ثقافة شعبية

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

اسواق رصافة بغداد القديمة قراءة جديدة لخريطة قديمة

صافي الياسري

الحديث عن بغداد القديمة يحتمل الكثير من الامتدادات في عوالم التاريخ والجغرافيا والاجتماع والسياسة والادب والثقافة والمعمار والتجارة والاقتصاد والفن، فهي منظومة متكاملة لا تطرح لوحة عن بعض جوانب حياتها من دون ان تحمل تفاصيل جوانب أخرى، واسواق بغداد القديمة مثال حي لواحدة من هذه اللوحات، وبغداد القديمة التي يظن الكثيرون أنها اختفت في بطون الكتب، لا تزال حية باسواقها التي تحتل المواقع القديمة نفسها، انما اختلفت هيأتها وجغرافيتها قليلاً أو كثيراً وحسب، ويمكنك العودة إلى العصر العباسي لتقليب صورة هذه الأسواق في ما كتبه كثير من الادباء والكتاب البغداديين ومن شتى اقطار العالم، يقول اليعقوبي في (معجم البلدان) ص 253 عن اسواق الرصافة، اسواق هذا الجانب العظمى تجتمع فيها اصناف التجارات على رأس الجسر، ماراً من رأس الجسر مشرعاً ذات اليمين أو ذات الشمال من اصناف التجارات والفيناعات: والجسر الذي يتحدث عنه العيقوبي هو الجسر العباسي القديم شمال رصافة بغداد قريباً من موقع مدينة الطب حالياً.

ويمكنك ان تجد الكثير في (تاريخ الرسل والملوك) لمحمد بن جرير الطبري وفتوح البلدان لاحمد بن جابر البلاذري وكتاب الوزراء لابي عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري وغير ذلك من الكتب كثير، وتمتد الرحلة إلى الحقبة العثمانية فتقرأ ما كتبه الرحالة الأوروبيون الذين زاروا بغداد وركزوا اهتمامهم حول  ما شاهدوه من جوامع ومساجد واسواق ومنها اسواق رصافة بغداد واهمها ـ الشورجة، والبزازين، والصفافير، والهرج، والميدان.

 

الشورجة

ويبدأ سوق الشورجة من جوار المدرسة المرجانية المعروفة بجامع مرجان على الجانب الايسر لشارع الرشيد قبالة سوق البزازين وشارع السموأل ثم يأخذ السوق امتداداً عرضياً نحو شارع ـ الخلفاء ـ الجمهورية ـ وتطل نهايته على شارع الكفاح ـ شاعر غازي شورجة السيكاير والبورصة.

والشورجة هي محل الشورة والماء المالح ويقال أنها كانت مستنقعاً وربما مجموعة آبار أو مسطح للمياه الجوفية، ما اصطلح على تسميته (بالنزيزة) ويقول الأستاذ سالم الآلوسي (احد المهتمين بتاريخ بغداد).

ان شورجة محرفة عن شيرج وهو دهن السمسم وقد كانت هناك عدة معاصر يديرها اليهود في تلك المنطقة:

ويقول عنها فيلكس جونز في كتابه الذي اصدره اثر زيارته لبغداد عام 1846 أنها تضم في عقودها.. عقد (المنارة المكطومة) وعقد (قره اصلان) و(عقد الخفافيش) و(عقد علوة الخيار) و(عقد العنبة جيه).

وسوق البقالين وسوق التمارة وجامع الشيخ ومحلة الفراشة ومحلة الدشتي وامام طه، وقد ذكر ياقوت الحموي ان الشارع المار بهاتين المحلتين هو درب الفراشة الذي سمي فيما بعد بمحلة الفراشة وهي من بقايا العصر العباسي وما يتحدث عنه الحمودي يعود إلى القرن السابع الهجري، وقد امتدت الشورجة اليوم إلى شارع الكفاح ـ شارع غازي ـ والى محلة الكولات التي تحولت بعض دورها إلى مخازن ومحلات لبيع السكائر وتصريف العملة الأجنبية.

ومن معالم الشورجة القديمة التي بقيت اسماؤها متداولة حتى الآن ـ قهوة الحنطة ـ وخان دجاج ـ وحمام الشورجة ـ وسوق الصغير  ـوسوق البقالخانة ـ وسوق التمارة ـ وسوق الفاكهة وعلاوي الشورجة، وسوق الغزل، وسبيل جامع سوق الغزل، الذي أسس سنة 1269 هـ، وسلطان حموده وتحت التكية وفي بدايتها سوق العطارين وفي نهايتها باتجاه شارع الخلفاء ـ الجمهورية ـ مقابل عمارة الضمان، عمارة بنيت قبل سنوات على ارض تخص دائرة الاموال المجمدة الخاصة باليهود ويقال ان (الكنيست) اليهودي في بغداد كان قائماً على هذه القطعة، ولهذا لا يزال التجار المسلمون يعدونها ارضاً مغصوبة ولا يجيزون الصلاة في موقعها.

 

الجوخجية ـ البزازون

كان سوق الجوخه جية جزءاً من سوق الثلاثاء العباسي الذي كان يقام كل ثلاثاء لأهل كلواذي حتى قبل ان يعمر المنصور مدينته، وهو سوق جامع يقام مرة واحدة شهرياً يوم الثلاثاء فقط، وابرز ما يباع فيه الحرير والدمقس كما اشار الحموي في (معجم البلدان) وفي جوار السوق نشأت محلتا دار دينار الكبرى ودار دينار الصغرى، وهما منسوبتان إلى دينار بن عبد الله احد موالي الرشيد وواحد من اجلّ قادة المأمون، ودرب دينار هو اليوم شارع المأمون، وعلى طرف المدرسة النظامية التي كانت تقع في محلة الحظائر القديمة وتتصل في الشمال الشرقي بالمدرسة المستنصرية، ومحلة الحظائر القديمة هذه هي موضع خان جغان الذي تحول إلى مجموعة اسواق، اما المدرسة فتقع في ارض سوق الخفافين، وتمتد إلى جامع الخفافين، وقد سميت (النظامية) نسبة إلى نظام الملك وزير ألب أرسلان وابنة ملك شاه وقد اسست سنة 457 هـ، وتقع اليوم خلف (سوق دانيال) للاقمشة وهذا السوق كان يشغله التجار اليهود والايرانيون على مدى سنوات طويلة، وفي المدة الأخيرة شغله العديد من التجار الفلسطينيون ولا يزال الشارع ـ السوق يحمل نفس الاسم حتى اليوم والى جانبه سوق العرب للاقمشة ايضاً وهو مختص بنوع من الاقمشة التي يطلبها سكان الريف، خصوصاً ارياف جنوب العراق، ولا يزال حتى اليوم يحمل نفس الاسم ويختص بنفس النوع من الاقمشة.

 

سوق الصفافير

هو اشهر من نار على علم ومن معالم بغداد السياحية، ولا يكاد يمر ببغداد سائح دون ان يمر بهذا السوق، وهو على الجانب الايمن لشارع الرشيد ومدخله من محلة باب الآغا ويمتد غرباً حتى سوق البزازين وهو جزء من محلة سوق الصفافير التي ذكرها الرحالة جيمس فلكس جونز الذي اوفدته حكومة الهند البريطانية إلى العراق اواسط القرن التاسع عشر ليقوم بمسح طوبوغرافي تهيئة للقفز على العراق واحتلاله، وقد كتب الرجل مذكراته ومشاهداته وقامت حكومة الهند بطبعها في مجلد ضخم.

وكانت تصنع في هذا السوق الاواني النحاسية كالقدور، والطشوت، والاباريق، والصحون، والقراوانات، والصفريات، (امهات العراوي) ، واللكن، كما اختص بتبييض الاواني النحاسية وتصفيرها، ومن هذا اتخذ السوق اسمه، وهو ينتج أيضاً ـ الطاوة، والمصفي، والجفجير، والبريك، والمشربه، وركبة الحمام، والجمجة، والقوشخانة، والسلبجة، والملاعق، وغير ذلك، وقد انقرضت غالبية هذه الصناعات التي كانت تطلبها السوق البغدادية قديماً وبدأت معادن أخرى تحل محل النحاس، إلا ان في الطرق على النحاس وابداع اشكال وزخارف وخطوط هندسية إسلامية وعربية لا يزال قائماً، وهو مطلوب ليس في الأسواق المحلية في بغداد وحسب وإنما في الأسواق العربية والعالمية باعتباره نتاجاً تراثياً بغدادياً رائعاً.

 

سوق الهرج

ويتصل هذا السوق من جهة الغرب بالقشلة (سراي الحكومة القديم ومن الشرق بالشارع المطل على مبنى القعلة سابقاً، والذي اصبح فيما بعد مبنى لوزارة الدفاع، وكانت تباع في هذا السوق الأسلحة النارية والجارحة، وتباع فيه اليوم الخردة والسكراب، والانتيكات، والاجهزة الكهربائية المستعملة والنقود القديمة والطوابع القديمة وبعض التحف، ويتصل بسوق البغدادي المشيد عام 51، وشيدت فيه قبل سنوات قليلة عمارة جديدة استغلها باعة الانتيكات والمنتجات الفولكلورية البغدادية.

 

سوق الميدان

وتقوم بقايا هذا السوق في منطقة باب المعظم ويقع مدخله قريباً من جامع الاحمدي المواجه لامتداد بناية وزارة الدفاع وكان يحوي محلات لبيع اللحم والخضروات والحبوب والأقمشة ومخازن الارز والحنطة والشعير، وكان سوق الهرج جزءاً من سوق الميدان ويعود تاريخه إلى القرن السابع الهجري وهو في الحقيقة نفس سوق السلطان الممتد جنوباً نحو محلة سوق السلطان، وكانت هذه محلة كبيرة وقد ذكرها ابن الاثير في حوادث بغداد سنة 601 هـ وتباع فيه الآن الاثاث الخشبية المنزلية والمكتبية وكانت من أهم معالمه ـ كهوة عزاوي ـ التي كانت من اشهر مقاهي بغداد التي ادخلت في مسرح خيال الظل أو ما كان يسمى (القراقوز) وكان يدير هذا المسرح في مقهى عزاوي رجل يدعى راشد افندي بعد ذلك استورد صاحب المقهى الراقصات والمطربين لتتحول مقهاه إلى ملهى ليلى استقطب هواة السهر البغداديين، وهناك اغنية بغدادية فولكلورية مشهورة تتحدث عن هذا المقهى وتقول كلماتها: يا كهوتك عزاوي.. بيها المدلل زعلان.

صافي الياسري


المتحف الاثنوغرافي العراقي

لست أدري أين حل الدهر بمتحف "ثورة العشرين" في الكوفة التابع لجامعتها ولكن الذي أعلمه أن أيادي خيرة قد وضعت اللبنات الأولى لهذا المتحف الشعبي في التاريخي الذي جمع صور الثوار وآثارهم وبعض أسلحتهم آملاً أن تعمر الأيدي النبيلة هذا المتحف الاثنوغرافي التاريخي الذي لا يمثل حقبة تاريخية أو واقعة بل يمثل واقعاً اجتماعياً كان موجوداً آنذاك انطلاقاً من الأزياء والأسلحة والقصائد والأدوات التي كان يستعملها النجفيون والكوفيون ونعتقد أن تطوير العمل بمشروع متحف اثنوغرافي خاص بالنجف والكوفة سيلقى أذناً صاغية من المسؤولين الأعزاء في الجامعة التي يرأسها أ.د. حسن الحكيم وهو باحث معروف تاريخياً وفولكلورياً.

من جهة أخرى فقد نظمت جامعة الموصل منذ فترة متحفاً للتراث الشعبي كما قامت جامعة البصرة بإنشاء مركز للدراسات الشعبية نتمنى أن يضم متحفاً اثنوغرافياً خاصاً بالبصرة وما جاورها وفي الوقت الذي ينشط فيه مركز دراسات الأهوار في الناصرية والعمارة نتمنى أن يضع هذا المركز الوليد نصب عينيه إنشاء متحفين خاصين بالمنطقتين في وقت تقوم فيه أمانة بغداد بتجديد ورعاية المتحف البغدادي.

إننا ندعو هنا إلى إنشاء المزيد من المتاحف الاثنوغرافية في كل جامعة ومركز محافظة ومدينة ذلك أن هذا المتحف يشكل تجسيداً للذاكرة الشعبية الحية للأجيال والتعديلات التي لابد أن تجري عليه للتحديث والإضافة ينبغي أن ترعاها عقول حانية على الثقافة الشعبية قادرة على الفرز ووضع التفاصيل ضمن أماكنها الصحيحة علمياً.

إن ظاهرة إنشاء المتاحف الاثنوغرافية ظاهرة حضارية ينبغي أن تشجعها الجامعات ومراكز البحوث والدوائر الثقافية المعنية وصولاً إلى اليوم الذي يتجسد فيه بناء المتحف الاثنوغرافي العراقي الفني بتفاصيل الحياة الشعبية في هذا البلد الأمين.


مقهى - عباس منسي - في كربلاء

جاسم عاصي

jassemasse@hotmail.com

المقهى مكان، وللمكان ذاكرة. ومقهى 0 عباس منسي - في كربلاء ذو خصوصية يتوفر بعضها في مقاه كالشهبندر في بغداد مثلاً. غير إن مقهى صاحبنا يمنح الجالس متعة وراحة مختلفة باختلاف المؤثر، فقد منح جدرانه صوراً لها ذائقة ونكهة التأريخ، فمنذ نشأته في منطقة - الجللجية -، وهو يحافظ على تشكلها على الرغم من صغر مساحته الآن، فما هو متوفر فيه يعيد لذاكرة أهل المدينة وزوارها الماضي، حيث يتحسر المرء على أيام زمان، بعد أن اتسعت مرافقه ومساحاته على حساب موروثاته، بل على حساب ذاكرة مكانه، وتلك هي سنة الحياة وصيرورتها. و-عباس - رجل بسيط، يتعامل مع الأشياء بحس قد لا يعلن عنه بشكل مباشر. غير انه يعلن عنه عبر ما يخفي في داخله، فذائقته الفطرية دفعته إلى الانتقاء وبذل المال من أجله. وهو عضو في جمعية الطوابع والمسكوكات العراقية، له ولع مبكر في تقدير الأشياء من قيمتها الفنية والتأريخية بحيث تشكل كل هذا الحشد من الهوايات التي شهد لها الجميع، كما قيمته الشهادات التي حصل عليها، معلنه مع جدران المقهى، كذلك من قيمة ما استطاع أن ينظمه ذوقه وحساسية انتقائه. فمنذ أن تطأ قدمك درجات المدخل، حتى تفاجأ بلوحين، هما أشبه بلوحات الإعلانات في الدوائر، استقرتا على دكة عالية، إذ لابد لموقعها أن يستوقفك، ويضطرك إلى الاقتراب، حيث تلمح وتقرأ ما لم تره العين من قبل إن كنت من جيل لم يعش تلك الحقبة، فهي شهادة ورمز للمعرفة والسؤال تنشيطاً للذاكرة فأسماء مثل (الجمهورية - البلاط - الجمل - تركي - غازي - المختار) ذات الخطوط العربية المتباينة، المدعومة بعضها بالتخطيطات؛ هي أغلفة لعلب السجائر أيام زمان، فما عليك إلا أن تسأل نفسك، كيف استطاع جمع كل هذا...؟ لكنه يسمعك ربما فيجيب: إنه مولع منذ صباه في ذلك، وقد صرف من المال الكثير وقطع المسافات متنقلاً من أجل ان يحصل عليها. فالذي تراه وما هو في بيته لهو نادر من عملة ومسكوكات وصور فوتغرافية في المقهى والبيت حيث يتعذر عرض بعضها. سؤال مشروع قد يتبادر لك منذ الوهلة الأولى وأنت تدخله وتجلس ويحضر لك الشاي.. ترى من أين أتى بكل هذا؟ وبماذا أبدأ السياحة، إذ تحيطك الصور ذات العرض المنتظم على وفق طبيعتها ودلالتها الفنية أو السياسية أو الاجتماعية، منها إنك محاط بعرض كبير من حولك وفوق رأسك حتى السقف، رفوف ولوحات، مقتنيات من نحاسيات وزجاجيات وسيراميك، مزهريات وفرفوريات وأواني، وتكون البداية كما هي مرهونة بعفويتها، حيث تلمح صورة كبيرة لرجل (بجراوية) وعباءة وصاية، وأمامه الناركيلة المعمرة، فتسأله من يكون...؟ فيجيب: إنه قارئ المقام - عيسى (النعلبند) -، إذ ترى إلى جانبه صورة فريدة للمطرب - محمد القبانجي - ناصير حكيم - عبد الأمير الطوير جاوي - حضيري أبو عزيز - داخل حسن - سعدي الحلي - ملا أحمد علي القصاب - جعفوري - شهيد سلطان - مسعود العمارتلي - علي غبيث الواسطي - وتطول النماذج وتتوزع صورها، وتتعدد أشكالها، غير إن تسأل أيضاً ولابد أن تسأل كي تعرف سر المكان الذي دخلت، كيف..؟ وما الذي يربطه بها..؟ فيقول: لي علاقات فنية معهم، فقد كان بعضهم قد حضر إلى المقهى القديمة في سوق - (الجلليجية) - وهذه التسمية مأخوذة من جلال - الخيول، حيث صناعتها في السوق هذا والمقهى كان مشيداً على الطراز الإسلامي وواسعاً يجتمع داخله القوم وقراء المقام يؤدون مقاماتهم (وبستاتهم) الابوذية (والجالغي). قرأوا الشعر وطاردوه مع بعض، يشاركهم - حمزة السعداوي. كذلك كان يحضر القراء الحسينيون أمثال: - كاظم منذر - ويشير إلى صورته البهية، وحمزة الزغير وجاسم أبو زويدة وسيد كاظم (القامجي). هؤلاء الحلقة الفنية المعلقة صورهم على الجدران، ثم فارس المقام كما يسميه - حميد العذاري - وحسن داود وناصر حكيم والشاعر الغنائي - عبد الأمير الترجمان - زهور حسين. كل هذه المجموعة الفنية شكلت رصيده الفني حيث يشير إلى ان ما تراه ما هو إلا جزء بسيط مما هو متوفر عندي في البيت. ترى هل كانت في رأسه فكرة ما يتطلع من خلالها إلى مكان يحتويها جميعاً..؟

وكما اهتم بالفن والفنانين جذبته السياسة والسياسيون، والقادة، ولديه نخبة من الصور للشخصيات التي لعبت دوراً مهماً في تأريخ العراق كالملك غازي وفيصل الأول والثاني وعبد الإله ونوري السعيد وعبد الكريم قاسم والشاه ومدحت باشا، وقادة هنود وباكستانيين، ولكل صورة تأريخ يحفظ محتوى صفحاته، ليدلي بمعلومة موثقة شفاهيا، شكلت تاريخ مجيء كل منهم إلى كربلاء والنجف والعتبات المقدسة فيها، فحين تقف داخل المقهى أو تجلس لا يستقر عندك الحال، بل تتصفح أجزاء الجدران فحين وتكثر عندك الأسئلة، وهو لابد أن يرافقك فأنت زائر فضولي كثير السؤال، وهذه فرصته ليعكس من خلالها هواياته. ففي هذا الركن مجموعة صور تضم الملك فيصل الثاني يجمعها إطار واحد تؤرخ طفولته منذ الشهر الأول، وحتى السنة من العمر، وهو يرتدي ملابس ضابط في الجيش العراقي ، كذلك هنالك صورة لأول وزارة عراقية - رشيد عالي الكيلاني وأبو طبيخ وابو التمن - ويبدو لك كما لو أنه عايشهم، كرجال ثورة العشرين - عبد الرزاق سكر وولده راهي - وتسأل من يكون هذا الذي يظهر في الصورة، فيقول متحمساً: إنه حمودي السلمان - ومن يكون حمودي هذا...؟ إنه مرافق الشيخ فخري كمونه، يتميز بعرض صدره وطوله القارع وضخامة جسمه ويروز عضلاته، يحمل سيفاً عربياً، وتبدو عليه القوة والثقة. كذلك تتعرف على الملك غازي وتسألة: متى التقطت له هذه الصورة..؟ والجواب: عندما زار كربلاء، إذ يظهر معه وجهاء المدينة، وصورة تجمع الملك غازي ونوري السعيد والسيد محمد الصدر وفيصل الأول مات عام 1933، في جلسة خاصة، تبرز عليهم حالة الراحة. وهناك مجموعة كبيرة من الطوابع النادرة، يظهر عليها الملك غازي وفيصل الأول والثاني وعبد الكريم قاسم، ثم الملك فيصل الأول ورضا بهلوي في استعراض جماهيري في المدينة - صور كثيرة تحكي تأريخ وسمات أشخاصها ومآثرهم، حيث تحيلك إلى عصرها كالباشا التركي عام 1920 وصورة فريدة لعبد الإله في حفلة اقيمت للملك فيصل الأول في المدرسة الجعفرية عام 1921 مع مجموعة من علماء الدين وعلى رأسهم السيد جواد الشيرازي، الأمير زيد وفيصل وغازي وعبد الإله في قيلولة، وصورة تجمع قطعاً من ملابس ومقتطفات، تحكي قصة مصرع الملك غازي - يضاف كل هذا إلى ما اعتنى به من جمع للعملة العراقية والمسكوكات عبر الأزمنة، مثبتاً إياها في لوحة منتظمة ومتسلسلة ومزججة.

اهتمامات كثيرة ومتنوعة لا تتوقف قصة سردها، فهو لا يألوا جهداً من إقتناء أشياء تلاشت من الذاكرة الفردية والجمعية لتقادم الزمن عليها، فمثلاً هناك صورة حصان يجر ترماي كان يعمل بين كربلاء والنجف والكوفة، وترماي بغداد بطابقين، وصور للزورخانة وللمصارع - المشهدي - وعباس الديك - بزي المصارعة شواهد كثيرة رتبت بذاكرة الجدار، وذاكرة المقهى كمكان ثم ذاكرة رجل فطري استطاع أن يضعك أمام شواهد تأريخية تضمر وتخفي قصصها ومتونها، فأنت لا تأتي إلى المقهى لشرب الشاي أو الحامض والقهوة أو الناركيلة بل لترحل عبر الأزمنة، تفاجأ بما لا حساب عندك له، فالكل يرتبط بهذا المقهى، والذي ينوي زيارته، فما عليه إلا أن يسأل عنه - فيضي حسيني، حيث تقابله، وحيث فعلت لحاجة في نفسي.. ابتأست واضطرب كل شيء عندي، فقد وجدت أن المقهى رحل عن الواقع، لكنه لم يرحل عن الذاكرة، فما زال طعم الشاي الذي أمر - عباس منسي - يوماً لإحضاره أمامي، ما زال طعمه رائقاً، فحيث هممت بالخروج ودفع الحساب كعادة الرواد، امتنع، منطلقاً من كرمه العربي الضيافة.

 

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة