|
كورت
كوسنبيرغ
Kurt
Kusenberg
ترجمة/
قاسم مطر التميمي
عندما رفضت
مدينة توتنبورغ الضرائب الجائرة التي فرضت عليها، بعث
القيصر لها بجيش وامر قائده بمهاجمة المتمردين واحراقهم
غير ان المواطنين سرعان ما علموا بالخبر. وعندما جاء جيش
القيصر وجد حصناً منيعاً يحيط المدينة من جميع جهاتها،
مجهزاً بذخائر كثيرة، قادراً على التحدي.
وما لبث
المفاوض القيصري حتى عاد يجرُّ اذيال الخيبة والاحتقار،
فقد جرٍّد من ملابسه وطلي جسده بالزيت واوثق كتافه بحبال
من المصارين كاشارة الى ان المواطنين ليسوا على خطأ.
وتبادر للقائد انهم يعنون شيئاً آخر من وراء ذلك فطوق
المدينة بحصار متين. وفي اليوم التالي وضع حولها حزاماً من
الخيام الحمر. وحزاماً آخر اكثر ضيقاً من المدافع السود،
فبدا للناظر من بعيد انه منظر جميل يشبه عقدٌ من المجوهرات
او كلعبة، ولكنه كان عنفاً صارماً.
وعندما مضى
شهرٌ كامل واعتقد ان حماس المواطنين قد خبا وضعف، قرر
القائد ان يبدأ الهجوم. فبدأت المدفعية تقذف القنابل
الثقيلة. وسقطت احدى القنابل قرب الاسطى (آبت) كبير
الخبازين الذي كان يحرس البوابة الشرقية فمزقت رأسه، وكانت
هذه هي الخسارة الوحيدة التي تكبدتها المدينة، والذي يعرف
(آبت) يدرك ان الخسارة ليست كبيرة، وتفتت من الاسوار شيء
قليل تحت قصف المدفعية النشيط الا ان ثغرة لم تحدث قط. وفي
اليوم الرابع تقدم الجنود نحو الاسوار وارسوا عليها سلالم
الهجوم وبدأوا يتسلقونها، غير ان رجال توتنبورغ قلبوا
السلالم وصبّوا على الغزاة ماءً فغلباً وزفتاً مذاباً. وفي
الختام رموا عليهم من اعلى السور كل القنابل التي سقطت
داخل المدينة.
كأنهم
يريدون بذلك ان يقولوا لهم: هاكم قنابلكم وجربوا مرّة
ثانية! وقال القائد: (الزمن كفيل بحلّ المشكلة).
وصمم على
تجويع المدينة. وبذلك بدأ الجنود يعيشون حياة خاملة مملة،
اذ لم يسمح لهم بترك مخيماتهم فشعروا بالضجر من التحديق
المستمر بأسوار توتنبورغ، التي ازدادوا لها كرهاً مع
الايام، تعطلهم عن العمل اوحى لهم بخواطر شاذة وممارسات
غريبة، فقد اعتاد الكثير منهم على التجوال بين الخيام
ذهابا واياباً، من الصباح الباكر وحتى المساء يراقبون بشك
من قبل اولئك الذين يشقون في الارض خطوطاً متعرجة ويحرصون
بشدة على عدم تخطيها.
وآخرون
يتراهنون فيما بينهم، ايّهم احسن تقليداً لأصوات الحيوانات
الصهيل والنهيق والثغاء والنعيق او الوشوشة والتمتمة
واحولال العينين وهز الاذنين، او مدى قدرة احدهم على
الوقوف طويلاً على قدم واحدة دون ان يتنفس ويحمل البندقية
على انفه متوازنة الاطراف. اما اقوى رجال المعسكر وكان
برتبة عريف، فقد كان يمسك ببوق يشبه بوق القنص ويعزف لحناً
لا ينفك يعزفه صباحاً مساء حتى لم يبق احد ممن يسكنون حوله
الا وفقد صوابه ورجل آخر اصطاد قنفذاً واجهد نفسه في
تعليمه العاباً بهلوانية لا يجيدها هذا الحيوان الشوكي.
هذا الرجل عاش في قلق كبير، خشية ان يتمكن احد من سرقة
القنفذ وذبحه واكله.
ومع هذا
الضجر والملل جاء النقص الكبير في المؤن، فمنذ زمن طويل ما
عاد هناك نبيذ يشرب والطعام يتناقص بإستمرار ويزداد سوءاً.
وعندما تصرف لهم رواتبهم التي مضى على استحقاقها زمن طويل،
لا يجدون عند الباعة المتجولين ما يشترون، فقد كانت
عرباتهم وصناديقهم وسلالهم فارغة لا شيء فيها. ثم ان
القيصر لم يعد يهتم بتجهيزات جيشه. وهكذا اصبح الرجال
الذين حاؤوا الحصار توتنبورغ وتجويع اهلها، يتضورون هم
انفسهم من الجوع. وقال القائد بإمتعاض: (من غير المال لا
تكون الحرب) وصمم على مكاتبة القيصر غير ان الساعي سرعان
ما جاءه بالقرار: (لا بد للجيش ان يقتحم اخيراً مدينة
توتنبورغ ويعوض الخسائر، فبدون الضرائب لا تتوفر الاموال).
واستاء القائد لقراءة هذا الرد، اذ كيف يسعه ان يغزو مدينة
لا يمكن اقتحامها ولها حظ وافر من التجهيزات والمؤن
والذخيرة اكثر مما لدى جنوده، وهو ما بدا واضحاً لهم.
وبدافع من غرورهم مارس مواطنو توتنبورغ عادات تتسم
بالوقاحة ينصبون موائدهم في اعلى الاسوار وعلى مرأى من
الجنود يشربون نخبهم بتهكم وسخرية لاذعة ولم يكتفوا بذلك
بل صاروا ينزلون في كل مساء سلة ملأى بما لذّ وطاب من
الطعام والشراب ومعها رقعة مكتوب عليها. (من اجل القائد
المنتصر). ولم يعد سرّاً ان القائد كان يلتهم الطعام خفية
عندما يخلد كاتبه الى النوم، وكان يروق له كثيراً
ويستطعمه. غير ان الطعام المهدى اليه يحمل معه رغم ذلك
اهانة بالغة. واقسم القائد ان يردّ الاهانة لمواطني
توتنبورغ. وان كان لا يعلم كيف يردها!
وفي احدى
الليالي، وبينما كان القائد يأكل بشهية كبيرة فطائر محشوة
بلحم الحمام المغروم، وصلته توّاً عبر اسوار توتنبورغ،
احسّ بقطعة صلبة تستقر بين اسنانه، فلما تبينها وجدها
كبسولة صغيرة بداخلها رسالة من عمدة المدينة يقترح فيها
الاجتماع به ويتمنى ان يكون في لقائهما حصول الفائدة لكلا
الطرفين. والقائد الذي خاب امله من القيصر لم يجد بأساً
بهذا الاجتماع. وهو فرصة سانحة للاطلاع على افكار العدو.
وارسل الى العمدة من يعلمه بقبول اقتراحه. والتقى الرجلان
على مقربة من المدينة، دون ان يلفتا لذلك انتباه الجنود،
واجريا محادثات طويلة ومثمرة، وتقرر على اثرها ان لا يكون
الحصار في المستقبل شديداً، بل يتحول الى علاقات حسن جوار،
وتعهدت المدينة بالمقابل بدفع رواتب الجنود مستقبلاً لقاء
عملهم داخل المدينة على ان تخصم منها طبعاً نسبة الضريبة
كما يجب على الجنود ان يعملوا في توتنبورغ بمختلف الحرف
التي يشار بها اليهم. اذ ان عدداً كبيراً من الحرفيين
تركوا اعمالهم ليحملوا السلاح دفاعاً عن مدينتهم او
الاشراف على حراستها، وهؤلاء بحاجة ماسة ومتنامية للانفاق
عليهم. وكان على المدينة ان تقدم الانسجة للجنود لتعينهم
على استبدال زيهم العسكري، ليس منحة وانما بثمن زهيد يعادل
نصف الثمن الحقيقي وكان العمدة من النساجين ايضاً).
وكانت
المعاهدة بين الجانبين مباركة. فما كاد يعرف ان المعسكر قد
عاد ثانية لتداول النقود حتى جاء التجار والفلاحون من
اماكن بعيدة لتموين الباعة المتجولين بالسلع الضرورية وحتى
غير الضرورية. وتقدم الجنود نحو المدينة مساءً في مسراتهم
ونواديهم الليلية. ووجد من المواطنين من عمل بإختياره في
المعسكرات ليطلع الى جانب ذلك على الفنون العسكرية. وجاء
في الانباء ان العديد من فتيات توتنبورغ قد انخرطن بالعمل
كبائعات متجولات فكان ذلك سبباً للعديد من حالات الحب
والغرام بين الجنود وهذا الرهط من الاناث. وكان مما ليس له
بد ان يزداد عدد الاطفال المولودين في توتنبورغ مع الزمن.
هذا العدد قلما يكون بهذا الحجم لولا الاحتفالات الكثيرة
التي جمعت بين المحاصِرين والمحاصَرين. وكانت هناك ايضاً
حالات زواج وان كانت محدودة العدد. وشهدت الاشهر التالية
تسهيلات جديدة لسكان المدينة خاصة انتفع منها افراد الجيش
ايضاً.
فقد سمح
للاشخاص من سكان المدينة ان يسافروا في الحالات الضرورية
بعد الحصول على اذن مسبق بالمرور من القائد. فكانت كلما
تمر عربة للمسافرين في المعسكر يحيط بها الجنود من كل
جانب، يرجون المسافرين ان يحملوا رسائلهم الى اسرهم وذويهم
او يحملوهم التحيات اليهم، وربما يرون ماذا اطرأ عليهم
اوحلّ بهم. والمسافرون لا يعودون دائماً بأخبار حسنة. فبعض
نساء الجنود اتعبهنّ طول الانتظار فإنزلقن الى احضان رجال
آخرين - او كنّ يفعلن ذلك مع المسافرين انفسهم.
هذه
الحالات الودّية غير العسكرية، لا يمكن ان تبقى خافية عن
القيصر طول الوقت، غير انها استمرت بضع سنين، قبل ان يعرف
الحالة التي جعلت الحصار لا يحقق تقدماً ايجابياً ومن كان
يقف وراء تموين جيشه وما كاد المراقب الاول الذي بعثه
القيصر الى ميدان الحرب ان يصل الى توتنبورغ حتى تزوج من
فتاة جميلة وافتتح مطعماً اطلق عليه اسم (ساعي القيصر).
اما المراقب الثاني فقد تزوج من ارملة (آبت) كبير الخبازين
- الضحية الوحيدة التي نجمت عن الحصار حتى الآن. اما
المراقب الثالث، وكان رجلاً فظاً فواجه القيصر بالحقيقة
الواقعة.
وكان
القيصر - كما علمنا - ذا اناة وصبر طويل غير ان صبره كان
قد نفد. فعين قائداً جديداً وارسله الى الجيش وامر بعزل
القائد المهمل. فتسلم هذا امر عزله بهدوء وتوجه الى داخل
المدينة، لينتخب بعد ثمانية ايام عمدة لها، لأنه كان
محبوباً جداً من المواطنين ولأن سلفة في المنصب كان
مرهقاً. واظهر القائد الجديد قوة وصرامة، فأعاد النظام
ثانية واحكم حصار المدينة مرة اخرى. وجعلها هدفاً لوابل من
قنابله في كل يوم غير انه لم يكن يعلم ان مرافق لا تقذف
سوى كرات حديدية فارغة او محشوّة بالرسائل والاغذية. ولم
يكن يعلم ايضاً ان تحت خيمة الشرطة العسكرية منفذ لنفق ضيق
يؤدي الى داخل المدينة. ولم يعجب الا بصمود المدينة وثبات
ابنائها. ولم يعترض الجنود بادئ الامر على هذا التغيير
الذي جلب لهم التسلية ومضاعفة الاجور، اذ ان القيصر عاد
الى امداد قطعاته وصرف الرواتب لجنوده. ولكنهم مع الوقت ما
عادت تعجبهم اللهجة القاسية، ووجدوا ان الايام السالفة
اكثر متعة ومرحاً.
وبعد مضي
ثلاثة اشهر ظن القائد الجديد ان الثمرة قد اينعت وآن
قطافها، فمهد للهجوم بقصف مدفعي كثيف. وتقدم الجنود
بإنتظام رائع وارسوا سلالم الهجوم على الاسوار كما فعلوا
قبل سنوات. وضحك القائد جذلاً عندما رآهم يتسلقون الاسوار
كقطارات النمل.
وظن ان
قعود سكان المدينة عن المقاومة مبعثة الرعب في قلوبهم
والخور في ابدانهم. وعندما وصل الجنود الى اعالي الاسوار
رافعين خوذهم ومعانقين اصدقاءهم المحاصَرين ادرك مدى تفاهة
العداء بينهم وعظمة الصداقة التي تربطهم واطلق قهقهة عالية
تردد صداها على الاسوار. ووقف وحيداً يتأمل المشهد الفريد
ثم عكف عائداً الى قيصره في اليوم نفسه.
وصار
الجنود مواطنين مخلصين في توتنبورغ. ومنذ ذلك الحين ما جاء
جيش لغزوها. فقد تعهد بالدفاع عنها خبراء حرب اشداء |