدير المهرجان بان "مهرجانا في مستوى
مهرجان دمشق لا بد له من أن يستقطب الأسماء الكبيرة، وكما
كبيرا من العروض"، وهو يزيد بان "عدد العروض ارتفع عما
قررته لجنة المشاهدة بعد إضافة عروض سورية، وجلب عروض من
اليمن وليبيا"، كي يكتمل ربما "العرس المسرحي العربي"،
بحسب الوصف الذي اختارته نشرة المنصة اليومية الصادرة عن
المهرجان، وأشار الزغبي إلى أن التغيير في زمان ومكان
العروض طرأ بسبب ظروف الفرق المشاركة، وخصوصا تلك القادمة
من فلسطين"، وأعفى الإدارة من مسؤولية هذا الخلل الإداري.
برغم ذلك فان نبرة الاعتدال بدت طاغية على تصريحات
المسرحيين العرب الضيوف، فهذا هو الكاتب المسرحي والدرامي
المصري محفوظ عبد الرحمن يصف المهرجان المسرحي السوري بأنه
"واحد من أهم المهرجانات العربية"، وهو يدعو المسرحيين إلى
مساندته كي يحافظ على ألقه، وسمعته، ورغم إقراره بالواقع
"المتردي للمسرح في العالم العربي"، فانه يعزو ذلك إلى
الوضع السياسي والاجتماعي العام، الذي يحول دون تحقيق
المسرحيين لمشاريعهم الطموحة. من جانبه يرى الناقد المسرحي
الأردني جمال عياد بان "وجود واستمرارية مهرجان دمشق
المسرحي ضرورة ملحة"، وبوصفه ناقدا فقد انصبت ملاحظاته على
ندوة المهرجان الفكرية الرئيسة التي ناقشت، عبر ثلاثة
محاور، موضوعة "الشباب مستقبل المسرح العربي"، فهو اعتبر
أن هذه الندوة هي "معطى مهم في المهرجان"، ومن باب الحرص
على تطور فعالياته رأى بان "تكون الندوات اكثر تحديدا من
حيث المصطلح النقدي، وأن يعد المشاركون أبحاثا مكتملة قبل
تقديمها للجمهور". ولاحظ عياد بان هناك عوامل قد تحبط
تواصل المتلقي مع المسرحيات، ومنها "طبيعة المسارح
وتجهيزاتها، وطبيعة المواصلات المعقدة في مدينة دمشق،
خصوصا أن العروض تقام في مسارح متوزعة في أماكن متفرقة".
ودعا عياد إلى "ضرورة التمحص في اختيار العروض المشاركة
لجهة أن تكون حديثة وغير مكررة، ولسويتها الفنية
والجمالية". وأشاد عياد بتطور "الحراك المسرحي السوري،
ووجود تباشير تجارب شابة تحمل بذور التجريب الخلاق مثل عرض
الافتتاح السوري (شوكولا) لرغدا شعراني" الذي نال تقدير
الجمهور.
المسرحيون السوريون، على خلاف نظرائهم العرب الضيوف، بدوا
مستائين، وغاضبين. المسرحي السوري طلال نصر الدين الذي
يشارك في المهرجان بمسرحية مستعادة له اسمها "الديك"، شن
هجوما عنيفا على المهرجان بدءا من شعاره "الشباب مستقبل
المسرح العربي" وصولا إلى العروض المشاركة التي وصفها
بأنها "غاية في الرداءة، وهي أشبه بـ (فيديو كليب مسرحي)
ولا يوجد عرض واحد يتوفر فيه ملمح مسرحي"، وهو انتقد
العروض السورية التي اعتبرها غير لائقة، واستثنى من ذلك
بعض العروض المستعادة مثل عرض "النفق" لفايز قزق، وعرض
"البيت ذو الشرفات السبع" لهشام كفارنة، ودعا نصر الدين
إلى الاهتمام باختيار أعضاء اللجان المشرفة على المهرجان،
فمن المعيب ـ حسب قوله ـ أن نرى في مهرجان بهذا المستوى
"عروضا هشة وبائسة". وفي ما يشبه الرد غير المباشر على ما
جاء في كلمة وزير الثقافة السورية رياض نعسان آغا لدى
افتتاح المهرجان إذ قال "نحن لا نريد من مهرجان دمشق أن
يكون تظاهرة إعلامية، أو نشاطا ترفيهيا...فنحن نتطلع إلى
أهداف ابعد مدى..نريد أن يكون مؤتمرا للإبداع العربي،
تناقش من خلاله أهم قضايا الأمة، وتطرح للحوار فيه كل
الموضوعات الفكرية والسياسية التي تشغل بال المواطنين في
سعة من حرية الرأي والتعبير..."، قال نصر الدين بأن الهدف،
ربما، بات يكمن في "إقامة المهرجان فحسب، ورفع التقارير
دون أي اهتمام بالجوانب الفنية والجمالية"، ولم تسلم نشرة
المنصة من انتقاداته فهو قال بأنها تتضمن مديحا وإطراء
وبروباغندا مسرحية ومجاملات..."، واعتبر ذلك "عملا رخيصا
لا يمت إلى النقد المسرحي بصلة"، واضاف نصر الدين بأن
"الوضع المسرحي السوري لا يزداد رداءة فحسب، بل تدور حوله
الأقاويل التي تفوح منها رائحة الفساد"، وختم بالقول أن
"القرارات بصدد الشأن المسرحي تتخذ في كواليس معتمة لا شأن
لها بالفن، ولا بالثقافة بل أن كل هذه المظاهر تمهد الطريق
نحو كعكة ممكنة الاقتسام".
وسط هذا الكم من الانتقادات فان ثمة عروضا لاقت الاستحسان،
مثل "حمام بغدادي" للعراقي جواد الأسدي، وكذلك عرض "حظر
تجوال" للعراقي مهند هادي، ومن سوريا برز عرض "البيت ذو
الشرفات السبع" لهشام كفارنة، و"حكاية علاء الدين" لأسامة
حلال، إضافة إلى "شوكولا" و"النفق"، وكان للمسرح التونسي
حضور مميز عبر ثلاثة عروض، بعد أن اعتذرت رجاء بن عمار،
وإذ غاب عرض الأخيرة "هوى وطني"، فان العروض التونسية "هنا
تونس" لتوفيق الجبالي، و"حالة مدنية" لعاطف بن حسين،
و"ساعة ونصف بعدي أنا" لنضال قيقه، خلقت احتفالية مسرحية
أعادت إلى المهرجان جزءاً من شهرته الماضية، ومثل تونس فان
فلسطين، بدورها، حضرت عبر ثلاثة عروض متفاوتة المستوى وهي
"الجدار" لجورج ابراهيم، و"الجدارية" لأمير نزار زعبي،
وصفد ـ شاتيلا، من وإلى" لآنا ميكي ديليس...وهي انتزعت
التصفيق الطويل من جمهور تعاطف مع مسرحيين يعملون في ظروف
الحصار والتجويع والقتل اليومي أكثر مما تفاعل مع الجوانب
الفنية والإبداعية في هذه العروض. المشاركة المصرية لم
تستطع إثارة الجدل رغم حضور نجوم كبار مثل سميحة أيوب،
وفاروق الفيشاوي، ورشوان توفيق وغيرهم ممن جسدوا أدوار
مسرحية "الناس اللي في التالت" للكاتب المصري أسامة أنور
عكاشة، وقد قوبل العرض بانتقادات لاذعة فقد جاء في مقال
نقدي لرئيس تحرير النشرة اليومية نادر أصفهاني بان العرض
تميز "بأداء تقليدي لا روح فيه، وبمبالغة ميلودرامية"، أما
العرض المصري الآخر "أحلام شقية" لمخرجه محمد أبو السعود،
المأخوذ عن نص للمسرحي السوري الراحل سعد الله ونوس، فقد
غلب عليه الحوار دون أن يتوفر فيه أي ملمح مسرحي مما أصاب
الجمهور بالملل فانسحب بالتدريج من عرض امتد لساعتين. إلى
ذلك حضر لبنان بعرض "سكويك" لخلود الناصر، والمغرب بعرض
"أربع ساعات في شاتيلا" لعبد الواحد عوزري، والجزائر بعرض
"بيت الحدود" لبلقاسم عمار وغيرها من العروض العربية فضلا
عن عروض أجنبية قادمة من قبرص، وتركيا، وأرمينــيا،
والسـويد، وســويسرا، وإيطاليا.
|