|
كاظم غيلان
بحثت كثيراً
عن مكتشف المساطر ومعرفة تاريخ نشأتها، لكن بحثي لم يوصلني
إلى نتيجة مقنعة، واخيراً استقرت قناعتي على ان البطالة
وحدها هي المسؤولة عن اكتشافها.
وازدحمت في
ذاكرتي مشاهد عديدة لظاهرة المساطر، فقبيل سقوط الصنم كان
ابرز مسطر يثير القرف في النفس والذائقة هو مسطر (الصالحية)
الذي يزدحم بمؤلفي الاغاني الهابطة التي شوهت جماليات الغناء
العراقي، والحمد لله انقرض هذا المسطر ولم يعد له ايما وجود
بعد التغيير الذي حصل في بلادنا وتحولت دائرة الاذاعة
والتلفزيون ـ الصحافية ـ إلى (سكن عوائل) وراحت جهود مسيلمة
الصحاف سدى حالها حال تصريحاته الرنانة والطنانة.
أما المسطر
الآخر فهو مسطر الباحثين عن عمل شريف ويكتظ هذا المسطر
بفرسانه الذين استهدفتهم السيارات المفخخة قبل اشهر وراح
بعضهم ضحايا هذا الفعل الإجرامي. وهناك مسطر يثير الحزن، ألا
وهو مسطر مراجعي دائرة التقاعد العامة الذين ينتظرون دخولهم
لأروقة هذه الدائرة بعد خضوعهم لتفتيش دقيق مخافة ان يكون
بينهم حملة الاحزمة الناسفة وهذا من حق الاخوة القائمين
بواجب التفتيش (الدقيق).
وبعكس كل
هذه المساطر هناك مسطر (المدللين) ومصدر دلالهم هو وجودهم في
اماكن فارهة ممثلة بصالات فنادق الدرجة الأولى المحصنة
بالحراسات المشددة، أما طبيعة عملهم فتتلخص بكونهم (محللين
سياسيين) يتابعون مجريات (الشأن العراقي) وما أسهل تحليلاتهم
التي يطلقونها عبر الفضائيات مقابل (الدولار) فهل هناك أكثر
من هذا الدلال!؟ والمال والضرب على تخوت الرمال!؟
وحتى لا
يفوتني ذكر مسطر شهير آخر فقد استوقفني مشهد قراء (العشت)
هؤلاء الذين يزدحمون قبالة باعة الصحف وعيونهم تلاحق
بنظراتها المرتبكة مانشيتات الصحف التي لا تحصى بدءاً بآخر
تحركات الزرقاوي مروراً بزيادة الرواتب ومحاكمة صدام واكتشاف
شبكات تزوير جوازات السفر ولربما لا تنتهي إلا بآخر اخبار
كاظم الساهر والمحروسة نانسي عجرم.
ولكي نجد
معالجة حضارية لهذه المساطر، اقترح على وزارة المالية فرض
ضرائب مناسبة من شأنها ان تدعم ميزانية الوزارة وبدورها تقوم
حقاً بإيجاد زيادة لرواتب المتقاعدين وحتى اللامتقاعدين على
ان نستثني مسطر الباحثين عن العمل، لان فرض الضريبة على عاطل
عن العمل جريمة عصرية حقاً، اما مسطر (المدللين)، فعليها ان
تفرض ضرائب بعملة (الدولار، أو اليورو) طبقاً لمبدأ المعاملة
بالمثل.
البصرة/عبد
البطاط
عادت الحياة
إلى الاهوار وازدهرت قرى هو الحمار من جديد.. هذا الهور الذي
يمتد من محافظة البصرة حتى محافظة ذي قار شمالاً ومحافظة
ميسان شرقاً.. تشمل مساحته أكثر من نصف مساحة المحافظات
الثلاث.. قراه تشكل جزراً تحيطها المياه من كل جانب. وابرز
هذه القرى (المُكطرات، وابو غزلان، وابو شريبه، اعلوي،
البيادر، العَسْرَة، الحجي، أبو الصلابيخ، اصْلَّين، لذة،
اخشين زاير، أبو مكوار، اللقيط، حسن، ذي قار، حَمْرَة، أبو
جَرْيّة، المكيطيع، المدينة، الجبايش، أم جدر، أم الحوالي،
حرير، أبو طرفة، المسحب، الجلال. هذه القرى والأرياف تسكنها
القبائل العربية من عشائر الجنوب.
تعيش
وتتكاثر فيه انواع الطيور مثل البط، والخضيري، والحر،
والبرهان، والحذاف، ودجاج الماء، والزركي، والرخيوي، والكار،
والكركي. وللثروة السمكية أهمية خاصة مثل سمك البني،
والكطان، والسمتي، والحمري، ويهتم السكان بالثروة الحيوانية
خاصة تربية الجاموس، والابقار، والاغنام، والماعز، والخيول
العربية، الاصيلة عند شيوخ العشائر. وتجد هناك مجاميع
الخنازير التي وجدت في هذا الهور مرتعاً ومأمناً لها لكثافة
القصب والبردي. اما بعض أهالي تلك القرى فقد اهتمت بزراعة
النخيل على شكل حوطة مرتفعة عن مستوى الماء انواع الفسائل من
نخيل البرحي، والبريم، وام البخور، واصابيع العروس،
والخصيباوي.
كما اشتهرت
تلك المناطق بزراعة الشلب العنبر والشتال والذرة البيضاء
الذي يعتبر مصدراً للفلاحين وبيع المحاصيل في الأسواق
المحلية. ان معظم بيوت هذه المناطق من القصب والبردي والبعض
الآخر من الطابوق ويهتمون بصناعة الحصران والبواري من القصب
والجولان لفرشها في مساكنهم، ويعتمد البعض منهم على بيع ما
يرد اليهم من بضائع مهربة عن طريق السعودية والكويت من منافذ
السماوة والناصرية كالسكائر الأجنبية وشباك صيد الاسماك
والسلاح والعتاد ويهتم السكان بشراء السلاح كالبنادق
والمسدسات (WARWAR).
ومن انواع
هذا السلاح هي الطرمة الانكليزية والموزر (Mozar)
و الشوزني (الكسرية) لصيد الطيور والبرنو (Barnaw)
والغريبة و(أم اعبية) ذات العتاد الطويل والتركي، يحتفظون
بهذا السلاح للدفاع عن انفسهم عند الشدائد والملمات والتفاخر
بها اثناء المناسبات بالافراح والاحزان حيث يطلقون مئات
العيارات النارية تعبيراً عن الفرح أو الحزن بالهوسات. ينتقل
سكان هذه المناطق بواسطة الزوارق النهرية والبلم والمشحوف
والطرادة. لا توجد وسائل صحية ولا مستوصفات ولا اطباء ولا
كهرباء ويرسلون المريض الذي في حالة خطرة إلى محافظتي البصرة
أو الناصرية، اما نقل الموتى فيكون بواسطة (الشارجة)
المصنوعة من القصب والحبال حيث يلف على شكل اسطوانة لعدم
وجود آلة الحدباء (التابوت) الخشبي ليرسل إلى مثواه الأخير.
ان الزي
الشعبي لجميع سكان هذه المناطق هو الزي العربي العباءة
والعقال والدشداشة، يحملون في حزامهم الخنجر، والمكوار،
وصخرية من الما والبرنج الاصفر (Mao).
اما النساء فيلبسن احسن وافخر الملابس المستوردة ويلبسن
الحلي الذهبية والفضية مثل الحجل الفضي والذهبي وقلادة
الليرات الذهبية والباون (Poun)
والمحابس والتراجي الكبيرة والزرار المرصع بالشذر والياقوت
في الرقبة ويهتمون ببيع الاجبان والحليب وثمر البردي الخريط
الاصفر.
كذلك يتعرض
سكان هذه المناطق إلى الغرق في بحر هور الحمار (البركة) حيث
ترتفع الامواج بعلو (2) متر فتغطس السفينة أو الزورق لعمق
الهور (5) متر وقد حلت بهم أكثر من كارثة راحت ضحيتها عائلة
بكاملها من أهالي الجلال (14) شخصاً ماتوا غرقاً نساء
ورجالاً واطفالاً حيث لا تنفع الغرافة (المجذاف) ولا المردي
للدفع. اما طريقة اعمار هذه الاهوار فهي بدائية فيقومون بحرق
القصب والبردي عندما يجف ويكون يابساً لأنه يسد عليهم الطرق
والمنافذ وعدم التمكن من التنقل هم وحيواناتهم وتشتعل
النيران في البردي والقصب لمدة (4ـ 3) أيام لا تتكرر امامها
شيئاً الا واحرقته ويعلو الدخان سماء البصرة وميسان
والناصرية وتكرر هذه الحالة كل سنة بعدها ينمو من جديد وتخضر
الاهوار حيث لا توجد مصانع أو معامل للاستفادة منه فيحرق.
وتمر سكة
قطار البصرة ـ بغداد في هذا الهور ويسير القطار بين القصب
والبردي كأنه افعى فرت من حجرها.
|