اراء وافكار

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

كتاب في جريدة: حليفنا صدام .. الباب الثالث: الاشتراكيون يتبنون التركة

ترجمة : سلام العبودي

بعد نشرها الباب الأول من كتاب (حليفنا صدام)، تعود المدى لتنشر الباب الثالث منه الذي يسلط ضوءً إضافياً على الدور الذي لعبه ""اللوبي العراقي" في فرنسا لمساندة تطلعات صدام حسين، وعلى فهم الصناعيين الفرنسيين - وفي مقدمتهم "عصابة الأربعة"- أن السوق العراقي أصبح مفتوحاً أمامهم. كما يظهر هذا الباب كيف وصلت العلاقات بين البلدين بسرعة حتى إلى ميدانٍ أكثر خطورة وحساسية. وهو ليس مشتريات الأسلحة الفرنسية، التي فاوض صدام حسين ضيفه بشأنها، ولكن التعاون النووي. فصدام أراد، وشيراك وافق على ما طلبه منه.

الفصل الأول

تبدل في مشرب الوردة

أظهر فرنسوا ميتران نفسه، لمدة طويلة، متمسكاً بموقفه حول المساعدة العسكرية المقدمة إلى العراق. ففي نيسان 1980، ومن منبر الجمعية الوطنية، هاجم حكومة ريمون بار وجيسكار ديستان وقال: "إن الادعاء بتسهيل تقدم السلام في المنطقة، والمساهمة في الوقت نفسه بتكديس الذخائر والمتفجرات لا يبدو لنا منطقياً جداً".

وقد عزز اندلاع الحرب بين إيران والعراق من قناعاته. ففي 24 أيلول 1980، أي بعد يومين من الهجوم العراقي، أشار الأمين الأول للحزب الاشتراكي PS إلى مسؤولية بغداد، وأكد إن للاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية، في تلك المنطقة، "مصالح متقاربة، لكنها مشبوهة". وجازف بطرح تكهن ثبتت صحته فيما بعد حين قال : "على الصعيد الإقليمي، لن تتوسع هذه الحرب كثيراً".  في اليوم نفسه، اجتمعت إدارة الحزب الاشتراكي وأعربت عن قلقها من "مخاطر توسع النزاع وتدويله"، وشجبت مبيعات الأسلحة الفرنسية في المنطقة.

بعد ذلك بشهر، في 29 تشرين الأول احتدت النبرة. فقد تحدث الحزب الاشتراكي عن "السياسة غير المسؤولة ذات النزعة التجارية" مستشهدا بأمثلة خلط فيها بين تزويد بغداد بمفاعل أوزيراك مع عقد بأربعة عشر مليار وأربع مائة مليون فرنك بخصوص أسلحة للعربية السعودية. وفي 3 كانون الأول     

1980، تم اجتياز خطوة أبعد في هذا الاتجاه: لقد طالب الحزب الاشتراكي بحظر على شحنات الأسلحة للطرفين المتحاربين.

وفي 4 شباط 1981، ثارت إدارة الحزب ضد "شحن 60 طائرة من الميراج ف 1، أعقبت شحنات بكميات كبيرة من المعدات العسكرية إلى العراق، وذلك خلافاً لتصريحات الحياد والدعوات للسلام التي تطلقها الحكومة" (28).  وقد استفاد فرانسوا ميتران من ذلك ليتباهى باختلافه عن جيسكار ديستان حيث قال: "لسنا من أولئك الذين يضيقون على الإيرانيين ويزودون خصومهم بالأسلحة".

أخيراً، في 17 نيسان 1981، أي قبل الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة بتسعة أيام، تعهد المرشح ميتران بالتزامه بوقف شحنات الأسلحة إلى العراق إذا ما تم انتخابه، وهو وعد جدده قبل فوزه، في 10 مايس بأربعة أيام (29). آنذاك لم يندهش أحد لرؤية قائد اشتراكي يدافع عن موقف أخلاقي والقاعدة التي تمتنع فرنسا بموجبها عن تزويد بلد في حالة حرب بالأسلحة.

كانت بضعة أيام كافية لتقنع ميتران بعكس ذلك، فبعد سلسلة من الأحداث، وبعد اكتشاف العالم الحقيقي، تخلى ميتران عن التزاماته السلمية، وساعده في ذلك رجال صناعة الأسلحة، وعدد من الوزراء وأصدقاء العراق. وحتى قبل تسلم السلطات، في 21 مايس 1981، لم يكن لدى ميتران ومساعديه المقربين سوى فكرة في رؤوسهم: تجنب سحب الودائع العربية من فرنسا. لذلك يجب التحرك بسرعة وطمأنة العرب فقد (صوت) العرب كلهم لصالح شيراك وجيسكار. فكل شئ لدى ميتران يثير قلقهم: تصريحاته حول شحنات الأسلحة للعراق، وتعاطفه مع دولة إسرائيل وتحالفه مع الشيوعيين. بل أن بعض الأثرياء العرب قاموا

بسحب ودائعهم. وحيث إن هروب رؤؤس الأموال مستمر، فإن الفرنك أصبح مهدداً.

*        *        *

كانت الرسالة، التي أراد الفريق الحاكم إيصالها، بسيطة ومفادها أن فرانسوا ميتران سيقود سياسة متوازنة في الشرق الأوسط، بين إسرائيل وجيرانها. أما إعادة النظر بتوجهات السياسة الفرنسية العربية، فإنها ليست موضوع نقاش أبداً.

كانت التعبئة فورية، في وقت ما زال فيه جيسكار في الأليزيه. فقد التقى المخلص لميتران بيار بيريغفوا Pierre Pérégovoy، وهو رجل عصامي خجول أخذ لاحقاً في مسعاه كثيراً من الضمان، وكذلك المستشار الشاب أوبرت فيدرين Hubert Védrine، وصديق ميتران المصرفي كلود دي كيمولاريا Claude de Kémoularia،.. التقوا بالسفراء العرب، واحداً واحداً، في 16 و 17 مايس. أما رولاند دوما Roland Dumas، فقد نقل بدوره رسالة من الرئيس إلى الدبلوماسيين أنفسهم عبر عميدهم السيد بلعباس Bel Abbès ممثل الحسن الثاني الذي اجتمع به لهذا الغرض.

بعد ذلك، بدأ ما أسماه كلود شيسون Claude Cheysson "تحليق اللقالق" كان سيرج بوادفيه، المقرب من شيراك، سعيداً لاختياره لمهمة طمأنة بغداد. كان بوادفيه، المؤيد للمساعدة العسكرية للعراق، والذي يشغل منصب مدير دائرة أفريقيا والشرق الأوسط في وزارة الخارجية، يحمل رسالة موجهة إلى صدام حسين. والرسالة الثانية يسلمها إلى الملك حسين، ملك الأردن.                             

أما جاك أندرياني Jacques Andréani، السفير في القاهرة، فقد تقرر ارساله إلى العربية السعودية ودول الخليج. ثم قام شخص من العائلة، رغم أنه بعيد عن الحزب الاشتراكي، هو جاك ميتران Jacques Mitterrand، رئيس مؤسسة إيروسباسيال Aérospatiale، بنقل رسالة من أخيه إلى ملك المملكة العربية السعودية؛ في حين تحادث جاك ديلور Jacques Delors مع الأمير السعودي، طلال. أخيراً، انطلق كيمولاريا للقيام بجولة في دول الخليج، قادته حتى إلى العراق، بمن لابد من لقائه، صدام.

ولأنه قدم لمرات عديدة إلى المنطقة، وعِبر دوره كمستشار في مصرف باريبا Paribas، لم يخش كيمولاريا من التحدث علناً عن تأكيداته، وعلاقاته الاجتماعية، وصلاته برجال الأليزيه، وعلاقاته الدولية. وكانت المهام الموكلة لهذا الدبلوماسي ورجل المال هي طمأنة أمراء الخليج وشيوخها. وفد أعاد على أسماعهم الكلمات نفسها التي تعب من ترديدها في باريس، أثناء وليمة الغداء التي أقامها، في منزله، بول كارتون Paul Carton، الدبلوماسي الذي تولى في وقت لاحق رئاسة معهد العالم العربي. وقد أكد كيمولاريا أنه يجب عدم الخلط بين تصريحات ميتران، كمرشح عن المعارضة، والسياسة التي سوف ينتهجها من الآن فصاعداً كرئيس للجمهورية، قبل أن يهمس سراً: "أما الشيوعيون، فسيتخلص الرئيس منهم".

لقد ساهم دخول كلود شيسون وميشيل جوبير في الحكومة، وبصحبتهما رجلان مواقفهما معروفة بالنسبة للعرب، في طمأنة القادة العرب، إذ أصبح شيسون رئيساً للكيه دورسيه، التي عمدت باسم وزارة العلاقات الخارجية. أما ميشيل جوبير، الوزير سابقاً في زمن بومبيدو، فقد كلف بوزارة التجارة الخارجية.

حال دخوله الكيه دورسيه، وجد كلود شيسون، المتسلح مسبقاً بضمانة، الكلمات اللازمة. فقد عبر بوجهة نظر محددة وبدون تردد، عن تعاطفه مع منظمة التحرير الفلسطينية. وأطلق العديد من التصريحات المؤيدة لإقامة دولة فلسطينية؛ موجهاً الانتقادات اللاذعة لإسرائيل. وفي آب 1981، قارن أثناء زيارة المغرب، بين وضع عرفات ووضع الجنرال ديغول في لندن. بعد ذلك، بعدة أشهر، أي في شباط 1982، أكد في أبو ظبي "أنه يجب خلق دولة فلسطينية في الأراضي المحتلة" من قبل إسرائيل.

وهي كلمات تتناقض مع موقف ميتران الذي قال دائماً أنه ليست فرنسا التي تقرر أين يجب أن تؤسس الدولة الفلسطينية. وليس ذلك الاختلاف الوحيد بين الرجلين حول الموضوع، لكن الرئيس ترك وزير خارجيته يعلن مواقفه.

فهو يعتقد، دون شك، إنه إذا كانت انحرافات وتصريحات وزيره تزعجه وتجبره في بعض الأحيان، على دعوة شيسون إلى الالتزام، فإن لها فوائد في طمأنة شركاء فرنسا العرب. فيما يتعلق بميشيل جوبير، القصير القامة لكنه فخور بنفسه بلا حدود، فإذا مازج أسمه في التشكيلة الحكومية، وهو شاعر بذلك، فإنه يتمتع بكفالة ممارسة طويلة كوزير في شؤون العالم العربي.

في تشرين الأول 1981، قام جوبير بأول زيارة رسمية للعراق، كعضو في الحكومة الجديدة. وبحضور عدد من الوزراء الأجانب، وجه جوبير كلامه إلى صدام حسين، وهو كلام مطابق للقاءاته: "لا يمكن أن تكون هناك سياسة عربية من جانب فرنسا دون سياسة عراقية، و إلا، فأن كل الدبلوماسية الفرنسية في العالم العربي ستكون عاجزة ومحدودة.

*        *        *

شارل أرنو Charles Hernu، السعيد بإقامة علاقات مع الجنرالات والأميرالات، وزير الدفاع الجديد، كان صديقاً لإسرائيل، منذ وقت مبكر. إلا أن ذلك لم يمنعه من المساهمة بعملية الإغراء هذه. فبعد تشكيل الحكومة بوقت قصير، استقبل نظيره السعودي الأمير سلطان. والأمير سلطان زبون قديم، بل وفي بعض الأحيان صديق لمصنعي الأسلحة لدينا. وهو يعتبر الشخص الموالي لفرنسا في العائلة المالكة. اللقاء الأول كان جيداً. وفي الحال، ولدت فكرة: دعوة الملك خالد، ملك السعودية، لزيارة فرنسا؛ وكان آنذاك في سويسرا.

نقل الأمير سلطان دعوة الأليزيه، وتدخل اثنان من رجال الأعمال لدى الملك، الأول هو أكرم عوجة، وهو من أصل سوري، ويدير مصالح قسم من العائلة المالكة في أوروبا ويخدم كوسيط في بعض عقود التسلح مع العربية السعودية. أما الثاني، فهو اللبناني سمير طرابلسي، الذي يدعى، في الغالب، أثناء الأعياد التي تجتمع فيها كل باريس، وله أعمال هو الآخر مع السعوديين(30) . فأي شئ أكثر رمزية من دعوة ممثل المملكة الأكثر محافظة في الخليج، والمؤيدة جداً لأمريكا، لزيارة باريس؟ إن زيارة الملك هذه تثبت أنه يجب أن لا يخشى العرب من شيء تجاه فريق الحكم الجديد في فرنسا، وإن وجود الوزراء الشيوعيين ليس عقبة. وإن فرنسا ستستمر في شحن الأسلحة، كما في مساندة العراق بما في ذلك على الصعيد الدبلوماسي.

كانت زيارة الملك خالد، إلى باريس في 13 حزيران 1981، بعد عشرة أيام من قيام الطيران الإسرائيلي بتدمير مفاعل أوزيراك، ناجحة. وقد أعطى ميتران لأول زعيم دولة أجنبية يستقبله في الأليزيه الضمانة: فريق الحكم الجديد في باريس حسن المعشر.

وقد صرح السعوديون علناً أنهم مقتنعون بالردود الفرنسية بشأن المسألة الفلسطينية. لكنهم يعتبرون مساعدة العراق في الحرب المحك الحقيقي لعلاقاتهم مع ميتران. وقد أعطيت لهم كل الضمانات وبشكلٍ خاص من قبل كلود شيسون.

في الحالة الحاضرة، ما زالت الإرادة الجيدة للاشتراكيين تحت التجربة، إذ تسلح بغداد وحلفاءها العرب، وبشكل خاص العربية السعودية على إعادة بناء مفاعل أوزيراك من قبل فرنسا، بعد أن دمره الإسرائيليون. وقد قدم الطلب في باريس من قبل أولئك الأكثر التزاما من بين محبي العراق. 

الفصل الثاني

"يجب إعادة بناء مفاعل تموز"

في يوم الأحد 7 حزيران 1981، دمر الطيران الإسرائيلي مركز الأبحاث المسمى تموز، في ضواحي بغداد، متسبباً بموت أحد الفنيين الفرنسيين الذي كان موجوداً فيه.

وكانت شحنة اليورانيوم المخصب موجودة في بناية مجاورة للمفاعل يطلق عليها "الماكيت" حيث تتم التجارب النيترونية. ولم تصب لا البناية ولا شحنة اليورانيوم بأذى.

لقد لعب مناحيم بيغن، رئيس الوزراء الإسرائيلي، على الوتر الوطني في عز الحملة الانتخابية، حين أكد أن مفاعل تموز كان موجهاً لإنتاج قنبلة ذرية. وأضاف بيغن أن هناك مختبرات سرية تحت مركز تموز. وقد وصفت الخارجية الفرنسية هذه الاتهامات، في بيان لها، بأنها "ملفقة" وذلك في 13 حزيران. إثر ذلك، اعترف بيغن أنه أخطأ بنقطةٍ، فالمنشأة الوحيدة تحت بناية المركز، وهي أجهزة التحكم النيترونية والتي ترجم الإسرائيليون رموزها SGN ( سان غوبان النووي)، لا يمكن أن تستخدم إلا للبحوث المدنية.

في تشرين 1980، في مدريد، وعد فرانسوا ميتران الزعيم العمالي الإسرائيلي شمعون بيريز بدراسة إعادة النظر بعقد التعاون النووي الفرنسي-العراقي في حالة انتصار اليسار، وهو وعد تكرر بعد ذلك بشهر في القدس، ولكن ميتران يطيب له في العلن أن يطالب بتعزيز التفتيش الذي تمارسه منظمة الطاقة الذرية الدولية ومقرها فينا، على المركز العراقي. 

وأثناء حملة الانتخابات الرئاسية، وجه المرشح الاشتراكي رسالة سرية إلى حركة النهضة اليهودية نصها: "لقد قمنا ولعدة مرات بإدانة سياسة شحنات الأسلحة إلى العراق وكذلك التكنولوجيا النووية. فالشرق الأوسط منطقة تعيش أزمة مفتوحة ويمكن أن يخلق فيها اختلال في التوازن العسكري وسيكون من المستحسن في هذا المجال تعامل مسؤولي سياستنا في تصدير الأسلحة بالاحتراس والاعتدال الذي ينصحون الآخرين به بشكل طوعي".

*        *        *

وحال استقرار كلود شيسون في وزارة العلاقات الخارجية، أراد الرئيس أن يعرف عن ذلك الأمر المزيد. فقد طلب، في أسرع وقت ممكن، تقريراً حول الإجراءات الموجهة لضمان الطبيعة السلمية لمركز البحث ومفاعل أوزيراك. وقد بدأ، بالعمل فريق من المختصين يقودهم فرانسوا نيكولود François Nicoullaud، المستشار في دائرة الشؤون الذرية في وزارة الخارجية. وقد وصل تقريرهم إلى كلود شيسون في 5 حزيران. وأوصى التقرير بشكل خاص باستبدال اليورانيوم المخصب بـ (الكراميل) والوجود الدائم للفنيين الفرنسيين في الموقع حتى عام 1989.

أن القصف الإسرائيلي في 7 حزيران قد فاجأ الجميع في باريس، وفرانسوا ميتران ممزق بين صداقته لإسرائيل والتزامه بالتحرك تجاه هذه الإهانة. يفضي أحد مقربيه قائلاً: "كان الرئيس محتداً، لكنه لا يريد توجيه أي إدانة قاسية".

*        *        *

كان بيار مروا أول من تحرك حين تحدث إلى إذاعة أوروبا  1 في حزيران. وقد تحدث رئيس الحكومة أولاً مع فرانسوا ميتران الذي طلب منه تفادي التحدث عن عقوبات. كان ذلك قبل عشرة أيام من الانتخابات التشريعية. وفي إسرائيل، كانت الانتخابات وشيكة أيضاً. وكان ميتران يأمل بفوز صديقه شمعون بيريز. لذلك، أعلن بيار مروا "إدانة لغارة غير مقبولة أبداً" وأضاف: "نكتفي بالإدانة. أما الانتقام أو العقوبات ضد إسرائيل فإنها غير مطروحة".

بعد ذلك بساعة، نشرت الخارجية بياناً أدانت فيه بشدة الغارة وأعلنت ضرورة تقديم إسرائيل (تفسيراً) واضحاً. كان إعداد هذا النص عملاً مضنياً. فشيسون كان يتمنى رد فعل أكثر حدة، لكن فرانسوا ميتران راقب تحرير النص عن قرب.  أما هو، فلم يتحرك إلا بعد يومين من الغارة، أو بالأحرى قال بازدراء:

"إن أي خرق للقانون يستوجب إدانة. وهكذا الأمر بالنسبة للغارة التي قررها قادة إسرائيل، أياً كانت مشاعرنا تجاه ذلك البلد ضد العراق ولاتي تسببت بموت أحد مواطنينا".

من جانبه، أيد جاك شيراك، أحد آباء التعاون النووي مع بغداد، موقف فرانسوا ميتران فيما يتعلق بجيسكار، فإنه لم يدل بأي تعليق.

في الحال، اعتبر العراقيون إن إعادة بناء مركز تموز، مسألة شرف. ولقلقه من أن تكون الغلبة لرجال القاصفات الإسرائيلية الذين دمروا مفاعل تموز، أراد صدام حسين أن تزوده فرنسا بمفاعل جديد.

لكن قلقه كان ينصب على القبول الذي سيلقاه الطلب من فريق السلطة الجديد في باريس. أما طارق عزيز، الذي كان من المنتظر أن يصل باريس في شهر آب، فقد كان يريد أن يجعل محادثاته مع القادة الاشتراكيين فرصة مهمة لمتابعة التعاون النووي.

ولأجل ذلك، عبأ المؤيدون لاستمرار فرنسا حليفة لصدام حسين كل جهودهم. فابتداءً من نهاية شهر حزيران، بذلت مساع للحصول على التزام من الحكومة الفرنسية. وقد جعل بول ديبي، مساعد مدير دائرة شمال أفريقيا والشرق الأوسط في الخارجية الفرنسية، من نفسه الناطق الرسمي باسم مجموعة الدبلوماسيين ورجال السياسة الذين يدافعون عن "حق العرب في العالم الحديث". كان دوبي يعبر عن مشاعر غالبية موظفي دائرته، وبشكل خاص، سيرج بوادفيه وأريك ديسماريه  Éric Desmares، وكذلك عدد من أعضاء مكتب الوزير )مثل يرونو ديلائي Bruno Delaye)، وجميع أولئك الذين، في موقع أو آخر، يساندون سياسة فعالة مؤيدة للعراق. وانطلاقاً من المواقع التي يشغلها، فقد كان يُستقبل، بشكل منتظم, في الأليزيه، حيث يستعرض برقة قناعاته الراسخة، وقد جرى تعيينه، بعد خمسة أشهر، سفيراً لفرنسا في بغاد.                                                

يوضح أحد مستشاري ميتران: "كان هناك لوبيان يتجابهان في الأليزيه. فالمؤيدون للعراق كانوا يطالبون باستمرار التعاون النووي. وكان طارق عزيز يتدخل بشكل غير مباشر بواسطتهم، في حين يحذِّر المؤيدون لإسرائيل الرئيس من ذلك؛ ومن بينهم: آتالي Attali، سالزمان Salizmann، فابيوس Fabius وروبير بونتيلون Robert Pantillonمستشار بيار موروا.

المجموعة الأولى وجدت في كلود شيسون حليفاً ممتازا. فمنذ الخامس من تموز 1981، صرح وزير الخارجية لصحيفة النهار اللبنانية، قائلاً: "إذا كان العراق راغباً في إبرام عقد جديد مع باريس للحصول على مفاعل نووي، فإن فرنسا ستكون مستعدة لتجهيزه به وبالشروط نفسها التي تطبق على المشترين الآخرين (...). فالعلاقات مع العراق ستستمر، ونحن على اتصال دائم مع هذا البلد فيما يتعلق بالمشاكل المتعددة".

بقي شيسون مثابراً. ففي 3 أيلول، عبر عن موقف لا يمكن إلا أن يكون موقفاً رسمياً: "حتى هذه اللحظة، لم تستلم الحكومة الفرنسية أي طلب عراقي رسمي من جانب الحكومة العراقية في موضوع إعادة بناء مفاعل تموز. يبقى أن الحكومة الفرنسية، من جانبها، مستعدة لمعاودة تعاونها مع العراق في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية".

ولأنه يساند تماماً إعادة البناء هذه، فقد اقترح شيسون فكرة مركز متعدد الجنسيات يوضع تحت سلطة عدة دول عربية؛ ولن يكرس، بالطبع، سوى للأبحاث المدنية. وقد أحاط ملك العربية السعودية الرئيس الفرنسي ميتران حول موافقته، برسالة وعد فيها بمساهمة مالية مهمة (31). لكن العراق تذمر، وسحب نفسه؛ وأعلن أن المفاعل يجب أن يبقى تحت مسؤوليته وحده. لذلك، كانت المحادثات ثنائية. وتنقلت بعثات من الخبراء عدة مرات بين باريس وبغداد.

في 19 آب من العام ذاته، استقبل الرئيس، في قصر الأليزيه، طارق عزيز. وكان القرار الذي تم اتخاذه يقضي بإجراء دراسات لإعادة بناء مفاعل تموز، مع إحاطة الموضوع بكل عمليات التفتيش والضمانات الضرورية. وقد ذكر أحد مساعدي الرئيس لصحفي من جريدة لوموند Le Monde قائلاً:

"يرى ميتران أن ليس هناك أي سبب لرفض إعطاء العراق معدات وتقنيات ثم تزويد بلدان أخرى بها(32).

وميشيل جوبير لا يتهيب، من جانبه هو، في إطلاق الكلمات. ففي مقابلة، نشرت من قبل الجريدة اليومية لوماتان Le Matin(33)، أجاب وزير التجارة الخارجية، على سؤال يتعلق بالتعاون الفرنسي - العراقي، أنه يعتقد أن ليس هناك "ما يرعبنا" من رؤية استخدام الذرة لأغراض عسكرية. لأنه، لا أحد أبداً يستطيع أن يمنع دولة (واستشهد بإسرائيل) من القيام بأبحاث في هذا الاتجاه.

*        *        *

في الجانب الفرنسي، قاد المحادثات فيليب أسبير Philippe Esper، المندوب في دائرة العمل الخارجي في وزارة الصناعة. وقد استندت دراسة بروتوكول إعادة البناء إلى الأسس التالية: شحن مفاعل بالقوة نفسها، وتزويده بـ(الكاراميل) المخصب بنسبة 7% فقط، مع عمليات التفتيش المنتظمة التي تقوم بها وكالة الطاقة الذرية الدولية في فينا.

لقد كُسبت المعركة. وارتاح مؤيدو استمرار التعاون النووي. وبقيت المحادثات تتقدم، ولكن ببطء، حتى عام 1983. وقد وصل، في 13 آذار، وفد عراقي إلى باريس لتوقيع بروتوكول الاتفاق حول إعادة بناء مفاعل تموز، في اليوم نفسه.

لكن فرانسوا ميتران، الذي ترك الأمور تسير بشكل اعتيادي حتى ذلك الحين، رفض فجأة. السبب الذي قدمه: إن العراق بلد في حالة حرب. ولذلك، فإن مسالة تزويده بمفاعل جديد لا يمكن إن تطرح للنقاش. وبأمر من الرئيس،

طلب مستشار في الأليزيه من وزارة الصناعة "المشرفة" على مفوضية الطاقة الذرية، وقف كل شيء. أما العراقيون الذين اخرجوا أقلامهم لتوقيع وثيقة جاهزة، فقد صعقوا, ولم يخفِ شيسون ضيقه، في حين بدا على فابيوس الارتياح،

أوضح أحد أولئك الذين عايشوا تلك الحادثة: "إن الأمر يعود برمته إلى ميتران". فالرئيس قد ترك الجميع يتحدثون ويتصرفون باسمه ليثبت رحابة صدره أمام مبادرات وتصريحات وزرائه أو مستشاريه.

كانت تلك بداية فترة رئاسة فرانسوا ميتران للجمهورية لفترة أمدها سبع سنوات يتولى خلالها قيادة السياسة الخارجية لفرنسا، كما كان يقود في السابق سياسة الحزب الاشتراكي. فحتى اللحظة التي لم يعد فيها الأمر ممكناً، وحيث يتوجب اتخاذ قرار؛ حاسم بالضرورة، لأنه متأخر. فالرئيس لم يرفض إعادة بناء مركز الأبحاث النووية إلا في آخر لحظة، حين أجبر على الاختيار. إنه وحده الذي يبت في الأمر. ولم يكن لمساعي المؤيدين للعراق، حتى وإن البعض منهم مقرب إليه، أيُ تأثير.

--------------------------------------------------

* يتخذ الحزب الاشتراكي Le Parti Socialiste الفرنسي من رسم الوردة المتفتحة شعاراً له, ولذلك، عندما يصاب هذا الحزب بانتكاسة، تظهر في أجهزة الإعلام صور كاريكاتيرية لوردة حزب الاشتراكيين الفرنسيين التي أصابها الذبول.  - المترجم -

(28) ارتكب الحزب الاشتراكي هنا خطأ بالخلط بين توقيع عقدين، بخصوص ست وثلاثين وأربع عشرين طائرة ميراج ف 1 مع شحنها. فالطائرات الأربع الأولى من هذا النوع، وهي ليست قاصفة ولا تستطيع إطلاق صواريخ اكسوسه، انطلقت نحو العراق في 26 كانون الثاني 1981. أما شحن الطائرات الأخرى، فقد امتد لسنوات عديدة.

(29) في 17 نيسان، في مقابلة صحفية أجرتها معه مجلة النهار الأسبوعية الصادرة باللغة العربية. وفي 6 مايس، في مجلة أسبوعية أخرى هي الوطن العربي.

(30) في عام 1989، ذكر اسم سمير طرابلسي كأحد الشخصيات في فضية بيشيني - تريانغل Pechiney-Triangle.

(31) في 15 تموز، كان وزير الإعلام السعودي قد أعلن أن الملك خالد أطلق اعتمادات لتمويل إعادة بناء المفاعل العراقي.

(32) جريدة لوموند الصادرة في 21 آب 1981.

(33) الجريدة اليومية لوماتان Le Matin الصادرة في 26 آب 1981.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة