الاخيرة

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

مقاهٍ ترى العالم من خلالها

ماجد موجد

مثل غيره من المحظورات التي عمل النظام السابق على فرضها في نهج سياسته القمعية، حرم العراقيون من خدمة الانترنت، وقد كانت هذه الخدمة (السحرية) في متناول اغلب شعوب العالم الفقيرة منها والغنية قبل اكثر من عشر سنوات من قرار النظام السابق ادخالها الى العراق والتي اقتصرت على بعض المؤسسات مع فرض رقابة صارمة على منظومتها المركزية لاغلاق المواقع (الحساسة)، والمقصود منها تلك التي تظهر حقيقة وحشية ذلك النظام وتداعي هيكله الذي آل الى السقوط، وما ان ذهب نظام القمع بلا رجعة حتى انتشرت شبكة الانترنت في معظم نواحي البلاد في المؤسسات وفي المنازل وفي المقاهي الخاصة وبلا منة او رقيب.

وللاطلاع على اهمية هذه الخدمة الجبارة في حياة العراقيين وسبل انتشارها والحصول عليها كخدمة منزلية التقينا عدداً من اصحاب مقاهي الانترنت، وكان اول لقاء مع السيد سامي سلمان جبار صاحب مقهى (سبايدر) ويعني اسم المقهى بالانكليزية (العنكبوت) دلالة على شبكة الانترنت سألناه عن عدد رواد المقهى والمواقع المرغوبة من قبلهم فقال: الحقيقة هذا المقهى يعد الافضل في شارع فلسطين، وهذا ليس ادعاء وانما كما تشاهد المحل مزدحم والحمد لله والسبب انني لا احمل المنظومة اكثر من طاقتها في الحاسبات مما يجعلها اكثر سرعة وافادة من الوقت لزيارة اكثر عدد من المواقع، اما عن الرواد فهم من العوائل الذين يجرون اتصالات مع اقاربهم المنتشرين في اصقاع العالم بالصورة والصوت في موقع (الشات) وذلك لا يكلفهم سوى 1500 دينار للساعة الواحدة، وهو ما يوفر لهم الكثير عن المكالمات الهاتفية، كذلك لدينا رواد من طلبة الجامعات الذين يفضلون المقاهي الاهلية على تلك الموجودة في جامعاتهم وانا طالب دراسات عليا في جامعة بغداد واعرف معاناة الطلبة مع تلك الشبكة فهي بطيئة للغاية وليست فيها خدمات اضافية مثل طباعة المواد والبحوث من الشبكة وكذلك يمنعون جلب الدسك (الفلوبي) ونقل ما يحتاجه الطلبة من مواد علمية تخدم دراستهم.  طبعاً هناك رواد من الشباب الذين يفضلون اجراء صداقات ومحاورات مع شباب العالم عن طريق (الشات) وغيرهم يدخل على مواقع غير لائقة لكننا لا نستطيع التدخل في خصوصياتهم، ثم ان الحاسبات موضوعة بشكل منعزل ولا يمكننا مراقبتها كلها الا انني هنا وضعت برنامجاً خاصاً في جميع الحاسبات بإمكانه ان يلغي المواقع المستخدمة من قبل اولئك الشباب ولا تظهر مباشرة الا بقصد منا والبحث عنها.

لقاؤنا الآخر كان في مقهى (توت تور) الذي عادة ما يقصده الفنانون والمثقفون وسألناه عن طبيعة عمله في الوقت الحالي فقال: عملنا ممتاز والعراقيون اناس يحبون المعرفة والاطلاع على العالم وكذلك ان هناك الكثير من الرواد اغلبيتهم من المثقفين واساتذة الجامعات والاطباء ويأتون الى هنا لزيادة معارفهم واخذ ما يحتاجونه من بحوث ودراسات والاطلاع على كل ما هو جديد في المجلات والصحف العربية وكذلك الاتصال بالاصدقاء والاقارب، الا ان هناك مشاكل تواجهنا منها الوضع الامني الذي يحتم علينا الاقفال في وقت مبكر من النهار وكذلك مشكلة الكهرباء التي هي الاخرى تعيق عملنا، وسوى ذلك فالرواد يوماً بعد آخر يتكاثرون وبعضهم لا يحصل على وقت لان اغلبية من يجلس خلف الحاسبة يبقى لعدة ساعات لا سيما ممن لهم اشتراك شهري في المقهى، فهذا يوفر لهم عدد ساعات طويلة مقابل ثمن زهيد. سألنا احد رواد المقهى وهو الدكتور مصطفى حامد طالب دراسات عليا في كلية طب الاسنان، ان كان الانترنت قد افاده في دراسته فقال: بالطبع..الانترنت خدمة لا غنى للانسان عنها لا سيما طالب العلم فهذا العالم الموضوع في صندوق يحوي جميع معارف الحياة القديم منها والحديث وليس بحاجة الى البحث المجهد ولا الى مبالغ طائلة للحصول على كل ما مطلوب لدراسته وبأحدث المصادر.

بقي ان نقول: ان شبكة المعلومات (الانترنت) شبكة تفتح امامك نافذة على معارف وثقافات وعلوم وفنون العالم.


وقفة: عاجل، جاءت الكهرباء

احمد عبد القادر

عشرون يوماً لم تشرفني الكهرباء بطلعتها البهية، فصار الشوق لها عارما، والانتظار سرمداً، لا سيما والمولدة اصابها الخلل، فحل الظلام في بيتي، بعد ان اصبح النفط الأبيض شحيحاً، والحصول عليه دونه خرط القتاد، فصدقت المثل القائل: ان المصائب لا تأتي فُرادى.

في اليوم الحادي والعشرين، في تمام الساعة الخامسة مساءً، حدث أمرٌ عجيب في مدينة الرمادي، المدينة التي تعيش أزماتها المتراكمة وخرابها المتمثل بفقدان الأمن، وتعطيل الدوائر والمدارس، وغياب الشرطة والحرس الوطني، وتفجير البنايات الحكومية وغير ذلك من المآسي والفواجع في هذه المدينة في هذه المدينة حدث امرٌ عجيب، الاطلاقات النارية الكثيفة بدأت تسمع في كل مكان، في حارتنا، اسمع هلاهل النساء ـ تكبير الرجال ، زعيق الأطفال، نباح الكلاب سألت زوجتي: ماذا حدث يا ترى، اجابتني لست أدري،.. إن امرأ عظيماً جرى.. قلت ربما اقتحم المسلحون الموقع الأمريكي واخذوا جنوده اسرى وسيطروا على المدينة، فقد سمعت بأنهم يتهيأون لهذا أو ربما منحت الحكومة زيادة على البطاقة التموينية أو وزعت سيارات على العوائل بأسعار رمزية!! بقينا نضرب اخماساً باسداس. في هذه اللحظة دخل علينا طفلنا الصغير وهو يصرخ: عاجل، عاجل، جاءت الكهرباء! لم نصدق كلامه أول الأمر، وبين الشك واليقين، أضئت مصباح الغرفة فاتقد! زغردت زوجتي، رقصت أنا مبتهجاً، وصرختُ.. اخيراً بعد واحد وعشرين يوماً فقّست البيضة وخرج الكتكوت. بدأت بالدعاء لوزير الكهرباء ومدير الكهرباء، فتحت التلفزيون لأسمع اخبار الدنيا، وأراها شاخصة أمامي، لقد برحني العشق للفضائيات، فهي ضالتي ومقصدي لمعرفة ما يجري في بلادي، وهي ضالة زوجتي المولعة بالمسلسلات، وطفلي المولع بأفلام الكارتون. استمرّت الفرحة خمس دقائق فإذا بقصور الأحلام تتهاوى، لقد انقطعت الكهرباء. انتصبت واقفاً وأنا أردد بصوت عالٍ: عاجل.. عاجل، عاجل.. انقطعت الكهرباء. بدأت بالسبّ والشتم، لم أوفر احداً، إذ الكل شركاء في الجُرم، الكل مسؤولون عن وأد سعادتي التي ذقتُ طعمها خمس دقائق فقط.

تذكرت النظام القديم الذي أناخ بكلكله على النفوس وجعل من الكهرباء حديث الناس، ومصدر شكواهم، فقلت سبحان الله، ما اشبه الليلة بالبارحة، وقد تكون ادهى وأمر، مع فرق بسيط هو أننا في الماضي لم نكن نجهر بالشكوى أمام السلطة، فعلى كل واحدٍ ان يعض صخرته ويصمت.

أمّا اليوم، فهنالك حرية الشكوى والعويل، في حضرة المسؤولين، الذين لا يبالون بما يجري، وان أجابوا فسبب المأساة في ردودهم اثنان، النظام السابق والمخربون، وإذا قلت لهم: أيصل بكم الجبن إلى الاستسلام أيها السادة؟ ألا تكافحون الفساد؟ ألا تقارعون من يحملون معاول الهدم؟ إنهم والله قلةٌ وأنتم أكثرية، أن السبب الذي يجعلكم تتهاونون في أداء الواجب هو قلة المحاسبة على التقصير، لكن من يحاسبكمْ!؟

 كل هذه الخواطر جالت في ذهني وأنا اقرع باب جارنا الذي سمعت بأنه حصل على (غالون) من النفط الأبيض لاستدانة (لتر) من هذه المادة المفقودة في بلد النفط لأضيء به وحشة الليل بانتظار سيدة الأحلام الكهرباء الوطنية أو الوصيفة المبجلة المولدة التي هي الأخرى غائبة.

احقاً نحن نعيش في القرن الواحد والعشرين!؟ سألت نفسي وأنا انظر إلى مصباحي النفطي مردداً مع نفسي قولاً للشاعر سعدي يوسف/ أيا وطني آه كن مرةً حكماً لا تكن حاكماً نحن لم نحتكم مرة. لم نقل للمسيء اسأت/ لو قلنا للمسيء اسأت ووضعنا الاغلال في عنقه تأديباً لما تجرأ الكثيرون على رفع الذيول استهتاراً بهذا الشعب المسكين.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة