المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

اصوات من المنفى قراءة في مرويات المنفى العربية عبد الرحمن منيف نموذجاً (2ـ4)

د/محمد الشحات

يعيد لنا الراوي سرد ما حدث بالفندق في بادن بادن (المنْفَى) بكثير من التفصيلات ومن وجهات نظر سرية عدّة. إنه يقدّم لنا مروّيات أخرى شتّى عن أحداث الخلافات والاشتباكات والقتل في الفندق بعد رحيل الحكيم وطلاق ابنته سلمى من السلطان. فهذه الطريقة في السرد تشبه، إلى حد بعيد، طريقة السرد القانوني، أو التاريخي المتقصّي؛ إذ نشعر احياناً براوٍوثائقي تسجيلي يبلغ درجة من التسجيلية قد يصيبنا معهاً الملل والسأم من وطأة التفصيلات اللامتناهية، إنه راوٍ يسأل ويجيب ويشك ويمحص ويفند كل ما يستقبله من احداث أو وقائع أو اخبار، والغريب أننا قد نجده احياناً اشبه شيء براوٍ سريّ، مخبر(5). إن راوياً يجمع بين هذه الصفات جميعها، وهو ما لا يجتمع في رواية تنحو منحى تأريخياً أو ديموجرافياً، لا تتميز استرجاعاته الزمنية بالإطالة أو الغوص العميق في تفصيلات ماضوية، بل حسبه رسم (استرجاعات) خاطفة مختزلة ومكتنزة. فيها هو الحكيم أبو غزوان يفكّر في الاستعانة بالمسؤولين الأمريكيين للقضاء على التمرد القائم هناك بموران:

"حين ارتسمت له الصورة كاملة بدا أكثر راحة وتفاؤلاً. المهم ان يلتقي بالمسؤولين الاميركيين لكي يبحث معهم كامل التفاصيل. يتذكر كيف كانوا يتبادلون النظرات وهو يتكلم، وهو يجيب عن اسئلتهم اثناء زيارته، كانوا لا يخفون اعجابهم، الآن يمكن ان يتوصل معهم إلى النتائج المرغوبة دون جهد، سوف يقنعهم بكل تأكيد. سوف يعود إلى موران منتصراً.

[المنبت، ص:82].

تتوزع مثل هذه الاسترجاعات المختزلة، المكثفة، على مدار الرواية كلها (ص129، 142، 146، 195). وهي استرجاعات تتداخل مع مونولوجات تمتلئ بها أذهان الشخصيات التي يقتحمها الراوي بكليّة معرفته وكلية وجوده:

"ـ بسيطة يا بنتي، خلصنا.

وحين خيم الصمت، قال وكأنه يخاطب نفسه:

ـ هذا الزواج كان من أوله غلط.

ولم يجدا شيئاً يقولانه. غرقاً في حالة من الكآبة والتفكير. لم يعرفا ماذا يتكلمان أو ماذا يفعلان. عاد الحكيم إلى أول ايامه في موران. أيام كان في حران وحيداً، كان قوياً وواثقاً. وعاد إلى الأيام الأولى في موران العاصمة. يوم، جاءت سلمى، والأولاد ووداد، وكيف تصرف وكيف تصرف الآخرون.

تذكر كل شيء، شعر ان حياته كانت تافهة، دون معنى. والآن..؟ ماذا يستطيع ان يفعل الآن، بعد ان انهارت كل آماله وأحلامه؟ ولماذا بقي هكذا فقط ليتلقى المصائب واللطمات؟ ولماذا ارتكب تلك الحماقة وزوّجها للسلطان؟ وهل كان يستطيع ان يرفض؟ جاءه حماد لا ليسأله عن موافقته أو رفضه، وإنما لكي يبلغه ان السلطان يريدها ولا شيء غير ذلك. والآن، ماذا يستطيع أن يفعل؟".

[المنبت، ص ص:145 ـ 146].

على أية حال، فإن تسامي (الاسترجاعات)، أو الارتدادات الزمنية في رواية عبد الرحمن منيف (المنبت)، عن الوقوع في إطار زمن مرجع محدد العلامات وقابل للتأويل(6) بطريقة مباشرة، شبيه إلى حد بعيد بما تفعله مرويات المنفى عند كل من إبراهيم نصر الله في (طيور الحذر) (1996) وسليم بركات في (عبور البشروش) (1994) حين تكتفي الأولى بمحض اشارات إلى زمن الستينيات في المجتمع العربي، حيث تصاعد المدّ الناصري آنذاك وأجواء انتكاسة العام السابع والستين تلقي بظلالها على المنطقة العربية بأسرها: الإنسان والمكان والأشياء. وتنهض الثانية على ذاكرة راوٍ "لاجئ" يحتمي بمسروداته الكردية من أسطورة يلماز ملّي واستدعاء صورة (الخِضْر) العبد الصالح وغيرها ليتسامى فوق تاريخية الثورات التي قادها مصطفى البرزاني وغيره.

والجامع بين روايتي نصر الله وسليم بركات، هنا، هو تسامي الروايتين فوق المتعين من الوقائع والحروب والصراعات الأبدية والتحليق في فضاء المطلق الرحب الذي يخلق من قلب مرارة الواقع المحاصر شعراً وحكمة وفلسفة على لسان الصبّي الصغير في رواية نصر الله، كما يخلق عالماً ذا مسحة غرائبية لا تخلو من شعرية خاصة قد ينفر منها العقل لكنها تأسر المخيّلة وتجذب الذاكرة في رواية سليم بركات.

 

2

إن حالة اللااستمرارية في الوجود أو حالة (الارجاء) التي تمثل وضع المنفي، تقوده إلى أزمة الهوية؛ فتغيّر البيئة المحلية ـ أو تغير مفهوم (البيت) أو (الوطن) بصفة عامة، بكل ما تخلقه الكلمة في وعي المنفيين وفي لا وعيهم من مبان وشوارع وأنهار واشجار وطيور وحيوانات، وبشر، وذكريات.. إلخ ـ يؤدّي إلى تغيرات في إطار المرجع الذي تتشكل من خلاله هويّات المنفيين ونصان، وهو الأمر الذي يتجلى في مرجعية الصور السردية والوصفية في نصوص المنفى التي تحيل دائماً إلى (هناك)، حيث يُوجَد (الوطن) و(البيت) و(المخيّلة). لذا، فمن بين تعريفات المنفي أنه ذلك الشخص الذي يقيم في مكان ما ويتذكر الواقع ويتخيله من مكان آخر. ومهمته، حينئذ، "ان ينقل شكل الخلف الممزق في شكل للتوصيل Figure Of Connection".

من خلال هذا التصور، تصبح الكتابة في المنفى فعل مقاومة ينتجه فضاء يضج بأشكال عدة للتمثيلات الاستعمارية التي تعتمد مفاهيم ذات صبغة امبريالية كالإزاحة والهيمنة ونفي الآخر.

وليست المقاومة بالضرورة فعل معارضة ذا هدف سياسي فحسب، كما أنها ليست نفياً بسيطاً أو استبعادا لمضمون ثقافة أخرى، كما كان يفهم (الاختلاف) في وقت مضى، بل "هي نتيجة لالتباس ينشأ داخل إطار القواعد الإدراكية للخطابات المسيطرة عندما تعبّر عن علاقات الاختلاف الثقافي ثم تعيد توريطها داخل علاقات الخضوع المرتبطة بالسلطة الاستعمارية مثل التراتبية والتطبيع والتهميش..الخ". وكثيرون هم المبدعون الذين نالوا "قُوتا خياليا" من المنفى" (ومن بينهم: أوفيد، دانتي، سويفت، روسّو، مدام دي ستال، هوجو، لورانس، مان، بريخت، .. إلخ)، أو هم قد نالوا قوتاً تغذّت عليه المخيّلة ونشأ مع خبرتهم المحلية بحياة المنفى التي انغرست قيمها في فنهم وشكلت رؤيتهم للعالم فانتجت نتاجها الخلاق فيما يمكن تسميته بـ: "الانفصال بوصفه رغبة"، "المنظور بوصفه شاهداً"، "الاغتراب بوصفه وجوداً جديداً". ويمثل الاقليم المحلي، بالنسبة إلى مبدعي المنفى، مُنْتَجَا لذاكرة معمقة وحادة. فـ"الخيال هو ـ بالفعل ـ عَوْدّ إلى بيت خاص".

عبر هذا الفهم لعلاقة المنفى بالخيال والسرد، تتغذى نصوص المنفى ـ من حيث هي نصوص تقع في فضاء ما بعد كولونيا لي عام ـ على عدد من الاستراتيجيات البلاغية والنصية، كالتهجين والتشويه والتمويه والانتهاك وغيرها، مما أشار إليه باستفاضة هومي بابا، من أجل خلق بنية نصية توسعية جامحة تسعى إلى تصدير فكرة "المقاومة" (مقاومة الدمج أو الاستعمار أو الاحتواء أو مقاومة الفناء والذوبان أيضاً..) ومن خلال الاستعاة براوٍ ذي استراتيجيات عدة سوف تشير هذه الورقة إلى بعضها. لذا، تزداد حاجة الأمم الناهضة دائماً إلى المجازات والصور، كحاجتها في بعض الأحيان إلى اجلال المرويات الكبرى أو حتى انشاء مرويات بديلة، وممارسة الحكي والحكي المضاد، من حيث هي جميعاً ـ بالإضافة إلى غيرها ـ وسائل للمقاومة والوقوف في وجه الآخر ايا كان، في الداخل (ممثلاً في" مجتمع مضطهد ـ قامع ـ سجان ـ طاغية ـ مكفر ـ مستبد ـ نافٍ..) أو في الخارج ممثلاً في غاز، مستعمر، محتل،..).

وتعد دراسة "صورة الآخر" في الرواية مبحثاً راسخاً من مباحث "الأدب المقارن"، إذا وضعنا في اعتبارنا الفهم الحديث لعلم "الأدب المقارن" الذي يقدم نظرة شاملة للأدب ولعالم الكتابة، أو هو "دراسة للبيئة البشرية ونظرة أدبية للعالم ورؤية شاملة ووافية للكون الثقافي"، حسب تعبير فرانسو جوست Francois Jost. وعلى الرغم من ان معظم الباحثين أو الدارسين لا يبدأون من مجال الأدب المقارن، غالباً، فإنهم قد ينتهون إليه بطريقة أو بأخرى(13)، ومتجهين نحوه من نقاط بداية شتى، حين تكون الضرورة المنهجية دافعاً إلى تجاوز حدود موضوع ضيق يتضمن بعض الاشارات أو العلامات أو الصور أو الاستعارات التي تدفع الباحث إلى مراجعة نصوص غائبة تنتمي إلى ثقافات وحضارات متباينة.

وفي هذا السياق، يتصل مفهوم الأدب المقارن ـ في ضوء النظرية النقدية المعاصرة ـ بما يُسمّى "النقد الثقافي" أو "الدراسات البينية"؛ إذ يفيد من حقل النقد الأدبي وتنوع نظرياته واتجهاته، فضلاً عن افادته من (علم اجتماع الأدب) و(تاريخ الأدب)، وربما (النظرية الاجتماعية) بشكل عام:

" فلا شيء يحيا منعزلاً، فالانعزال الحقيقي هو الموت، وكل العالم يستعير بعضه البعض، فهذا العمل العظيم، عمل الجاذبية، عالمي مستمر". ومن ثم، فاصطلاحات من قبيل "الأدب القومي" ـ حين تعبر عن نزعة مضادة تواجه هيمنة "المركزية الأوروربية" وذيوعها ـ إنما تثير الكثير من الجدل والقلق، بشأن آداب العالم الثالث، أو الدول النامية، فضلاً عن آداب المهمشين والأقليات، وكتاب المهاجر، والمنافي، الأمر الذي بلور ملامح اتجاه نقدي وثقافي يسعى إلى تشكيل خطاب يعبر بالدرجة الأولى عن الأقليات وعن كتاب المنفى ودول العالم الثالث وكتاب القارة السوداء، والكتاب "مزدوجي الهوية"، ألا وهو اتجاه "ما بعد الكولونيالية"، وما تمتلكه هذه الآداب من شيوع وانتشار جعلها تتجاوز خصوصيتها الإقليمية هو أنها آداب انبثقت من شكلها الخاص، بعيداً عن تجربة الاستعمار، وتشبثت بنفسها من خلال مواجهة عدد كبير من القوى الإمبريالية، ومن خلال تأكيدها على ذواتها المحلية والقومية، واختلافها عن مسلّمات المركز الإمبريالي (الأوروبي) الأمر الذي يجعلها آداباً ما بعد كولونيالية بامتياز.

إن دراسة صور الآخر من بين المباحث التي يعتبرها الأدب المقارن مجالاً محورياً للفصل بين الثوابت والتحولات(16)، حيث ينظر إلى الصور ـ سواء صورة "الآخر"، أو صورة "المنفى" أو صورة "المستعمر" أو صورة "الوطن"..الخ ـ بوصفها مكونات للثقافة، فضلاً عن كونها صوراً تحمل تجارب الشعوب الخاصة. ويمثل البحث في مجال صور الشعوب اتجاها حديثاً في الأدب المقارن، كما يقول كلود بيشوا(17)؛ إذ يحب ان تدرس الصورة أولاً على مستوى الوطن (الإقليم المحلي). فكل إقليم يكون لنفسه صورة عن الأقاليم الأخرى، ويقدم لجيرانه رموزاً أساسية عنه:

"وكل وطن لديه صورة عامة عن نفسه، تولّدت عن علم وهبه الله إياه. وفي داخل هذه الصورة العامة تدون تلك الصور الإقليمية. ومن ثم يمكن لأمة ان تعي نفسها كوطن".


محمد سعدون السباهي: العودة إلى عصرالحكاية مؤشر على مخيلة كسولة

حاوره/غسان كاظم

ما يميز القاص محمد سعدون السباهي هو حساسيته العالية إزاء الكتابة القصصية، وحرصه الكبير في توخي الجودة، والتأني العميق لاثراء عمله الفني، مما ادى إلى قلة نتاجه القصصي المنشور، إذ لم يصدر سوى مجموعتين، منذ ان بدأ النشر في اوائل السبعينيات حتى الآن، هما (وادي الغزلان) 1988. و(ضباب كأنه الشمس) 1992، إلا انه اخبرنا باحتفاظه بعدد من الاعمال المنجزة كمخطوطات، نأمل ان ترى النور في المستقبل القريب. هي (عطر الشوارع) قصص. و(كرنفال اسود) رواية. (والخريف ملكا) سيرة ذاتية و(اليوم الذري) رواية (كوكب المسرات) رواية عن السجن. وقد استأثرت قصصه. خاصة مجموعته (ضباب كأنه شمس) باهتمام النقاد والدارسين، وكتب عنه الكثير، ولا غرو  فالقاص السباهي يقف إلى جانب أهم قصاصينا العراقيين. ولغرض التعرف إلى واحات فنه القصصي التقيناه في هذا الحوار:

* ثمة أصوات تدعو للعودة إلى عصر الحكاية، لكتابة قصة جديدة، هل تؤمن بذلك؟ وما مدى صحة هذا الرأي؟

ـ وان كنت اعتقد ان العودة إلى عصر الحكاية، مؤشر على مخيلة كسولة، لكن يمكن ان نجيز ذلك شرط ان يتماهى المضمون مع الواقع الغائر، وينتهي نهاية ثورية وإلا عد ضرباً من ضروب الهروب، والابتعاد عن تناول المسكوت عنه، وما أكثر ما فعله القصاصون العراقيون مع الاسف، وثمة امر آخر يجب الانتباه إليه جيداً، وهو ان يرقى الكاتب باسلوبه ولغته كوسيلتي إيصال لابد منهما لأيما نص يراد له النجاح، اشتغل على حكاية أو غيرها.

* ابرز ما يلفت النظر في قصصك، العناية الفائقة في المعمار الفني، والتركيز على تماسك مكونات البناء القصصي. وجاء ذلك من خلال تمكن لغوي وأسلوب تماهى فيه النثر مع الشعر، حتى ليخيل للقارئ انه يرى، ويسمع ايقاع الاحداث على مقربة منه، أترمي من وراء ذلك إلى جر القارئ ودمجه في ساحة الحدث؟

ـ مذ قرأت أول مرة قولاً لهيجل العظيم، مفاده: تنبثق الفكرة على نحو أفضل كلما احسن الفنان اختيار الشكل الأمثل لها، مما يجعل تحقيق الفكرة من حيث هي مضمون تحقيقاً لها في الوقت نفسه، من حيث هي شكل، وكان ذلك في وقت مبكر من حياتي الادبية. فأفادني كثيراً، وشد من عزيمتي، فأوليته اهتماماً خاصاً في محاولة جادة ودؤبة لامتلاك لغتي الخاصة ان صح التعبير فمن دون ذلك لن اتمكن من بناء جملتي القصصية بالفاعلية التي تختنق في مخيلتي، والا ستكون جهودي دونما ارغب واتمنى باحتلال موقعي في خارطة القصة العراقية في الأقل، لا سيما ان الخطاب القصصي كما ازعم هو أفضل الاجناس الادبية، القادر على صوغ السؤال الحضاري ففي النص القصصي تبدو جلية ثقافة الكاتب من عدمها، اعطني قصة لاقرأها وسأقول لك ما هي مصادر ثقافة الكاتب، ولهذا فكتابة قصة جيدة قديماً وحديثاً لا يمكن ان تأتي مصادفة، أو ضربة حظ، أو شطحة تجل كما يقولون، أو مثلما يمكن ان يحصل في الشعر احياناً، القصة الناجحة، عمل معماري معقد ان صح التعبير يسبقه تخطيط وتركيز مضن، وحوارات طويلة وشرسة مع النفس عمل يقصم الظهر، يحتاج تنفيذه إلى موهبة حقيقية، مدعومة بثقافة رصينة، فضلاً عن ذاكرة حادة، وصدق مع النفس والتاريخ، ومخيلة مركبة، قادرة في لحظة خاطفة ان تمزج أكثر من لقطة واقعية وحلمية لتشكل منها المشهد الذي من شأنه ان يغوي القارئ على المتابعة، ولك ان تتخيل كم من ارتال القصاصين الذين فرضتهم علينا المؤسسة الثقافية الخرساء المقبورة من لا يمتلك شروط الإبداع أعلاه؟

* ما الهدف من الكتابة؟ وما الذي تريد ايصاله إلى القارئ؟

ـ بما ان العمل الابداعي الفذ يعد برأي معظم الفلاسفة والمفكرين أرقى اختراعات الإنسان على الاطلاق، واكثرها براعة ومدعاة للدهشة والحيرة، لأنها تعبرعلى نحو خلاق عن ضمير راق، ووعي نبيل يريد للانسان ان يعيش بعيداً عن كل ما من شأنه ان يلوث شرف ككائن مميز عن سواه من الكائنات الأخرى، ثم تطور الأمر ليصبح المبدع بمنزلة الأمل الكبير في ضمير الشعب أي شعب لم يصل بعد مرحلة تحقيق امنياته المشروعة بعيداً عن الغلو والتطرف والغاء الآخر. مثل مسألة الموت والنشور، تلك الرسالة التي ستظل تدهش شعوب الأرض على اختلاف ثقافاتهم إلى الأبد! ثم تبعه رهط من مبدعي العالم اسهم كل حسب قدراته في اغناء الروح الإنسانية وقد دفع الكثيرون منهم حياتهم ثمناً لذلك. بالنسبة لي ازعم انني في الطريق ذاته منذ أول قصة كتبتها، وفازت بجائزة مسابقة إذاعة صوت الجماهير عام 1972. وكادت تؤدي بي إلى التهلكة، تبعتها بعدد من النصوص، جعلت مني في نظر الكثير من القراء والمثقفين والمبدعين، وانت واحد منهم كاتباً تحريضياً نصوصي شهودي.

إذ لم اكتب، ولن اكتب نصاً توفيقياً، أو مسيساً أو دوغماجياً، نصوصي ابعثها للناس جميعاً ليجدوا فيها مواقعهم، ظالمين أو مظلومين، قتلة أم مقتولين، نصابين أو مغفلين.. المضطهدون هدفي في المقام الأول احثهم على اخذ المبادرة لانتزاع حقوقهم وحريتهم من دون نقصان أو تهميش هذا ما يجب علي عمله. وقد عملته جهد المستطاع. لم ابع ولن ابيع قلمي في سوق الوساخات السياسية الملفقة المشبوهة، كما فعل ويفعل الآن كثيرون.

* حسناً لنعد ونسأل، ما مفهوم الإبداع عند القاص السباهي؟

ـ هو محاولة القبض على التناقض، الهجوم الشرس على المستقر الراكد، خرق المألوف، هذه لغة السلب، وهذا يقودنا إلى كون السلب عنصراً اساسياً في العملية الإبداعية، والسلب المقصود هنا لا يمكن ان يكون آلياً. بل هو مشروط بالوعي. ألم نر المبدعين الحقيقيين دائماً خارجين على النظام البطريركي والاسرة والعشيرة والحزب والنظام؟ بمعنى انهم طلاب متطرفون لحرية مطلقة. ثم ان التجربة الشخصية والعنيفة من شأنها ان تسبغ على الكاتب التجدد والوضوح، وتخرجه من عالم احلام اليقظة الكسول. إلى مسرح الواقع المشتبك، مثلاً كنت اعتقد ان الكون اعطي للناس كي تتنافس في بنائه وتجميله، وكنت اعتقد ان الادباء والفنانين والمفكرين مهما تنوعت آراؤهم ومعتقداتهم، من السهل جعلهم في موكب واحد متآلف ضد ليل العالم وصقيعه غير ان كل ما كنت اعتقد من خير وشفافية، أمسى في ضوء التجربة احلاماً ساذجة!

فالانسان هو الكائن الوحيد الذي يصنع مصادر شقائه بنفسه ويفلسفها، وانه ما ان تتغير اوضاعه الاقتصادية، حتى تتغير مواقفه تبعاً لذلك! ومثلما لا يمكن ان تجتمع الفروسية والبخل معاً في شخص واحد، لا يمكن على مستوى الإبداع ان يكون الانتهازي أو شاهد الزور أو الذي يخضع قلمه لقانون الربح والخسارة مبدعاً، وان سود آلاف الصفحات، وطالعتنا صوره الملونة على هذا المطبوع أو ذاك.


صحيح … العرق دساس يا ألآن روب غرييه

 

لم يتحرج أهل الحداثة من الحديث عن حيواتهم الشخصية وما (أبلوا فيها) وسيرهم الموجودة تشرح بالطول والعرض ماقدموا من (اماثيل حسنة) ليقتدي بها الشباب (فيبدعوا) فيها كما أبدعوا في الفكر والفن والأدب، وديدنهم هذا ليس من ثقافتنا لأننا نرى، كأنما فطرنا على هذا، أن حياة الرجل البارز الشخصية يجب أن تكون أنعكاسا لتعاليمه فتكون هي التطبيق الأول لها وحتى لو لم يكن رجل تعاليم أخلاقية شخصية (اديبا كان أم مفكرا مثلا) نحب أن نراه على خلق ووقار ويترفع عن الدنايا وألا لم يكن له أثر فينا وهذا دون أدنى شك مترسخ فينا بتأثير ثقافتنا الموروثة اذ أننا لايمكننا تصور رجل مبادئ سيء الخلق وله رغبات منحرفة ولو وجد فلن يجد له تابعا ألا أناسا منحرفين ومفضوحين مثله، ويسوؤنا جدا أن نعرف أن قائدا سياسيا أو حاكما علينا له مغامرات وشهوات ونحب أن يكون كما نراه أو كما يرينا نفسه، ونحن محقون في هذا فمادام المرء (رجلا كان أم أمرأة) قد تصدى لقيادة (وأنا أعتبر حتى ممارسة العمل الأدبي تصديا للقيادة أذ يفترض أن الكاتب يطرح في عمله مثلا سامية للأتباع فيجب أن تكون صورة حياته الشخصية بقدسية مبادئه فأن كان لابد له مما ليس منه بد فلايجوز أن تطرح هذه الفضائحيات على العلن ويفتخر بها وليفعل بحياته الشخصية مايشاء مادام لايستغل مكانته أو منصبه لصالح شهواته بل يمارس حياته الشخصية كأي أنسان عادي. هذا الموقف أعتز به شديد الأعتزاز ولا أظن عكسه ألا ضلالا بعيدا. منطق لا يفهمه ربما اهل الحداثة فهم بلغوا مرحلة من (التقدم) بحيث لا يستنكرون بلوغ شاذ جنسيا منصب رئيس دولة أو أعلان قس أنه من المثليين، لابل أن مشاهير المنحرفين أخلاقيا عندهم بمثابة قديسي العصر (نضرب مثلا بازوليني) وربما جعلوا قبره مزارا يقدمون له سنويا فروض الولاء والأعجاب بحجة الثورة على القيم السائدة وكأنك أذا كنت خلوقا حييا  فأنت حجر عثرة أمام التقدم. القضية ليست أيمانا بدين أو عدم أيمان به فلينين كان ملحدا ولكنه نافذ البصيرة متزن الفكر فلم يكن يقرب حتى الخمر ولم يدخن لأيمانه بأن حياة الأنسان يجب أن تكون أنعكاسا لمبادئه فكان يرى في الخمر والتدخين أضافة الىكونهما مصدر شر أخلاقي وصحي أسرافا وهدرا للوقت لايتناسب مع دعوى النضال من أجل قضية وكان بأمكانه أن يقول لاعلاقة لحياتي الشخصية بحياتي العامة، ولكنه أراد أن يضرب للناس مثلا، نموذجا للسلوك الحسن.

على كل حال ولكي لا أبتعد عن النقطة المقصودة أقول لو كان كشفهم لحياتهم الشخصية ينفع القارئ لقلنا أهلا ولكنهم يكشفون ما يوجع الضمير ويدمر الخلق على أنه صدق مع النفس وصراحة ويهدم صورهم المزيفة التي هولتها وضخمتها الدعاية والأعلام الثقافي الغربي فأذا بك تكتشف أن السيد المحترم ليس بمحترم، ترى ألم يكن لشهادة البروفيسور أو الفلسفة للرجل الذي أشترك في نشاطات طليعية لاحصر لها وأسهم في التوقيع على بيانات أحتجاج على الظلم وضد الحرب والأستعمار ذرة  يميز بها بين اللائق وغير اللائق..  فسحقا له أذن  وبعدا.

وآخر ماطلعت علينا به وسائل النشر من (روائع) ماذكرنا هو ماكشفت عنه المذكرات التي نشرتها زوجة ألان روب غرييه أحد منظري الحداثة في الفكر والأدب والذي طالما تلقفت كتبه المترجمة أيدي مثقفينا بشغف.

وتناوله أحد المعلقين بطريقة لاذعة لابد أنها أحرجت غرييه فكتب ردا هو أقرب الى العذر الذي هو أقبح  من ذنب يتناول تسويغه لميوله النازية في شبابه وينكر أنه فعل شيئا مع زوجته سنوضحه فيما يلي

 بالنسبة للأمر الأول يقول في صفحة 323 من المذكرات : عن (مجلة لونوفيل أوبزرفاتور)

(كنت في غاية الكسل البدني والأخلاقي. لو كنت رجل فعل لأنخرطت وأنا في العشرين بالحركة الفاشية وهو مالم أفعله أبدا. مع ذلك كنت مؤيدا للحزب النازي. أنا أومن بهذا الحزب الذي كان يمثل بالنسبة لي الأنضباط وألأشتراكية والكفاح ضد الشيوعية … لقد فتنتني الفاشستية)

هل يرى القارئ العزيز، أسوأ من هذا؟ وهل في ما يقوله غموض يحتاج الى أيضاح؟

بالنسبة للأمر الثاني هو يقر بأنه عمد الى تعرية زوجته تماما  أمام صديق أسمه (جيروم لندن) ولكنه يقول بأن الذي أخذها في مناسبة أخرى الى غابة بولون (صفحة 427) وعراها أمام أصدقائه ودعاهم الى الوليمة لم يكن هو بل صديق أسمه(آلان) أيضا … المهم عندنا هو أن المرأة في المرتين كانت(كاترين) المصون وهو لا ينكر هذا ولكنه للحقيقة والتأريخ يزيل اللبس  في الثانية ناسبا المأثرة الى صديق.

أن في أخلاق مجتمعه أيضا مايسوغ له هذه  الفضيحة  ومع ذلك يوجد شيء آخر قاله في مقابلة معه نشرتها مجلة(لير) في عدد خاص بمناسبة بلوغه الثمانين أذ ذكر أن أمه في ريعان شبابها كانت من السباقات  الى اعلان العري أوائل القرن العشرين حيث انضمت الى هيئة معلمي مدرسة يهودية كان من برامج مديرها أخذ الطلاب في سفرات مختلطة ريفية بعض نشاطاتها أقامة حفلات عري على الطبيعة أيام كان لا يزال يوجد عند الغربيين بعض الحياء. كانت أمه تضرب لطلابها المثل (الأعلى) تحت أنظار المدير وملاكه (التقدمي) لايبخلون عليها بالاطراء والاستحسان ويروي شيخنا هذا وهو في أرذل العمر.

ترجمة: جودت جالي

 

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة