ثقافة شعبية

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

رحلة القهوة والشاي عبر التاريخ

نصرت مردان

منذ القدم والبشرية تبحث في الاعشاب عن فردوس المتعة حتى الامس القريب كانت قارئات الفنجان يبدأن بقراءة سورة الفاتحة على روح الشيخ الشاذلي. كما يذكر الرحالة التركي أوليا جلبي في كتابه (سياحتنامه) أنه كان يوجد في استنبول في القرن السابع عشر سبعين دكاناً لبيع القهوة، وكانت تفتح ابوابها بالبسملة والدعاء للشيخ الشاذلي، وهو المتصوف على عمر الشاذلي الذي عاش في القرن الخامس عشر، وافتى بتحليل القهوة بعد تذوقها في مكة. تحريم القهوة قبل انتشار استعمال القهوة، كانت القهوة في بادئ الامر شراباً دينياً. حيث شاع استعماله اولا بين المتصوفة في الجزيرة العربية وبعده في مصر، نظراً لفعاليته في ابقاء الذهن متوقداً بما يساعد على تسهيل الايفاء بطقوس الذكر. كان المتصوفة يتناولون القهوة اثناء حلقات الذكر، وكان يعدها متصوف يدعى بالنقيب، وخلال ذلك كان يردد (يا قوي) 116 مرة او يقرأ سورة ياسين أربع مرات أو يصلي مائة مرة على الرسول (ص). وبرغم المكانة الهامة للقهوة عند المتصوفة الا ان رجال الدين لم يكونوا في نفس القناعة. فبرغم اصدار شيخ الاسلام ابو السعود افندي بتحريم تناول القهوة التي يتم تحميصها إلى درجة الحرق، اخذ المدمنون على تناولها، يتناولونها بتحميصها بدرجة اقل، كما انهم واجهوا فتاوى التحريم بفتاوى معارضة. في الوقت الذي كانت تصدر فيه الفتاوى بتحليل القهوة او تحريمها لم يهتم احد باعلان السلطان سليمان القانوني عند قيامه بأداء فريضة الحج بأنها من المكروهات. ولم تقف التدابير القسرية ضد متعاطي القهوة عند حد التحريم، إلا ان السلطان مراد الرابع المعروف بصرامته اصدر عقوبة الاعدام ضدهم، وعلى الرغم من قيام بعض المتصوفين في مقاهي مصر بتحريض من العالم الديني السنباطي، الا ان استعمال القهوة في مصر استمر في الانتشار، يقال ان اول من قام بتعريف القهوة في استانبول هو اوزدمير باشا والي الحبشة، ويقال ايضاً ان اول من قام بافتتاح مقهى في استنبول هو من قبل شخصين سوريين وذلك في عام1544. حيث بدأ يمتلئ بالزبائن. لم ينحصر تناول القهوة على المقاهي بل انتقلت إلى البيوتات الثرية، واستحدثت في القصور وظيفة جديدة هي رئيس القهاة. مهمته اعداد القهوة وتقديمه. ويروى ان الاستهلاك الشهري من القهوة للصدر الاعظم العثماني (رئيس الوزراء) كان يبلغ 10 أوقيات (13كغم).

انتشار القهوة في أوروبا

لم يبد الغرب عام 1615 الاهتمام نفسه الذي ابداه للقهوة في الوهلة الاولى كما اولاه للتبغ الذي وصله على ايدي تجار البندقية، ومثل كل المكيفات التي انتقلت من الشرق إلى العالم الجديد اصبحت القهوة تسلية للبيوتات الثرية وبيوت النخبة بل شيوع استعماله من قبل العامة، وكان تناول القهوة المرة لدى السفير العثماني في فينا عام 1663 يعتبر أمراً استثنائياً.

كما احرز السفير العثماني بباريس  سليمان مصطفى أغا في هذا المجال، نجاحاً بز نجاحه كسفير. وكان قد سبق السفير بعض التجار الارمن في تعريف الباريسيين بالقهوة. وقد قام أرمني يدعى باسكال بافتتاح اول مقهى في باريس عام 1970. كما قام أرمنيان بفتح مقهيين في فينا. وعندما حل القرن التاسع عشر كانت اروربا قد بدأت تدمن على القهوة. وكانت القهوة تصلها من مستعمراتها. خارج اليمن والحبشة قام الهولنديون بزراعة القهوة في جاوة اعتبارا من 1712 وفي 1730 بدأت زراعته في امريكا. عندما بدأ الاوروبيون بزراعة القهوة في مستعمراتها،  لم يكن تناول القهوة قد شاع على الصعيد الشعبي. ففي عام 1712 حينما يقترح احد القضاة البريطانيين من متهم محكومة عليه بالاعدام ان يشرب فنجاناً من القهوة قبل تنفيذ الحكم به، يرد المتهم: "لست معتاداً على تناولها، افضل قطعة خبز مع كأس من النبيذ".

لم تضع واروبا وقتاً في مناقشة تحريم او تحليل القهوة، بل بدأت بتجارة مربحة في تصديرها، حيث وصل الاستهلاك السنوي للقهوة في الامبراطورية العثمانية في القرن السابع عشر 5 آلاف طن،

المقاهي

برغم الفتاوى والانتقادات الا ان المقاهي التي كانت بؤراً للفحش والشذوذ ومدمني الحشيش والافيون والمقامرين استمرت في نشاطاتها دائماً وفي كل العهود ما عدا عهد السلطان مراد الرابع الذي الغى تنظيم الجيش الانكشاري، وفترة زمنية قصيرة في عهد السلطان محمود الثاني، افتتح اول مقهى في استنبول عام 1544 من قبل حكم الحلبي وشمس الشامي. وكسبا من وراء ذلك أموالاً طائلة. لم ترق المقاهي للمتصوفة برغم ارتفاع عددها في 1570 في استنبول إلى اكثر من ستمائة مقهى.

آداب المقاهي

رغم الدعايات المستمرة للصوفية ضد المقاهي الا انها ازدادت انتشارا إلى درجة ان بعض الاعيان والوزراء بدؤوا اقامة المقاهي وبهدف جلب اكبر عدد من الزبائن بدأت بعض المقاهي بتقديم فاصل من الموسيقى.

وبطبيعة الحال كان من غير المسموح فيها بلع الافيون او تناول الحشيش. الا ان المستلزمات الخاصة باحتياجات المدمنين كانت متوفرة في اغلب المقاهي. وفي القرن السابع عشر ظهر ضيف جديد للمدمنين، الا وهو التبع والنارجيلة وذلك في بداية القرن السابع عشر. كانت اغلب المقاهي تضم في وسطها نافورة، وكان الزبائن يطالعون الصحف او يلعبون النرد. كما اصبحت المقاهي مكاناً للحكواتيين والمطربين. وكان من آداب الجلوس في المقهى ان يدفع من يسبق زملاءه في الحضور، الحساب، وكان يكفي ان يقول (جابا) حتى يعرف النادي ان حساب هؤلاء مدفوع سلفاً. فيما بعد ذلك تطورت المقاهي حسب حرف الزبائن ورغباتهم. وكان السياسيون اكثر قلقاً من المتصوفة من انتشار المقاهي لانها كانت تساهم في تجمع العامة وتبادلهم للآراء والافكار في شتى المواضيع.

مقاهي الحشيش

كانت مقاهي الحشاشين مختلفة عن البقية لانها كانت من الظاهر تبدو وكأنها تكايا للمتصوفة. وكانت المقاهي التي فتحت في بادئ الامر الانكشارية بمثابة اوكار للحشاشين. ثم بدأت الانتشار في المناطق المنزوية من استنبول. وكانت هذه المقاهي تتميز بوجود حوض في اوساطها مرتبطة بالطقوس الخاصة بالطريقة البكتاشية، وكانت صور الحاج بكتاش ولي معلقة في جدران معظمها. وكان كل مقهى يضم سبعة من شيوخ هذا المذهب يسمى كل واحد منهم بـ(ده ده) وكان الحشيش يقدم لهم اولا داخل قرع. وكان يضع الحشيش مع جمرة داخل القرع حيث يسحب منه (الاسطة) نفساً ثم يقدمه إلى الـ(ده ده) بالدور حسب اقدميته في الطريقة البكتاشية. وبعده يقدم القرع إلى الزبون الذي اوصى به. وكان زبائن هذه المقاهي صنفين (قلندر) وهو الزبون الدائم و(إخوان) وهم الزبائن الذين كانوا يحضرون بين فترة واخرى. كانت القهوة تزيد من هيام الحشاش حيث يبلغ ذروة نشوته بتناول القهوة المحلاة بالسكر، وقد احتل الشاي فيما بعد مكان القهوة بعد انتشار استعماله. ومن الامور المرافقة لمقاهي الحشاشين وجود محال لبيع القهوة والحلويات بالقرب منها، والتي تعتبر ضرورية لاي مدمن، لانها تزيد حالات النشوة، وثمة مقاهي اخرى للمدمنين على الافيون، وكانت معظم المقاهي تقدم لزبائنها الافيون بفناجين خاصة قبل القهوة العادية. لكن ذلك لم يمنع من انتشار مقاه خاصة لمدمني الافيون، وعلى سبيل المثال كان هناك 35 مقهى من هذا الطراز في منطقة (السليمانية) باستانبول في اواخر القرن التاسع عشر. وكانت هذه المقاهي مثل مقاه الحشاشين تقع في مناطق منعزلة، بعيدة عن الضوضاء والصخب. ومن أشهر الحشاشين الترك (نيزن توفيق- توفيق الناياتي) وهو في الوقت نفسه شاعر هجائي من الطراز الاول. قضى عمره في الحانات ومقاهي الحشاشين. وكان رواد هذه المقاهي يتفاءلون به، ويلبون احتياجاته التي هي على العموم الخمرة والحشيش. وكانوا يعتبرونه وليا لهم. وكان صاحب احد تلك المقاهي قد اقام غرفة لإقامته ومبيته في مقهاه وقد توفي هذا الشاعر عام 1953.

رحلة الشاي عبر الزمن

مع الشاي: حليب وبصل!

اسم الشاي مشتق من كلمة (ch)الصينية، وحسب احدى الاساطير يرجع ظهور الشاي في الصين إلى 700 ق.م. ويذكر بأن الفيلسوف الصيني كونفوشيوس الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد اوصى الصينيين بزراعة الشاي وتناوله، لذلك كانت صورة كونفوشيوس تزين حتى الامس القريب علب الشاي المصدرة من فرموزا. الا ان رائد الشاي الحقيقي هو الراهب البوذي (لووه) الذي عاش في القرن الثامن. حيث اعد كتاباً في هذا الخصوص سماه (مائدة الشاي). وكان هذا الراهب امام تجار الشاي حتى قيام الثورة الشيوعية في الصين. حيث بدأ العامة في مرحلة (لووه) يتناول الشاي كمشروب مكيف. بعد ان كانوا يتعاطونه سابقاً كدواء واحياناً كغذاء. كما كان المتصوفة المسلمون يلجأون إلى القهوة لابقاء اذهانهم متوقدة، فعل البوذيون الشيء نفسه مع الشاي. رحلة الشاي إلى الغرب انتقل الشاي في القرن نفسه إلى اليابان. بلغت طقوسه ذروتها. الا ان هجمات المغول والمنشوريين قضت على تطور ثقافة الشاي في الصين. يعتبر الشاي اول شكل من اشكال تحضيره. وحينما كانت أوراقه تتحول إلى ما يشبه العجينة كان يضاف اليه الرز والزنجبيل وقشر البرتقال. كما كان يغلى وتضاف اليه البهارات والحليب والبصل.

وقد استمر هذا الشكل البدائي لتحضيره إلى وقت متأخر في (التبت). وحسب الطقوس الروسية اضيف إلى الشاي قشر الليمون. الا ان الشكل السائد لتحضير الشاي هو غليه الذي يعود إلى الراهب (مينغ). وفي نهاية المرحلة التي عاش فيها هذا الراهب تعرفت اوربا على الشاي في بداية القرن السابع عشر. ويعود فضل ذلك إلى التجار الهولنديين. وصل الشاي إلى فرنسا في عام 1636. وكان السفير الصيني في موسكو يحرص منذ 1613 إلى اهداء الشاي إلى المسؤولين الروس. رغم ذلك ظل الارستقراطيون يتناولون الشاي حتى نهاية القرن السابع  عشر في المقاهي كدواء. أما العرب فكانوا يعرفون الشاي ابتداءً من القرن التاسع عشر. وحسب بعض المصادر فان الترك كانوا يعرفون الشاي قبل اعتناقهم الاسلام. الا ان الشاي لم ينتشر في الاناضول الا في القرن التاسع عشر. وقد كتب الحاج محمد عارف أفندي والي مدينة بورصة في 1877 كتاباً بعنوان (رسالة الشاي-جاي رساله سي) تحدث فيه عن تناول الشاي منذ ثلاثين عاماً. مشيراً إلى منافعه وفوائده. وفي القرن الثامن الميلادي يصف الشاعر الصيني (لوتونغ) المشاعر التي تنتاب شارب الشاي مع كل قدح يتناوله.

القدح الاول يبلل شفتي وبلعومي القدح الثاني يحررني من الوحدة، القدح الثالث يجتاح الاعماق ويوقد المشاعر، القدح الرابع يمنحني وتراً للانطلاق القدح الخامس يحررني من سيئاتي، القدح السادس يقودني نحو الابدية القدح السابع آه منه آه لا تسقوني إياه فهو يملأ الاشرعة بالرياح.

دعوني فهذه النسائم تكفي لتقودني إلى هناك. برغم ان الصينيين عرفوا الشاي منذ آلاف السنين، الا انهم لا يحتلون درجة متقدمة من استهلاكه بل ان الدول العربية عامة تتفوق عليها. وتحتل المقدمة في ذلك كل من: العراق وقطر والكويت، وبالتالي يجب عدم اهمال اهتمام الانكليز المفرط بالشاي وساعات تناوله.


من الحكايات الشعبية الالمانية : الحصار

كورت كوسنبيرغ Kurt Kusenberg

ترجمة/ قاسم مطر التميمي

عندما رفضت مدينة توتنبورغ الضرائب الجائرة التي فرضت عليها، بعث القيصر لها بجيش وامر قائده بمهاجمة المتمردين واحراقهم غير ان المواطنين سرعان ما علموا بالخبر. وعندما جاء جيش القيصر وجد حصناً منيعاً يحيط المدينة من جميع جهاتها، مجهزاً بذخائر كثيرة، قادراً على التحدي.

وما لبث المفاوض القيصري حتى عاد يجرُّ اذيال الخيبة والاحتقار، فقد جرٍّد من ملابسه وطلي جسده بالزيت واوثق كتافه بحبال من المصارين كاشارة الى ان المواطنين ليسوا على خطأ. وتبادر للقائد انهم يعنون شيئاً آخر من وراء ذلك فطوق المدينة بحصار متين. وفي اليوم التالي وضع حولها حزاماً من الخيام الحمر. وحزاماً آخر اكثر ضيقاً من المدافع السود، فبدا للناظر من بعيد انه منظر جميل يشبه عقدٌ من المجوهرات او كلعبة، ولكنه كان عنفاً صارماً.

وعندما مضى شهرٌ كامل واعتقد ان حماس المواطنين قد خبا وضعف، قرر القائد ان يبدأ الهجوم. فبدأت المدفعية تقذف القنابل الثقيلة. وسقطت احدى القنابل قرب الاسطى (آبت) كبير الخبازين الذي كان يحرس البوابة الشرقية فمزقت رأسه، وكانت هذه هي الخسارة الوحيدة التي تكبدتها المدينة، والذي يعرف (آبت) يدرك ان الخسارة ليست كبيرة، وتفتت من الاسوار شيء قليل تحت قصف المدفعية النشيط الا ان ثغرة لم تحدث قط. وفي اليوم الرابع تقدم الجنود نحو الاسوار وارسوا عليها سلالم الهجوم وبدأوا يتسلقونها، غير ان رجال توتنبورغ قلبوا السلالم وصبّوا على الغزاة ماءً فغلباً وزفتاً مذاباً. وفي الختام رموا عليهم من اعلى السور كل القنابل التي سقطت داخل المدينة.

كأنهم يريدون بذلك ان يقولوا لهم: هاكم قنابلكم وجربوا مرّة ثانية! وقال القائد: (الزمن كفيل بحلّ المشكلة).

وصمم على تجويع المدينة. وبذلك بدأ الجنود يعيشون حياة خاملة مملة، اذ لم يسمح لهم بترك مخيماتهم فشعروا بالضجر من التحديق المستمر بأسوار توتنبورغ، التي ازدادوا لها كرهاً مع الايام، تعطلهم عن العمل اوحى لهم بخواطر شاذة وممارسات غريبة، فقد اعتاد الكثير منهم على التجوال بين الخيام ذهابا واياباً، من الصباح الباكر وحتى المساء يراقبون بشك من قبل اولئك الذين يشقون في الارض خطوطاً متعرجة ويحرصون بشدة على عدم تخطيها.

وآخرون يتراهنون فيما بينهم، ايّهم احسن تقليداً لأصوات الحيوانات الصهيل والنهيق والثغاء والنعيق او الوشوشة والتمتمة واحولال العينين وهز الاذنين، او مدى قدرة احدهم على الوقوف طويلاً على قدم واحدة دون ان يتنفس ويحمل البندقية على انفه متوازنة الاطراف. اما اقوى رجال المعسكر وكان برتبة عريف، فقد كان يمسك ببوق يشبه بوق القنص ويعزف لحناً لا ينفك يعزفه صباحاً مساء حتى لم يبق احد ممن يسكنون حوله الا وفقد صوابه ورجل آخر اصطاد قنفذاً واجهد نفسه في تعليمه العاباً بهلوانية لا يجيدها هذا الحيوان الشوكي. هذا الرجل عاش في قلق كبير، خشية ان يتمكن احد من سرقة القنفذ وذبحه واكله.

ومع هذا الضجر والملل جاء النقص الكبير في المؤن، فمنذ زمن طويل ما عاد هناك نبيذ يشرب والطعام يتناقص بإستمرار ويزداد سوءاً. وعندما تصرف لهم رواتبهم التي مضى على استحقاقها زمن طويل، لا يجدون عند الباعة المتجولين ما يشترون، فقد كانت عرباتهم وصناديقهم وسلالهم فارغة لا شيء فيها. ثم ان القيصر لم يعد يهتم بتجهيزات جيشه. وهكذا اصبح الرجال الذين حاؤوا الحصار توتنبورغ وتجويع اهلها، يتضورون هم انفسهم من الجوع. وقال القائد بإمتعاض: (من غير المال لا تكون الحرب) وصمم على مكاتبة القيصر غير ان الساعي سرعان ما جاءه بالقرار: (لا بد للجيش ان يقتحم اخيراً مدينة  توتنبورغ ويعوض الخسائر، فبدون الضرائب لا تتوفر الاموال). واستاء القائد لقراءة هذا الرد، اذ كيف يسعه ان يغزو مدينة لا يمكن اقتحامها ولها حظ وافر من التجهيزات والمؤن والذخيرة اكثر مما لدى جنوده، وهو ما بدا واضحاً لهم. وبدافع من غرورهم مارس مواطنو توتنبورغ عادات تتسم بالوقاحة ينصبون موائدهم في اعلى الاسوار وعلى مرأى من الجنود يشربون نخبهم بتهكم وسخرية لاذعة ولم يكتفوا بذلك بل صاروا ينزلون في كل مساء سلة ملأى بما لذّ وطاب من الطعام والشراب ومعها رقعة مكتوب عليها. (من اجل القائد المنتصر). ولم يعد سرّاً  ان القائد كان يلتهم الطعام خفية عندما يخلد كاتبه الى النوم، وكان يروق له كثيراً ويستطعمه. غير ان الطعام المهدى اليه يحمل معه رغم ذلك اهانة بالغة. واقسم القائد ان يردّ الاهانة لمواطني توتنبورغ. وان كان لا يعلم كيف يردها!

وفي احدى الليالي، وبينما كان القائد يأكل بشهية كبيرة فطائر محشوة بلحم الحمام المغروم، وصلته توّاً عبر اسوار توتنبورغ، احسّ بقطعة صلبة تستقر بين اسنانه، فلما تبينها وجدها  كبسولة صغيرة بداخلها رسالة من عمدة المدينة يقترح فيها الاجتماع به ويتمنى ان يكون في لقائهما حصول الفائدة لكلا الطرفين. والقائد الذي خاب امله من القيصر لم يجد بأساً بهذا الاجتماع. وهو فرصة سانحة للاطلاع على افكار العدو. وارسل الى العمدة من يعلمه بقبول اقتراحه. والتقى الرجلان على مقربة من المدينة، دون ان يلفتا لذلك انتباه الجنود، واجريا محادثات طويلة ومثمرة، وتقرر على اثرها ان لا يكون الحصار في المستقبل شديداً، بل يتحول الى علاقات حسن جوار، وتعهدت المدينة بالمقابل بدفع رواتب الجنود مستقبلاً لقاء عملهم داخل المدينة على ان تخصم منها طبعاً نسبة الضريبة كما يجب على الجنود ان يعملوا في توتنبورغ بمختلف الحرف التي يشار بها اليهم. اذ ان عدداً كبيراً من الحرفيين تركوا اعمالهم ليحملوا السلاح دفاعاً عن مدينتهم او الاشراف على حراستها، وهؤلاء بحاجة ماسة ومتنامية للانفاق عليهم. وكان على المدينة ان تقدم الانسجة للجنود لتعينهم على استبدال زيهم العسكري، ليس منحة وانما بثمن زهيد يعادل نصف الثمن الحقيقي وكان العمدة من النساجين ايضاً).

وكانت المعاهدة بين الجانبين مباركة. فما كاد يعرف ان المعسكر قد عاد ثانية لتداول النقود حتى جاء التجار والفلاحون من اماكن بعيدة لتموين الباعة المتجولين بالسلع الضرورية وحتى غير الضرورية. وتقدم الجنود نحو المدينة مساءً في مسراتهم ونواديهم الليلية. ووجد من المواطنين من عمل بإختياره في المعسكرات ليطلع الى جانب ذلك على الفنون العسكرية. وجاء في الانباء ان العديد من فتيات توتنبورغ قد انخرطن بالعمل كبائعات متجولات فكان ذلك سبباً للعديد من حالات الحب والغرام بين الجنود وهذا الرهط من الاناث. وكان مما ليس له بد ان يزداد عدد الاطفال المولودين في توتنبورغ مع الزمن. هذا العدد قلما يكون بهذا الحجم لولا الاحتفالات الكثيرة التي جمعت بين المحاصِرين والمحاصَرين. وكانت هناك ايضاً حالات زواج وان كانت محدودة العدد. وشهدت الاشهر التالية تسهيلات جديدة لسكان المدينة خاصة انتفع منها افراد الجيش ايضاً.

فقد سمح للاشخاص من سكان المدينة ان يسافروا في الحالات الضرورية بعد الحصول على اذن مسبق بالمرور من القائد. فكانت كلما تمر عربة للمسافرين في المعسكر يحيط بها الجنود من كل جانب، يرجون المسافرين ان يحملوا رسائلهم الى اسرهم وذويهم او يحملوهم التحيات اليهم، وربما يرون ماذا اطرأ عليهم اوحلّ بهم. والمسافرون لا يعودون دائماً بأخبار حسنة. فبعض نساء الجنود اتعبهنّ طول الانتظار فإنزلقن الى احضان رجال  آخرين - او كنّ يفعلن ذلك مع المسافرين انفسهم.

هذه الحالات الودّية غير العسكرية، لا يمكن ان تبقى خافية عن القيصر طول الوقت، غير انها استمرت بضع سنين، قبل ان يعرف الحالة التي جعلت الحصار لا يحقق تقدماً ايجابياً ومن كان يقف وراء تموين جيشه وما كاد المراقب الاول الذي بعثه القيصر الى ميدان الحرب ان يصل الى توتنبورغ حتى تزوج من فتاة جميلة وافتتح مطعماً اطلق عليه اسم (ساعي القيصر). اما المراقب الثاني فقد تزوج من ارملة (آبت) كبير الخبازين - الضحية الوحيدة التي نجمت عن الحصار حتى الآن. اما المراقب الثالث، وكان رجلاً فظاً فواجه القيصر بالحقيقة الواقعة.

وكان القيصر - كما علمنا - ذا اناة وصبر طويل غير ان صبره كان قد نفد. فعين قائداً جديداً وارسله الى الجيش وامر بعزل القائد المهمل. فتسلم هذا امر عزله بهدوء وتوجه الى داخل المدينة، لينتخب بعد ثمانية ايام عمدة لها، لأنه كان محبوباً جداً من المواطنين ولأن سلفة في المنصب كان مرهقاً. واظهر القائد الجديد قوة وصرامة، فأعاد النظام ثانية واحكم حصار المدينة مرة اخرى. وجعلها هدفاً لوابل من قنابله في كل يوم غير انه لم يكن يعلم ان مرافق لا تقذف سوى كرات حديدية فارغة او محشوّة بالرسائل والاغذية. ولم يكن يعلم ايضاً ان تحت خيمة الشرطة العسكرية منفذ لنفق ضيق يؤدي الى داخل المدينة. ولم يعجب الا بصمود المدينة وثبات ابنائها. ولم يعترض الجنود بادئ الامر على هذا التغيير الذي جلب لهم التسلية ومضاعفة الاجور، اذ ان القيصر عاد الى امداد قطعاته وصرف الرواتب لجنوده. ولكنهم مع الوقت ما عادت تعجبهم اللهجة القاسية، ووجدوا ان الايام السالفة اكثر متعة ومرحاً.

وبعد مضي ثلاثة اشهر ظن القائد الجديد ان الثمرة قد اينعت وآن قطافها، فمهد للهجوم بقصف مدفعي كثيف. وتقدم الجنود بإنتظام رائع وارسوا سلالم الهجوم على الاسوار كما فعلوا قبل سنوات. وضحك القائد جذلاً عندما رآهم يتسلقون الاسوار كقطارات النمل.

وظن ان قعود سكان المدينة عن المقاومة مبعثة الرعب في قلوبهم والخور في ابدانهم. وعندما وصل الجنود الى اعالي الاسوار رافعين خوذهم ومعانقين اصدقاءهم المحاصَرين ادرك مدى تفاهة العداء بينهم وعظمة الصداقة التي تربطهم واطلق قهقهة عالية تردد صداها على الاسوار. ووقف وحيداً يتأمل المشهد الفريد ثم عكف عائداً الى قيصره في اليوم نفسه.

وصار الجنود مواطنين مخلصين في توتنبورغ. ومنذ ذلك الحين ما جاء جيش لغزوها. فقد تعهد بالدفاع عنها خبراء حرب اشداء

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة