اراء وافكار

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

النطق المدني او الشك والمدينة

علي أحمد الديري

الشك المدني يفتحنا مباشرة على مفهوم الإنسان، وعلى وجه التحديد على ما يحقق معنى إنسانيته الدنيوية، فما الذي يحقق هذا المعنى؟ يحققه مفهومان للإنسان، مفهوم الحيوان الناطق، ومفهوم الحيوان المدني، وهما مفهومان صاغهما أرسطو في تعريفه للإنسان، ويمكننا أن نجمعهما في مفهوم واحد، وهو النطق المدني. فما النطق المدني؟ وما علاقته بالشك المدني؟

النطق هو التصرف في المعرفة، تشييداً ونقداً ونقضاً وتفريعاً وتوسيعاً وتحويلاً واستثماراً وتوظيفاً، ولا يمكن التصرف في أي شكل من أشكال المعرفة هذه من دون استشكال، أي من غير أن تستشكل على ما تعرف أو يعرف غيرك، والاستفهام هو السؤال الاستشكالي النموذجي، كما يقول طه عبد الرحمن، ويقتضي الاستشكال حصول الشك في الشيء، وهذا يعني أن الإنسان يتوفر على صفة النطق، متى توفر على ملكة الاستشكال التي تتيح له القدرة على الشك والسؤال.

وما دام الاستشكال يقتضي الشك ولا يحدث استشكال من غير سؤال، فهذا يعني أن لا ارتعاشة من غير شك يفضي إلى سؤال، وربما يكون هذا هو جوهر ما يعنيه عنوان كتاب الدكتور نخلة وهبة "رعب السؤال".

وهذا يفضي بنا إلى أن نفهم مجاز "السمك الرعاش"، بوصفه حالة فكرية ونفسية وعقلية ومدنية وحضارية، لذلك هي ليست ذاتاً لشيء، بقدر ما هي صفة لحالة الإنسان الناطق، أي الناطق بالسؤال والاستشكال والشك التي هي مقتضيات الحوار والمعرفة والفلسفة، وهذه المقتضيات هي شرط المدينة التي بها تكون.

إننا نشك لنحيا، أي لنكون ونكون مدينة، إذ لا حياة ولا مدينة بغير نطق، ولا نطق بغير سؤال وجواب (حوار) واعتراض (سؤال الجواب او مساءلته)، إننا لا نشك لنبحث عن حقيقة واحدة للأشياء، بل لنكوثر حقائق الأشياء. عملية الشك تعبر عن قرار الذات بأن تسحب ثقتها المطلقة من الأحكام ومن الأشياء. الشك ليس طريقاً لليقين، كما أراده ديكارت، بل هو طريق للحياة على نحو استشكالي.

أنت تشك، لأنك تبحث عن الرعشة التي تدفعك إلى أن تحترق بالسؤال، الرعشة التي تجعلك لا تثق بإطلاق محض، الرعشة التي تهز وجودك، الرعشة التي تجعلك تعيش على نحو استشكالي، الرعشة التي تجنبك أن تكون في آلة، إنها رعشة سقراط. من هنا، فالشك ليس تعبيراً عن عجز العقل، بل هو تعبير عن حياته وحيويته، لذلك فالمجتمع الذي لا سمك رعاش فيه: لا حياة فيه.

وبهذا يمكننا، أن نعرف الديمقراطية، بأنها حماية السمك الرعاش في مجتمع المدينة، أي حماية الشك والسؤال والاستشكال والحوار، بل الديمقراطية هي تكثير السمك الرعاش، بتوفير بيئة تكاثر له، كانت أثينا ديمقراطية بسمك سقراط الرعاش، وفقدت ديمقراطيتها يوم جرعته سم الشوكران.

الذين يخافون السمك الرعاش، يخافون أن يستبدلوا وجودهم ويفتحوا ممكناتهم ويسألوا ذواتهم ويشكوا في معرفتهم، إنهم يخافون التصرف، التصرف في ذاتهم وعالمهم ومعرفتهم، وفي مدينيتهم، أي في الصفات التي تجعل من حاضرتهم مدينة، أي التي تصنع إنسانيتهم الحاضرة، وذلك بوصف المدينة فضاء لتوسط القول بين الإنسان والإنسان، ولا قول بغير إنسان ناطق بالسؤال والاستشكال والشك. لا مدينة بغير سمك رعاش يشك ويسأل ويستشكل. هل يمكن أن توجد مدينة (دولة) بدون وجود برلمان يسأل ويشك، وثقافة تسأل وتشك، وتعليم يسأل ويشك، وصحافة تسال وتشك، ومثقف يسأل ويشك؟

ولعل تعريف أرسطو للإنسان بأنه حيوان مدني، يتضمن مقتضيات ما سبق، والشك المدني بالمفهوم الذي جعلناه مقابلاً للشك الميتافيزيقي يفسر معنى هذا التعريف، أي معنى مدنية هذا الحيوان، مدنيته التي تقوم على الشك، فبهذا الشك يؤسس مدينته، وهو مدني بشكه، ولولا هذا الشك لما تكاثرت المدن التي شيدها الفلاسفة في ممكنات مخيلاتهم أو التي أشرفوا على تشييدها في واقعهم أو أوحوا بمحاكاتها. أو ليس ما يسمى الآن بالفلسفة السياسية، هو حصيلة ما راكموه من عمارات هذه المدن وأنقاضها وتناقضاتها؟!!


وعاظ السلاطين وبيان الليبراليين

نضال نعيسة

منذ نشر (البيان الأممي حول الارهاب) دار سجال فكري هنا وهناك وعلى صفحات النشرات الالكترونية وفي أروقة ومنتديات مختلفة منها المؤيد ومنها المعارض والشامت والبين بين . ونحن هنا لاتهمنا المواقف بقدر ما يهمنا سيادة المنطق وأرجحية الصواب فالمواقف قد تتغير وتتبدل في البورصة السياسية المتذبذبة الولاءات هذه الايام ولكن الأهم  من ذلك كله ما العيب وأين الخطأ في ان نسمع صوتاً آخر غير صوت وعاظ السلاطين ومشايخ الافتاء أم أن ذلك محرم شرعاً لآن قوانين الوكالات الحصرية لاتسمح بذلك. صوت بدا غريبا وبعيدا وجديدا للوهلة الاولى فلقد حجب الزواج الكاثوليكي المزمن بين السلاطين ووعاظهم كل فكر خلاق وكل ابداع ووأد الحياة وحرم البسمة ودفن الطفولة واوقف الحياة عند السلف الصالح وكل مااتى  بعده سيء ورديء وطالح. وبعد ان اصبح واضحا وبما لا يدع مجالا للشك أن هؤلاء الذين خرجوا من تحت عباءات الأنظمة  ومن مكاتب أجهزتها الاستخباراتية المتسرطنة والمنتفخة كأوراك وأوداج وحسابات أصحاب الجلاليب والعمائم بفضل عوائد البترو دولار السخية- كانوا دائماً سيفاً مسلطاً بيد السلاطين والحكام ومشرعاً لكل ما قاموا به من فسق وفجور وجرائم بحق الشعوب .

إذن، ما الضير ان تقوم ثلة واعية ومثقفة من أبناء المسلمين  المنتشرين في مشارق الارض ومغاربها بالتصدي لفكر الجهل والدجل والشعوذة نصرة لدينها وحماية لابنائها وفضح أهداف ومأرب هذا الفكر ووقفه عند حدوده بعد أن تجاوز كل المناطق المحرمة؟

 ثلة مشهود لها بالفكر والمنطق والعقل وتتسلح بالعلم وعاشت ونمت  في معاقله الاكاديمية، لا مجموعة من الفئات الضالة-كما يطلق عليهم الأن في مهد الاسلام ومبعث نوره  وسبحان مغير الاحوال- اتت من أوكار الجهل وكهوف تورا بورا وامارات الفكر المتشنج.

لقد فشل أولئك الوعاظ بجهلهم في نقل صورة ناصعة وبهية للاسلام كدين سماوي سمح يدين به اكثر من مليار من بني البشر.

ألم يحن الوقت لنصغي لصوت العقل المغيب عنا منذ قرون أعجز عن عدها بعد أن أشبعنا واتحفنا واتخمنا أولئك الظلاميون بهيستيريات نارية وعنتريات فضائية وسعير لهذيان دموي مؤلم وجارح أصبح العربي المسلم من خلاله عدواً لكل شيء من حوله ومكفرا حتى لابويه وحاقدا وناقما على الجميع. ولعل اكثر من يعاني هذا ملايين المسلمين الذين فروا من بلادهم واضطرتهم ظروف القهر والاستبداد والاستئصال والفقر والافقار للبحث عن لقمة العيش  خارج بلدانهم. وقد ازداد الامر بهم سوءاً بعد ما تفتقت عنه عبقرية القتل المفجع في غزوتي نيويورك وواشنطن التي قضى فيها مئات من المسلمين ايضا تحت انقاض البرجين.

ان خطر هؤلاء قد اصاب المسلمين اول ما أصاب وألحق بهم ايما ضرر في ديارهم وخارجها ايضا.لقد أصبحوا متهمين وارهابيين وقاطعي رؤوس واصبح يشار اليهم والى اطفالهم بالبنان  وتم قطع ارزاق واعمال الالاف المؤلفة منهم كل ذلك بفضل الفلتان الفوضوي لحمى القتل المجاني. ولقد أصبح لزاما على الجميع ان يقولوا او يفعلوا أي شيء لوقف هذاالخرف الخطير الذي أصاب عقولنا وهذا الخلل الكبير في علاقتنا  بالاخرين وسمعتنا التي لم تعد في أحسن حالاتها.

إن القانون الوضعي المكتوب الذي هو نتاج لظروف ووضع وحالة أمة وشعب في زمان ومكان معين هو تلبية لاحتياجاتهم ومعبر عن آمالهم وتطلعاتهم ومدى ما وصلوا اليه من رقي ومدنية، وما هو الا تحقيق لمصلحة أولئك الناس وبالتالي فهم مطالبون بتنفيذه وتطبيقه والمحافظة عليه وله رجاله الذين درسوه وفهموه وبالتالي طبقوه وطوروه كلما احتاج الامر لذلك خدمة للمصلحة العامة. ان هذه القوانين الوضعية هي التي تحكم الدول المتحضرة بعد ان خلعت اثواب الغيب والشعوذة والهذيان وقدمت بعد ذلك للبشرية اعظم المخترعات واهم الاكتشافات التي يقول اصحاب العقول المايكروسكوبية بان الله سخرهم لخدمتنا ورفاهيتنا.

اعتقد جازما أن هذا البيان قد يكون له تأثير بسيط في المدى المنظور-في الأقل- على أولئك الذين في حصونهم التقليدية المعروفة بفعل تحالفهم الشرير والنفعي المتبادل مع تلك الانظمة القدرية القادمة من حقب الديناصورات السحيقة في تلك الرقع الجغرافية المتهالكة التي تطولها سطوتهم الجهنمية الفاجرة. وهذا ليس عيباُ او نقصاً فيه طالما  اننا مازلنا نجافي المنطق والقانون. ولكن ماذا عن مدى تاثيره وفعاليته لابنائنا المهجرين وهنا بيت القصيد. و ماذا عن اولئك الذين تقطعت بهم السبل في بلاد الغربة الذين اصبحوا متهمين لا بل مدانين دون ان يفعلوا شيئا؟ لقد اكدنا واشرنا سابقا على البعد القانوني لهذا البيان دون الاشارة لفرد او لجهة او مجموعة وهذا ليس مقصدنا بالطبع.  ولكن المطلوب وبالحاح اعادة الامور الى نصابها الطبيعي وسيادة القانون والعقل والمنطق في كل مجال من حياتنا التي اصبحت كارثية بكل المقاييس. وكل ما يهمنا هو المنفعة  والمصلحة العامة وخير العباد والبلاد.

ان هذا البيان سيؤكد للجميع وخاصة في بلاد الاغتراب ان بين المسلمين رجالاً اكفاء يتمتعون بكل الابعاد والافاق والرؤى  الحضارية والقانونية والقادرة على اللجوءالى الطرق القانونية والشرعية الدولية ومؤسساتها الحية  الفاعلة على الساحة الدولية. وسيكون سندا قانونيا في يد المغتربين خاصة ان ليس كل المسلمين قتلة ومجرمين وان الاحتكام هو في النهاية للقانون فقط لا لافراد تتنازعهم الاهواء والتاثيرات والمصالح الانية. والا بماذا نفسر كثرة اعداد الموقعين من المهجرين قسرا من اوطانهم وحوصروا بين نار الغربة وشبهة الارهاب. ان كل خطوة في الاتجاه السليم وفي التوقيت الصحيح تستحق الشكر والثناء.

 


الراديكالية العراقية - الطريق المسدود

ميثم الجنابي

إن المفارقة التاريخية للراديكالية تقوم في كونها النقيض الفعال للتاريخ، والفاعلة في الوقت نفسه على إفراغه الدائم من علوم الأجيال وأعمالهم! إذ ليست الراديكالية في الواقع سوى الصيغة النظرية والعملية لاقتلاع التاريخ من جذوره من خلال رفض الحاضر وتسخيف الماضي. وهي رؤية لم تبن على أساس استمداد قصائد البطولة والبدائل من المستقبل فحسب، بل محاولة تمثيله في كل ما تقول وتفعل. وهي رؤية يبرهن التاريخ على انها مجرد وهم سياسي وفكري لا يفعل في نهاية المطاف الا على إفراغ الماضي والحاضر والمستقبل من كل معنى خاص بهم. وبالتالي لا تعني فاعلية ونشاط الراديكالية في ظروف العراق الحالية سوى استمرار زمن الخراب الدائم. إذ يبرهن تاريخ الراديكالية في العراق على انها بلا تاريخ فعلي بمقاييس الدولة الحديثة والفكر النظري العلمي. وذلك لان حياة الراديكالية وعلمها وعملها وحياتها ونشاطها  ما هو الا الإفراغ الدائم للحياة والعلم والعمل والنشاط من كل عناصر الوعي الذاتي. بمعنى انها التمثيل الدائم لإفراغ تجارب الأجيال الدائم من تراكم وعيها الذاتي. وبالتالي فإن استمرارها ونشاطها وفاعليتها في الحياة السياسة هو مؤشر على بقاء المجتمع في مرحلة ما قبل الدولة الشرعية والنظام المدني والديمقراطي. وهي حالة ميزت ولا تزال تميز العراق في ظرفه الراهن.

فقد كانت الراديكالية السياسية بمختلف أطيافها ولا تزال تشكل التيار الساري في تاريخ العراق المعاصر، والعنصر المكون لأغلب الرؤى السياسية "اليسارية" و"اليمينية"، "الدينية" و"الدنيوية" (العلمانية). مما جعل منها عاملا فاعلا ومؤثرا في نفسية وذهنية اغلب حركاته السياسية ومواقفها من النفس والآخرين. وهو الأمر الذي جعل منها ولا يزال يجعلها إحدى اخطر الظواهر السياسية والثقافية بالنسبة لوجوده وآفاق تطور البدائل فيه.

فمن الناحية التاريخية والنظرية ليس في الراديكالية ما هو معيب بحد ذاته. كما أنها بحد ذاتها ليست رذيلة أو فضيلة. بمعنى انها كانت ولا تزال جزءا من العملية الطبيعية لتطور الدولة والمجتمع والثقافة. وإذا كان لهذا الأسلوب ما يبرره في المسار العام للتطور التاريخي العالمي وخصوصية تمظهره في مختلف الدول والأمم والثقافات، فإن ذلك لا يعني ضرورة الراديكالية بحد ذاتها. فمن الناحية الواقعية لا يمكن للدولة والحضارة والحركات الفكرية والسياسية الكبرى أن تظهر من دون أن تتعايش معها مختلف أصناف الراديكالية. من هنا كان الإبداع الراديكالي يصب عموما في اتجاه تحسين وترسيخ وتوسيع المدى الثقافي للتقاليد العقلانية الكبرى ونماذج الاعتدال فيها. وذلك لان هذه الراديكاليات كانت تلعب في الأغلب دور المستفز الدائم والعقل النقاد والنزوع الشكاك تجاه ما هو موجود من قيم ومفاهيم وما يجري من أحداث. الا أن هذا الدور "الإيجابي" والطبيعي للراديكالية مرتبط بسيادة المرجعيات العقلانية الكبرى التي تبدعها الثقافة. فهي المرجعيات التي تعمل على تحجيم دور الخميرة الراديكالية في الحياة الاجتماعية من جهة، وتستمد من عنفوانها النقدي طاقة التهذيب العقلاني للإشكاليات التي تواجهها.

أما في العراق، فإنها تحولت بسبب غياب تاريخ الدولة وتقاليدها السياسية لقرون عديدة في ظل السيطرة التركية، والانكسار المفاجئ للتقاليد المتراكمة في أواخر المرحلة العثمانية إلى صعود النفس السياسي فقط. وبما أن السياسة هي الخيط والميدان الرابط للناس والأشياء جميعا، وبما أنها الموضوع الذي يمكن أن يتحدث فيه العالم والجاهل، والرفيع والوضيع، والصادق والدجال، والرجال والنساء، والشيوخ والأطفال، لهذا أصبحت في ظل فقدان تقاليد الدولة ومؤسساتها أسلوبا لامتصاص الحثالات الاجتماعية ورميها إلى "مدن" السياسة، أي كل ما شكل أحد المصادر الكبرى لإنعاش الراديكالية نفسها. ولعل أهم نماذجها الحالية العنيفة هي الحركات الراديكالية الإسلامية المتطرفة (الأصولية). إذ لم تكن هذه الحركات سوى الاستظهار المقلوب لزمن الراديكالية الفارغ في العالم العربي. بمعنى إن الراديكالية التي استطاعت إفراغ التاريخ المعاصر للعالم العربي من خلال تهشيم المشاريع الواقعية لبناء الدولة والمجتمع المدني والثقافة العقلانية قد أدت إلى إنتاج "بديلها" في الراديكالية الإسلامية. إذ تكشف التجارب التاريخية للعالم العربي عن حقيقة تقول: أنه كلما كانت الراديكالية المتسلطة همجية كلما أصبحت الراديكالية المناوئة لها اشد همجية منها.

ويقف العراق الآن أمام حالة نتوء الراديكالية الأكثر همجية من تلك التي أنتجتها. وهي حالة "طبيعية" لا يمكن توقع صيغة أخرى لها في ظروفه الحالية. بل يمكن القول، أنها ظاهرة سوف تستفحل تدريجيا إلى أن تبلغ ذروة انحطاطها بعد خروجها العارم من سجن التوتاليتارية البعثية "العلمانية" والدكتاتورية الصدامية الطائفية. بعبارة أخرى، إن خروجها العارم هذا سوف يضفي على كل الاصوليات الممكنة طابعا متطرفا ويجعلها اشد همجية في علمها وعملها. الا أن مفارقة هذه الظاهرة المدمرة تقوم أيضا في أن استفحال الراديكالية المعاصرة في العراق سوف ينفي بصورة سريعة زمن الدكتاتورية والتوتاليتارية، ومن ثم الراديكالية الهمجية نفسها. وذلك لأنها تعمل بوعي وبدون وعي على استعادة تقاليد العنف الذي تدعي مواجهته والقضاء عليه. وهي حالة لها مقدماتها في توسع المدى المادي والمعنوي لنفسية وذهنية الحثالة الاجتماعية والفئات الرثة التي لازمت استحكام التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية. وهي حالة تكشف عنها نادرة واقعية في العراق تحكي عن أحد "ممثلي" الحثالات الاجتماعية عندما قال لشخص "مثقف" قبل أن يقتله "كيف تعتدي علي وأنا حوذي ابن حوذي ابن حوذي!" أي عندما تتحول الحثالة إلى قيمة "أرستقراطية" تستعلي على الجميع من حيث قدرتها على مواجهة الثقافة باعتبارها قيمة تافهة وضعيفة!

وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن العراق في ظرفه الحالي هو بلد الحثالات الاجتماعية، فيمكننا توقع اثر ذلك في نفسية وذهنية الراديكالية الممكنة فيه. وهي راديكالية لا يمكنها الا أن تكون همجية تامة بسبب طبيعة ومستوى الخراب الداخلي للعراق والهامشية الاجتماعية والتهميش فيه. فالخراب الذي حدث وطبيعة ومستوى التهميش والهامشية هو ليس نتاجا لازمة اجتماعية اقتصادية قاهرة، بل لقهر الدكتاتورية الصدامية والتوتاليتارية البعثية، أي لقهر مركب وشامل وبنيوي. وهو الأمر الذي يفرض على الراديكاليات الممكنة نمطا من التفكير الأيديولوجي والنفسية الاجتماعية هي خليط من أيديولوجية الحثالات الاجتماعية والرثة السياسية. مما يضعها بالضرورة على خلاف حاد ومواجهة شاملة مع مشاريع البدائل العقلانية في العراق.

وهو خلاف ومواجهة سوف تضع بالضرورة هذه الراديكاليات الفاعلة والممكنة ضد المسار العام لمشروع بناء الدولة الشرعية والمجتمع المدني والثقافة العقلانية. غير أن هذه العملية المؤذية تحتوي على قدر من الفائدة السياسية لترسيخ قيمة الرؤية الواقعية والعقلانية، وذلك لان استفحال المواجهة الهمجية من جانب الراديكاليات لمشاريع البدائل العقلانية في العراق سوف يؤدي بالضرورة إلى انحسارها السريع. وهو انحسار محكوم بخلخلة القاعدة الاجتماعية التي ترسبت في اعمق اعماقها كراهية شديدة للفكرة التوتاليتارية والدكتاتورية وممارساتها، أي للراديكالية الهمجية بحد ذاتها. وذلك لان الراديكالية المعاصرة في العراق، وبالأخص في نماذجها الدينية الشيعية منها والسنية لا تعمل في الواقع الا على استعادة العنف المنظم للسلطة بطريقة "اجتماعية". بمعنى محاولتها توسيع مدى العنف من خلال إشراك الفئات الاجتماعية المهمشة، وهي عملية متناقضة سوف تسرع من اغترابها الشامل عن المجتمع نفسه، وذلك لأنها لا تمتلك إمكانية التأثير المادي والمعنوي الذي تمتلكه الراديكالية المتسلطة. وفي مجرى هذه العملية المتناقضة، تسهم الراديكالية الدينية والدنيوية والقومية (الأقلية) في تأسيس الرؤية العقلانية والاعتدال عند مختلف الشرائح الاجتماعية. وهي ظاهرة يمكن تلمسها في نمط تفكير الناس العاديين "البسطاء" من العراقيين الذين تخلو عباراتهم وتصوراتهم وأحكامهم وتقييمهم للأحداث والأشخاص من الدموية وشعور الانتقام والعنف والقسوة، بمعنى إننا نعثر فيها على أجنة الإدراك العادي لقيمة الاعتدال والديمومة العادية في وجود الأشياء.

إن تعمق وتوسع وترسخ الإدراك الضروري لقيم الاعتدال والعقلانية هو الاتجاه الواقعي والفعلي المضاد لمضمون الراديكالية نفسها التي تجعل من قطع العلاقة بالتاريخ والتقاليد عقيدة مقدسة. بينما يفترض المقدس هوية الثبات. وهو "فرض" تمارسه الراديكالية بحمية بالغة عبر مطابقته مع التجريب الخشن المبني على احتقار الشكوك والاعتراض. كما أنها تطابق بين فكرة الثابت المقدس مع يقينها الخاص عن أن الفعل التجريبي هو الوحيد المطلق.

من هنا ارتفاع زئيفها وزعيقها ونعيقها وتناثر زبدها المتطاير من افواه "الرعية" بكلمات لا تفقه حقيقة معناها. فالراديكالية بشكل عام لا تفقه المعنى في الكلمة والعبارة والحدث. والشيء الوحيد الذي تراه وتمارسه بحمية بالغة وحماسة منقطعة النظير هو جهلها المرفوع إلى مصاف "المقدس". من هنا اكتظاظ كلامها وشعرها وشعارها بكلمة "المقدس". حيث تصبح اتفه الأمور واشدها ابتذالا "مقدسة"، ويصبح "الدفاع عن مقدساتنا" الأسلوب الهمجي لتبرير أفعالها في كل ما تجهله من مقدمات وتعتقده من غايات! وهو تناقض يعبر في الواقع عن طبيعة الراديكالية نفسها التي لا تتقن غير فصل الكلمات عن العبارة والمضمون عن المعنى والواقع عن الحقيقة والماضي عن الحاضر والتاريخ عن الزمن والمستقبل عن أفعالها! وهو الأمر الذي يجعلها اكثر القوى طغيانا في تغييب المجتمع والدولة والثقافة عن فكرة "المقدس". أما المقدس الوحيد فيصبح لهوها بالعبارة وإهمالها المريع للذاكرة التاريخية. وفي هذا بالذات تكمن خطورتها الفعلية بالنسبة لمصير الأمم والدولة والثقافة. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن النفسية والذهنية الراديكالية هي التمثل النموذجي لمساعي "الحسم الشامل والجذري" في تغيير الواقع والمؤسسات والأفكار والقيم، حينذاك يتضح طبيعة أسلوبها في العلم والعمل. وهو أسلوب يؤدي في النهاية إلى تدمير تجارب الماضي وخزين الذاكرة التاريخية ومرتكزات التقاليد الكبرى والقيم والمؤسسات. بمعنى انها لا تعمل في الواقع الا على كسر ونثر حلقات السلسلة الفعلية للذاكرة التاريخية. مع ما يترتب على ذلك من تخريب التجارب الخاصة للأمم وتسخيف فكرة القانون والنظام. حينذاك تصبح قسوتها في "النظام" هي امتهان لفكرة الحق والحقوق والشرعية، مع ما يترتب على ذلك من تحطيم لفكرة الدولة والقانون والأخلاق والمجتمع المدني. أما الحصيلة النهائية لذلك فتقوم في تحول الراديكالية إلى قوة مدمرة لا تنتج في نهاية المطاف غير الخراب والتوغل الدائم فيه. وفي هذا التناقض الدائم والمميز للراديكالية تكمن عوامل رؤيتها المأزومة، التي تحول العقل إلى هوى، والحدس إلى هراوة.

أما في الممارسة العملية فإن المصير المحتوم للرؤية المأزومة للراديكالية يقوم في جعل منطق السلاح سلاح المنطق الوحيد! مع ما يترتب على ذلك من استظهار واستبطان لنفسية القوة وتقاليد التجييش والتسليح الشامل.

إن هذا "التسلسل" المحتوم في تعميق وتوسيع نفسية وذهنية التجييش والتسلح يؤدي بالضرورة إلى تجذر نفسية وذهنية العنف والإرهاب المميز للراديكالية بشكل عام والإسلامية بشقيها الشيعي والسني بشكل خاص في ظروف العراق الحالية. حيث تجري استعادة العبارة "الثورية" عن العنف و"العنف الشرعي" وما شابه ذلك من اجل تبرير نفسية وذهنية العنف نفسها. وهي ظاهرة تشير أولا وقبل كل شئ إلى ضعف فكرة المجتمع المدني والدولة الشرعية. وفيها ينعكس أيضا انعدام وعي الذات التاريخي في ميادين الثقافة السياسية والاجتماعية والحقوقية. بحيث يجري تحويل الفكرة المتسامية عن ضرورة القوة الداعية إلى "إرهاب أعداء الله" إلى جزء من "إرهاب عدوكم". وإذا كان العدو الدائم للراديكالية هو المؤسسات ووعي الذات التاريخي حينذاك يصبح الإرهاب الشامل ضدهما هو الأسلوب النموذجي لتخريب الحرية والنظام ووعي الذات (الثقافي). أما النتيجة المترتبة على ذلك فهي خراب المجتمع والفضيلة. وهي نتيجة كشف عنها تاريخ العراق الحديث بصورة نموذجية بحيث يمكننا الحديث عن راديكالية عراقية هي بحد ذاتها نموذج كلاسيكي لما يمكن أن تؤدي إليه الراديكالية من طريق مسدود في ميدان بناء الدولة والمجتمع والثقافة.

وهو الأمر الذي يجعل من مواجهة الراديكالية بمختلف أصنافها وأشكالها وألوانها ومستوياتها أمرا ضروريا بالنسبة لمشاريع البدائل العقلانية. وهي مهمة ممكنة التنفيذ من خلال نفي منطق السلاح بسلاح المنطق المبني على فكرة الديمقراطية السياسية والثقافة المدنية وفكرة الحرية. كل ذلك يتطلب جعل الرؤية العقلانية فلسفة الاعتدال العام والسياسي منه بالأخص. فهي الضمانة التي يمكنها أن تؤسس وترسخ تقاليد الثبات الضرورية لوحدة المجتمع وتراثه. وبالتالي قطع الطريق عن الراديكالية، بحيث لا يؤدي حتى ظهور مختلف أشكالها وأصنافها وأطيافها، إلا إلى ترسيخ الرؤية العقلانية وفكرة الحقوق والدولة الاجتماعية. وفي ذلك فقط تكمن ضمانة تحطيم الطرق المسدودة!

***

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة