|
احمد عبد القادر
عشرون يوماً لم تشرفني الكهرباء بطلعتها البهية، فصار الشوق لها عارما،
والانتظار سرمداً، لا سيما والمولدة اصابها الخلل، فحل
الظلام في بيتي، بعد ان اصبح النفط الأبيض شحيحاً، والحصول
عليه دونه خرط القتاد، فصدقت المثل القائل: ان المصائب لا
تأتي فُرادى.
في اليوم الحادي والعشرين، في تمام الساعة الخامسة مساءً، حدث أمرٌ عجيب في
مدينة الرمادي، المدينة التي تعيش أزماتها المتراكمة
وخرابها المتمثل بفقدان الأمن، وتعطيل الدوائر والمدارس،
وغياب الشرطة والحرس الوطني، وتفجير البنايات الحكومية
وغير ذلك من المآسي والفواجع في هذه المدينة في هذه
المدينة حدث امرٌ عجيب، الاطلاقات النارية الكثيفة بدأت
تسمع في كل مكان، في حارتنا، اسمع هلاهل النساء ـ تكبير
الرجال ، زعيق الأطفال، نباح الكلاب سألت زوجتي: ماذا حدث
يا ترى، اجابتني لست أدري،.. إن امرأ عظيماً جرى.. قلت
ربما اقتحم المسلحون الموقع الأمريكي واخذوا جنوده اسرى
وسيطروا على المدينة، فقد سمعت بأنهم يتهيأون لهذا أو ربما
منحت الحكومة زيادة على البطاقة التموينية أو وزعت سيارات
على العوائل بأسعار رمزية!! بقينا نضرب اخماساً باسداس. في
هذه اللحظة دخل علينا طفلنا الصغير وهو يصرخ: عاجل، عاجل،
جاءت الكهرباء! لم نصدق كلامه أول الأمر، وبين الشك
واليقين، أضئت مصباح الغرفة فاتقد! زغردت زوجتي، رقصت أنا
مبتهجاً، وصرختُ.. اخيراً بعد واحد وعشرين يوماً فقّست
البيضة وخرج الكتكوت. بدأت بالدعاء لوزير الكهرباء ومدير
الكهرباء، فتحت التلفزيون لأسمع اخبار الدنيا، وأراها
شاخصة أمامي، لقد برحني العشق للفضائيات، فهي ضالتي ومقصدي
لمعرفة ما يجري في بلادي، وهي ضالة زوجتي المولعة
بالمسلسلات، وطفلي المولع بأفلام الكارتون. استمرّت الفرحة
خمس دقائق فإذا بقصور الأحلام تتهاوى، لقد انقطعت
الكهرباء. انتصبت واقفاً وأنا أردد بصوت عالٍ: عاجل..
عاجل، عاجل.. انقطعت الكهرباء. بدأت بالسبّ والشتم، لم
أوفر احداً، إذ الكل شركاء في الجُرم، الكل مسؤولون عن وأد
سعادتي التي ذقتُ طعمها خمس دقائق فقط.
تذكرت النظام القديم الذي أناخ بكلكله على النفوس وجعل من الكهرباء حديث
الناس، ومصدر شكواهم، فقلت سبحان الله، ما اشبه الليلة
بالبارحة، وقد تكون ادهى وأمر، مع فرق بسيط هو أننا في
الماضي لم نكن نجهر بالشكوى أمام السلطة، فعلى كل واحدٍ ان
يعض صخرته ويصمت.
أمّا اليوم، فهنالك حرية الشكوى والعويل، في حضرة المسؤولين، الذين لا
يبالون بما يجري، وان أجابوا فسبب المأساة في ردودهم
اثنان، النظام السابق والمخربون، وإذا قلت لهم: أيصل بكم
الجبن إلى الاستسلام أيها السادة؟ ألا تكافحون الفساد؟ ألا
تقارعون من يحملون معاول الهدم؟ إنهم والله قلةٌ وأنتم
أكثرية، أن السبب الذي يجعلكم تتهاونون في أداء الواجب هو
قلة المحاسبة على التقصير، لكن من يحاسبكمْ!؟
كل هذه الخواطر جالت في ذهني وأنا اقرع باب جارنا الذي سمعت بأنه حصل على
(غالون) من النفط الأبيض لاستدانة (لتر) من هذه المادة
المفقودة في بلد النفط لأضيء به وحشة الليل بانتظار سيدة
الأحلام الكهرباء الوطنية أو الوصيفة المبجلة المولدة التي
هي الأخرى غائبة.
احقاً نحن نعيش في القرن الواحد والعشرين!؟ سألت نفسي وأنا انظر إلى مصباحي
النفطي مردداً مع نفسي قولاً للشاعر سعدي يوسف/ أيا وطني
آه كن مرةً حكماً لا تكن حاكماً نحن لم نحتكم مرة. لم نقل
للمسيء اسأت/ لو قلنا للمسيء اسأت ووضعنا الاغلال في عنقه
تأديباً لما تجرأ الكثيرون على رفع الذيول استهتاراً بهذا
الشعب المسكين. |